أرشيف الكاتب

الدولة المستحيلة، عند طه عبدالرحمن

طه عبدالرحمن

ألّف الدكتور (وائل حلاق) كتاب (الدولة المستحيلة) يفرِّق فيها بين الحكم الإسلامي ومفهوم الدولة الحديثة فيعتقد أنه لم يكن ثمة دولة إسلامية قط، فالدولة شيء حديث، وإنما كان حكما إسلاميا على أسس أخلاقية وقانونية مختلفة جذريا عن الدولة الحديثة، وأسهب في شرح مفهوم قانون الدولة الحديث وأنه يختلف عن القضاء الإسلامي، فالقاضي يرجع للمفتي والفقيه، الذين يقومون بوظائفهم تحت سلطة الشريعة وليس تحت سلطة قانون الدولة، كما في الدولة الحديثة.

والآن لنعرض رأي الدكتور (طه عبدالرحمن) حول مفهوم الدولة في كتابه (روح الدين)، والتي تتفق إجمالا مع كتاب (الدولة المستحيلة):

لئن كان مصطلح “الدولة” يفيد في استعماله الإسلامي الأصلي مجرّد “انتقال السلطة من حال إلى آخر”، انطلاقا من معناه القرآني الوارد في الآية الكريمة: “وتلك الأيام نداولها بين الناس”، فإن المراد به في الشعار الأصولي المذكور هو مدلوله الاصطلاحي الحديث؛ ومعلوم أن الدولة، بحسب هذا المدلول، هي، على وجه الإجمال، “كيان تدبيري مؤسسي قوامه أرض محروسة وساكنة مراقبة وحكومة متسيّدة”؛ وهذا الكيان لم يولد فجأة، وإنما نتج من تطوّر تنظيمات سياسية سابقة مثل “المدينة اليونانية” و “الجمهورية الرومانية”؛ واستعمال هذا المفهوم الحديث في صيغة شبه تعريفية للإسلام يومئ إلى أنه لا يكفي أن يتضمن هذا الدين جملة من القوانين التدبيرية، بل أيضا يحتاج إلى أن تتخذ هذه القوانين صورة “الدولة” الحديثة لكي يكتمل نظام تدبيره؛ والحال أن القوانين التنظيمية التي اشتملت عليها الشريعة الإسلامية لم تُسطّر نظام تدبير بعينه، وجاءت به أمرا جُمْليا غير مفصَّل، فما الظن بنظام تدبيري صناعي هو ثمرة الفصل بين الدين والسياسة كالدولة الحديثة.
إذا سكتت الشريعة عن تفاصيل هذا النظام، فليس ذلك بسبب الظروف التنظيمية المحدودة التي عرفها مجتمع المدينة، فالشريعة التي فصّلت في تدبير الأسرة، وهي من دقّ الأمور، أقدر على التفصيل في تدبير المجتمع الذي هو من جِلّها؛ ولا هذا السكوت هو لمجرد التوسعة على المكلفين، حتى يُحددوا النظام السياسي الذي يطيقه زمانهم، وإنما السبب في ذلك هو أن الشريعة الإسلامية توفّر للمكلفين أكثر الاختيارات التدبيرية الرشيدة الممكنة التي يكون فيها صلاح دنياهم، حتى يضعوا بأنفسهم من القوانين ما يفي بحاجتهم ويخدم مصالحهم، مسترشدين في ذلك بالقانون الأسمى الذي وضعه الله لهم؛ وكفى دليلا على حكمة هذا السكوت أن نظام الدولة الذي طالما تكلّف الدارسون الكشف عن مبادئه في الشريعة، نرى اليوم أن مؤسساته وقوانينه أخذت تتآكل مع زحف العولمة الاقتصادية وانتشار الحُرّانية (أو الليبرالية) السياسية في المعمور، حتى أصبحت سيادة الدولة على أرضها وساكنتها مهددة بالاضمحلال، وإلا فلا أقل من أنها تشهد تقلّص استقلالها؛ وليس ببعيد أن نرى في الأمد القريب تشكّل تنظيم جديد للتدبير في العالم يختلف عن تنظيم الدولة قد يكون عبارة عن نظام كوني واحد أو يكون، على العكس من ذلك، عبارة عن أنظمة تدبيرية محلية متعددة بديلة للدولة؛ وقد يأتي، في المستقبل، من المقلّدة من يبحث لهذه الأنظمة البديلة، هي الأخرى، عن أصول في الإسلام، مرتكبا مفارقة زمنية كما ارتكبها هؤلاء السابقون بشأن الدولة الحديثة؛ وهكذا، فإن الشرع، ما غفل عن ذكر نظام تدبيري بعينه، ولا بالأولى نسي تفصيل معالمه كلها، وإنما قصد، على الحقيقة، مراعاة المصالح التدبيرية للعباد التي تتطور بتطور الاجتماع البشري، وهذا الأصل هو من أهم أصول الشريعة وأنفعها.

المنطق واللوغوس عند طه عبدالرحمن

طه عبدالرحمن
يبدع الدكتور (طه عبدالرحمن) في بيانه، وصف عبارته وتحقيقه في توضيح معنى المنطق واللوغوس فيقول في كتابه (سؤال العمل) [بتصرف]:
لقد اعتبر مفهوم النطق مرادفاً لمفهوم العقل، ذلك أن العرب لمّا باشروا ترجمة الفلسفة اليونانية، وجدوا بين أيديهم لفظاً يونانيّا يجمع بين مدلولين يفرق بينهما التداول العربي، وهذا اللفظ هو اللوغوس إذ يدل على معنى العقل ومعنى القول في آن واحد، ولمّا تعذر على المترجمين أن يظفروا في اللسان العربي بلفظ يستعمله الجمهور في المعنيين المذكورين، قرروا – وقرر فلاسفة الإسلام في أثرهم – أن يستعملوا لفظ النطق في مقابل اللوغوس بحيث جعلوه يفيد ما يفيد، أي الجمع بين العقل والقول؛ ومن هنا كان نقلهم لتعريف الإنسان الذي وضعه (أرسطوطاليس) كالتالي “الإنسان حيوان ناطق” والمقصود هو أن الإنسان حيوان قائل عاقل، غير أن هذه الترجمة ولو أنها تجديد في الاصطلاح وتوسيع في اللغة ، فإنها لم تزد مفهوم العقل إلا استغلاقاً على استغلاق، وبيان ذلك من الوجوه الآتية:
[١] إذا صار العقل مقترنا بتحريك اللسان، فإن في عمل العقل وعمل اللسان لَبْس صريح. فإذا كان اليوناني يقصد بهذا الاقتران أن العقل واللسان وجهان لحقيقة واحدة، بل أنهما حقيقة واحدة، فإن العربي يتبادر إلى فهمه أن العقل والقول حقيقتان مختلفتان، بل حقيقتان متضادتان، ويتجلى هذا التضاد في كون عمل العقل يقوم بالذات في ضبط عمل اللسان، حتى لا يقع في آفات الكلام المعلومة، مثل فضول الكلام والكذب وما إليها.
[٢] الواقع أن لفظة المنطق هي نفسها صرفوها عن معناها الأصلي إلى معناهم الاصطلاحي، إذ كان يجري استعمالها في معنى الكلام كما في الآية الكريمة؛ “وورث سليمان داوود، وقال يأيها الناس علّمنا منطق الطير”، أي كلام الطير. ولو أن هؤلاء المتفلسفة سلكوا طريقاً آخر في الاصطلاح، وهذا الطريق هو أن يشقوا من فعل عَقَلَ اسم العلم الذي ينظر في قوانين العقل على نفس الصيغة التي وضع عليها مصطلح المنطق، ويقولوا المَعقل.
[٣] اقتران العقل بالقول، يشعر بوجود تلازم بينهما من جانبين، بحيث لا قول بغير عقل، ولا عقل بغير قول، وكلا الأمرين لا يصح، فمن الأقوال ما ليس فيه مسكة من عقل، حتى يكون أشبه بالمكاء والتصدية، كما أن من دقيق المدركات العقلية لا يقدر على أن توفي به العبارة وصريح القول، حتى يكون أشبه بالمعاني الروحية الخفية، فيكتفى في حقه بالإشارة والتلميح.
[٤] ليس العقل أولى بالاقتران بالقول منه بالعمل، فإذا اقترن في التداول اليوناني بالقول، فيبدو أن اقترانه بالعمل أقرب إلى التداول الإسلامي، بل قد يكون أصلاً من أصوله الأساسية، ذلك أن العقل يعدّ عند جمهور المسلمين علامة على تحصيل العلم الذي يصحبه التغلغل في العمل، عبادة أو معاملة أو تجربة، فهذا (الفارابي) يقول : “إن هؤلاء – أي جمهور المسلمين – إنما يعنون بالعاقل من كان فاضلاً وجيد الروية في استنباط ما ينبغي أن يُؤثر من خير أو يُتجنب من شر ، ويمتنعون أن يوقعوا هذا الاسم على من كان جيد الروية في استنباط ما هو شر ، بل يسمونه داهية”.
كما أن (الغزالي) ألحّ في إحصائه لمعاني العقل على على هذا الجانب العملي، إذ يقول: “وقد يطلق العقل على من جمع بين العلم والعمل ، حتى إن المفسد ، وإن كان في غاية الكياسة ، يُمنع من تسميته عاقلاً”.
أما المقابل للكلمة “اللوغوس” فيقول في كتابه (فقه الفلسفة؛ القول الفلسفي المفهوم والتأثيل):
إن المقابل العربي الأمثل للكلمة اليونانية الجامعة logos هو بالذات لفظ “البيان” وقد توصلنا إلى هذه الحقيقة غير طريق (هيدغر) الطويل؛ ويتمثل طريقنا في ملاحظة أمرين اثنين، أحدهما دلالي، إذ استعمل في المدلولين اللذين اشتهر بهما لفظ اللوغوس وهما : العقل والقول، فقد سمّيت العبارة المنطقية بياناً كما سمّيت العبارة اللغوية بياناً؛ والثاني تداولي، فقد كانت شهرة “البيان” في المجال التداولي الإسلامي العربي تضاهي شهرة “اللوغوس” في المجال التداولي اليوناني كما كان اقتران “البيان” بالمسألة الدينية الكلامية في المجال الإسلامي لا يقل اقتران “اللوغوس” بالمسألة الوجودية الإلهية في المجال الإغريقي.
 ولذا، لا بدع أن يحذف (ابن حزم) لفظ المنطق عند تعريفه لموضوع كتابه (التقريب لحد المنطق) وعند رده على من ينكر الاشتغال بالمنطق، فقد اتضح أنه يُنزل تعريفه للبيان منزلة تعريف للمنطق، ويجعل لفظ “البيان” مرادفاً للفظ “المنطق”.