أرشيف الكاتب

كيف تترجم بإبداع وإتقان ؟ سامي الدروبي يجيب

31-17

سامي الدروبي، الأديب والناقد والدبلوماسي السوري، اشتهر بترجماته الفخمة لكثير من الأدب الروسي ذو الأثر الكبير في الأدب المعاصر. يعتبره البعض علامة فارقة في سيرة الترجمة إلى العربية. إلى جانب ترجماته في الأدب والفلسفة والسياسة والتربية وعلم النفس، نشر العديد من الكتب والمقالات التي تدور حول العلاقة بين الأدب وعلم النفس.

في هذه الفقرات المقتبسة من إحدى مقابلاته يوضح سامي الدروبي رؤاه حول وظيفة المترجم وآدابه، حيث يقول

ونعود فنقول أن الترجمة […] قبل كل شيء، إحساس بالمسؤولية تجاه الكلمة التي أترجم بها، إحساس بالمسؤولية مقرون بالواجب يتجاوز حدود الأنا في مستوى أوسع ال”نحن”. وبالتالي، هل يصبّ هذا العمل في مصلحة وخدمة الـ”نحن” وهنا المسؤولية، أم في مصلحة وخدمة الأنا وهنا الأنانية، والشعور بالفوقية، وحب الظهور، والكبرياء، والادّعاء الكاذب، والأقنعة المخيفة.

وبالتالي، فـالترجمة قبل كل شيء، تعني التواضع، لأنه وبدون التواضع ليس بوسعي أن أقدِّر عظمة القيمة المختبئة في العمل الذي أترجمه، هذا من جهة، وبدون التواضع ليس بوسعي احترام الآخر الذي أترجم له هذه القيمة الإبداعية أو الحضارية أو الجمال، فإن كنت متواضعاً لنحَرْتُ أنانيتي وأظهرت الآخر المبدِع إلى الآخر القارئ، أما أنا فأكون قد تواريتُ في عدمي الخاص، في إحساسي بالخجل من أنني لا شيء، ولست شيئاً، ولن أكون يوماً شيئاً ما‍‍.

ولعل أقصى ما يمكن أن تعنيه الترجمة هو الحوار، الحوار بين الحضارات والأديان والمعتقدات، وبعبارة أخرى، إن لم أستطع ترجمة إيماني أو عقيدتي إلى الآخر في ضوء إيمانه وعقيدته، وكذلك إن لم أترجم إيمانه وعقيدته في ضوء إيماني وعقيدتي، فالحوار سيكون حواراً بين الطرشان، أو كل يتكلم بلغته وينعدم التواصل والالتقاء، وهنا يتحقق برج بابل أو «باب إيل» بمعناه السلبي الذي يشير إلى التمزق والضياع والتشتت. ويتوقف علينا الاختيار، هل نريد أن نعيش في برج بابل بمعناه الإيجابي أم بمعناه السلبي؟

وفي سياق الحديث عن الشروط التي يجب توفرها في المترجم -سواء للمواد العلمية أو للمواد الأدبية- قبل أن يباشر الترجمة، يقول

الترجمة العلمية سهلة طبعاً، وكذلك ترجمة الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس، فلغة هذه العلوم لغة لا أقول أنها فقيرة على إطلاقي كلمة الفقر ولكن أقول أنها فقيرة نسبياً، وإنما الفن والثراء في لغة الأدب.

أعتقد أنني لا أضيف جديداً إذا قلت أن الشروط التي يجب أن تتوفر فيمن يتصدى لترجمة الأعمال الأدبية هي كما تحصى عادة وكما يعددها سائر الباحثين في هذا الأمر ثلاثة،

أولاً التمكن من اللغة الأجنبية التي تنقل عنها.

ثانياً التمكن من اللغة العربية التي تنقل إليها.

وثالثاً التمكن من المادة التي هي موضوع الكتاب أو البحث الذي تنقله إلى اللغة العربية.

بالنسبة للتمكن من المادة، هذا طبيعي في الترجمة العلمية والفلسفية والاجتماعية والسيكولوجية والتاريخية، وهو التخصص في هذه المادة والتمكن منها.

أما بالنسبة للأدب هي توفُّر الذوق الأدبي، وهذه موهبة تُصْقَل ولكنها لا تُتعلم، فمن لم يكن ذا موهبة لن يُحْقَن بموهبة ولا يمكن أن يعلم كيف يتذوق الأدب. والتمكن من المادة هنا هو هذه الموهبة، هذا الذوق الأدبي. ولكن ما معنى التمكن من العربية ومن اللغة الأجنبية بالنسبة للأدب؟ لا تمكّن من العربية بدون معرفة آدابها معرفة عميقة.

لا يعرف العربية معرفة تؤهله لأن يمسك القلم وينقل إليها من لا يقرأ القرآن دائماً، من لا يقرأ الجاحظ وأبا حيان التوحيدي، ومن لا يترنم بشعر المتنبي وأبي العلاء المعري وأبي تمام، لا يعرف العربية معرفة تؤهله لأن يمسك بالقلم، وينقل إليها من لم يملك الكنوز الثرة للغة العربية مختزنة في آدابها وتراثها.

نأتي إلى التمكن من اللغة الأجنبية، يصدق هنا ما يصدق على التمكن من اللغة العربية، ليس كل من درس اللغة الفرنسية في المدرسة والجامعة بقادر على أن يترجم منها. وإنما ينبغي للمترجم في ميدان الأدب، أن يعرف اللغة الأجنبية في آدابها. وأجازف فأقول: أن معيار التمكن من اللغة الأجنبية هو الوصول إلى القدرة على تذوق شعرها، الإحساس بموسيقى شعرها، وقبل ذلك لا يكون ثمة معرفة تامة باللغة الأجنبية وأعود إلى التمكن من المادة، فأثير أنه يعني، بالإضافة إلى الذوق الأدبي، مصاحبة ومعاشرة المؤلف المترجم عنه. أعرف أناساً يشرعون في ترجمة رواية قبل أن يقرأوها كاملة.

للاستزادة: نبذة موسعة عن حياة سامي الدروبي ورؤاه / نبذة عن منهج سامي الدروبي في الترجمة وبعض حكاياه

أهم عشر روايات في التاريخ من وجهة نظر أهم 125 روائي معاصر

topten

في محاولة منه لحصر أهم الروايات في التاريخ، قام بيتر زين في 2007 بمراسلة 125 روائي يطلب منهم كتبهم المفضلة لينشرها لاحقاً في كتاب (العشرة الأوائل: كُتاب يختارون كتبهم المفضلة). ولكنه لم يتوقف عند هذا الحد بل وضع في المقدمة قائمة بأهم عشرة روايات وسماها (The Top Top Ten) وكتب شارحاً طريقة الاختيار “المشاركون يستطيعون اختيار أي عمل من أي كاتب ومن أي حقبة.. وذلك بإعطاء عشر نقاط  للعمل الأفضل في كل من هذه التصنيفات، ثم تسع نقاط للعمل التالي، وهكذا. جُمعت النتائج في شكل جدول لنستخرج منه قائمة (The Top Top Ten)… الأفضل من الأفضل”.

وبالطبع لم تسلم هذه القائمة من انتقادات واسعة حيث انتقدها كثيرون بأنها غربية المركز ولايوجد فيها أعمال خارج القارتين الأوروبية والأمريكية. فيما انتقد آخرون معايير اختيار هؤلاء الـ 100 روائي الذين اختاروا رواياتهم المفضلة. وبغض النظر عن هذه الانتقادات، يظل من المثير معرفة أهم الروايات التي غالباً ما ألهمت الأدب المعاصر.

القائمة التالية مزودة بروابط الترجمات من موقع (Goodreads) فيما توجد نسخ الكترونية مترجمة متاحة للتحميل لأغلب الروايات.

1. آنا كارنينا – ليو تولستوي
2. مادام بوفاري – غوستاف فلوبير
3. الحرب والسلام – ليو تولستوي
4. لوليتا – فيلاديمير نابوكوف
5. مغامرات هكلبري فين – مارك توين
6. هاملت – ويليام شكسبير
7. جاتسبي العظيم – سكوت فيتزجيرالد
8. في البحث عن الزمن المفقود – مارسيل بروست
9. الأعمال المختارة – أنطون تشيخوف
10. ميد مارش – جيورج إليوت

كل هذه الأعمال متوفرة مجاناً على الانترنت بكافة الصيغ باللغة الانجليزية. وإذا أحببت قراءة القائمة المفصلة فتجد هنا قائمة الأفضل حسب الكاتب وحسب الحقبة التاريخية.

العلاقة بين العدالة والعلم عند الإمام محمد عبده

2012-634642986060260888-26_resized

يتحدث الإمام محمد عبده عن العلاقة بين العدالة والعلم، حيث يراها صنوان لا يفترقان متى سبق أحدهما تبعه الآخر. ربما يختلف الكثير مع رأيه مستحضرا العديد من الوقائع التي يكون للعِلم فيها دور كبير في تكريس الظلم ولكن يظل من المفيد أن نفكر أكثر في منابع الاستخدام السيء للعلم ومدى تأثيره على العدالة.

هذان الأساسان الجليلان (أعني العدالة والعلم) متلازمان في عالم الوجود متى سبق أحدهما إلى بلاد تبعه الآخر على الأثر، ومتى فارق واحد منعما جهة تعلق الثاني بغبار، فلا يكاد يرفع قدمه أو يضعها إلا وصاحبه يرافقه. بهذا ينبئنا التاريخ وتحدثنا سير الدول التي ارتفع بها منار العدل أو بزغت فيها شموس العلم، كيف تمتعت بالنورين، وطارت إلى أوج السعادة بهذين الجناحين حتى إذا أتت حوادث الدهر على أحد الأساسين فهدمه سقط الآخر بأسرع وقت وانحطت الدولة المصابة بفقده إلى أسفل الدركات فأغسق جوها بكثيف من الظلمات وغشيت أبصارها حجب من الجهالة..

وسر هذا جلي، فإن العلم إذا انتشر في قوم أضاء لهم السبل واتضحت المسالك وميزوا الخير من الشر والضار من النافع، فرسخ في عقولهم أن المساواة والعدالة هما العلة الأولى لدوام السعادة، فيطلبونهما بالنفس والنفيس، وأن الظلم والجور قرينان للخراب والشقاوة. وإذا رسخت قدم العدالة في أمة تمهدت لها طرق الراحة، وعرف كل ما له وما عليه، فتلهبت فيهم الأفكار وتلطف الإحساس وقويت قلوبهم على جلب ما ينفعهم ودفع ما يضرهم فيدركون لأول وهلة ألا دوام لما وصلوا إليه ، ولا ثبات لما تحصلوا عليه، إلا إذا تأيد بينهم شأن المعارف الحقيقية، وعمت التربية سائر أفرادهم، فيقدمون بكليتهم على الأخذ بالأسباب المؤدية لانتشار العلوم وتعميمها في سائر الأنحاء.

المصدر: الأعمال الكاملة، محمد عبده.

نصيحة الرافعي لمن أراد أن يكون كاتباً محترفاً

mostafasadiqrafii57d32735-e

مصطفى صادق  الرافعي (1880 – 1937) أحد أشهر الأدباء والكتاب المصريين حيث صدرت له العديد من المؤلفات الأدبية الرفيعة مثل “وحي القلم” وغيرها. يتحدث الرافعي في رسالة بعث بها إلى أحد أصدقائه يرشده فيها إلى الطريق لكي يكون أديباً وكاتباً معروفاً -جُمعت لاحقاً في “رسائل الرافعي“- حيث يقول:

أيّها الفاضلُ

إنّ أعمالي كثيرةٌ في هذه الأيام ِ ولذا أراني أبطأتُ في الردِ على كتابكَ ، وإنّي مجيبك عنهُ بإيجازٍ ، لأنّ ما سألتَ عنهُ يصعبُ التبسّطُ فيهِ على وجهٍ واحدٍ .

إنّكَ تريدُ امتلاكَ ناصيةِ الأدبِ – كما تقولُ – ، فينبغي أن تكونَ لكَ مواهبُ وراثية ٌ تؤديكَ إلى هذه الغايةِ ، وهي مالا يُعرفُ إلا بعدَ أن تشتغلَ بالتحصيل ِ زمناً ، فإن ظهرَ عليكَ أثرها وإلا كنتَ أديباً كسائرِ الأدباءِ ، الذينَ يستعيضونَ من الموهبةِ بقوّةِ الكسبِ والاجتهادِ .

فإذا رغبتَ في أقربِ الطرق ِ إلى ذلكَ فاجتهدْ أن تكونَ مفكّراً منتقداً ، وعليكَ بقراءةِ كتبِ المعاني قبلَ كتبِ الألفاظِ ، وادرسْ ما تصلُ إليهِ يدكَ من كتبِ الاجتماعِ والفلسفةِ الأدبيةِ في لغةٍ أوربيةٍ أو فيما عرّبَ منها .

واصرف همّكَ من كتبِ الأدبِ العربي – بادىء ذي بدءٍ – إلى كتابِ كليلةَ ودمنة والأغاني ورسائلَ الجاحظِ وكتابَ الحيوان ِ والبيانِ والتبيين لهُ ، وتفقّه في البلاغةِ بكتابِ ” المثل ِ السائرِ ” ، وهذا الكتابُ وحدهُ يكفلَ لكَ ملكةً حسنة ً في الانتقادِ الأدبي ، وقد كنتُ شديدَ الولعُ بهِ .

ثمّ عليكَ بحفظِ الكثيرِ من ألفاظِ كتابِ ” نُجعةِ الرائدِ ” لليازجي والألفاظِ الكتابيّةِ للهمذانيّ ، وبالمطالعةِ في كتابِ ” يتيمةِ الدهرِ ” للثعالبيّ والعقدِ الفريدِ لابن عبدربه وكتابِ ” زهرِ الآدابِ ” الذي بهامشهِ .

وأشيرُ عليكَ بمجلّتينِ تُعنى بقراءتهما كل العنايةِ ” المقتطف والبيان ” ، وحسبكَ ” الجريدةُ ” من الصحفِ اليومية و ” الصاعقة ” من الأسبوعية ، ثم حسبكَ ما أشرتُ عليكَ بهِ فإنّ فيهِ البلاغ كلّهُ ، ولا تنسَ شرحَ ديوان ِ الحماسةِ وكتابَ نهجِ البلاغةِ فاحفظْ منهما كثيراً .

ورأسُ هذا الأمر ِ بل سرّ النجاح ِ فيهِ أن تكونَ صبوراً ، وأن تعرفَ أن ما يستطيعهُ الرجلُ لا يستطيعهُ الطفلُ إلا متى صارَ رجلاً ، وبعبارةٍ صريحةٍ إلا من انتظرَ سنواتٍ كثيرة .

فإن دأبتَ في القراءةِ والبحثِ ، وأهملتَ أمرَ الزمن ِ – طالَ أو قصرَ – انتهى بكَ الزمنُ إلى يوم ٍ يكونُ تاريخاً لمجدكَ ، وثواباً لجدّكَ .

[..]

الإنشاء لا تكون القوة فيه إلا عن تعب طويل في الدرس وممارسة الكتابة والتقلب في مناحيها والبصر بأوضاع اللغة وهذا عمل كان المرحوم الشيخ ” محمد عبده ” يقدر أنه لا يتم للإنسان في أقل من عشرين سنة .

فالكاتب لا يبلغ أن يكون كاتبا حتى يبقى هذا العمر في الدرس وطلب الكتابة .

فإذا أوصيتك فإني أوصيك أن تكثر من قراءة القرآن ومراجعة ” الكشاف ” ( تفسير الزمخشري ) .

ثم إدمان النظر في كتاب من كتب الحديث ” كالبخاري ” أو غيره ، ثم قطع النفس في قراءة آثار ” ابن المقفع ” ” كليلة ودمنة ” ” واليتيمة ” والأدب الصغير ” ، ثم رسائل الجاحظ ، وكتاب ” البخلاء ” ثم ” نهج البلاغة ” ثم إطالة النظر في كتاب ” الصناعتين ” و ” المثل السائر ” لابن الأثير ، ثم الاكثار من مراجعة ” أساس البلاغة ” للزمخشري .

فإن نالت يدك مع ذلك كتاب ” الأغاني ” أو أجزاء منه و ” العقد الفريد ” ، و ” تاريخ الطبري ” فقد تمّت لك كتب الأسلوب البليغ .

اقرأ القطعة من الكلام مرارا كثيرة ، ثم تدبرها ، وقلب تراكيبها ، ثم احذف منها عبارة أو كلمة ، وضع ما يسد سدها ولا يقصر عنها ، واجتهد في ذلك ، فإن استقام لك الأمر فترق إلى درجة أخرى ، وهي أن تعارض القطعة نفسها بقطعة تكتبها في معناها ، وبمثل أسلوبها ، فإن جاءت قطعتك ضعيفة فخذ في غيرها ، ثم غيرها ، حتى تأتي قريبا من الأصل أو مثله .

اجعل لك كل يوم درسا أو درسين على هذا النحو فتقرأ أولا في كتاب بليغ نحو نصف ساعة ، ثم تختار قطعة منه فتقرأها حتى تقتلها قراءة ، ثم تأخذ في معارضتها على الوجه الذي تقدم – تغيير العبارة أولا ثم معارضة القطعة كلها ثانيا – واقطع سائر اليوم في القراءة والمراجعة .

ومتى شعرت بالتعب فدع القراءة أو العمل ، حتى تستجم ثم ارجع إلى عملك ولا تهمل جانب الفكر والتصوير وحسن التخييل .

هذه هي الطريقة ولا أرى لك خيرا منها ، وإذا رزقت التوفيق فربما بلغت مبلغا في سنة واحدة .

[..]

وما أرى أحدا يفلح في الكتابة والتأليف إلا إذا حكم على نفسه حكما نافذا بالأشغال الشاقة الأدبية ، كما تحكم المحاكم بالأشغال الشاقة البدنية ، فاحكم على نفسك بهذه الأشغال سنتين أو ثلاثا في سجن ” الجاحظ ” أو ” ابن المقفع ” أو غيرهما ، وهبها كانت في أبي زعبل أو طرة .

كيف تخلصت أوروبا من البربرية الوحشية ؟ رايلي يجيب

Reilly

كافين رايلي – المؤرخ الأمريكي ورئيس جمعية التاريخ العالمي- كتب العديد من الكتب الهامة التي تعيد قراءة تاريخ العالم بنظرة جديدة. ولعل من أهم أعماله يأتي كتاب “الغرب والعالم: تاريخ العالم من خلال موضوعات [تحميل])” والذي ترجمه الدكتور عبد الوهاب المسيري ونشر ضمن سلسلة عالم المعرفة.

يتحدث رايلي في هذا الكتاب الرائع عن تاريخ فكرة “الشعور بالذنب” في المجتمعات الحديثة وكيف أنها ساعدت في تجاوز المرحلة البربرية المؤلمة التي طغت على التاريخ الأوروبي.

لقد قامت الأخلاق البربرية على ضرورة الأخذ بالثأر. وكثيرا ما كانت الأسر القبيلية تمزقها المنازعات التي لا تقف عند حد. فكان الشرف يقتضي الأخذ بالثأر، عندما تلحق إهانة بأسرة المرء أو قبيلته. وكان النوم مستحيلاً إلى أن يُغسل الظلم بالدم. وشيئاً فشيئاً تمكن زعماء البرابرة (ثم الملوك من بعدهم) من الإصرار على إحلال تسوية قانونية للمنازعات القبلية، وأصبح المال أو شيء له قيمة بديلا رمزياً عن الانتقام بالدم. والجزء الذي اقتبسناه من قانون الصياليين كان حقاً خطوة نحو مجتمع أقل عنفاً. صحيح أن الأخذ بالثأر يرضي أحد العواطف الإنسانية للانتقام، ولكن دوافع المهاجم (كما جاء في التعالم التي يلقنها الرهبان المسيحيون) لها أهميتها أيضا. فما جدوى سمل عين الآخر لتسوية الحساب ؟ إن القتل لن يرجع حياة أخرى فقدت ، والحساب لم يكن سوى بهذه الطريقة قط (كما يعرف أكبر رجال القبائل سناً أو الملك أو مدبر الأمور) . فالمنازعات أو الانتقام يعني استمرار الحرب ومنع قيام دولة منظمة.

وهكذا حل نظام (الدية) عن ألوان البتر والقتل المهتلفة محل الثأر تدريجياً. وهذه الغرامات تتوقف على مدى الضرر  الذي لحق بالضحية وقيمته. والنتيجة كما بين روثباري ملك لومبارد في ذيل قائمة الغرامات التي استنها ، هي “أنه بالنسبة للجروح السابق ذكرها فقد فرضنا تعويضاً أعلى من التعويض الذي فرضه أجدادنا، ولذا يكون دفع هذا التعويض قاطعاً لكل عداوة”.

يجب أن ننظر إلى الدية بوصفها خطوة تتجاوز البربرية، حيث أنها جعلت المنازعات الأسرية أقل عدداً نظراً لزيادة الغرامة. ولكن حتى فكرة الدية هي فكرة بربرية من منظور الكنيسة المسيحية . لقد حدّت من العنف لكنها منعت اللوم. وطالما أن الثمن قد دُفع فيكون الأمر قد سُوّى كلية. وقد رحبت الكنيسة بإحلال الدية محل الثأر لكنها أصرت على أن الأمر يتضمن قضية أخلاقية. وألّف رجال الكنيسة الكتب عن العقاب الذي سينزله الله بمن يقولمون بأعمال العنف. وعُدت هذه الأفعال خطايا، لا مجرد لحظات عدم استقرار مؤقتة في النظام الاجتماعي… وهذا الموقف الأكثر “أخلاقية” تجاه العنف لم يكن مستنداً بعد إلى أي إيمان إنساني حديث بقداسة الحياة، بل كان يستند إلى الخوف من القصاص الإلهي وحسب. وبالتدريج حل الشعور “بالعار” لارتكاب الأعمال المعادية للمجتمع محل عدم الاكتراث الهمجي بالموت. وقد تحول العار بدوره الذي لم يأت إلا من الضغط الاجتماعي إلى شعور مسيحي بالذنب الفردي. إن تاريخ الضمير البشري لم يكفّ بعد (ولعله لن يكتب) ، لكن يبدو أن البرابرة وقد أصبحوا مستقرين ومتحضرين ومسيحيين، اكتسبوا استعداداً أكبر للشعور بالعار ثم بالذنب. بل إن الشعور بالذنب تم استبطانه بشكل متزايد. إن الذنب في أوروبا العصور الوسطى لم يكن أكثر من حكم يصدره الملك المسيحي أو القاضي الذي يعينه، ولا يزال الذنب في المجتمع الحديث هو الحكم الذي يصدره المحلّفون [في القضاء الأمريكي]، ولكنه شيء أكبر من هذا: إنه المنظم الداخلي الهائل الذي يستجيب لكثير مما نفعل.

وهكذا أخذ المجتمع الأوروبي يصبح أقل عنفاً مع تحوله من اللامبالاة إلى الشعور بالعار ثم بالذنب ، ومن الثأر إلى الدية، ثم إلى المسؤولية، وذلك بعد أن أصبح المجتمع البربري أشد استقراراً وأصبح الفرد أكثر إحساساً بالمسؤولية عن سلوكه، وحل القانون والإجراءات محل الحاجة العمياء للانتقام.. ونحن ماضون بالتأكيد في هذا الاتجاه منذ العصور الوسطى.