وحدة المعرفة، المعلومة، والمفكِّر، جمال حمدان أنموذجًا

 

جمال حمدان

جمال حمدان (1928-1993) قد يكون أحد المثقفين والكُتاب العرب المعاصرين، الأكثر شأنًا، والأقل حظًا وشهرة اليوم. اشتهر بكتابه المكوّن من أربعة مجلدات، والذي حمل اسم (شخصية مصر)، وله العديد من الكتب والكتيبات الصغيرة، المنشورة قديمًا، والتي توقفت أغلب دور النشر حاليًا عن تداولها، للأسف الشديد. في كتاب (شخصيات لها تاريخ)، أفرد الدكتور (جلال أمين) مقالة باسم “جمال حمدان وضمير المثقفين المصريين”، تحدث فيها عن حياته، وعن عمله الأشهر (شخصية مصر)، يقول د. (جلال أمين):

قرأت في الكتاب لأول مرة عندما ظهر الجزء الرابع والأخير منذ عشر سنوات، فوجدته ينتمي إلى ذلك الصنف النادر جدًا من الكتب، المؤهل بحق للبقاء عشرات من السنين دون أن يبلى أو يفقد أهميته. وربما كان أهم ما يميزه هو تلك الفكرة الكامنة في عقل المؤلف والحاكمة لمنهجه واتجاهات تفكيره، وهي ما يمكن أن نسميه بـ”وحدة المعرفة“. فالقارئ يشعر منذ الصفحات الأولى بأن مختلف فروع المعرفة تتداخل طرقاتها وتؤدي بعضها إلى بعض، بل وتتفاعل بعضها مع بعض بحيث لا يمكن لمن يقتصر على فرع واحد من فروع المعرفة أن يفهم أي ظاهرة من الظواهر الاجتماعية فهمًا حقيقيًا.

ثم يورد بعض الكلمات يتحدث فيها عن حياة (جمال حمدان) الشخصية:

كان من البديهي أن عملًا من نوع هذا العمل الذي عقد (جمال حمدان) العزم على القيام به، يتطلب حياة أقرب إلى حياة الرهبان، وزهدًا في المال والمنصب، ودرجة كبيرة من العزلة والابتعاد عن خضم الحياة الاجتماعية والسياسية. وهكذا كانت حياة (جمال حمدان) بالفعل حتى انتهت فجأة، بسبب حادث أليم. كان من الطبيعي أيضًا أن يشعر المثقفون المصريون بصدمة عنيفة إذ علموا بموته المفاجئ، ومن ثم لم تتوقف المقالات الحزينة التي تبكيه وترثيه وتتحدث عن مناقبه وعمى أسدى إلى الثقافة المصرية من أياد، وكأن كل مثقف مصري يتمنى في دخيلة نفسه لو كان قد فعل مثلما فعل (جمال حمدان).

ثم يقول عنه:

لقد كان (جمال حمدان) يمثل دائمًا ما يشبه “الضمير” للمثقفين المصريين، يتذكرونه من حين لآخر، خصوصًا عندما تقسوا الحياة لدرجة يتمنى المرء معها لو كان قد خاضها من وقت بعيد، كما خاضها (جمال حمدان).

ثم يتطرق أكثر لحياة (جمال حمدان) التي اتسمت بالتقشف، والاستغناء عن متارف الحياة:

كنت أعرف مما سمعته عنه أنه يعيش عيشة متقشفة للغاية، ولكني دهشت أشد الدهشة عندما رأيت صورة حجرة نومه ومطبخه. فلم أكن أتصور أن هناك من لا يزال يعيش في القاهرة بمثل هذا التقشف، فما بالك بأستاذ جامعي وكاتب شهير؟ […] مرة أخرى يذكرنا (جمال حمدان) بما تتكون منه حاجات الإنسان الحقيقية، وبقول أحد فلاسفة اليونان القدماء إذ سار في الأسواق متعجبًا: “كم تمتلئ هذه الأسواق بأشياء لست في أدنى حاجة إليها!“.

جلال أمين

قد يكون هذا الحال، مع الأمور التي لا تهم الكاتب أو المثقف، لكن إذا ما سألنا عن حال مكتبته الخاصة نجده يجيبنا:

ولكن شيئًا أخر استرعى انتباهي ودهشتي. لقد قال بعض من زار شقته بعد وفاته إنهم فوجئوا بحجم مكتبته. كانوا يظنون من روعة ما كتب (جمال حمدان)، أن مكتبته تضم الآلاف المؤلفة من الكتب، فإذا بها من حيث العدد مكتبة متواضعة للغاية، مثلها منل حجرة نومه ومطبخه. بعض الكتب الأساسية تشغل عددًا صغيرًا من الرفوف أو مكومة على الأرض، وهذا كل ما في الأمر. قال معارفه إنه كان يتخلص من حين لآخر من الكتب التي لا يحتاج إليها، كما أنه كان كثيرًا ما يستعير الكتب أو يطلب نسخًا من مقالات منشورة في الخارج، ثم لا يستبقي منها إلا ما يعرف أنه سوف يحتاج إليه من جديد. أيًا كان الأمر، فإن قليلًا من التروي يبين لنا أنه ليس ثمة غرابة في قلة ما لديه من كتب. فمع كل ثراء (جمال حمدان) بالمعلومات، لم يكن هذا هو المميز الحقيقي لها، وما جعل منه هذه الظاهرة الفريدة التي استولت على إعجابنا. كان الرجل يفكر ويبحث عما خفي من الروابط بين الأشياء، وليس مجرد جامع للمعلومات أو شارحًا لها، ولهذا جاء كتابه فريدًا بين الكتب، إذ لم يكن من تلك المؤلفات التي تزخر بها الأسواق والمكتبات والتي لا تفعل أكثر من “تجميع ما افترق وتفريق ما اجتمع” على حد تعبير أحد الأدباء.

فباختصار، يمكن القول عن حياة طبيعة جمال حمدان:

أضف إلى هذا بالطبع أن الرجل، كما هو واضح، لم يكن مغرمًا بالاقتناء، ولم تسيطر عليه رغبة عارمة في الاستحواذ والتملك. كان الكتاب في نظره يُكتب ليُقرأ، لا ليُقتنى ويوضع على الرف. فإذا قرأ الكتاب واستوعب، انتهت مهمته وجاز الاستغناء عنه.

 

ننتثل إلى كتاب (رحلتي الفكرية) والذي يعد سيرة ذاتية للدكتور (عبدالوهاب المسيري). يحكي فيه الدكتور (عبدالوهاب المسيري) عن نفسه عندما كان يعد رسالته “أثر الشعر الرومانتيكي الإنجليزي والشعر الرمزي الفرنسي على شعر إبراهيم ناجي“، بأنه تأثر بـ(جمال حمدان)، فيقول:

وفي دراستي عن (جمال حمدان) درست قضية “الأثر” مرة أخرى، قزأت كتابه (اليهود أنثروبولوجيًا). لكنني حين قرأته كنت أبحث ساعتها عن المعلومات شأني شأن أي باحث، ولكن يبدو أيضًا أنني استوعبت منظومة فكرية كاملة ثم استنبطتها تمامًا دون أن أدري. ولذا حينما تأملت في علاقتي بـ(جمال حمدان) هالني حجم تأثري به في طريقة تفكيره. لقد جاء في كتابه الكثير من المعلومات والوقائع، فأخذت منها ما أخذت، واستبعدت ما استبعدت، ثم تبدلت المعلومات وتحورت، كما تتبدل المعلومات وتتحور، ولكن بقي ما هو أهم، بقي فكره ورؤيته ومنهجه.

فيقول بعد ذلك عن أثر (جمال حمدان) في كتابات (المسيري):

أثر (جمال حمدان) لا يمكن أن تجده في سطر أو سطرين أو صفحة أو صفحتين مع كتاباته، وإنما هو بين السطور، وهذا هو أعمق أثرًا. ولكن مع سيطرة النموذج التراكمي المعلوماتي، أهملت أهمية هذا النوع من التأثر. إن مجال البحث العلمي بالنسبة للكثيرين هو الحقائق وليس الحقيقة. هو المعلومات وليس الأنماط الكامنة وراءها، ولذا فحينما يُدرس أثر كاتب على آخر فإن الدارسين عادةً ما يبحثون عن عدة جمل وعبارات واقتباسات مباشرة نقلها الكاتب المتأثر من الكاتب المؤثر.

يطرح (المسيري) سؤالًا آخرًآ: لماذا لم يشتهر (جمال حمدان) ولم تُنشر كتبه بكثرة، ككتابه العظيم (استراتيجية الاستعمار والتحرير

كما أنني يمكنني أن أثير قضية أخرى، وهي: لِم لم يؤثر (جمال حمدان) في هؤلاء الذين يكتبون دراسات في نفس الموضوع بطريقة تتناسب مع حجمه الفكري؟ يمكنني القول إن النموذج المعلوماتي التراكمي سيطر تمامًا وخوّل كل شيء (الآراء والرؤى والأحلام والآلام) إلى معلومات. ولذا تحوّلت كتابات هذا المفكر الفذ إلى مادة أرشيفية، يتناولها بنهم الكتَّاب المعلوماتيون. وأعتقد أن معظم ما يُكتب هذه الأيام يُكتب صدورًا عن هذا النموذج، ولكن الأسوأ من هذا أن ما يُقرأ الآن يُقرأ بنفس الطريقة، وهكذا تضيع الحقيقة ولا يبقى سوى الحقائق.

d8a7d984d985d8b3d98ad8b1d98a

فأغلب الكتب اليوم تضخ المعلومات بدلًا من المعرفة، وتراكم الأفكار بدلًا من إيجاد نسق فكري كامل.

ولذا فكل كتب (جمال حمدان) هي كتب إشكالية، محاولة للإجابة عن سؤال ما، وتصب كل الأسئلة في مشروع فكري واحد، محوره مصر. فـ(جمال حمدان) صاحب فكر وليس ناقلًا للأفكار (مثل عدد لا يُستهان به ممن يسمون بالمفكرين في بلادنا، ممن حعلوا همهم نقل آخر فكرة وآخر صيحة، عادةً من الغرب). صاحب الفكر هو إنسان قد طوَّر منظومة فكرية تتسم أجزاؤها بقدر من الترابط والاتساق الداخلي، فهي تعبر عن قلقه وآماله، ويكمن وراؤها نموذج معرفي واحد، رؤية واحدة للكون. أما ناقل الأفكار، فهو إنسان ينقل أفكارًا متناثرة لا يربطها بالضرورة رابط، وتنتمي كل فكرة إلى منظومة فكرية مستقلة.

ثم يعقب قائلًآ:

(جمال حمدان) لا ينتمي إلى هذه المدرسة المعلوماتية التراكمية التي استشرت تمامًا في صفوف الباحثين بسبب سهولة الإنتاج العلمي من خلالها (استبيانات – جداول – تحليل سطحي للمضمون – استطلاع رأي – أرقام). ولا شك في أن غياب المشروع الحضاري المستقل يزيد من انتشار هذا النموذج، إذ يحل التفكير السهل المباشر من خلال الكم المصمت محل التفكير المركب من خلال الرؤية والهوية والحلم والأمل، ويصبح التلقي المهزوم والإذعان (الموضوعي) للأمر الواقع بديلًا لمحاولة رصد الواقع بأمل تغييره وإعادة صياغته.

فالمدرسة المعلوماتية التراكمية، هي مدرسة تلقينية، تقف من العالم موقف المتفرج.

إن المدرسة المعلوماتية التراكمية معادية للفكر والإبداع. إنها تدور في إطار الموضوعية المتلقية، السلبية. العقل عندها آلة ترصد وتسجل، وليس طاقة إنسانية مبدعة تعيد صياغة العالم. وهي لا تكترث بالحق أو الحقيقة ؛ فهي قد غرقت تمامًا في الحقائق والوقائع والأفكار المتناثرة، ترصدها من الخارج دون تعمق ودون اجتهاد وكأنها أشياء مرصوصة، كم لا هوية له، ولذا تفقد الظواهر شخصيتها ومنحناها الخاصين.