أرشيف الكاتب

لقاء مع الروائي ميلان كونديرا

ميلان كونديرا

 

ميلان كونديرا، من أشهر الروائيين التشيكيين اليساريين. من مواليد عام 1929 في تشيكوسلوفاكيا. وهذا لقاء مترجم بشكل حصري لدى ساقية (المصدر)، يشرفنا أن ننقله لكم، وقد قام بهذا اللقاء الصحفي (كريستيان سلمون). يقول الصحفي في تقديمه للقاء:

هذا اللقاء كان نتاجًا لبضعة لقاءات مع (ميلان كونديرا) بخريف 1983 في باريس. وقد أقيمت هذه اللقاءات في شقة علوية بالقرب من برج مونبارناس، اتخذها (كونديرا) كمكتب له. بأرففها المليئة بكتب الفلسفة والموسيقى، الطابعة قديمة الطراز على الطاولة هناك، مما يعطيها طابعًا أقرب لغرف دراسة الطلاب، أكثر منها غرفة دراسية لكاتب مشهور عالميًا. على أحد الجدران، صورتان معلقتان جنبًا إلى جنب؛ الأولى لوالده عازف البيانو، والأخرى لـ(ليوش ياناتشيك) الملحن التشيكي، الذي ينال تقديرًا كبيرًا من (كونديرا).

أجريت هذه المقابلة بعد فترة قريبة من نشر رواية (كائن لا تحتمل خفته) لـ(ميلان كونديرا)، وبعد أن أضحت الأكثر مبيعًا فور نشرها. لم يستقبل (كونديرا) هذه الشهرة المفاجئة بصدر رحب، ولم يكن مرتاحًا لها أبدًا، ولعله يتفق مع (مالكوم لوري) في مقولته: “النجاح هو كارثة عظيمة، أشد سوءًا من اشتعال النيران في بيت أحدهم، الشهرة تستحوذ على البيت وعلى روح البيت”. سألته مرة عن بعض تعليقات الصحافة على رواياته، فأجاب بأنه “يأخذ جرعات زائدة من نفسي”.

رغبة (كونديرا) في عدم التحدث عن نفسه تبدو كردة فعل غريزية ضد ميل النقاد لدراسة الكاتب، وشخصية الكاتب، وسياساته وحياته الخاصة، عوضًا عن التركيز على عمل الكاتب. “الاشمئزاز من وجوب التحدث عن ذواتنا هو ما يفرّق بين موهبة الكاتب الروائي وموهبة كاتب القصائد الغنائية”، هكذا قال (كونديرا) لأحد الصحف المحلية، فرفض التحدث عن ذواتنا إذًا، هي الطريقة المثلى لأن تضع أعمالك الأدبية كموضع الاهتمام المباشر، ومكمن التركيز. وهذا هو الهدف من هذا اللقاء، فن التكثيف، البُنْية والتراكيب.

 

kundera_milan

 

صرّحت سابقًا بأن أقرب الروائيين إليك هما (روبيرت موزيل) و(هيرمان بروخ) من فيينا، أكثر من أي روائي آخر في الأدب المعاصر. (بروخ) يعتقد، كما تعتقد أنت أيضًا، أن عصر الروايات السيكلوجية – المهتمة بتحليل النفس البشرية – قد شارف على الانتهاء. عوضًا عن ذلك، آمن بما أطلق عليه روايات الـ”بوليـهيستوريكال”، أو الأزمنة المتعددة.

(موزيل) و(بروخ) أثقلوا الروايات بمسؤوليات هائلة. يرونها كتأليف فكري متعمق، يرونها كآخر الأمكنة التي يمكن التساؤل فيها عن الكون ككُل. كانوا مقتنعين بأن قوة التأليف عظيمة في الرواية، مما يُمكّنها من أن تكون أشبه بالشعر، الخيال، الفلسفة، الحكمة، ومقالة، وكل ذلك معًا. وقد تعمّق (بروخ) في هذا الموضوع في أحد رسائله. ولكن يبدو لي بأنه لم يحسن اختياره لمصطلح “بوليهيستوريكال”، أو الأزمنة المتعددة. في الحقيقة أن هذا المصطلح تم تأليفه من قِبل (ادالبيرت ستيفتر) الروائي النمساوي الكلاسيكي، وقد اخترع هذا المصطلح في روايته (الصيف الهندي)، والتي نُشرت في عام 1857. الرواية مشهورة، حتى أن (نيتشه) قد اعتبرها من أفضل أربعة أعمال في الأدب الألماني. ولكنها حاليًا غير قابلة للقراءة، فهي محشيّة بمعلومات عن الجيولوجيا، علم النباتات، علم الحيوان، الحِرَف، الرسم، الطلاء، الفنون البنائية. لكن هذه الموسوعة الهائلة، قادرة على إسعادك، لكنها لن تتركك تدخل عالمها. بالضبط لأنها متعددة الأزمنة، (الصيف الهندي) تفتقد تمامًا لما يجعلها رواية مميزة. لكن هذه ليست الحالة مع (بروخ). بالعكس! إنه يندفع حتى يكتشف، فالموضوع الوحيد الذي يحب (بروخ) أن يطلق عليه “معرفة روائية” هو “الوجود”. في نظري أن مصطلح “الأزمنة المتعددة” ينبغي أن يُعرّف  بأنه “ما يأتي بالنصائح وأشكال المعرفة بغرض أن يشع نورًا على الوجود”. نعم، إني أحس بالقرب من هكذا منهج.

 نشرت سابقًا مقالة مطولة في أحد المجلات الفرنسية، وكانت السبب في أن الفرنسيين أعادوا اكتشاف (بروخ) مرة أخرى. تحدثت عنه بتقدير كبير، ومع ذلك قمت بانتقاده أيضًا. فكتبت في نهاية المقالة: “كل الأعمال العظيمة، تكمن عظمتها في أننا علِمنا مسبقًا بأنها عظيمة، ومع ذلك فهي نوعًا ما غير مكتملة”.

(بروخ) هو إلهام لنا جميعًا، ليس بسبب إنجازاته فحسب، وإنما لكل أهدافه التي لم يحققها أيضًا. يمكن للا كمال في أعماله أو يمكن للنقص في أعماله أن تساعدنا على فهم الحاجة لأشكال فنية مختلفة، مما يشمل: [1] التجريد الجذري من كل ما هو غير ضروري، لأجل الحصول على تعقيد الوجود دون فقدان النقاء البنائي في الرواية، [2] التناغم الروائي، من خلال توحيد الفلسفة والسرد والحلم في معزوفة واحدة، [3] المقالة بأسلوب روائي، فبدلًا عن الإدعاء بنشر وتضمين رسائل معينة، تبقى في النهاية افتراضية، ساخرة وغير حقيقية، لا تلامس حياتنا البشرية.

يبدو بأن هذه النقاط الثلاث تختصر كل برنامجك الفني.

 من أجل أن تكون رواياتنا “متعددة الأزمنة”، وبمسحة وجودية، يجب أن نتقن مهارة الانتقال المفاجئ، فن التكاثف، وإلا، سقطت في فخ طويل بلا نهاية. رواية (موزيل) مثلًا، (رجل بلا صفات)، واحدة من أكثر ثلاث روايات أحبها. لكن لا تطلب مني أن أقدِّر تمددها الكبير والغير متناهي! أتخيلها قلعة كبيرة جدًا، للدرجة التي تعجز العين أن تحصرها بنظرة واحدة. أتخيلها سلسلة رباعية طالت لتسع ساعات. هناك حدود أنثروبولوجية، وأبعاد إنسانية، لا يجب أن تُخترق، حدود الذاكرة مثلًا. عندما تنتهي من القراءة، يجب أن تكون قادرًا على تذكر البداية. إن لم تتمكن من ذلك فقدت من روايتك شكلها، ويصبح وضوحها البنائي مشوبًا أيضًا.

 

Milan-Kundera-006

 

 (كتاب الضحك والنسيان) مكوّن من سبعة أجزاء. لكن الملاحظ عليها بأن كل جزء منها يمكن أن يكون رواية مختلفة إن تخليت أنت عن الانتقال المفاجئ الذي تحدثت عنه.

لكني إذا ما كتبت سبعة روايات مختلفة، فقدت تبعًا لذلك الشيء الأكثر أهمية، لم أكن لأحكِم صورة “التعقيد في وجودية الإنسان في العصر الحديث” في كتاب واحد. فن الانتقال المفاجئ أساسي جدًا، حتى يقدر المرء على الوصول لخلاصة الموضوع مباشرة. بهذا الاتصال، أنا أفكر دائمًا بـ(لويس جانايك) الموسيقي التشيكي العظيم، والذي أقدّره عاطفيًا منذ الصغر. هو أحد أعظم الموسيقيين الحداثيين. كانت له مثابرة وإصرار لتجريد الموسيقى من أساسياتها الثورية. بالطبع، كل تركيبة موسيقية تتطلب الكثير من المهارة: الكشف عن الشكل العام، تطوراته، اختلافاته، تعدد الأصوات فيه، التزامن وملؤ الفراغات بالآلات الموسيقية، الانتقالات، إلخ.

أما اليوم، فيستطيع المرء أن يكتب الموسيقى عن طريق كمبيوتره، لكن الكمبيوتر فعلًا في فِكر الكاتب الموسيقي. يستطيع أن يجد بعض الإيقاعات والتوصيفات الجاهزة، ليقوم هو بعد ذلك بمجرد الاختيار والترتيب.

لهذا عمِد (جانايك) على تدمير كمبيوتره! تجاوز قاسي بدلًا من الانتقال والتكرار، وتغيير قوي لقَلب الأمور، ولن تبقى غير الذاكرة، التي تحمل شيئًا مهمًا يستحق الوجود. وتقريبًا فالأمر ذاته بالنسبة للروايات؛ إنها مثقلة بالتقنين، بقوانين تقوم بعمل الكاتب بدلًا عنه: تقديم الشخصيات، وصف المكان والبيئة، خلق الأحداث في المكانة التاريخية، ملئ حياة الشخصيات بأحداث أو حلقات مفرغة. كل تغيير في المشهد يتطلب إيضاحًا وتقديمًا جددًا، أوصافًا، وتفسيرات. يمكنني القول بأن أهدافي قريبة من أهداف (جانايك): أن أخلص الرواية من التكنيكات الروائية المعتادة، من الدوران المحوري للكلمات والأوصاف.

 الهيئة الثانية للفن التي ذكرتها كانت (التناغم الروائي).

فكرة أن الرواية هي عمل تركيبي عظيم، تقوم تلقائيًا -تقريبًا- بمحو مشكلة (تعدد الأزمنة). هذه المشكلة ما زالت بحاجة للتمحيص. وليكن الجزء الثالث من رواية (المشاة أثناء النوم) لـ(بروخ). فهي مكونة من خمسة عناصر مختلفة: [1] الروائية، السرد والقصة المؤسسة على ثلاثة شخصيات رئيسية، [2] الوصف الواقعي للحياة في مستشفى الجيش، [3] سرد قصة فتاة في جيش الخلاص، [4] القصة الواقعية لـ(هانا ويندلينق)، [5] المقال الفلسفي عن مهانة المبادئ. كل جزء فيها مذهل بحد ذاته. وبالرغم من ذلك، وبغض النظر عن التعامل بالتساوي معها كلها، وبتغيير ثابت، تبقى العناصر الخمسة غير متحدة. بكلمة أخرى، فهي لا تمثل (بوليفونيك) حقيقي.

باستخدام التعبير المجازي (بوليفونيك)(*) وتطبيقاته الأدبية، ألا تطلب هنا من الرواية مالايمكن استيفاؤه ؟

الرواية تستطيع أن تدمج عواملًا خارجية بطريقتين. في مجرى السرد، دون اقتباس، تجعلك تسرد قصص مختلف الشخصيات. بهذه الطريقة، القصص المستقلة تُدمج ككُل متناسقة في إطار الرواية. هذا التركيب منتشر عادة في روايات القرن السابع عشر والثامن عشر. (بروخ)، على الرغم من ذلك، وبدلًا من أن ينسّق قصة (هانا ويندلينق) وقصة الثلاث شخصيات الرئيسية الأخرى، قام بكتابتها كلها بشكل مستقل. (سارتر) في (التأجيل) و(دوس باسسوس) قبله، أيضًا استخدموا هذا التكنيك في التزامن. هدفهم، مع ذلك، أن يجلبوا معًا القصص السردية المختلفة، بكلمات أخرى، عناصر متجانسة بدلًا من غير التجانس الحاضر عند (بروخ) مثلًا. وأيضًا، استخدامهم لتكنيكات صادمة، كميكانيكية طاغية وخالية من المعنى. لا أستطيع التفكير في مصطلح أفضل من (بوليفونيك) أو (طباق) لوصف هذا النوع من الأعمال، وبالإضافة إلى ذلك، التجانس في الموسيقى مهم. على سبيل المثال، أكثر ما يزعجني في الجزء الثالث من (المشاة أثناء النوم) هو أن العناصر الخمسة غير متساوية. فيما أن المساواة بين كل الأصوات في التكامل الموسيقي -فن مزج الألحان- هو القاعدة الأساسية للتأليف الموسيقي. في عمل (بروخ)، العنصر الأول -السرد للثلاثة شخصيات- تأخذ مساحة فيزيائية أكبر بكثير من العناصر الأخرى، والأهم، أنها حظيت بارتباط أكبر مع الجزئين السابقين للرواية. وهي بذلك تجذب اهتمامًا أكبر، وتهدد بتحويل بقية الأجزاء إلى قصص فرعية غير مهمة. الشيء الثاني المزعج هو أن كلًا من قصة (هانا ويندلينق) والمقالة الفلسفية، لديهما القدرة على أن يكونا عملين مستقلين. وباستقلاليتهما، لن يفقدوا أيًا من معناهم وجودتهم.

في وجهة نظري، المتطلبات الأساسية للطباق الروائي هي: [1] التساوي بين كل العناصر، [2] تماسك الرواية ككل، كجزء واحد. أتذكر اليوم الذي أنهيت فيه (الملائكة)، الجزء الثالث من (كتاب الضحك والنسيان)، كنت فخورًا بذاتي بشكل سيء. كنت متأكدًا من أنني وجدت المفتاح لطريقة جديدة في تركيب سرد القصة. النص كان مصنوعًا من الأجزاء التالية: [1] حكاية طالبتين وتحليقهما، [2] سيرة ذاتية، [3] تقرير نقدي عن أحد كتب حقوق المرأة، [4] أسطورة عن ملاك وشيطان، [5] قصة لأحلام (باول اليوارد) وطيرانه في سماء (براغ). ليس لأحد هذه الأجزاء أن يتواجد دون الأخريات. كل واحد منها يشرح الأخريات كما لو أنها بمجملها تكشف فكرة أساسية واحدة، وتسأل سؤالًا واحدًا عن ماهية الملاك.

الجزء الثالث معنون أيضًا بـ(الملائكة)، مكون من: [1] سرد لحلم موت (تامينا)، [2] سيرة ذاتية لموت والدي، [3] انعكاسات موسيقية، [4] انعكاسات عن وباء نسيان مدمر في (براغ). ما هو الرابط بين والدي وتعذيب (تامينا)؟ إنه لقاء مكينة خياطة ومظلة، في استعارة لصورة (لاوتريمونت) الشهيرة. أن تتعدد الأصوات الروائية أقرب للشعر من كونها تكنيك روائي. لا أستطيع أن أجد أي مثال لتعدد الأصوات في الأدب أقرب من الشعر، لكنني لطالما كنت منبهرًا بآخر أفلام (آلاين ريسنايز). استعمالاته لفن التكامل جدير بالتقدير.

(*): البوليفونيك هي كلمة تُستخدم في الموسيقى، تعني الانسجام والتناغم في الحنين لأكثر من شخصية

kundera1

 

هذا التكامل الروائي كان أقل حضورًا في روايتك (كائن لا تحتمل خفته).

كان ذلك هدفًا للرواية. أردت من الأحلام، وسرد القصة، والانعكاسات، أن يسيروا معًا ككل لا يتجزأ وكمجرى طبيعي. لكن الشخصيات وتعدد أصواتها في الرواية كانا مدهشين في الجزء السادس. قصة (ابن ستالين)، الانعكاس اللاهوتي، الأحداث السياسية في آسيا، موت (فرانز) في (بانكوك)، وجنازة (توماس) في (بوهيميا) كلها مرتبطة معًا بسؤال واحد، عن ما هو الفن الهابط؟ المرور المتعدد للأصوات هو حجر الأساس الذي يربط هيكل الرواية، إنه المفتاح للفن البنائي.

بوصفك “مقال روائي” كنت عن عبرت عن عدة تحفظات في المقالة عن الغش وإهانة القيم الظاهرة في (المشاة أثناء النوم).

إنها مقالة مذهلة.

لديك بعض الشكوك حول طريقة اندماج أجزاء الرواية. (بروخ) لم يتخلى عن أية من المصطلحات العلمية، فقد عبّر عن رؤياه بطريقة مباشرة دون الاختفاء خلف أحد الشخصيات. ألا يُعتبر ذلك إسهامًا من (بروخ) في الحقيقة، تحديه الجديد لشكل الرواية؟

هذا صحيح، وكان على وعي تام بشجاعته. لكن هناك بعض الخطورة أيضًا؛ مقالته يمكن أن تُقرأ وتُفهم كمفتاح أيدلوجي للرواية، كما هي “الحقيقة”، وهذا من الممكن أن يحول بقية الرواية إلى مجرد شرح للفكرة الأساسية. عند ذلك، ستضطرب بقية الرواية، حقيقة المقالة ستصبح ثقيلة جدًا، وبناء الرواية الرقيق سيواجه خطرًا بالتهاوي. الرواية التي لا تضمر شرح نظرية فلسفية (وبروخ كان يحتقر هذا الشكل من الروايات)، قد تنتهي بأن تُقرأ بهذه الطريقة. كيف يستطيع إنسان أن يدمج مقالة مع رواية؟ من المهم أن يكون لديك حقيقة واحدة في البال؛ الجوهر هو الانعكاس(**) المتغير تمامًا في الدقيقة التي تجمّله في جسد الرواية. خارج الرواية أنت في عالم التأكيدات والحقائق، كل الفلاسفة والسياسيين متأكدين تمامًا من أقوالهم. الرواية، مع ذلك، هي منطقة لا يقوم فيها أحد بالتأكيد أو فرض أفكاره كحقائق، إنها مسرحية للنظريات. الانعكاسات في الرواية هي احتماليات جوهرية جدًا.

لكن لماذا يمنع الروائي نفسه من طرح فلسفته جهارًا وبحزم في الرواية؟

لأنه ليس بيده أكثر من ذلك !! بالعادة يبحث الناس عن فلسفات (تشيخوف) أو (كافكا) أو (موزيل). لكن حاول أن تعثر على فلسفة محكمة في كتاباتهم! حتى أولئك الذين يعبرون عن أفكارهم في دفاترهم، يعدون ذلك تمرينًا ذهنيًا. التحكم بالمفارقات أو الارتجال بدلًا من التأكيد الفلسفة، وحتى الفلاسفة الذين يستعملون الروايات كشكل يشرحون في آراءهم. لم يستطع أي من (فولتير) أو (ألبير كامو) أن يكتشف ما تستطيع الرواية وحدها أن تكتشفه. أستثني من ذلك رواية (جاك القدري). فهي معجزة بحق! بتعديها على حدود الرواية الفلسفية الجادة، أضحت أشبه بمفكرة لعوب. ليس هناك جملة واحدة جادة في الرواية، كل ما فيها أقرب للمسرحية. ولذلك فالرواية غير مقدّرة بشكل شنيع في فرنسا. في الروايع، تحتوي الرواية على كل ما فقدته فرنسا، وترفض أن تستعيده. في فرنسا، الأفكار مفضّلة على العمل، والرواية بهذا الشكل لا تستطيع أن تُترجم للغة الأفكار، ولذلك فهي غير مفهومة في عالم الأفكار.

في روايتك (المزحة)، كان (جاروسلاف) هو من كوّن نظريته الموسيقية. الشخصية الافتراضية لأفكاره واضحة وجلية في ذلك. بينما التأمل الموسيقي في (كتاب الضحك والنسيان) كان خاصًا بالكاتب، الذي هو أنت. كيف أستطيع أن أفهم إذا ما كانت تلك النظريات افتراضية أو مؤكدة؟

كل ذلك يعتمد على النبرة. من الكلمات الأولى، كان هدفي أن أعطي هذه الانعكاسات نغمة لعوبة، ساخرة، مستفزة، تجريبية ومتسائلة. كل الجزء السادس من (كائن لا تحتمل خفته) هو مقالة عن الفن الهابط، شرحًا للفكرة الرئيسية: الفن الهابط هو إنكار تام لوجود الخراء. لهذا التأمل للفن الهابط أهمية شديدة بالنسبة إليّ. فهو مبني على الكثير من التفكر، التجارب، الدراسة، والشغف أيضًا. إنها مستفزة. هذه المقالة لا يمكن التفكير فيها خارج الرواية، إنها تأمل وراثي نقي.

تعدد الأصوات في رواياتك يحتوي عنصرًا آخرًا، هو سرد الأحلام. فالجزء الثاني كاملًا من (الحياة في مكان آخر)، هو أساسًا الجزء السادس من (كتاب الضحك والنسيان)، ويجري أيضًا في (كائن لا تحتمل خفته) في حلم (تيريزا).

هذه الأجزاء أيضًا هي الأكثر قابلية للفهم بشكل خاطئ. فالقراء يريدون أن يجدوا الرسالة الرمزية فيها. بينما لم يكن هناك أي تشفير في حلم (تيريزا). إنه إشعار بالموت. معناه في جماله، والذي ينوّم (تيريزا) تنويمًا مغناطيسيًا. على فكرة، هل لاحظت بأن الناس لا يستطيعون قراءة (كافكا) لمجرد فك شفراته؟ بدلًا من أن يسمحوا لأنفسهم بالاتجراف معه بعيدًا في مخيلته الفذة. تجدهم يبحثون عن الاستعارات والتشبيهات، فلا يستطيعون أن يجدوا شيئًا غير الأفكار المتداولة دائمًا. ككل الأشياء التي تضحي سخيفة من كثرة استعمال الناس لها: الحياة عبثية، أو غير عبثية، الرب بعيد عن المتناول، أو في المتناول، وغير ذلك. لا تستطيع أن تفهم شيئًا عن الفن، خاصة الفن الهابط، إذا لم تفهم بأن الخيال بحد ذاته هو قيمة عالية. (نوڤاليس) عرف ذلك عندما مجّد الأحلام. إنها “تحمينا من رتابة الحياة” كما قال، فهي “تحررنا من الجدية بخفتها وخفة ألعابها”. فكان هو أول من فهم دور الأحلام والخيالات الشبيهة بالأحلام في الروايات. فقرر أن يكتب الحلقة الثانية من قصائد (هاينريش فون أوفتردنقين) كسرد تتشابك فيه الأحلام مع الواقع، بشكل لا يمكن التفرقة بينهما. وللأسف فكل ما تبقى من الحلقة الثانية هي النوتات التي وصف فيها (نوڤاليس) النوايا الحسنة. بعد ذلك بمئة عام كان الطموح هو التحقيق في روايات (كافكا). روايات (كافكا) في الانصهار بين العلم والحقيقة، والحقيقة ليست واقعًا ولا أحلام. معجزة جميلة. بالطبع لا يمكن لأحد أن يكرر ما فعله (كافكا) مرة أخرى، ولكنني أشارك (نوڤاليس) رغبته في جلب الأحلام والخيال للرواية. طريقتي في فعل ذلك هو بالمصارحة متعددة الأصوات، بدلًا عن انصهار الأحلام والحقيقة. سرد الأحلام هو أحد عناصر فن التكامل.

(**): الانعكاسات هي الأفكار التي يستنتجها القارئ من الرواية

Milan-KUNDERA-580_59642a

لم تستعمل تعدد الأصوات في آخر أجزاء (كتاب الضحك والنسيان)، وبالرغم من ذلك، فعلى الأرجح أن هذا الجزء هو الأكثر جاذبية في الكتاب، بحكاياته عن المواقف الغرامية/الجنسية في حياة شخصية واحدة.

هناك مصطلح موسيقي آخر في هذه الرواية، هو “الموضوع الأساسي مع التغيير”، فالموضوع الأساسي هو الحد الذي تفقد الأشياء معناها عند تجاوزه. حياتنا تتجلى في الجوار المباشر لهذا الحد، ونحن نخاطر بتجاوزه في كل لحظة. الأربعة عشر فصلًا في الجزء الأخير، هي أوجه مختلفة جنسية لذات الموقف، في الحد بين المعنى وانعدامه.

لقد وصفت (كتاب الضحك والنسيان) بأنه رواية في تشكل مختلف لذات الشيء. ولكن، أما زالت تحتفظ بمسمّاها كـ(رواية)؟

ليست هناك اتحاد للأفعال، ولهذا لا تبدو كـ(رواية). ولكن الناس لا يتخيلون رواية دون تلك الوحدة، حتى تجارب شكل الرواية الفرنسية الجديدة كانت مبنية على اتحاد الأفعال، أو عدم الأفعال. رحلة (جاكوس) وسيّده تأخذ الجزء الأقل من رواية (جاك القدري)، ليست سوى حجج هزلية حتى تُآلف بين الحكايات والقصص والأفكار. وبالرغم من ذلك، فهذه الحجج، في هذا الإطار، مهمة لجعل الرواية تبدو كرواية. في (كتاب الضحك والنسيان) ليس هناك أية من هذه الحجج. إنه اتحاد الموضوع الأساسي وأوجهه المتعددة التي تعطي التماسك للشكل النهائي ككل. أهي رواية؟ نعم. الرواية هي تأمل في الوجود، مرئي من خلال تاريخها، الرواية لم تعرف ميف تستغل احتمالاتها غير المتناهية. لقد فقدت فرصتها لذلك.

باستثناء (كتاب الضحك والنسيان)، رواياتك مبنية أيضًا على اتحاد الأحداث. غير أنها، بالتأكيد لها اختلاف أوجها. وقد أعتبر بأن (كائن لا تحتمل خفته) هي الأقل تماسكًا.

نعم، هي عدة قصص ترتب سوية وتتحد في أحداثها: ذات الأسئلة الغيبية، ذات الدوافع، (دافع الأبوة/الأمومة على سبيل المثال في (رقصة الوداع))، وبعد ذلك الأوجه المتعددة. لكنني أود أن أشدد على أنه بالرغم من كل ذلك، فالرواية مبنية أساسًا على عدد من الكلمات الأساسية، كسلسلة مسودات (شوينبرغ) في (كتاب الضحك والنسيان)، السلسلة كالآتي: نسيان، ضحك، ملاءمة، ليتوست، الحدود. من خلال الرواية يمكن تحليل هذه الكلمات الأساسية، ودراستها وإعادة تعريفها. الكلمات الأساسية في رواية (كائن لا تحتمل خفته) هي: الوزن، الخفة، الروح، الجسم، الزحف العظيم، الخراء، الفن الهابط، التعاطف، الدوخة، القوة، والضعف. بسبب صفاتهم التصنيفية. هذه الكلمات لا يمكن أن تتبدل بمرادفات. وهذا ما يجب أن يُفسّر دائمًا للمترجمين، أولئك الذين يحاولون تفادي التكرار، بدعوى اهتمامهم بالأسلوب الجيد.

بخصوص الوضوح البنائي، كنت قد صُدمت عندما لاحظت بأن كل رواياتك، ما عدا واحدة، مقسمة إلى سبعة أقسام.

عندما انتهيت من روايتي الأولى (المزحة) لم يكن هناك أي سبب يدو للاستغراب من كونها مقسمة إلى سبعة أقسام. بعد ذلك كتبت روايتي (الحياة في مكان آخر) وكان لها ستة أقسام عندما شارفت على إنهائها. لكنني لم أشعر بالرضى فجأة فخطر ببالي أن أضيف جزءًا يأخذ مكانته بعد موت الشخصية الرئيسية بثلاث سنوات، خارج إطار القصة الأساسية. وبذلك أصبح الجزء السادس من السبعة معنون بـ(الرجل في منتصف العمر)، وفي الحال، اختلفت بنية الرواية بشكل كامل. بعد ذلك استوعبت بأن الجزء السادس هنا أصبح مشابهًا للجزء السادس من (المزحة). وأيضًا بفتح نافذة سرية في جدار الرواية. كقصة عشق مضحكة بدأت كعشر قصص قصيرة. وعندما كنت أضع الشكل النهائي للرواية حذفت ثلاثة من هذه القصص. أصبح بذلك المجموع أكثر ترابطًا، مؤذنًا ببداية تكوّن (كتاب الضحك والنسيان). شخصية واحدة (الطبيب هاڤل) يربط القصة الرابعة والسادسة معًا، في (كتاب الضحك والنسيان) أيضًا يرتبط الجزء الرابع والسادس بشخصية واحدة أيضًا: (تامينا).

عندما كتبت (كائن لا تحتمل خفته) كنت عازمًا على كسر لعنة الرقم سبعة، فقررت المحافظة على ستة أجزاء فقط، ولكن الجزء الأول بدا لي غير متشكل بالطريقة المناسبة. ففهمت بأنه مكوّن أصلًا من جزئين. كالتوأم السيامي، يجب أن يُفصل بعملية دقيقة. السبب الوحيد لتذكر ذلك هو أنني لست منغمسًا في حب أسطوري للأرقام السحرية، أو أنني أقوم بحساب ذلك بطريقة واعية. لكنني أُقاد بحاجة عميقة، غير واعية، وغير ممكنة الاستيعاب، طراز نموذجي في الرسم لا أستطيع الهروب منه. كل رواياتي هي أشكال مختلفة مبنية على الرقم سبعة.

1milan_kundera1
استخدامك لسبعة أجزاء مقسّمة بعناية، مرتبط – بالتأكيد – بهدفك في توليف أكثر العناصر اختلافًا إلى وحدة كاملة متكاملة. كل جزء من روايتك هو عامل مستقل ومختلف عن البقية، بسبب هيئته المختلفة. لكن إذا كانت الرواية مقسمة إلى أجزاء مرقمة، فلماذا كانت هذه الأجزاء مقسمة إلى فصول مرقمة ؟
الفصول ذاتها يجب عليها أن تخلق عوالمًا صغيرة خاصة بها، ويجب أن تكون أيضًا مستقلة نسبيًا. لهذا أجدني دائمًا ما أتأكد من أن ناشريي يوضحون هذه الأرقام للفصول والأجزاء بشكل جيد. الفصول هي مقطوعات موسيقية، هناك أجزاء حيث الفصل طويل أحيانًا، وقصير أحيانًا أخرى، وقد يكون طويل بشكل غير اعتيادي حتى. لكل جزء دلالته ونبضه الموسيقي: رسل، سريع، بطيء، أو معتدل ..إلخ. فالجزء السادس مثلًا من (الحياة في مكان آخر) هو معتدل البطئ، هادئ وكئيب. فهو يسرد لقاءً بين رجل في منتصف العمر مع شابة كانت قد أُطلق سراحها من السجن حديثًا. بينما كان الجزء الأخير سريعًا جدًا، فصوله قصيرة جدًا أيضًا، يتناول سردًا لـ(جاروميل) الذي ينازع الموت، لـ(ريمباود)، (يرمونتوث) و(بشكين). في البداية، فكّرت في (كائن لا تحتمل خفته) بشكل موسيقي، علِمت بأن الجزء الأخير فيها يجب أن يكون رقيقًا وبطيئًا لأبعد درجة ؛ فهو يحكي عن فترة زمنية قصيرة، بدون أحداث، تتركز في مكان واحد، نبرتها هادئة جدًا. وأيضًا علِمت بأنه يجب أن يُسبق بجزء سريع جدًا، لهذا كان الجزء الذي حمل اسم (الزحف العظيم).
هناك استثناء للرقم سبعة .. أقصة روايتك (رقصة الوداع) المكوّنة من خمسة أجزاء فقط.
(رقصة الوداع) كانت على طراز فني آخر: فهي متجانسة تمامًا، تتعامل مع موضوع واحد فقط، تُسرد بنفس سرعة النبض، مسرحية جدًا، تنطبق على أسلوب معين، تشتق هيئتها من كونها مسرحية هزلية. قصة حب مضحكة وهزلية، معنونة بـ(النقاش)، مبنية تمامًا بنفس الطريقة، مسرحية هزلية مجزّأة.
ماذا تعني بالمسرحية الهزلية ؟
أعني التركيز على حبكة القصة وكل زخارفها من مصادفات غير متوقعة وغير قابلة للتصديق. لا شيء يصبح متشابهًا فيها، سخيف، مبتذل، منعدم الذوق في الرواية،، أقصد في الحبكة ومبالغاتها الهزلية. بداية من (فلوبير)، حاول الروائيون أن يبتعدوا عن الحيل الدارجة في الحبكة. مما جعل الروايات مملة أكثر من ممل الحياة. وبالرغم من ذلك، فهناك طرق أخرى للالتفاف حول المتشابه والعوامل المهلكة للحبكة، بقصد تحريرها من متطلبات ما هو محتمل وقابل للتصديق. أن تسرد قصة غير متوقعة بأن تختار أن تجعلها غير متوقعة وغير قابلة للتصديق ! هكذا تمامًا كما كتب (كافكا) روايته (أمريكا)، الطريقة التي التقى بها عمه (كارل) في الفصل الأول، من خلال سلسلة من الأحداث غير المتوقعة. (كافكا) دخل إلى عالم سيريالي عظيم في (التداخل بين العلم والواقع) في الفصل الأول. وبسخرية واضحة في الحبكة، كبوابة للمسرحية الهزلية.
 لكن لماذا اخترت هذا الشكل المسرحي الهزلي لرواية، ليس المراد منها -على الإطلاق- أن تكون مسلية أو ترفيهية؟
لكنها ترفيهية !! لا أفهم احتقار الفرنسيين للترفيه.  لماذا يشعرون بالعار من كلمة ترفيه؟ إنهم يخاطرون بشكل أقل عندما يكونون مسليين بدلًا من كونهم مملين. هم أيضًا يخاطرون بالوقوع في الفن الهابط، المحلي، الكاذب، ذو الزخرفة. فالأضواء الوردية للأعمال الحداثية في الشعر الوارد، أو في فيلم (سكوت) الأخير، يجعل التاريخ الفرنسي كفن هابط. نعم، فن هابط، وليس ترفيهًا، إنه مرض للجمال الحقيقي. الرواية الأوروبية العظيمة بدأت كنوع من الترفيه، وكل رواية في الحقيقة تلهف لأن تكون كذلك. في الحقيقة، إن الموضوع الأساسي لهذا الترفيه العظيم في (رقصة الوداع) كان السؤال “هل يستحق الإنسان أن يعيش على هذه الأرض؟ أليس من المفترض أن نحرر هذا الكوكب من براثن الإنسان؟“. كان طموحي في الحياة أن أوجد جدية لهذا السؤال مع أقصى خفة وترفيه. وليس هذا طموح فني تقني بحت. فالجمع بين الشكل الهزلي والموضوع الجاد يكشف قناعًا من الدراما الخاصة بنا. ذلك الذي يحدث في أسرّتنا والتي نمثلها على مسرح التاريخ العظيم. نحن نخوض خفة الكائن غير المحتملة.
إذا كان بإمكانك أن تستخدم عنوانًا آخرًا لروايتك (رقصة الوداع)، فماذا سيكون ؟ 
كل رواياتي يمكن لها أن تحمل عنوان: (كائن لا تحتمل خفته)، (المزحة)، أو (الحب المضحك). العناوين قابلة للتبديل. فهي انعكاس لعدد صغير ومحدد من المواضيع الأساسية التي تصيبني بالهوس. تقوم بتعريفي، ولسوء الحظ، تضع أمامي الكثير من الحدود. بعيدًا عن هذه المواضيع التي أجد شيئًا لأقوله.
هناك شكلان في رسمك لتكوين الرواية ؛ (١) تعدد الأصوات، والذي يُوجد مواضيعًا مختلفة كبناء مبني على الرقم سبعة. (٢) الهزلية، والتي بدورها تقوم بالمجانسة بشكل مسرحي يتجنب التوقعات. هل يمكن لـ(ميلان كونديرا) التواجد خارج هذين الشكلين؟
أنا دائمًا أحلم بخيانة زوجية عظيمة وغير متوقعة. لكنني لم أستطع الهروب من الشخصية المرتبطة بزوجين أو عشيقتين.
[تمت]

لقاء مع الروائي البرتغالي خوزيه ساراماغو

ساراماغو

خوزيه ساراماغو (1922-2010) روائي برتغالي حائز على جائزة نوبل للأدب (عام 1995) وكاتب أدبي و مسرحي وصحفي. مؤلفاته التي يمكن اعتبار بعضها أمثولات، تستعرض عادة أحداثا تاريخية من وجهة نظر مختلفة تتمركز حول العنصر الإنساني. من أبرز رواياته وأشهرها رواية (العمى) التي نُشرت في عام 1995. قضى طفولته في مدينة لشبونة البرتغالية، وفي سنوات حياته الأخيرة قطن في ملانزراروت في جزر الكناري التابعة لاسبانيا. تنقل لكم ساقية ترجمة حصرية لأحد لقاءاته (المصدر) التي قامت بها الصحفية (دونزيلينا بارروسو)، تبتدئ المقابلة بالسؤال:

هل تفتقد لشبونة ؟

لا أعتقد بأن المسألة افتقاد أو عدم افتقاد. إذا كان الافتقاد، كما قال الشاعر، هو تلك العاطفة -أو القشعريرة في العمود الفقري- فالحقيقة أنني لا أشعر بتلك القشعريرة.مجرد أنني أفكر بها كثيرًا. لدي الكثير من الأصدقاء هناك وأورهم من فترة لأخرى، لكن إحساسي تجاه لشبونة الآن هو أنني لم أعد أعرف كيف أمضي أوقاتي فيها، وإلى أين أذهب. عندما أكون هناك لبضع أيام، أو أسبوع أو اثنين فإنني أعود لعاداتي القديمة. لكنني أفكر بالرجوع إلى ملانزراروت سريعًا. أحب المكان والناس هنا. وأعيش هنا بطريقة جيدة. ولا أظنني سأغادر هذا المكان أبدًا. ربما أفعل .. كلنا يجب أن نغادر يومًا ما .. لكنني إذا فعلت فسيكون ضد إرادتي.

عندما انتقلت إلى ملانزراروت، بعيدًا عن المحيط الذي عشت فيه، وكتبت فيه لسنوات عديدة. هل تكيفت على هذه المساحة سريعًا أم أنك اشتقت إلى مساحة عملك القديمة ؟
تكيفت بسهولة. أنا أؤمن بأنني شخص لا يعقّد حياته. لقد عشت حياتي بدون إضافتي للدراما لكل شيء .. سواءً أكانت أمور جيدة أو لا. أنا ببساطة أعيش هذه اللحظات. بالطبع أحس بالحزن من فترة لأخرى .. أحس به ولكن .. دعني أقولها بطريقة أخرى .. لا أبحث عن كوني مشوِّقًا.
أنا الآن آكتب كتابًا، وسيكون من الممتع جدًا أن أخبرك عن العذاب الذي أقاسيه أو الصعوبات في تكوين الشخصيات. أو الفروقات الصغيرة والدقيقة في سرد القصة المعقد. ما أقصد هو أنني أحاول القيام بكل شيء بشكل طبيعي قدر الإمكان. بالنسبة لي ؛ الكتابة هي وظيفة، وأنا لا أفصل العمل (الوظيفة) عن الكتابة كشيئين لا علاقة بينهما. أقوم بترتيب الكلمات واحدة تلو الأخرى. أو واحدة قبل الأخرى، لأحكي القصة، لأُخبر القارئ بشيء أعتبره مهمًا أو مفيدًا، أو على الأقل هو كذلك بالنسبة لي. وليس الأمر بأكثر من ذلك، أنا فقط أعتبر هذه وظيفتي.
كيف تقوم بوظيفتك هذه ؟ هل تلتزم بالكتابة بشكل يومي مثلًا ؟
 عندما تنشغل بأمر ما فاكتمال العمل يحتاج إلى الاستمرارية، رواية مثلًا، أقوم بالكتابة كل يوم. وبطبيعة الحال فالإنسان معرض لنوع من المقاطعة من فترة لأخرى، كأعمال البيت، أو السفر بعض الأحيان، لكن بشكل عام أعتقد بأنني مواظب جدًا. ومنضبط جدًا. لا أرغم نفسي على الكتابة في ساعات محددة أو ساعات معينة من كل يوم، لكن العمل بمقدار ما بحاجة إلى نوع من الالتزام تجاهه، وفي العادة يكون ذلك بمقدار صفحتين يومية. كتبت اليوم صباحًا صفحتين من روايتي الجديدة، وغدًا سأكتب اثنتين أخريتين. قد لا تعتقد بأن صفحتين فقط كافية لليوم الواحد. لكن حقيقة انشغالي بأمور أخرى تحتم ذلك، ككتابة أعمال أخرى، إجابة بعض الرسائل، كما أن صفحتين يوميًا تضمن لك ثمانين صفحة سنويًا. في النهاية، أنا إنسان طبيعي. ليس لي عاداتي الغريبة. لا أضيف الدراما لكل شيء. وفوق ذلك، لست رومنسيًا تجاه الكتابة. لا أتحدث كثيرًا عن صعوبات الإبداع. لا أخاف الصحفات الفارغة، وكل هذه الأمور التي نسمع بها تجاه الكتابة. لا أعاني من هذه المشاكل أبدًا. لدي مشاكل طبيعية يعاني منها أي إنسان يقوم بأي عمل. أحيانًا لا تنتهي الأمور كما أردتها أن تنتهي، أو لا تنتهي أصلًا. عندما لا تنتهي الأمور كما أردت لها، فأنا فقط أتقبلها كما انتهت.
هل تكتب على الحاسوب (Computer) مباشرة ؟
نعم، أفعل ذلك. آخر كتاب كتبته على آلة الكتبة الكلاسيكية كان (قصة حصار لشبونة). الحقيقة هي، أنني لم أجد صعوبة في التأقلم على لوحة المفاتيح إطلاقًا. مخالفًا لِما يُقال بأن الحاسوب يجعل من أسلوب الكتاب أقل جودة، فأنا لا أعتقد بأنه يقلل من جودة أي شيء، على الأقل إذا ما استخدم بالطريقة التي استخدمته بها، كآلة كاتبة. ما أفعله على الحاسوب هو ذاته ما كنت لأفعله على آلتي الكاتبة إذا ما زلت أملكها. الفارق الوحيد هو أنه أكثر نظافة، ومريح أكثر، وأسرع، وأفضل من جميع النواحي. وبالنسبة إلى ما يُقال عن أن الانتقال من الكتبة باليد إلى الكتابة على الحاسوب، يغيِّر من أسلوب الكاتب، فأنا لا أؤمن بهذه الحالة. إذا كان للشخص أسلوبه الخاص، وكلماته الخاصة، فكيف من الممكن للحاسوب أن يغيّر من ذلك ؟
ولكن ما زال لدي ارتباط قوي -وهو أمر طبيعي- بالورق. وللصفحات المطبوعة. دائمًا ما أقوم بطباعة كل صفحة انتهيت منها. بدون الصفحة المطبوعة أحس …
 [قاطعته] تحتاج إلى دليل حسي ؟
نعم، هو الأمر كذلك.
بعدما تنتهي من هذه الصفحتين اليومية، هل تقوم بتعديل أو تغيير النص ؟
بعدما أنتهي من العمل، فأنا أقوم بقراءة النص كاملًا. وبالعادة في هذه المرحلة توجد بعض التعديلات، تغييرات بسيطة متعلقة بتفاصيل معينة، أو الأسلوب، أو تغييرات أجعلها أكثر دقة، ولكنها لسيت أساسية أبدًا، أستطيع القول بأن 90٪ من العمل النهائي هو ما قمت بكتابته أول مرة. لا أقوم بما يفعله بعض الكتّاب، من كتابة تجريدية للقصة كعشرين صفحة مثلًا، ثم يتحول ذلك إلى ثمانين أو مئتين وخمسين صفحة. أنا لا أقوم بذلك، أعمالي تبتدئ ببذرة ثم تنمو من ذلك. لدي -للآن- 132 صفحة من روايتي الجديدة، والتي لا أنتوي تحويلها إلى 180 صفحة مثلًا، سأقدمها كما هي. ربما تكون هناك بعض التعديلات الطفيفة في بعض الصفحات، ولكنها ليست من ذاك النوع من التعديلات التي أحتاج لإجرائها إلى مسودة أولى، لتأخذ في النهاية شكلًا آخرًا، سواءً في المحتوى أو عدد الصفحات. التغييرات هي للتحسين لا لسبب آخر.
فأنت إذًا تبدأ كتابتك بفكرة صلبة ؟
نعم، لدي فكرة واضحة عن الفكرة الأساسية، إلى أين سأصل، وعما أحتاجه للوصول إلى هذه النقطة. لكنها لسيت فكرة صلبة غير قابلة للتغيير في النهاية. أريد أن أقول ما أريد، ولكن في ذلك مرونة في الطريق للهدف. عادة ما أستخدم هذه المماثلة لتوضيح قصدي ؛ إذا ما أردت السفر من لشبونة إلى بورتو، فأنا لا أعرف إذا ما كانت طريقي مباشرة إلى بورتو. من الممكن مثلًا أن أمر في طريقي على كاستيلو بلانكو للوصول، مما سيبدو سخيفًا لأن كاستيلو بلانكو تقع على الحدود الاسبانية البرتغالية، بينما بورتو ولشبونة تقعان على الساحل الغربي للبرتغال.
ما أقصده هو أن الطريق من مكانٍ لآخر هو دائمًا متعرج وغير مباشر، لأنه يتحتم عليك في النهاية محاباة التطور في السرد، مما يحتاج إلى إضافة أشياء لم تكن بحاجة لها من قبل. يحتاج السرد لأن يكون مكملًا للحاجة في تلك اللحظة، مما يمكننا القول بأنه لا يمكن التخطيط لكل شيء بطريقة مسبقة. حتى إذا ما كانت هناك خطة مسبقة للقصة -حتى إذا ما كان ذلك ممكنًا، التخطيط المسبق لكل تفاصيل القصة- سيخرج العمل الأخير فاشلًا بالكامل. سيكون محتمًا على الكتاب أن يتواجد قبل تواجده الفعلي. إذا ما أرغمت كتابًا على التواجد قبل تواجده الفعلي فأنت تنافي طبيعة تطور السرد الذي يُسرد.
 هل تكتب دائمًا بهذه الطريقة ؟
دائمًا، ليست لدي طريقة أخرى للكتابة. وأعتقد بأن هذه الطريقة في الكتابة قد سمحت لي -لست متأكدًا من طريقة أقولها بها- بأن أخلق عمل له كيان جامد، أو تركيب متماسك، في كل أعمالي، في كل لحظة آخذ بالحسبان ما حدث مسبقًا. تمامًا كالذي يرفع بنيانًا وعليه أن يوازن العناصر واحدة فوق الأخرى ليمنع البناء الكُلّي من التهالك. فالكتاب يتطور بمرور الزمن، في مساحته الخاصة، وليس كهيكل مسبق التخطيط.
ماذا عن الشخصيات ؟ هل تفاجئك الشخصيات ؟
أنا لا أؤمن بالإشارة إلى أن الشخصيات لهم حياتهم الخاصة وأن الكتاب عليه اتباعهم. يجب أن يكون الكاتب حذرًا حتى لا يقوم بأمر يخالف شخصية الشخصيات في الرواية، ولكن الشخصية لها استقلالها. الشخصية حبيسة الكاتب، بين يديّ أنا، لكنه حبيس بطريقة لا يدرك فيها بأنه حبيس. الشخصيات كالدمى المرتبطة بخيوط بين يدي الكاتب، لكنها خيوط مرخية. الشخصية تستمتع بوهم الحرية، والاستقلالية، لكنها لا تستطيع القيام بأمور لا أريدها أنا الكاتب، فالكاتب يشد الخيوط من فترة لأخرى ليخبرهم لأنه في محل السلطة المطلقة في عالم الرواية.
لا يمكن أن ينفصل السرد عن الشخصيات في الرواية. فالشخصيات وُجدت أساسًا لتخدم التركيب الذي يريد الكاتب أن يخلقه. فإذا ما قمت بخلق شخصية في القصة فأنا أعرف السبب لإيجاده، وما أريد منه، صحيح بأن الشخصية في البداية لم تكن مكتملة التكوين، لكنها تتطور مع القصة. وأنا من يقوم بهذا التطوير. على سبيل الدقة فأنا أترك للشخصية تطوير ذاتها مع السرد، وأنا أصاحبه فيها. الأمر هو أنني لا أقوم بتطوير الشخصية عكس ذاتها. وإلا ستبدأ الشخصية بالقيام بأمور ليس في متسعها القيام به. مثلًا، فأنا لا أستطيع أن أجعل الشخصية تقوم بجريمة ما إذا لم يكن ذلك في منطق تلك الشخصية، بدون دافع، مما هو مهم لتسويغ الفعل للقارئ، لن يكون ذلك معقولًا. مثال آخر، (بالتسار وبليموندا) هي قصة حب. في الحقيقة، أستطيع أن أطلق عليها بأنها قصة حب جميلة. لكنني بعدما انتهيت من الرواية اكتشفت بأنهما لم يتبادلا كثيرًا من عبارات الحب التي نعرفهما عن المحبّين. كلاً من بالتسار وبليموندا لم يتحدثا بتلك الطريقة التي نعتبرها طريقة العشاق. قد يعتقد القارئ بأن ذلك كان مخطط له مسبقًا، لكنه لم يكن. وكنت أنا أول المتفاجئين من ذلك. كيف يمكن ذلك؟ لقد قمت بكتابة قصة حب بدون كلمة حب واحدة في محادثاتهما.
تخيل الآن، بأنه في وقت ما بالمستقبل، في نسخة معدلة، كنت سأقوم بتغيير المحادثات بين هذين الاثنين وأكتب بعضًا من الكلمات هنا وهناك. سيشوه ذلك هاتين الشخصيتين تمامًا. أعتقد بأنه حتى القارئ بدون معرفة الكتاب بشكله الحالي، سيكتشف بأن هناك شذوذ أو انحراف في القصة. كيف يمكن لهذه الشخصيتين اللتين كانتا بالقرب من بعضهما من الصفحة الأولى أن يقولا لبعضهما”أحبك” في الصفحة مئتين وخمسين ؟
وهذا ما أعنيه باحترام كمال الشخصية -عدم جعله يقوم بأمور خارجة عن شخصيته، وعن عقله الداخلي، مما هو عليه الشخصية. لأن الشخصية في الرواية هي شخص متكامل- ناتاشا في (الحرب والسلم) هي شخص متكامل، جولين في (الأحمر والأسود) هي شخص متكامل، راسكولينكوف في (الجريمة والعقاب) هو شخص متكامل، الأدب يزيد من عدد سكان الأرض. الشخصية في الرواية هي شخص ليس له وجود، مجرد تخطيط من كلام على سرد في الورق الذي نطلق عليه مسمّى الكتب. نحن نفكر بهم كأناس حقيقيين، هذا هو الحلم، أتوقع لكل روائي، أن يكون أحد شخصياتهم أحدًا على الواقع.
من هي أكثر الشخصيات التي تحب أن تراها كشخص على الواقع ؟
أتوقع، وأنا أقوم بخطيئة الافتراض فقط، ولكن لأقول الحقيقة، أتوقع بأن كل شخصياتي، من الدهّان أو الرسام، هم بالفعل أشخاص على الواقع بشكل أو بآخر. أعتقد بأن هذا بسبب حقيقة أن كل الشخصيات، بطبيعة الحال، هي مجرد نسخ أو تقليد لأشخاص حقيقيين. ومنهم من يضيف نفسه إلى هذا العالم ليعيش فيه. إنها شخصيات خيالية ينقصها الجسد الفيزيائي. هذه هي طريقتي في رؤيتهم، لكن قد يُقال بأنني متحيز ككاتب.
بالنسبة لي ؛ زوجة الدكتور في روايتي (العمى) هي شخصية مميزة جدًا. لدي -شخصيًا- صورة مرئية ومحددة لها، كما لديّ لكل الشخصيات في الرواية، بغض النظر عن حقيقة أنه ليس في الرواية أي وصف لملامحهم.
يسعدني بأنه لديّ صورة محددة عنها، مما هو مؤكد أنه لم ينتج عن وصف فيزيائي (أو حسي) لأنه لم يكن هناك أي أوصاف في الرواية. لا أعتقد بأنه من المهم أن تصف أنف الشخصية أو ذقنها. أحس بأن الكاتب سيفضل أن يبني، شيئًا فشيئًا، شخصياتهم الخاصة، وسيترك للقارئ جزء التخيّل للأوصاف والملامح الشكلية.
 blindness
كيف تكوّنت وتطورت فكرة رواية (العمى) ؟
كحال كل رواياتي، (العمى) نِتاج لفكرة ظهرت فجأة في عقلي. بينما كنت جالسًا في مطعمٍ ما، منتظرًا أن يُقدّم لي غذائي، ففكرت فجأة، ماذا لو كانوا كلهم عميانًا ؟كما لو كنت أجاوب سؤال نفسي، لكننا نحن بالفعل عميان. كانت هذه بذرة الرواية. بعد ذلك، كان عليّ فقط تصوّر الظروف الأساسية، والسماح للعواقب أن تكبر. إنها عواقب وأحداث مخيفة، ولكنها أيضًا مبنية على أساس منطقي. ليس هناك أي خيال جامح في (العمى)، هي فقط تطبيق منظم للسبب وما يترتب عليه.
أعجبتني (العمى) جدًا، لكنها ليست سهلة القراءة، هي رواية صعبة رغم الترجمة السلسة لها.
أتعلمين بأن (جيوفاني بورتيرو) مترجم رواياتي للإنجليزية بالفترة الماضية قد توفي ؟
متى ؟
في فبراير الماضي، توفي بالإيدز. كانت (العمى) آخر ما ترجم، وتوفي بعد إنهائها بفترة قصيرة. بالفترة الأخيرة قبل وفاته، أصابه العمى نتيجة للأدوية التي أعطوه إياها الأطباء. كان عليه أن يختار ؛ بين الالتزام بالأدوية، وهو ما يضمن له المزيد من الوقت، أو ألا يفعل، مما يجعله معرضًا للمزيد من الأعراض. هو اختار، كما نقول، المحافظة على بصره، وقام بترجمة رواية (العمى). هو مشهد محبط صراحة، ومستفز جدًا.
كيف أتت فكرة (قصة حصار لشبونة) ؟
فكرة كانت تراودني منذ 1972. فكرة الحصار لمدينة، لكن لم أحدد ما هي المدينة. ثم تطورت لتكون قصة حصار حقيقية، والتي فكرت بأن تكون قصة حصار لشبونة من قِبل القشتالة في 1384. وأضفت إليها شيئًا من حصار آخر للمدينة ذاتها حصل بأواخر القرن 12، وكانت الرواية في النهاية خليطًا بين هذين الحصارين التاريخيين. تخيلت حصارًا مضى بفترة ما، وحال الأجيال المحاصرة، حصار اللاعقلانية، يمكنني أن أقول بأن الهدف لم يكن الوصف لحال الأناس المحاصَرة والآخرين المحاصِرين، أو أيًا كان ذلك.
في النهاية، انتهت الرواية كما أردت لها أن تنتهي، تأملًا في فكرة الحقيقة التاريخية. هل التاريخ حقيقة ؟ هل ما نطلق عليه “تاريخ” يخبرنا بالقصة كاملة ؟ التاريخ حقيقة هو خيال، لا أشترط القول بأن الوقائع مخترعة، بل أن الوقائع حقيقية، ولكن في ترتيبها خيال.
التاريخ مركّب ببعضه بوقائع مختارة، وتعطي بعد ذلك تسلسلًا للقصة. ومن أجل صناعة التسلسل هذا ينبغي تجاهل الكثير من الوقائع، هناك الكثير من الوقائع التي لم تدخل التاريخ، والتي بدورها سترسم منطقًا آخرًا للتاريخ إن كانت متواجدة به. التاريخ لا يجب أن يقدّم كدروس صلبة، لا أحد يستطيع القول بأنه كذلك، أو يضمن بأن هذه هي الوقائع كاملة.
(قصة حصار لشبونة) ليست مجرد تدريب على الكتابة التاريخية، إنها تأمل للتاريخ كحقيقة، أو شكوك بالتعبير الأصح، فالتاريخ ليس كذبة لكنه مخادع بشدة، تتحكم به كثير من الأمور، حياتنا الشخصية مثلًا، أو حياة خيالنا، أو حياتنا الأيدلوجية والمذهبية.
مثال ؛ الثورة (الانقلاب) هي كلمة “لا”، وهذه الـ”لا” ستتحول إلى “نعم” بسرعة أو بعد فترة طويلة، إذًا هي يجب أن تُقدم بأنها “لا”. دون التدخل أكثر في ذلك.
أحيانًا أظن أن “لا” هي أهم كلمة في عصرنا الحالي، حتى إن كانت على خطأ. الخطر الذي يترتب عليها يغلب السالبية! “لا” لهذا العالم كما اليوم كمثال.
هذه هي الحالة في هذه الرواية، هي كلمة “لا” التي غيرت حياة شخص عندما قام بإدخال هذه الكلمة إلى جملة من التاريخ الرسمي، الذي يشير إلى أن الصليبيين كانوا معاونين لملك البرتغال في احتلاله للشبونة في 1147، الشخصية (رايموندو) لم يكن مُقادًا لأن يكتب تاريخًا مغايرًا، لكنه فقط فتح لنفسه بابًا غير حياته، فنفيه للجملة تلك كان نفيًا للحياة التي كان هو يحياها أيضًا! وهذا الرفض أخذه إلى مستوىً آخرًا من الحياة عندما أزال عنه الروتين اليومي! فانتشله ذلك من الرمادية الخاصة للحياة الروتينية اليومية، إلى مرحلة أخرى، وعلاقة بـ(ماريا سارا) بعد ذلك.
saramago
في (قصة حصار لشبونة)، قدّمت كلًا من (رايموندو) و(ماريا سارا) كغرباء حتى داخل مدينتهم
نعم، هذه هي. هذه هي. في النهاية أنا أؤمن بأن هذا ما نحن عليه.
تعني البرتغاليين في كلمتك “نحن” ؟
نعم، لكن ليس فقط البرتغاليين. كلنا يجب أن نعيش في المدينة في النهاية، أقصد المدينة يجب أن تكون مفهومة كنمط حياة بشكل جماعي. ولكن في الوقت ذاته، يجب أن نحيى كغرباء، مرتبطين بالمدينة أيضًا، مرتبطين بناحية احتياج وغربة معًا. وبسبب كونك غريبًا تستطيع أن تحدث شيًا من التغيير. مرتبط، غريب، كما نقول، الغرباء بطبيعتهم يكرهون أن كونهم داخل أسوار المدينة وفي الوقت ذاته هم يحيون خارجها، ولذلك يأمل بتغيير المدينة، ونأمل أن يكون تغييره إيجابيًا.
تحدثت سابقًا عن انشغال بالك بالبرتغال. ماهو رأيك عن حالة البرتغال الحالية، وخططها في أن تكون جزءًا من الاتحاد الأوروبي ؟
كمثال ؛ في مقابلة مع (جوي دوس دي بينهيرو) الذي كان الممثل البرتغالي بالاتحاد الأوروبي، سأله الصحفي البرتغالي: “هل تعتقد بأن البرتغال تواجه خطر خسارة سيادتها الوطنية ؟” جوابه كان: “ماذا تعني بالسيادة الوطنية؟ في القرن التاسع عشر، لم تتخذ الحكومة البرتغالية مكتبًا لأن أميرال الأسطول البريطاني المُعَسْكِر في نهر (تاغوس) لم يسمح بذلك.” وبذلك، ضحك. وأكمل: هل يجب على الدولة أن يكون لها ممثلًا رسميًا في الاتحاد الأوروبي، ويعتقد بأن هذه الحادثة التاريخية مسلية؟ كما أن البرتغال لا يجب أن تشغل بالها بفقدان السيادة لأنها لم تكن لها يومًا.
إذا قبل الاتحاد الأوروبي عضويتنا فيه، فمسؤولية سياسيينا، كمسؤولية سياسيي البلدان الأخرى، ستقل. وسيصبحون بعد ذلك ما كانوا عليه من الأساس، مجرد عملاء. أحد أكبر المغالطات في عصرنا هي الخطاب الديموقراطي. الديموقراطية غير واقعية ولا تعمل في هذا العالم. الذي هو عالم التمويل الدولي. الأشخاص المشاركين في صياغة هذه القوانين هم المتحكمين بالعالم. السياسييون هم مجرد وكلاء. هناك نوع من العلاقة بين ما يسمى السلطة السياسية والسلطة المالية، وهذا هو نقيض الديموقراطية الحقيقية.
قد يسألني أحدهم عمّا يمكنني اقتراحه كبديل لهذه الحالة؟ وأنا حقيقةً لا أقترح شيئًا. فأنا مجرد روائي، أكتب عن العالم كما أراه فقط. وليس من وظيفتي تحويله أو تبديله. على الأقل لا أستطيع تحويله بنفسي، ولن أعرف كيف سيمكنني ذلك. أنا فقط أقول بما أؤمن أن هذا وضع العالم عليه.
السؤال الآن، هو إذا ما أمكنني تقديم شيء للعالم، فماذا سيكون ؟ ما أقدمه سيُطلق عليه “التطور للخَلْف”. مما سيبدو مناقضًا للاعتقاد العام بأن البشرية يجب أن تتقدم للأمام فقط. “التطور للخلف” يعني، ببساطة ؛ بأن هذه المرحلة التي وصلنا إليها، ولا أقصد الأغنياء فقط، إنما الطبقة الوسطى، سمحت لنا أن نعيش براحة أكبر. التطور للخلف قد يعني أن دعونا نتوقف هنا، ولنعد إلى ملايين الأشخاص الذين تركناهم خلفنا. طبعًا كل هذا مجرد وهم، أو مثالي، فأنا مثلًا أعيش في لانزاروت، جزيرة يسكنها ما يقارب المليون نسمة، وما حصل لكل العالم فقد حصل لكل العالم، وأصبح من الماضي. أنا لا أطمح لأن أكون المنقذ لهذا العالم، لكنني أعيش يإيمان بسيط هو أن العالم من الممكن أن يضحي مكانًا أفضل، ومن الممكن أن يضحي مكانًا أفضل بسهولة.
هذا الإيمان يجعلني أقول بأن الوضع الحالي للعالم لا يعجبني. إذا استيقظ الإنسان في يومه، وقال بأنه لن يؤذي أحدًا في يومه هذا. وباليوم التالي قال الشيء ذاته وعاش لهذه الكلمات، سيتغير العالم بفترة قصيرة للأفضل. بالطبع أن هذا غير منطقي، ولن يحدث أبدًا. كل هذا يقودني للتساؤل حول حالتنا العقلية في هذا العالم. ولهذا كتبت (العمى). وهذا هو ما قادني لنوع الأعمال الأدبية التي أنشرها لتهتم بمثل هذا النوع من المشاكل.
قلت سابقًا بأن (العمى) هي أصعب رواية كتبتها. هل هذا بسبب، بغض النظر عن القسوة البائنة من رجل إلى صديق تحت وباء العمى الأبيض، وعدم الارتياح المصاحب لهذه التصرفات، أنت في النهاية شخص متفائل؟
أنا متشائم، لكن ليس للدرجة التي تجعلني أطلق النار على رأسي. القسوة التي أتحدث معها هي القسوة الحاصلة في كل يوم وفي كل جزء من العالم، ليس فقط في الرواية. ونحن الآن مغشيين بوباء العمى الأبيض. العمى هو ترميز لعمى العقلانية البشرية. هذا العمى الذي يسمح لنا، دون أدنى شك، لإرسال مكوك إلى المريخ لفحص مكونات ذاك الكوكب، وفي الوقت ذاته نسمح لملايين البشر بأن يتضوروا جوعًا على هذا الكوكب. إما أننا عميٌ أو مجانين.
حتى روايتك (حجر الطوافة) تتعامل مع بعض المشاكل الاجتماعية.
لم يكن بالضبط نفس الشيء، لكن الناس أحبوا أن يروها كذلك. فضّلوا أن يروا انفصال شبه الجزيرة الإيريبية عن أوروبا. بالطبع إن هذا جزء من القصة، وفي الحقيقية فهذا ما حصل؛ شبه الجزيرة الإيريبية فصلت ذاتها عن أوروبا وأبحرت للمحيط الأطلسي. لكن ما أردت توضيحه ليس الانفصال عن أوروبا، لأنه غير منطقي. ما كنت أعنيه وما أعنيه وأؤمن به، هو أن  البرتغال واسبانيا لديها جذور لا تقتصر على أوروبا. ما كنت أقوله للقراء، هو أننا كنا دائمًا جزء من أوروبا، نحن أوروبيين، وسوف نبقى كذلك، ليس هناك طريقة أخرى. ولكن لدينا التزامات أخرى، التزامات طبيعية وتاريخية ولغوية. ولهذا، دعنا لا ننفصل عن بقية العالم، دعنا لا ننفصل عن أمريكا الجنوبية، لا ننفصل عن شبه الجزيرة الإيريبية، ولا عن إفريقيا. فشبه الجزيرة الإيريبية، كما كانت القضية في (حجر الطوافة) تنحدر عن جنوب إفريقيا وإفريقيا، ولهذا سبب. لأن قضية حياتنا كانت تتحدث دائمًا عن الجنوب، الجنوب، الجنوب، والجنوب دائمًا كان مكان الاستكشاف، نستطيع أن نقول ذلك حتى عندما يكون جنوبنا شمالًا.
في كتابك (مذكرات لانزوت)، كتبت عن عن آخر رحلة لك إلى نيويورك، وقلت أن بتلك المدينة تقع منهاتن الشمالية بالجنوب.
نعم، ذلك الجنوب يقع في الشمال.
علي أن أقول بأنني استمتعت بوصفك لفندق تشيلسي في المذكرات.
أوه، لقد كانت شنيعة. لا أعرف لمن هذه الفكرة، أظن بأن الناشر وضعني في ذاك الموقف. اعتقدوا بأنني أريد أن أبقى هناك، لكنني لم أقل ذلك. رأيت الفندق من الخارج بداية، وظننت بأنه جذاب جدًا. لكنني لم أقل ابقوني فيه رجاءً. أتوقع بأني وضعوني فيه بأنهم ظنوا بأن به الكثير من التاريخ. لكن إذا كان عليّ بأن أختار بين فندق غير مريح وبتاريخ وآخر مريح وبدون تاريخ .. كنت لأقول لنفسي، لكن ما هذا، لم أرى مكانًا في حياتي كهذا.
813_saramago
لديك الكثير من القراء في أوروبا وأمريكا اللاتينية، ولكن القليل منهم في الولايات الأمريكية المتحدة.
الأشياء الجدية جدًا -بطبيعة الأمر- لا تروق للقراء الأمريكيين. لكن يثير فضولي، بأنه على الرغم من ذلك، فالمراجعات التي أستلمها من أمريكا جيدة جدًا.
هل آراء النقاد مهمة جدًا بالنسبة لك ؟
ما يهمني -صراحة- هو أن أقوم بعملي بشكل جيد، أقصد بمعاييري أنا في العمل، أن أكتب الكتاب بالطريقة التي أريدها أن تكون. وبعد أن يخرج الكتاب من بين يدي فيكون كأي شيء في الحياة بالنسبة لي. فالأم عندما تلد طفلها فإنها تتمنى له الأفضل. لكن هذه الحياة تنتمي إلى الطفل، وليس للأم. فالطفل هو من سيجعلها حياته، أو أن الآخرين سيصنعون له حياته، وبالتأكيد فلن تكون هذه الحياة التي تريدها الأم. لا أرى نفعًا من أن أحلم بآراء رائعة لكتبي من كل القراء، لأن القارئ سيستقبل كتابي كما يريد هو.
لن أقول بأن كتبي من شأنها أن تسعد القارئ، لأن هذا يعني بأن جدارة الكتاب تكون بعدد القراء، ونحن نعلم بأن هذا غير صحيح.
خلال رحلتك إلى الولايات المتحدة الأمريكية، قمت بزيارة (Fall River) منطقة في ماستيتيوشتست بها العديد من التجمعات البرتغالية
نعم، كان لددي بعض التواصل مع المهاجرين هناك، المهتمين بأعمالي لسبب ما. ومما فاجأني -شخصيًا- بأن لدي جمهور جيد، على الرغم من أنني أقل اهتمامًا بالحديث عن الأدب في هذه الأيام. أعتقد بأن في ذلك بعض التعارض، كون أنني كاتب، وكوني كاتب فعن أي شيء آخر سأتحدث؟ حسنًا، أنا أكتب، لكنني كنت على قيد الحياة أيضًا قبل ما أكون كاتبًا، وكان لدي اهتمامات كأي إنسان يعيش في هذا العالم.
كنت مؤخرًا في مؤتمر (براغ) عن أحد أعمالي الأدبية. لكننا تحدثنا عن أشياء أخرى، كالحال في البرتغال وما نفعله هناك. كنت أقول بأن التاريخ البشري يظهر معقدًا جدًا، لكنه في الحقيقة بسيط جدًا. نحن نعلم بأنا نعيش عالم عنيف. العنف أساس لاستمرار الحياة، يجب أن نقتل الحيوانات أو يقتلها أحد لأجلنا حتى نتغذى. نقطف الفواكه، ونقطف الورود لتزيين بيوتنا. هذه كلها تصرفات عنيفة ضد المخلوقات الأخرى. والحيوانات أيضًا تتصرف بذات الطريقة؛ فالعنكبوت يأكل الذباب، والذباب بدوره يأكل ما يأكله الذباب عادة. ومع ذلك، هناك فارق كبير؛ فالحيوانات ليست قاسية، عندما يلف العنكبوت ذبابةً بشبكته، فهو ببساطة يضع غذاءه للغد في الثلاجة. القسوة صنيعة الإنسان. الحيوانات لا تعذب بعضها البعض، لكننا نحن نفعل. نحن المخلوقات القاسية الوحيدة في هذا العالم.
هذه الملاحظات تقودني للتساؤل التالي، والذي أعتقد بأنه منطقي جدًا: إذا كنا نحن المخلوقات القاسية هنا، كيف نقول بأننا مخلوقات منطقية؟ لأننا نتكلم؟ لأننا نفكر؟ لقدرتنا على الابتكار؟ حتى مع كل هذه القدرات فإننا لا نتوقف عن كل أفعالنا السلبية والعنيفة التي نتشاركها. هذه هي المشكلة الأخلاقية التي علينا أن نتحدث عنها، ولهذا أجد اهتمامي بالأدب يقل يومًا بيوم.
أحيانًا أفكر في نفسي، أتمنى ألا يكون بمقدورنا مغادرة هذا الكوكب، لأننا إذا انتشرنا في العالم، فعلى الأرجح لن نتصرف بطريقة مختلفة في أي مكان آخر. إذا استطعنا أن نسكن الفضاء، وأنا لا أؤمن بإمكانية ذلك، سنكون مثل العدوى أو المرض. نحن على الأرجح فيروس من نوع آخر، ومن سوء الحظ أننا نعتقد بأننا مركز الكون. لقد كنت مؤخرًا متأكدًا من ذلك، عندما قرأت عن (سوبر نوفا) التي انفجرت. فالنور الذي يصل إلينا من الشمس، في ثلاث أو أربع سنوات الماضية، احتاج إلى 166 ألف سنة للوصول إلينا، فأعود وأقول بأنه من غير الممكن أن نصل إلى مثل هذا البعد، ليس هناك من خطر.
(تمت)