أرشيف الكاتب

مسؤولية المثقفين عند نعوم تشومسكي

نعوم تشومسكي (مواليد 1928) هو أستاذ لسانيات أمريكي، وفيلسوف وعالم بالإدراك والمنطق، ومؤرخ وناقد وناشط سياسي. أما “مسؤوليّة المثقفين” فهي مقالة للأكاديمي الأمريكي (تشومسكي)، والتي نُشِرت مؤخرًا كملحق خاص للمقالة الأساسيّة والتي نُشرت خلال حرب فيتنام وقد حظِيت المقالة باهتمام كبير باعتبار (تشومسكي) ناقد بارز في الحرب الفيتنامية.

يقول (تشومسكي) في مقالته:

منذ أنْ لم يعُد في وسعنا رؤية ما يحدث قبالة أعيننا، لا يفاجئنا كثيراً، ما لا نراه في لحظة هادئة ومغايرة. لقد شهدنا للتو مثالاً توجيهياً: على نحوٍ خُطّط له بوضوح، يرسل الرئيس (أوباما) تسعة وسبعين من الجنود المغاوير إلى باكستان في الأول من مايو لاغتيال المشتبه به الأول في الفظائع الإرهابية للحادي عشر من سبتمبر (أسامة بن لادن). وعلى الرغم من أن المستهدف بالعملية أعزلاً بلا حماية ومن الممكن اعتقاله، فقد كان قاتلاً ببساطة، فأُغرقَ جسدُه في البحر بلا تشريحٍ للجثة. نُظِر إلى هذا الفعل على أنه “فقط وللضرورة” في الصحافة الليبرالية يكون هناك أثر، مثلما كانت تفعل الإجرامية النازية ـ فالحقيقة التي لم يجرِ إغفالها كانت خارج حدود السلطات الشرعية التي صادقت على العملية غير أنها رفضت الإجراء. وكما نبَّهَنا (إيلين سكاري)، فحظر الاغتيال في القانون الدولي يعود إلى الإدانة الفعّالة لممارسته من قِبَل (إبراهام لينكولن)، الذي ندَّد بالمناداة بأن يكون الاغتيال “محرّما دوليا” في العام 1863، وذلك بوصفه ـ أي الاغتيال ـ “انتهاكا لحُرمة” مشهد “الأمم المتحضرة” بالترويع وبما تجدر به من “العلاقة الأشد صرامة”.

في العام 1976، كُتب الكثير عن غشٍّ وتحريفٍ أحاطا بالغزو الأميركي لفيتنام. ناقَشْتُ مسؤولية المثقفين، مستعيرا العبارة من مقالة هامة لدوايت ماكدونالد بعد الحرب العالمية الثانية. ومع حلول الذكرى السنوية العاشرة للحادي عشر من سبتمبر، والاستحسان الشائع أو الشعبي في الولايات المتحدة لاغتيال (ابن لادن)، يبدو الوقت ملائما للعودة ثانية إلى تلك المسألة. إنما قبل التفكير في مسؤولية المثقفين، هناك ما يجدر بنا شرحه عن الذين أشرنا إليهم.

نال مفهوم المثقفين أهمية في الوعي الأخلاقي الحديث مع “بيان المثقفين” 1898 الذي تسبب به (درايفوس)، المُلهم برسالة الاحتجاج المفتوحة لـ(إميل زولا) إلى الرئيس الفرنسي، التي استنكر فيها تلفيق تهمة الخيانة بحق ضابط المدفعية الفرنسي (ألفريد درايفوس) والتستُّر اللاحق للجيش. نقل وضْعُ (درايفوس) صورةَ المثقفين بوصفهم مناصرين للعدالة، ومواجهة السلطة بجرأة ونزاهة. إنما بمشقةٍ رأوا طريقهم في ذلك الوقت. والقلّةُ من بين الفئات المتعلمة في التيار الأساسي للأنشطة المثقفة، أدانت الدرايفوسيين على نحو لاذع، وبخاصة من قِبَل شخصيات أساسية من بين “أعضاء الأكاديمية الفرنسية الأربعين” المناهضين بشدة للدرايفوسية يكتب (ستيفن لوكي). وبالنسبة لـ(موريس باري)، الروائي والسياسي والقيادي المناهض للدرايفوسية، فقد كان الدرايفوسيين “فوضويي منصة الدرس”.

وبالنسبة لآخر من بين أعضاء الأكاديمية المعمّرين هؤلاء، (فيرناند بروتنيير) فإن كلمة “مثقف” بالذات تدلّ على “أقصى الأطوار غرابةً وراديكاليةً في زماننا قصدْتُ غرورَ” الكتّاب التنويريين والعلماء والأساتذة الجامعيين والفلاسفة إلى سلسلة من الرجال ذوي القدرات الاستثنائية الذين تجرأوا على “التعامل مع أفكارنا العامة بوصفها حماقة ومؤسساتنا الاجتماعية بوصفها منافية للعقل وتقاليدنا بوصفها ضارّة بالصحة“.

ثم يتساءل (تشومسكي) بعد ذلك، “من هم المثقفين؟”

إذن، مَنْ هم أولئك المثقفون؟

القلّة التي ألهمها (زولا) -حُوكم بالسجن بسبب القذف والتشهير- أم أعضاء الأكاديمية؟

تردد صدى هذا السؤال عبر العصور، بشكلٍ أو بآخر، واليوم يقدّم إطاراً لتحديد: “مسؤولية المثقفين”.

العبارة غامضة، فهل تُحيل إلى المسؤولية الأخلاقية للمثقفين بوصفهم بشراً محترمين في وضْعٍ يمكِّنهم من الاستفادة من امتيازهم وحالتهم لتحسين أسباب الحرية والعدالة والرحمة والسلام وسائر الاهتمامات الوجدانية الأخرى؟ أم تُحيل إلى الدور المتوقع منهم لَعِبَه، فيخدم المؤسسات ولا يحطّ من قَدْرِها ويقودها ويبرهن أنها المؤسسات الرسمية؟

جاءت إحدى الإجابات خلال الحرب العالمية الأولى، عندما اصطفّ مثقفون بارزون على كل الجوانب في دعم دولهم.

في “بيان الثلاثة وتسعين مثقفا” ألمانيا، الصادر عن شخصيات رئيسية في أكثر دول العالم تنويريةً، طالبوا الغرب أنْ: “ثقوا بنا! آمنوا، أننا سنواصل هذه الحرب بوصفنا أمة متحضرة، على شرف مَنْ هم يعتبرون ميراث (غوته) و(بيتهوفن) و(كانْط). ذلك الميراث هو المقدس مثلما هي مقدسة مواقدها ـ أي الأمة المتحضرة ـ ومنازلها”.

نظراؤهم على الجانب الآخر من الخنادق المثقفة ماثَلوهم الحماسة تجاه القضية النبيلة، لكنهم مضوا أبعد في تملُّق الذات لقد أعلنوا في الـ“نيو ريببلك” أن “العمل الفعّال والحاسم لمصلحة الحرب قد أُنْجِزَ من قِبَل… تلك الفئة التي ينبغي، بشمولية إنما بتساهل، وصفها على أنها فئةُ (مثقفين)”.

فلقد آمن هؤلاء التقدميّون أنهم كانوا تلك الضمانة التي أدخلت الولايات المتحدة إلى الحرب “تحت تأثير رأي أخلاقي أخذ في الاتساع بعد تداول  ماراثوني من خلال أكثر أعضاء المجتمع رصانة”. كان هؤلاء، في الحقيقة، ضحايا تدابير وزارة الإعلام البريطانية التي “حاولت سرّا فرض هذه الفكرة في أغلب العالم” إلا أن تفكير المثقفين الأميركيين، أساسا، هو الذي ساعد على انعطاف بلد مسالم إلى حمى الحرب .

كان (جون ديوي) قد دُمغَ بـ”الدرس النفسي والتربوي العظيم للحرب”، الذي أثبت أن البشر، وبدقة أكثر “الرجال الأذكياء في المجتمع” بوسعهم تولّي الشؤون الإنسانية وإدارتها… على نحو مقصود وذكي، لتحقيق النهايات المقصودة والباهرة من خلال تحديد هذه الشؤون.

ويكمل حديثه بعد ذلك قائلًا:

لم يتْبع كل شخص المجرى بإذعانٍ كبيرٍ، بالطبع. إن شخصيات فذّة من مثل (برتراند راسل) و(يوجين دبس) و(روزا لوكسمبورغ) و(كارل ليبكنخت) كانوا، مثل (زولا)، قد حوكموا بالسجن. عوقِب (دبس) بقسوة استثنائية، مدة عشرة أعوام، بسبب قضية رفعها على “الحرب من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان” للرئيس (ويلسون).

لقد رفض (ويلسون) العفو عنه بعد انتهاء الحرب ، مع ذلك رضخ (هاردينغ)، الرئيس التاسع والعشرون للولايات المتحدة، جمهوري من أوهايو- في آخر الأمر.

وعوقب البعض مثل (ثورشتاين فيلبن)، لكنهم عوملوا بصرامة أقلّ؛ فقد فُصِل (فيبلن) من موقعه في إدارة الأغذية بعد أنْ أعدّ تقريرا تعرّض فيه للنقص في عدد العمّال المزارعين الذي أمكن التغلّب عليه ـ أي النقص ـ بإنهاء الاضطهاد الوحشي الذي مارسه (ويلسون) على هؤلاء العمّال، وعلى وجه التحديد، عمال الاتحاد الدولي. وأُبعدَ (رادولف بورن) من الصحف التقدمية لنقده ”عصبة الأمم الامبريالية المطبوعة على حبّ الخير” ومساعيها الرفيعة .

إن نمطَ الترغيب والترهيب مألوفٌ طوال التاريخ: فأولئك الذين اصطفوا في خدمة الحكومة قد هللّوا لها في العادة عبر المجتمع المثقف، وهؤلاء الذين رفضوا الاصطفاف في خدمة الدولة قد عوقبوا. وهكذا، ففي الماضي، كان (ويلسون) والمثقفون التقدميون، الذين عرضوا عليه خدماته، قد شُرّفوا على نحو عظيم، إنما ليس (ديبس). و(لوكسمبورغ) و(ليبكنخت) اللذين قتِلا، باتا بطليْ التيّار المثقف بشقِّ الأنفُس، فيما واصل (راسل) إداناته اللاذعة حتى بعد موته، ولا يزال كذلك في سِيَرِه الراهنة .

ثم ينتقل إلى إيضاح أسباب هذه الخصومة، والتهديد الذي يجده المثقفين، فيقول:

منذ أنْ اتجهت السُلطة إلى أن تسود، اعتُبر المثقفون الذين خدموا حكوماتهم مسؤولون. في السبعينات، ميّز علماء بارزون بين صنفين أكثر صراحةً. في درس العام 1975، أزمة الديمقراطية، صُنِّفتْ أطوارُ الغرابة الراديكالية لبروتنيير على أنها “مثقفو القيمة ـ الموجَّهة” الذين طرحوا “تحديا لـلحكومات الديمقراطية هو، بشكلٍ مُحتملٍ على الأقلّ، تحدٍّ جادّ يُشبه ذلك الذي طرحوه في الماضي من خلال زُمرة الأرستقراطيين والحركات الفاشية والأحزاب الشيوعية”. ومن بين آثامٍ أخرى، ثمة كائناتٌ أخرى، منها أولئك “الذين كرّسوا أنفسهم للانتقاص من القيادة وتحدي السلطة” والذين تحدوا مسؤولية المؤسسات من أجل “تلقين الشباب” حتى أنّ البعض منهم قد غاص إلى أعماق التساؤل عن نُبْل أهداف الحرب، مثلما فعل (رادولف بورن). هذا الانتقاد بقسوة من قِبَل المهرطقين الذين ساءلوا السلطة والنظام القائم تنازل عنه علماء اللجنة الثلاثية الدولية الليبرالية؛ أولئك الذين اجتذبتهم إدارة (كارتر) على نحو واسع من طبقاتهم الاجتماعية .

وكما هو الحال مع جماعة “نيو ريببلك” المتزايدين أثناء الحرب العالمية الأولى، فقد وسّع كُتاب “أزمة الديموقراطية” مفهوم العقلانية إلى معنى أفضل من معنى “بريتينير” السخيف، وكان أفضل منه أيضاً من ناحية النوع، حيث أنه: يُعد المفكرين التكنوقراطيين والمُوجّهين للسياسات مفكرين جادين ومسؤولين، يُكرسون أنفسهم للعمل البنّاء وذلك لصياغة سياسات المؤسسات القائمة وضمان ثبات العائدات.

لم يتطلب الأمر من (ديوي) سوى بضع سنوات للتحول من مفكر تكنوقراطي ومُوجَّه للسياسات في الحرب العالمية الأولى إلى محاضر ثائر، كما أنه انتقد شجب “الصحافة غير الحرة” وتساءل عن مدى “إمكانية تحقيق الحرية الفكرية والمسؤولية الاجتماعية على نطاق واسع في ظل وجود النظام الاقتصادي السائد”.

لقد كان موضوع “الديموقراطية المفرطة” هو الشغل الشاغل لعلماء “الثلاثية” وذلك خلال اضطرابات في الستينيات عندما انخرطت أحزاب سكانية سلبية ولا مبالية في الساحة السياسية معربين عن قلقهم تجاه: الأقليات والنساء والأطفال وكبار السن والعمال…الخ. وباختصار،

يجب التفريق بين سكان، والذين يُدعون أحياناً “أصحاب المصالح الخاصة” وبين من أطلق عليهم (آدم سميث) “سادة البشرية” حيث أنهم “المُخططين الحقيقيين” للسياسة الحكومية والذين يتبعون نظام “ماكسيم الدنيء” الذي يقول كُلنا لأنفسنا لا للآخرين. لا يُستنكر أو يُناقش دور أولئك أولئك السادة في الساحة السياسية، وذلك لأنها، كما يقول الموروث الثلاثي،: “أن السادة يمثلون الصالح الوطني” كأولئك الذين يمجّدون أنفسهم بسبب إدخال البلاد في حالة حرب، بعد بذل أقصى جهد في التشاور مع أكثر أعضاء المجتمع فكراً، حيث أنهم وصلوا إلى “القرار الأخلاقي”.

وللتغلب على الأعباء التي يضعها “أصحاب المصالح الخاصة” على عاتق الدولة، فقد دعت “الثلاثية” إلى مزيد من “الاعتدال في الديموقراطية”، وذلك بأن يصبح الجانب المُهمل جانباً سلبياً، الأمر الذي قد يعيد البلاد إلى الأيام السعيدة كأيام حكم (ترومان) الذي تعاون مع قلة من محامي وول ستريت وصرافيها، مما أدى إلى انتعاش الديموقراطية.

وادعت “الثلاثية” بأنها متمسّكة بهدف الدستور القائل: “أنّه وثيقة أرستقراطية جوهرية تهدف إلى الميول الديموقراطية في فترة الحكم” وذلك من خلال إعطاء السلطة “لنوعٍ أفضل” من البشر وقصرها على الأغنياء وذوي النسب المرتفع والبارزين، وذلك حسب المؤرخ البريطاني (جوردون وود). ودفاعاً عن (ماديسون)، يجب علينا أن ندرك أن عقليته كانت عقلية ما قبل الرأسمالية. لقد كان يعتقد أن السلطة يجب أن تكون في يد “ثروة الأمة” و“العصبة من الرجال” وتصوّرهم بأنهم “رجال الدولة الراشدين” و“فلاسفة الخير” للعالم الروماني الخيالي. يراهم بأنهم “نبلاء وصادقين” و“رجال مخابرات وطنيين ثوريين بظروف خاصة” يميزون مصالح بلادهم الحقيقية، والذين من غير المحتمل أن يضحوا بوطنيتهم وحبهم للعدالة لدواعي مؤقتة أو جزئية. وبهذا، فإنه يمكن لأولئك الرجال أن “ينقحوا الرأي العام” مما يضمن حماية المصالح العامة ضد “المفسدين” من الغالبية الديموقراطية.

وعلى غرار ذلك، فقد وجد المفكرون الويلسونيون ضالتهم في العلوم السلوكية، الأمر الذي وضّحه عالم النفس والمُنظّر التعليمي (إدوارد ثورنديك) عام 1939 حيث قال: “إنه لمن حسن حظ البشرية أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين الذكاء والأخلاق، الأمر الذي يتخلله حسن النية تجاه الزملاء، وبهذا فإنه غالباً ما يكون رؤساؤنا من محبي الخير، ولذا فإنه من الآمن أن نثق في مصالحنا بين أيديهم عوضاً عن أن تكون بين أيدينا”.

إن هذا الاعتقاد مريح، بالرغم من أن البعض قد يرى بأن (آدم سميث) كان أكثر وضوحاً.

ويتابع حديثه قائلًا:

يعتبر المفكرين الذين يخدمون حكوماتهم مسؤولين بينما يُرفض أو تُشوه سمعة أولئك الذين يتطلعون إلى القيم، وسبب ذلك كله هو أن السلطة بيد الغلبة.

أما بخصوص الأعداء، فإن لديهم نفس الفرق بين هذين النوعين من المفكرين، إلا أنهم يعكسون القيم.

كان يُعتبر المفكرين المنشقين في الاتحاد السوفييتي القديم بمثابة أصحاب الشرف، بينما  نكنّ الازدراء للبيروقراطيين والمفوّضين والمفكرين التكنوقراطيين والسياسيين. ويبقى الحال ذاته في إيران، فقد كنا نحترم المنشقين الشجعان وندين من يدافع عن المؤسسة الدينية، وكذلك هو الحال في أي مكان آخر.

لقد كان يُستخدم مصطلح التشريف “منشقّ” استخداماً انتقائياً. بالطبع فإنه لا ينطبق انطباقاً ملائماً على المفكّرين الذين ينحون منحى القيم من منازلهم أو أولئك الذين كافحوا الاستبداد الأمريكي من الخارج. وانظر على سبيل المثال لحالة (نيلسون مانديلا) الذي أُزيل اسمه من قائمة الإرهابيين عام 2008 ليتمكن من القدوم إلى الولايات المتحدة دون الحاجة إلى تصريح خاص.

لقد كان (مانديلا) زعيماً إجرامياً لأحد أكبر “الجماعات الإرهابية سيّئة الصيت” في العالم قبل عشرين عاماً وذلك بحسب تقرير لوزارة الدفاع الأمريكية.

وهذا هو السبب الذي دفع الرئيس (ريغان) إلى دعم نظام التمييز العنصري، إضافة إلى انتهاك جنوب افريقيا لعقوبات الكونغرس ودعمها لعمليات سلب البلدان المجاورة، لينتهي الأمر إلى وفاة مليون حسب دراسة للأمم المتحدة.

لم يكن هذا إلا إحدى حلقات الحرب على الإرهاب التي أعلنها ريغان لمكافحة “آفة العصر الحديث” أو ما أشار إليه وزير الخارجية (جورج شولتز) “العودة إلى الهمجية في العصر الحديث”. وقد نضيف إلى هذا كله مئات الآلاف من الجثث في أمريكا اللاتينية وعشرات الآلاف في الشرق الأوسط، وغير ذلك من الإنجازات. ومن غير المستغرب أن يبجّل علماء معهد هوفر المتحدثَ العظيم حيث أنهم يعتبرونه العملاق صاحب “الروح التي تنهض بالبلاد والشبح الصديق والحميم الذي يراقبنا” وكانوا قد كرّموه مؤخراً بتمثال يشوّه السفارة الأمريكية في لندن.

الأمر الذي أربك علماء الثلاثية هو “نهضة الديموقراطية” في الستينيات .

ويقول بعد ذلك:

تُعتبر حالة أمريكا اللاتينية حالة بيّنة. لا يقبل المعارضين المُشرّفين بأولئك الذين ينادون بالحرية والعدالة. فعلى سبيل المثال، قُتل ستة رهبان مُفكّرين في أمريكا اللاتينية وذلك بناءً على أوامر مباشرة من القيادة السلفادورية العليا وذلك بعد أسبوع من سقوط جدار برلين. لقد كانوا من كتيبة النخبة التي سلّحتها ودربتها واشنطن والذين قد جرّبوا أبشع أنواع الدم والإرهاب، وكانوا أيضاً قد عادوا للتو من تدريب في مركز جون كينيدي الحربي الخاص ومدرسة فورت براغ في كارولينا الشمالية. ولم تُحيَ ذكرى القساوسة باعتبارهم منشقين شرفاء ولم تُحيا ذكرى من هم على شاكلتهم في العالم. إن المنشقين الشرفاء هم أولئك الذين يدعون إلى الحرية في أوروبا الشرقية والذين بالطبع عانوا ولكن لم تكن معاناتهم عن بعد كما هو الحال مع أمثالهم في أمريكا اللاتينية.

إن موضوع التمييز جدير بالدراسة، كما أنه يخبرنا الكثير عن عبارة “مسؤولية المفكّرين” وعن أنفسنا.

يقول (جون كوست ورث) في ورقته المنشورة مؤخراً في جامعة كامبريدج “تاريخ الحرب الباردة” بأنه “تجاوز عدد السجناء السياسيين وضحايا التعذيب وحالات إعدام المعارضين السياسيين غير العنيفين في أمريكا اللاتينية الحد مقارنةً بالتجاوزات التي حدثت في الإتحاد السوفييتي منذ الستينيات حتى انهياره في التسعينيات وتوابعه من دول شرق أوروبا”.

لقد كان هناك العديد من الشهداء المتدينين بين المعدومين، كما أنه كانت هناك مجازر جماعية دعمتها أو قامت بها واشنطن.

فلماذا إذاً يكون هناك تمييزٌ؟ قد يقال بأن ما حصل في شرق أوروبا أمرٌ أكثر خطورة من مصير جنوبها الذي يقع بين أيدينا. إنه من المثير للاهتمام أن تكون الحجة واضحةً لا غبار عليها، وأن نراها تشرح السبب الذي يجب أن نتخلى عن أخلاقنا الأولية لأجله ومنها مدى جديتنا في موضوع المعاناة والأعمال الشنيعة والعدالة والحقوق، فإذاً سنركز جهودنا في مواضع قوتنا، وذلك بتقاسم المسؤولية فيما بيننا للأحداث الراهنة. لا نحظى بمصاعب تتطلب من أعدائنا أن يتحلوا بهذه المبادئ.

ولم يتبقَ لدينا سوى القليل للقلق بشأنه أو ما يجب علينا أن نقلق بشأنه، وهو ما يقوله (أندري ساخروف) أو (شيرين عبيدي) بخصوص جرائم الولايات المتحدة أو إسرائيل. إننا معجبون بهم لما يقولونه ويفعلونه بدولهم والنتائج التي يتوصلون إليها لمن يعيش في مجتمعاتهم الحرة والديموقراطية، الأمر الذي يحفّز للإنتاج الفعال. نجد أن الممارسة في المجتمعات المحترمة تكاد تكون نقيض القيم الأخلاقية.

ولكن، لنتفق ونستعرض الموروث التاريخي هنا.

تحظى حروب الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية في الفترة ما بين 1960 إلى 1990 (بصرف النظر عن أهوالها) بأهمية تاريخية على المدى الطويل. هناك جانب مهم يجب أن نضعه في الحسبان وهو أنه كانت هناك حروب كبيرة ضد الكنيسة والتي اعتبرها مجمع الفاتيكان الثاني في عام 1962 زندقة. يقول البابا الثالث والعشرون عن هذه الحروب أنها “بداية حقبة جديدة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية”، كما يصفها العالم الديني (هانس كونغ) بأنها تستعيد تعاليم الإنجيل التي تُخُلي عنها في القرن الرابع عندما أنشأ الإمبراطور قسطنطين المسيحية باعتبارها ديناً للإمبراطورية الرومانية، مما أدى إلى “ثورة” تحوّل “الكنيسة المضطهَدة” إلى “كنيسة مُضطهِدة”. واعتبر أساقفة أمريكا اللاتينية الذين اختاروا “تفضيل الفقراء” أن المجمع الفاتيكاني الثاني يمارس الزندقة. ثم جاء بعد ذلك القساوسة والراهبات والعلمانيون برسالة سلمية راديكالية من الأناجيل للفقراء تساعدهم في تحسين مصيرهم التعيس في ميادين السلطة الأمريكية.

أصدر الرئيس (كينيدي) في العام ذاته (1962) عدة قرارات مصيرية. كان أحد تلك القرارات أن يتحول جيش أمريكا اللاتينية من “جيش عالمي” (وهذه إحدى مفارقات الحرب العالمية الثانية) إلى “أمن داخلي”، ويمثل هذا الأمر في الحقيقة حرباً ضد السكان المحليين، وذلك إذا ما حاولوا رفع رؤوسهم. ويصف (شارلز ماتشلينج) (المتمرد والمخطط الدفاعي للولايات المتحدة الأمريكية 1961-1966) العواقب المُتوقعة لقرار سنة 1962 وأنه انتقال من التسامح “في ضراوة الجيش الأمريكي اللاتيني وضراوته” إلى “تواطؤ مباشر” في الجرائم بغية دعم الولايات المتحدة الأمريكية “في كتائب الإبادة بأساليب هينرش هيلمر”. وتتمثّل إحدى المبادرات في الانقلاب العسكري في البرازيل والذي خُطط له في واشنطن بعد اغتيال (كينيدي) وذلك لتأسيس دولة ذات أمن قومي قائمة على القتل والوحشية. لقد بدأ طاعون القمع بالانتشار في العالم ومن ذلك انقلاب سنة 1973 لإثبات ديكتاتورية (بينوتشيت)، بل والأسوأ من ذلك كالديكتاتورية الأرجنتينية التي يُفضلها (ريغان). وأتى دور أمريكا الوسطى (كما جاء مسبقاً) في الثمانينات تحت ظل “الشبح الصديق الحميم” الذي يُبجّل لإنجازاته.

لقد كان مقتل أولئك القساوسة الذي تزامن مع سقوط جدار برلين بمثابة الضربة القاضية للزندقة والتي بلغت أشُدها في العِقد السلفادوري الذي كان بدايةً لحقبة الاغتيالات كاغتيال رئيس الأساقفة (أوسكار روميرو) “صوت من لا صوت له”. لقد تبنى المنتصرون في الحرب ضد الكنيسة تلك العمليات بكل فخر. تشتهر مدرسة الأمريكيتين (باسمها الجديد) بتدريبها للقتلة اللاتينيين وصرّحت أن اللاهوت التحريري الذي كان في مجمع الفاتيكان الثاني تم بمساعدة من “الجيش الأمريكي”.

لقد كانت اغتيالات نوفمبر 1989 أشبه ما تكون بالضربة القاضية، لكن كانت هناك حاجة إلى المزيد.

أُجريت بعد ذلك بعام أول انتخابات نزيهة في هايتي، وكانت هنا الصدمة والمفاجئة لواشنطن التي توقعت فوز مرشحها. انتخب الجمهور من الفقراء وقاطني الجبال (جيان بيرتراند أريستايد) القسيس التابع للاهوت التحريري، فتحركت واشنطن فوراً لإسقاط لتدمير الحكومة المنتخبة، ثم قدمت بعد ذلك دعماً عسكرياً للمجلس العسكري الحاكم ولمؤيديها الذين تولوا الحكم بعد الانقلاب الذي أطاح بالحكومة المنتخبة خلال أشهر. انتعشت التجارة هناك في ظل انتهاكها للعقوبات الدولية، وازدادت انتعاشاً في عهد (كلينتون) الذي سمح لشركة النفط “تكساكو” بتمويل الحكام السفّاحين رغماً عن توجهاته.

سأتجاوز العقبات المُهينة لهذا الأمر وسأسهب في أمورٍ أخرى، إلا أنه يجب أن نشير إلى حركتي التعذيب في عام 2004 والتي شارك فيها كل من هايتي وفرنسا والولايات المتحدة وكندا في خطف الرئيس (أريستايد) (الذي اُنتخب مرةً أخرى) وإرساله إلى وسط افريقيا. لقد تم منعه وحزبه من الدخول في انتخابات 2010 – 2011 التي كانت تُعتبر مهزلة، والتي تعتبر أيضاً من الأمور التاريخية المُريعة التي تُرجعنا إلى مئات السنين والتي لا يكاد يُعرف مرتكب جرائمها والذين يُحبون القصص التي تدل على جهودهم المتفانية في إنقاذ الناس.

أما إذا كنا جادين في موضوع العدالة فإنه يجب علينا أن نتحمل المسؤولية جميعاً في الأمور التي تحدث.

يعتبر قرار (كينيدي) عام 1962 بإرسال بعثة للقوات الخاصة إلى كولومبيا بمثابة آخر القرارات المصيرية والتي قادها الجنرال (ويليام ياربوف) الذي أشار لقوات الأمن الكولومبية بأن يقوموا بأعمال “شبه عسكرية وتخريبية و/أو أنشطة إرهابية” ضد مؤيدي أحد الشيوعيين المعروفين، وهي أنشطة يجب أن تدعمها الولايات المتحدة. فسّر رئيس اللجنة الكولومبية لحقوق الانسان ووزير الخارجية السابق (ألفريدو فاسكيز كاريزوسا) معنى عبارة “مؤيدي الشيوعية”، وكتب إلى إدارة (كينيدي) “لقد بذلت قصارى جهدي في تحويل جيوشنا النظامية إلى ألوية مكافحة تمرد، وقبولها لاستراتيجيات فرق الإعدام الجديدة”، ويقول: “لا تدافع عقيدة الأمن القومي المعروفة لدينا في أمريكا اللاتينية ضد الأعداء الخارجيين، إنما ترتكز مهمتها في الحفاظ على الحكام، مع بقاء الحق لها في مكافحة الأعداء الخارجيين، كما هو منصوص عليه في البرازيل والأرجنتين والأوروغواي وكولومبيا: نملك الحق في قمع وإبادة الأخصائيين الاجتماعيين والأعضاء والرجال والنساء الذين لا يدعمون المؤسسة الحكومية، والذين نفترض أنهم متطرفون شيوعيون. وهذا بدوره يعني أي شخص بما فيهم الحقوقيين مثلي”.

يقول (شارلز شولتز) في دراسة له في عام 1980 أن الأكاديميين الأمريكيين المتخصصين  في حقوق الإنسان في أمريكا اللاتينية وجدوا أن المساعدات الأمريكية “تتدفق تدفقاً غير متكافئ لحكومات أمريكا اللاتينية التي تعذب مواطنيها مقارنةً مع حقوق الإنسان الأساسية لمنتهكي الجرائم في العالم”، وأن ذلك شمل المساعدات العسكرية أيضاً (التي لم تكن هناك حاجة لها)، الأمر الذي استمر حتى حكم (كارتر). لقد كان من اللازم أن تكون هناك دراسة مماثلة منذ عهد ريغان. كانت السلفادور إحدى أكبر الدول منتهكة الجرائم في الثمانينات، وبذلك فقد أصبحت المُستقبِل الرئيسي للمساعدات العسكرية الأمريكية، ثم بعد ذلك حلت كولومبيا محلها باعتبارها أسوأ منتهكة للجرائم في نصف الكرة الأرضية. لقد كان (فاسكيز كاريزوسا) يعيش تحت حراسة مشددة في مقر اقامته في بوجوتا عندما زرته عام 2002 باعتباري طرف من بعثة منظمة العفو الدولية، التي قامت بحملة لمدة سنة تتمثل في حماية المدافعين عن حقوق الإنسان في كولومبيا وذلك بسبب سجل الهجمات المرعبة التي كانت ضد نشطاء حقوق الإنسان والعمال، والتي كانت معظم ضحاياها من الفقراء والعُزّل. ويستمر الإرهاب والعذيب في كولومبيا باستخدام الأسلحة الكيميائية (التطهير) وذلك بحجة الحرب على المخدرات، ليُجبر سكان الأحياء الفقيرة على الهروب، ولم يلقَ الناجون منهم إلا البؤس. تشير تقديرات مكتب المدعي العام الكولومبي إلى مقتل أكثر من 140 ألف شخص على يد الميليشات أو القوات غير النظامية، التي تعمل مع الجيش وتمولها الولايات المتحدة.

أصبحت ترى علامات المجازر في كل مكان. مررت أنا ورفاقي على طريق زراعي قبل عام وكنا نريد الوصول إلى قرية نائية في كولومبيا، لقد مررنا في طريقنا على عدة قبور لضحايا الهجوم شبه العسكري على الحافلات. وتعتبر تقارير القتل الرسومية أمراً كافياً، كما أن من شأن مقابلة بعض الناجين الذين يعتبرون من ألطف الناس وأكثرهم عطفاً أن توضّح الصورة وألمها.

إن هذا الأمر لهو أكثر رسومات هذه الجرائم الفظيعة اختصاراً، والتي يتحمل ذنبها الأمريكيون، والتي يمكننا (على أقل تقدير أن نخفف من حدتها).

إلا أن أكثر ما يثلج الصدر هو أننا نثني على الشجعان الذين يحتجون على انتهاكات العدو، إنه أمر جيّد لكنه لا يحظى بأولوية لدى المفكّرين الذين يأخذون مسؤوليات هذا الموقف على محمل الجد.

إنّا لا نتجاهل وننسى الضحايا في مياديننا (الأمر الذي يحدث عكسه في دول معادية) إلا أن هذا يعتبر إهانةً لنا أيضاً. ضرب أحدهم مثالاً لافتاً بعد اغتيال المفكرين الأمريكيين اللاتينيين في السلفادور بأسابيع قليلة.

زار (فاكلاف هيفيل) واشنطن وحضر جلسة كونغرس مشتركة. أُعجب به الجمهور عندما نادى “المدافعين عن الحرية” في واشنطن حيث أنه فهم أنه “تدفق منها المسؤولية” وأنها “أقوى دولة على وجه الأرض” وأعلن بصراحة عن مسؤوليتها عن الاغتيالات الوحشية لأقرانه السلفادوريين قبل فترة وجيزة.

سَحرَ بعرضه هذا الطبقة الليبرالية المثقفة. إن (هيفيل) يذكرنا بأننا نعيش “في عصر الرومانسية” كما قال (أنتوني لويس). لقد فرِح المحللون الليبراليون بمثالية وسخرية وإنسانية (هيفيل) وأنه “بشّر بعقيدة صعبة لمسؤولية الأفراد”، بينما تألم الكونغرس “باحترام” من عبقريته ونزاهته، كما أنه تساءل عن سبب افتقار أمريكا لمثل هؤلاء المفكرين والذين ينادون بترقية الأخلاق على المصلحة الشخصية ويدعون إلى النظر في الجثث المعذبة والمشوهة في أنحاء البلدان التي تركناها في مأساتها. لا داعي لأن نقلق هنا حيال ردة فعل البابا إلاروكيا (أبرز المفكرين المسيحيين المُغتالين) الذي قال مثل هذا الكلام في مجلس الدوما وذلك بعد أن قامت قوات الصفوة التي سلحها ودربها الاتحاد السوفييتي باغتيال (هيفيل) وستة من مساعديه، الأمر الذي لا يمكن تصوره.

يجعلنا اغتيال (ابن لادن) ننتبه أيضاً إلى ضحايا الذل. هناك الكثير لنقوله حيال هذه العملية، ويتضمن ذلك استعداد واشنطن لمواجهة خطر حرب كبرى محتملة أو حتى وصول المواد الانشطارية إلى أيدي الجهاديين، كما أسلفت سابقاً. لكن دعونا نبقي على سبب تسمية عملية غيرونيمو بهذا الاسم. تسبب هذا الاسم بغضب في المكسيك، كما احتج عليه السكان الأصليون في الولايات المتحدة، ولكن يبدو أنه لم يُلاحظ أن (أوباما) حدد (ابن لادن) مع رئيس الأباتشي الهندي. لقد قام غيرونيمو بمقاومة شجاعة لأولئك المعتدين الذين هددوا شعبه بمصير “إبادة هذا العرق التعيس من الهنود الحمر بطريقة غادرة لا رحمة فيها بسبب خطاياها الشنيعة التي سيحاسبكم عليها الله” وذلك على حد تعبير الاستراتيجي العظيم (جون كوينسي آدمز) المهندس الفكري وذلك بعد فترة طويلة من إسهاماته في تلك الخطايا. يعيد لأذهاننا هذا الاسم سهولة تسمية أسلحة القتل لدينا بناءً على ضحايا جرائمنا مثل: أباتشي وبلاكهوك وشيين. قد ننظر للأمر نظرة مختلفة إذا استدعت اللوفتوافا طائراتها باسم “يهودي” أو “غجري”.

ويتابع بعد ذلك:

يقول (كسينجر): “لم تغير أحداث الحادي عشر من سبتمبر الأولى العالمَ كما غيرته الثانية، كانت لا شيء بالنسبة لعواقبها الوخيمة”.

لا يعد إنكار هذه “الخطايا البشعة” أمراً واضحاً أحياناً. وهناك حالات أخيرة -على سبيل المثال لا الحصر- منها حالة حدثت قبل عامين في أبرز المجالات الفكرية الليبرالية اليسارية حول العالم، حيث بيّن (راسل بيكر) ما تعلمه من عمل “المؤرخ البطل” (إديموند مورغان)، فيحكي أنه عندما وصل كولومبوس والمستكشفون الأوائل وجدوا مساحة قارية ذات كثافة سكانية منخفضة يعيشون على الزراعة ومطاردة البشر، وأنه قد يكون هناك مليون نسمة في عالم لا حدود له وغير ملوث يمتد من الغابات الاستوائية إلى الشمال المتجمد.

ثم تطور الأمر لتشمل تلك المناطق عشرات الملايين وشهدت “تمددا” حضارياً  في أرجاء القارة.

لم تكن هناك ردة فعل على هذا الكلام، إلا أن المحررين عدلوا على المقال فأضافوا أنه كان هناك ما يزيد عن 18 مليون نسمة، كما أنهم حذفوا جزئية (من الغابات الاستوائية إلى الشمال المتجمد). كان كل هذا معروفاً قبل عدة عقود (بما في ذلك الحضارات المتقدمة والوحشية الغادرة والإبادة) ولكنه أمر ليس بالمهم حتى أن يُكتب في جملة اعتراضية. وأشار المؤرخ (مارك مازور) في مراجعة الكتب اللندنية بعد ذلك بعام إلى أنه لا يوجد أي تعليق على “إساءة معاملة الأمريكيين للسكان الأصليين”. هل الأمر أننا نقبل بكلمة مثل كلمة “إساءة معاملة” لجرائم مماثلة يرتكبها الأعداء؟

ويكمل (تشوميسكي) مقالته:

إذا كانت مسؤولية المثقفين تشير إلى مسؤوليتهم الأخلاقية كبشر مهذّبين في موقعٍ يمكِّنهم من استخدام امتيازهم ووضعهم لتحسين شروط الحرية والعدالة والرحمة كذلك للتحدث دون خوف ليس عن انتهاكات الأعداء، إنما، أكثر بكثير وبشكل ملحوظ، عن الجرائم التي نحن متورّطون بها وبالإمكان تحسينها أو الانتهاء منها إذا نحن اخترنا الإجابة عن سؤال: كيف سوف نفكر في الحادي عشر من سبتمبر؟

إنّ نظرية: هجمات الحادي عشر من سبتمبر “قد غيّرت العالم” هي نظرية مستمرة إلى حدٍّ بعيد وعلى نحو من الممكن تفهّمه. لأحداث ذلك النهار النتائج الأخطر بالتأكيد، محليا ودوليا. كان أحدهُم قد قاد الرئيس (جورج دبليو بوش) إلى إعلان حرب (رونالد ريغان) على الإرهاب. الأول منهما قد “اختفى” فعليا، باستعارته للعبارة من قتلة أميركا اللاتينية ومعذِّبيها المفضّلين لدينا. وذلك بصورة مُحتملة، لأن تلك النتائج لم تتلاءم جيدا مع صورنا الذاتية الممتازة. كانت النتيجة الأخرى غزو أفغانستان ومن ثم العراق؛ فالكثير من التدخلات العسكرية الراهنة في بلدان أخرى عديدة في المنطقة والتهديدات المنتظمة بالهجوم على إيران (“الخيارات كلها مفتوحة” وفقا للعبارة القياسية). كانت الأكلاف، بكل أبعادها، باهظةً. وكانت الاقتراحات على العكس من السؤال البديهي الذي لم يُسأل طوال المرة الأولى: هل ثمة بديل هناك؟ .

لاحظ عدد من المحللين أن (ابن لادن) قد حقق نجاحات ضخمة في حربه ضد الولايات المتحدة. “لقد أثبت على نحوٍ متكررٍ، أنّ الطريقة الوحيدة لإكراه الولايات المتحدة على الخروج من العالم الإسلامي وإيقاع الهزيمة بأحذيتها العسكرية كانت بجرّ الأميركان إلى سلسلة من الحروب الصغيرة لكنْ غالية الثمن، تلك التي في النهاية تؤدي إلى إفلاسهم” يكتب الصحفي إيريك مارغوليس .

باغتت الولايات المتحدة جيدا، تحت حكم (جورج دبليو بوش) ومن ثم (باراك أوباما)، مكيدةَ (ابن لادن)… الإنفاق والولع الشديد بالديْن العسكريين المتضخميْن على نحو غريب… هما ميراث أعظم ضررا بكثير من الرجل نفسه الذي اعتقد أنّ بوسعه أن يوقع الهزيمة بالولايات المتحدة .

قدّر تقرير “أكلاف مشروع الحرب” الصادر عن معهد واتسون في جامعة براون أن المحصلة النهائية سوف تكون 3,2 تريليون ولغاية 4 تريليونات مليون دولار أميركي. تماما، هذا الإنجاز المؤثر (تحقق) عن طريق (ابن لادن).

كانت واشنطن منكبّة على مباغتة مكيدة (ابن لادن) الذي كان واضحا أكثر من أي وقت. يكتب (مايكل سكوير)، المحلل المتقاعد في (السي آي إيه) والذي كان مسؤولا عن تعقُّب (ابن لادن) خلال الأعوام من 1996 ولغاية 1999: “تحرّى (ابن لادن) الدقّة في إخبار أميركا بأسباب شنّ الحرب علينا”. إن “قائد القاعدة”، يتابع (سكوير) “قد خرج كي يبدّل بتطرُّف سياسات أميركا والغرب تجاه العالم الإسلامي”.

ومثلما يشرح (سكوير) فقد نجح (ابن لادن) إلى حدّ كبير: “أكملت جيوش الولايات المتحدة وسياساتها راديكالية العالم الإسلامي، لقد حاول (أسامة بن لادن) بعض الشيء أن يُنجز ما هو أساسي وجوهري، لكن النجاح لم يكتمل منذ فترة مبكّرة من التسعينات، وكنتيجة لذلك، أعتقد أنه كان من الإنصاف الإبقاء على (ابن لادن) حليفا لا غنى عنه” وإبقاؤه ما يزال قابلا للجدل كثيرا حتى بعد موته .

وثمة سبب للاعتقاد بأن الحركة الجهادية كان من الممكن أنْ تتجزأ وتضعف مكانتها بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، هي ـ أي الهجمات ـ التي انتُقِدتْ بقسوة داخل الحركة، علاوة على أنها “جريمة ضد الإنسانية” مثلما سُمِّيَتْ على نحو يطابق الحقيقة، حيث كان ممكنا مقاربتها كجريمة، من خلال عملية دولية كي يُلقى القبض على المشتبه بهم الرئيسيين مثلما كان متوقَّعا. وكان هذا ما قد تمَّ إدراكه من خلال النتائج المباشرة التي تلت الهجمات، لكن حتى هذه الفكرة لم تُؤخذ بعين الاعتبار من قِبَل صانعي القرار في الحكومة. (هناك خلل في الترتيب) بدا أنه لم يكن هناك اهتمام قد مُنح لعرض طالبان غير النهائي ـ كم كان العرض جادّا، لا نستطيع أن نعرف – لتقديم قادة القاعدة في مقابل صفقة قضائية.

ويتابع:

في كل مرة أستشهد بما خلُص إليه (روبرت فيسكمن) أن الجريمة الفظيعة للحادي عشر من سبتمبر التي ارتكِبتْ “بوحشية مولعة بالأذى والترويع” هي إصدار حُكمٍ دقيق. حتى أن الجرائم كان من الممكن أنْ تكون أسوأ. أفترض أنّ الرحلة 93، التي أُسقِطت طائرتها من قِبَل ركّاب شجعان في بنسلفانيا، قد فجَّرت البيت الأبيض، وقتلت الرئيس. أفترض أنّ القَتَلة في الجريمة الذين خططوا ونفّذوا قد استغلوا طاغيةً عسكريا قتل الآلاف وعذّب عشرات الآلاف. أفترض أن طاغيةً جديدا أعترف به قانونيا بدعم من القتلة ومركز الإرهاب الدولي قد ساعد، في أمكنة أخرى من العالم، على استغلال دول تعذيبٍ وإرهابٍ شبيهةٍ، ومثل غطاء جليدي ، قد أقنعوا فريقا من الاقتصاديين ـ لنسَّمِهم “فتية قندهار” ـ الذين قادوا الاقتصاد على نحو سريع إلى أسوأ انخفاض له في تاريخه. ذلك من غير تعقيد، سوف يكون أكثر سوءا من الحادي عشر من سبتمبر .

ومثلما نعلم جميعا، هذا ليس اختبارٌ لفكرة، فقد حدث. وأنا، هنا، أشير بالطبع إلى ما يُعرف في أميركا اللاتينية غالبا بـ”الحادي عشر من سبتمبر الأول”، الحادي عشر من سبتمبر العام 1973، حين نجحت الولايات المتحدة بمساعيها المكثّفة في إسقاط الحكومة الديمقراطية لسلفادور اللينديفي تشيلي بانقلاب عسكري أدّى إلى تعيين النظام المخزي للجنرال (بينوشيه) في الحكم. حيث نصّب الطاغية بالتالي “فتية شيكاغو” (هناك خلل في الترتيب) أولئك الاقتصاديين الذين تدرّبوا في جامعة شيكاغو على إعادة هيكلة اقتصاد تشيلي. تأمّلْ التخريب الاقتصادي والتعذيب والمُختطفين وتضاعُف أعداد القتلى، وسوف ترى كم كان مخرِّبا الحادي عشر من سبتمبر الأول .

امتيازٌ يُثمرُ فُرَصا، وفرصةٌ تهَبُ المسؤوليات .

كان الهدف من الانقلاب، بكلمات إدارة (نيكسون)، هو قتْل “الفيروس” الذي يمكنه أنْ يشجِّع كل هؤلاء الغرباء (الذين هم) بعيدون عن إكراهاتنا من خلال تولي أمر السلطة على مواردهم وأكثر من ذلك بهدف ملاحقة التطوّر المستقل بموازاة الخطوط التي لا رغبة فيها من قِبَل واشنطن. كانت نتيجة مجلس الأمن الوطني الخاص بـ(نيكسون) التي في خلفية هذا القرار أنه إنْ لم تستطع الولايات المتحدة إخضاع أميركا اللاتينية للرقابة، فإنه ليس من المتوقع أنْ تحقق نجاح النظام في أي مكان آخر في العالم. ومصداقية واشنطن، كما وضعها (هنري كيسنجر)، سوف تتقوّض .

ليس الحادي عشر من سبتمبر الأول شبيهاً بالثاني، فهو لم يغيّر العالم. فهو لم يكن “شيئا -يُذكر قياساً- بنتيجته العظيمة جدا” بهذا طمأن (كيسنجر) قائده بعد عدد من الأيام التالية. والحكم من خلال الكيفية التي يبدو عليها الأمر في التاريخ المألوف هي بكلمات يمكن أن تكون مغلوطة بصعوبة، مع أنّ الناجين يمكن لهم أن يروا المسألة على نحو مختلف .

أحداث النتيجة الفقيرة هذه لم تقتصر على الفريق العسكري الذي قضى على الديمقراطية التشيلية وكذلك على توجيه حركة الترويع التي تلت، فمثلما ناقشنا قُبيْل الآن، كان الحادي عشر من سبتمبر الأول دورا واحدا فقط في الدراما التي بدأت العام 1962 عندما غيَّر (كينيدي) من مهمة الجيوش الأميركية اللاتينية إلى “الأمن الداخلي”، والعاقبة المدمرّة هي أيضا لنتيجة فقيرة، فالنموذج المألوف هو حين يكون التاريخ قد تمّ إخضاعه للرقابة بواسطة مثقفين ذوي مسؤولية .

ويختتم مقالته قائلًا:

يبدو من خلال التاريخ العالمي أن المفكرين التقليديين -الذين يدعمون الأهداف الرسمية ويتجاهلون أو يبررون الجرائم الرسمية- مُكرّمون ويحظون بامتيازات في مجتمعاتهم، بينما أولئك الذين ينظرون إلى القيم مُعاقبون بطريقةٍ أو بأخرى. وهذا النموذج من المعاملة يعود بنا إلى السجلات القديمة. كان قد اُتهم رجلٌ فيما مضى بإفساد شباب أثينا الذين يتعاطون الشوكران السام، بنفس الاتهامات التي اُتهم بها (دريفوساردس) “بإفساد النفوس والمجتمع ككل” واُتهم كذلك المفكرين الذين ينظرون إلى القيم في الستينيات بالتأثير على الشباب.

تجد في التوراة أن هناك شخصيات وفق المعايير المعاصرة للمفكرين المُنشقين، وبحسب الترجمة الإنجليزية للتوراة فإن هؤلاء المُفكرين كانوا يُدعون “بالأنبياء”. لقد أحرج أولئك الأنبياء الجيوسياسية التي كانت تعيش أوقاتاً حرجة وذلك من خلال إدانتهم لجرائم الأقوياء ودعوتهم للعدالة والاهتمام بالفقراء ونبذ المعاناة. استنكر الملك آهاب (أكثر الملوك شراً) النبيَّ إيليا بوصفه عدواً لإسرائيل، كما هو الحال مع “كاره اليهود” أو “معادي أمريكا” في العصر الحديث. عومل الأنبياء معاملةً قاسية، وذلك على عكس المُتزلفين في المحاكم الذين أُدينوا فيما بعد بأنهم دجالون. يعد هذا النمط نمطاً غير مفهوماً، بل سيكون غريباً لو كان مفهوماً.

أما بخصوص مسؤوليّة المفكرين، فلا يبدو لي الأمر أن هناك أمراً وراء الحقائق البسيطة. عادةً ما تكون هناك امتيازات للمفكرين -وثمّة ملاحظة بسيطة بخصوص إطلاق هذا اللقب عليهم-.

تُعطي هذه الامتيازات فُرصاً، وتُنتج الفرصُ مسؤوليات. والفرد حينها يُصبح مسؤولاً.

الكتابة عند نزار عملٌ انقلابيّ

نزار بن توفيق القباني (1342 – 1998) ديبلوماسي وشاعر سوري معاصر شهير، وُلد من أسرة دمشقية عربية عريقة إذ يعتبر جده أبو خليل القباني رائد المسرح العربي. يُخبرنا (نزار) عن الشرط الأساسي في الكتابة بقوله:

الشّرط الأساسي في كل كتابة جديدة هو الشرط الانقلابي. وهو شرط لا يمكن التساهل فيه، أو المساومة عليه. وبغير هذا الشرط، تغدو الكتابة تأليفاً لما سبق تأليفه، وشرحاً لما انتهى شرحه، ومعرفةً بما سبَق معرفته.

الكتابة الحقيقية هي نقيض النسخ، ونقيض النقل، ونقيض المحاكاة الزنكوفرافية أو الطباعيّة.
فالقصيدة الجيّدة هي النّسخة الأولى التي ليس لها نسخة ثانية سابقة لها أو لاحقة بها. يعني أنها زمان وحيد هاربٌ من كل الأزمنة. ووقت خصوصي منفصل كلياً عن الوقت العام.

القصائد الرديئة هي القصائد التي تعجز عن تكوين زمنها الخصوصي فتصبّ في الزمن العام.
وتضيع كما تضيع مياه النهر في البحر الكبير.

الكتابة هي فنّ التورّط. ولا كتابة حقيقية خارج التورّط. الكتابة ليست سجادة فارسيّة يمشي عليها الكاتب، كما يقول (جان كوكتو)، ولا مقعداً مغلفاً بـ”الأوبوسون“، ولا مخدةً من ريش العصافير تغوص رؤوسنا فيها، ولا يختاً خاصاً نتشمّس على ظهره .. ونشرب البيرة الدنماركية المثلّجة.

إن الكاتب يجب أن يظلّ في أعماقه بدوياً يتعامل مع الشمس، والملح، والعطش.
يجب أن يبقى حافيَ القدمين حتى يتحسّس حرارة الأرض، ونتوءاتها ووجع حجارتها.
يجب أن يبقى عارياً كحصان متوحّش، ورافضاً كل السّروج التي تحاول الأنظمة وضعها على ظهره.
ومتى فقد الكاتب بداوته, وتوحّشه، وقدرته على الصهيل، ومتى فتح للجام الحديدي ومنح ظهره للراكبين، تحوّل إلى “أوتوبوس حكومي” مضطر إلى الوقوف على جميع المحطات، والخضوع لصفّارة قاطع التذاكر.

ويقول:

إن الكتابة هي لعبة يوميّة مع الموت. هكذا فهم هيمنغواي الأدب. وهكذا فهمه (كافكا)، و(لوركا)، و(كامو)، و(مايا كوفسكي)، وغيرهم ممن عاشوا حياتهم وأدبهم في البرزخ الفاصل بين الحياة والموت!

وفي تحديده لموقف الكاتب إزاء مايكتب يقول:

لا يمكن أبداً أن يكون للكلمة وجهان: وجه باطني, ووجه مكشوف. ولا يُمكن أن يلبس الشاعر بذلتين: واحدة للشغل، وواحدة للحفلات العامّة.. والمناسبات.
وحين يعجز الكاتب عن إقامة التوازن بين فنّه وموقفه من العالم، فإن عليه أن ينسحب من الشعر فوراً. وهذا مافعله الشاعر الفرنسي (رامبو) حين وجد أن تجارة الرقيق التي امتهنها تتنافى مع خلفيّة الشعر، فتوقف نهائياً عن الكتابة.

 

الهويّات المتعدّدة عند طارق رمضان

 

في كتابه (الإسلام والحرّية) والذي تُرجم مؤخراً طرح المفكر الإسلامي (طارق رمضان) الكثير حول تجربته كمثقف مسلم يعدّ نفسه جزءاً من الثقافة الغربيّة ومسلماً ملتزماً في الوقت نفسه. يشرح بلغة سهلة قريبة المتناول رؤيته لحضور الإسلام والمسلمين في الغرب، ودعوته إلى ضرورة أن ينظر المسلمون إلى أنفسهم كمواطنين غربيين يدينون بالإسلام، وأن يتعامل معهم الغربيون “الأصليون” على أساس من المواطنة لا بالنظر إلى كونهم آخرين يدينون بالإسلام وشكلون خطراً على الهويّة الغربية وعلى التجانس السكاني.

ومما خطّه مقالاً حول الهويّات المتعددة جاء فيه:

العولمة، الهجرة، النفي، التحولات السياسية والاجتماعية المتلاحقة، كل هذه الظواهر تثير الخوف والقلق والتوتر. تبدو العلامات التي كان يستهدى بها، وكأنها من زمنٍ فات وعاجزة عن بثّ السكينة: من نحن في قلب هذا الجيشان؟ تنبع قضية الهوية من هذه الاضطرابات العميقة. وعندما لايعود الناس، المحيطون بنافي مجتمعاتنا ذاتها وبهذه الكثرة، مشابهين لنا، وعندما يبدون مختلفين لهذه الدرجة، يكون من الطبيعي أن تنشأ لدينا الحاجة لإعادة تعريف أنفسنا. وبالمثل فإن خبرة الانقلاع، خبرة النفي الاقتصادي والسياسي، تؤدي إلى البحث عن الهويّة في قلب بيئةٍ ليست بيئتنا الطبيعيّة. رد الفعل يمكن فهمه، لكن ما يتعيّن التأكيد عليه هنا هو أنه فوق كل شيء، رد فعل إزاء بيئة نشعر باغترابٍ عنها. وهكذا يحدد المرء هويته برد الفعل، بالتمايز، بمعارضة ما ليس هو، بل وحتى بأن يكون ضد الآخرين. والسياق سياق طبيعي والطبيعي بالقدر ذاته هو أن تصبح المقاربة ثنائية وأن تنشأ بالتالي “هوية” يتم تركيبها، على نحو أو آخر، ضد هوية أخرى، ثم إسقاطها على “الآخر” أو “المجتمع”. والهويّات التي تتحدد على هذا النحو، الهويات القائمة على رد الفعل، هي في جوهرها فريدة وإقصائيّة، بسبب الضرورة التي نشأت عنها: النقطة المهمة هي أن يعرف المرء ماهيّته بوضوح، وأن يعرف ما يُخالفها.
يطرح تساؤلاً بقوله: ما إذا كان المرء “مسلماً”، “استرالياً”، “فرنسياً”، “هولندياً”، أو “كندياً “؟
في عالم الدين والفلسفة، ذلك الذي يعطي معنى للحياة، الإنسان هو، أولاً وقبل كل شيء، إما ملحد او بوذي أو يهودي أو مسيحي أو مسلم: فجواز السفر أو الجنسيّة ليس بوسعهما الإجابة عن السؤال الوجودي. وعندما يتعيّن على فرد أن يصوّت لمرشّح في الانتخابات، فإنه “هو أو هي” أولاً مواطن أمريكي، أو إيطالي، أو فرنسي أو برسطاني منغمس في الشؤون الوطنية. ووفقاً لمجال النّشاط، أو لحقله، يُقدّم المرء هويّةً أخرى، وليس هناك من تناقض.
وفي كلمةٍ ألقاها (طارق رمضان) في اليونان عبّر الاقتصادي (أمارتيا سين) عن موافقته لفكرة (طارق) حيث وضّح ذلك بقوله:
افترض أنك شاعرٌ ونباتيّ: فإن كنت ضيفاً على العشاء فهذا ليس مجال إصرارك على هويّتك كشاعر، ولا هو وقته، في حين أنك عندما تتواجد في حلقة شعريّة، فمن المؤكّد أنك لن تقدّم نفسك كنباتيّ، وإلا بدوت غريب الأطوار. وبتعبير آخر، فلديك أكثر من هويّة. وأنت تقدّم هوية على الأخرى، بحسب البيئة أو الحالة، دون أن يؤثر ذلك على نسق من أنساق الانتماء أو سواه. فالشّاعر الذي يقول، أثناء تناول الطعام، إنه نباتي، لاتنزل درجته كشاعر!
يُعقّب (رمضان) على ذلك بقوله:
يتعيّن على المرء أن يقاوم غواية اختزال هويته في بُعد واحد، تكون له الأولوية على كل ماعداه. من المؤكد أن هذا يمكن أن يكون باعثاً على الطمأنينة لكنه، فوق كل شيء يفقر الشخصية ويمكن في زمن التأزّم والتوتّر أن يؤدي إلى الرّفض، والعنصريّة والصراعات الكامنة أو المتأجّجة حول الهويّة، أو الثقافة، أو “الحضارة“. لا بدّ لنا من التوصّل إلى رؤية أوسع لأنفسنا ولمواطنينا: لكل واحدٍ منّا هويّات متعدّدة يتعيّن عليه القبول بها، وإنعاشها، وتنميتها. ولطالما كررت على مسامع المسلمين وعلى مسامع مواطنيّ أني سويسري بالجنسيّة، مصري بالذاكرة، مسلم بالديانة، أوروبي بالثقافة، عالمي بالمبدأ، ومغربي وموريشيوسي بالاكتساب.
تعدد الهويّات ليس إشكالاً عند (طارق رمضان) يقول:
أنا أعيش مع هذه الهويّات، وقد تتخذ هذه الهويّة أو تلك موقع الصدارة، حسب السياق أو المناسبة !

بعض الشركات العالمية الآن تعتبر أن وضع ماركتها العالمية و تسويقها أكثر أهمية من المنتج أو الخدمة التي يقدمونها

الماركة التجارية وعد!

قالها (والتر لاندور) أحد رواد الماركات التجارية. و يُعرف (ديفيد ماكنالي) و (كارل سبيك) مؤلفا كتاب: ( Be your Own Brand )، الماركة التجارية بأنها:

نوع خاصّ من العلاقات – التي تقوم على ذلك النوع من الثقة الذي لاينشأ إلا بين شخصين توجد صلة مباشرة بين منظومة قيَمهما.

 و في كتابها: ( No Logo ) تُشير (ناعومي كلاين) إلى أن بعض الشركات العالمية الآن تعتبر أن وضع ماركتها العالمية و تسويقها أكثر أهمية من المنتج أو الخدمة التي يقدمونها. و لدى أغلبية تلك الشركات جيش من خبراء التسويق، مسؤوليتهم الوحيدة هي إدارة الأسلوب الذي يتم به استيعاب الماركة التجارية وإدراكها؛ فهم لا يتركون الأمر للمصادفات فهناك الكثير من المكاسب الموضوعة على المحكّ!

وثمة مقالة لـ(عباس محمود العقاد) حول فلسفة الملابس نشرها عام 1927م، و أدرجها في كتابه (ساعات بين الكتب) حيث قال:

إنك إذا حادثت إنساناً في الفن الجميل فإنما تحادثه في الأشكال و الألوان و إذا حادثته في شؤون الاجتماع فإنما تحادثه في النظام و الشريعة، و إذا حادثته في الأدب و التاريخ فإنما تحادثه في الشعور و الخبرة، و إذا حادثته في في الدين و الفلسفة فإنما تحادثه في آماله البعيدة و أشواق النفوس الرفيعة، ولكنك إذا درست كساء يعني ذلك الإنسان باختياره و تنسيقه فقد درست في حسن واحد جماع رأيه في الأشكال و الألوان و الشريعة و الشعور و الحيرة و الآمال و الأشواق، و كنت كأنما قد عاشرته دهراً تسمع له في الفنون و الاجتماع و الآداب و التواريخ و الدين و الفلسفة، وكأنما قد لخصت معارفه التي يشعر بها و التي لا يشعر بها في صفحة من القطن أو من الصوف أو من الحرير، بل كأنما قد عرفت منه ما يريد هو أن يعرفك إياه ومالا يريد، فالذي قال إن عشير المرء دليله قد أصاب و أجاد، و لكن أصوب منه و أجود من يرجع إلى العشير الذي يلابس و يُلامس و يطابق الأعضاء و الأفكار و يأخذ من أذواق صاحبه و أهوائه ماليس يأخذه العشير من العشير، و لإن كان جماداً لا حياة له ليكونن ذلك أبلغ في الدلالة على صاحبه، لأنه يستغير إذن من حياته و لا يستقلّ بوصف عنه، خلافاً للصديق الحي الذي يشابه صديقه مايشابه ثم يحور إلى طبع لا سلطان عليه للأصدقاء.

رابط ذو صلة

ماذا يعني أن تعيش بخفّة؟ رؤية فلسفيّة.

(الرغبة والمتعة: رؤية فلسفية) هو عنوان العمل الفلسفي الجديد الذي صدر لـ(عبد الصمد الكباص) عن (دار إفريقيا الشرق)، في إطار سلسلة فيلوسوفيا. ويمثل هذا العمل استمرارا للبرنامج الفلسفي الذي أعلن عنه المؤلف في كتاب (الجسد والكونية: مبادئ ثورة قادمة) الذي صدر سنة 2013، حيث حافظ فيه على ذات الإشكالية المتعلقة بسؤال الجسد.*

بقول (الكباص) في العيش بخفّة:

تهم الجمالية بالحياة،لأنها اشتغال على إمكانيات الجسد في خلق المتعة. لا يمكن تصوّر جمالية مفصولة عن الحياة،أي عن المجهود الذي يبذله الجسد لانتزاع إحساس ممتع. مثلما لا يُمكن تصوّر جماليّة مفصولة عن الحواسّ،أي التذوق المنتشي لهذه الحواس لما تحوله من العالم كموضوع لها.

يُمكننا من الآن أن نطلق لفظ “الجماليّة” على المجهود الذي نبذله من أجله انتزاع المتعة من خلال إمكانيات الجسد.

فالتذوق الحسّي الذي يتم عبر الجسد هو الذي يتم عبر الجسد هو الذي يمنح الشعر جمالية. أي ذلك التذوق المنتشي الذي يحدث من خلال العين و الأذن و اللسان و الأنف و البشرة. و نفس الشيء بالنسبة للوحة تشكيليّة أو أغنية أو مقطع موسيقي أو طبق لذيذ أو عطر نافذ.

ففيها يتحقق الجوهري في الجماليّة و المتمثّل في شحن الحواسّ بالخفّة التي تجعل العالم مطلوباً و مرغوباً و ليس فقط ضرورياً.

ليس الجماليّة فكرة، و إنما تجربة.و خارج التجربة التي تختبر في أداء الحواس و رغبات الجسد تغدو الجمالية شكلاً فارغاً قد يتحوّل إلى مفهوم ثقيل يصلح لإنهاك القرّاء أو أولئك الذين فقدوا أثر الحياة في الكتب،لكنه لا يحفّزهم على الحياة.

ويتابع قائلًا:

كلّما تحفّزت الحواس أكثر و تقوّت الرغبة و اشتدّ الشّغف بالحياة نكون بصدد تجربة فعليّة للجماليّة.

و هي التجربة التي تقنعنا أن الحياة وعد بالمتعة، لذلك يشتد شغفنا بها و انشدادنا إليها و طلنا للمزيد منها. و عندما تفتقر الحواسّ للتحفيز هو الذي يجعلنا نحتكم لحواس حية التي تجعل بدورها العالم أمامنا كياناً حياً.

ماذا تعني العيش بخفّة؟ 

تعني الخفّة هنا العيش من خلال متعة الحواس و حماس الرّغبة، وتتحقق الجمالية عبر هذه الخفّة. و إذا انتفت الثانية انتفت معها الأولى. و لا مجال للفصل بين الاثنين. فبعد أن حرّرنا الطب من ثقل السر أضحى بإمكان الجسد أن يخلق الأهم، و هو أن يجعل باب المتعة مشرعاً في الحياة، و أن يتيح وجوداً خفيفاً ملتزماً مع نفسه و مع متعته الخاصّة.

يعني: العيش بجماليـّة.

العيش بخفّة في الأفق – الذي حدّدناه سابقاً – عيشٌ لا بلزم نفسه بمعنى سابق و لا بقيمة عدا تلك التي تثبت الحياة و تزيد من قوّتها. و لأنه عيش يحقّق قيمته الأساسيّة من خلال المتعة، و لأن الظّفر بالمتعة يستدعي مجهوداً، فذلك يستلزم أسلوباً في صياغة اللحظة و تطويعها من أجل أن تغدو ممتعة و مشبعة للحواسّ و منصفة للرغبة.

العيش بخفّة هو عيش في الحاضر، إمكانه الوحيد في الزمن هو اللحظة التي تجتازني، إن الخفّة تدرك في الآن و الهنا و لاتتعلّق بأمل، إنها ترتبط بمجهود يعمل بإصرار لجعل المتعة شيئاً راهناً يختبر في إحساس مباشر للجسد و حواسّه.

و يعقّب:

إن الكلمات التي لا تمنح للحياة قدرات مضاعفة تكف عن أن تكون ذات وجود شعريّ. فالشعر الحقيقي هو ذاك الذي يتيح للحياة بأن تكون في حد ذاتها عملاً فنياً، يقوّي الحواس و يضيف إليها قدرات جديدة في تذوّق العالم.

لا ينتبه الكثيرون إلى أن الحياة التي بين أيديهم، والتي يعملون على صنعها هي إنجاز فنّي يستند إلى اجتهاد وابتكار. فعلاقة الفرد بحياته الخاصّة التي يكون هو نفسه تحققها الوحيد، هي علاقة انشغال فنّي تقوم على ممارسة اختبارات معينة و كل لحظة فيها هي حصيلة عمل و بناء.

علم “مقارنة الأديان” في الفكر الإسلامي

 

محمد الشرقاوي، أستاذ ورئيس قسم الفلسفة الإسلامية ومقارنة الأديان بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة، وله مجهود متميز في مجالي مقارنة الأديان والفلسفة الإسلامية، ويعتبر من أوائل الأكاديميين الذين أعادوا تقديم علم مقارنة الأديان في الجامعات المصرية والعربية.

 
يقول أ.د. محمد الشرقاوي :
إن مصطلح مقارنة الأديان أو الدين المقارن Comparative Religion قد صكّه علماء الغرب في نهاية القرن التاسع عشر، ليدل -عندهم – على الدراسة العلمية للأديان، للتفريق بين هذا النوع الجديد من الدراسة و بين الدراسات اللاهوتية التي عرفتها المسيحية منذ نشأتها و حتى اليوم، و قد اتّسع نطاق علم مقارنة الأديان في القرن العشرين ليشمل: “تاريخ الأديان” و “فلسفة الدين” و “علم الاجتماع الديني” و “علم نفس الدين” و “فييومولوجيا الدين” وهذه ليست علوماً مساعدة لكنها أقسام أو حقول لعلم “الدين المقارن“.
إذا كان علم “مقارنة الأديان” يعني في التحليل الأخير – في رأي أ.د محمد – :
أن تتخذ الأديان بعامة – كتابية ووضعية – و العقائد الدينية، أو الملل و النحل موضوعاً للدراسة العلمية بمناهج موضوعية لها أصولها و خصائصها و ضوابطها التي اصطلح عليها أهل هذا الحقل، فإن الفكر الإسلامي منذ القرن الثاني للهجرة قد انفتح على أديان العالم و جعلها موضوعاً مستقلاً للدراسة و البحث، ووضع العلماء لذلك مناهج علمية سديدة؛ فوصفوا أديان العالم و حلّلوها و قارنوا بينها و أرّخوا لها و انتفدوا بعضها، و كانوا يستمدون أوصافهم لكل ديانة من مصادرها الموثوق بها، ويستقونها من منابعها الأولى. و هكذا فإنهم – كما يذكر العلامة (محمد عبدالله دراز) – بعد أن أن اختطّوه علماً مستقلاً، اتخذوا له منهجاً علمياً سليماً.”

لقد كان للفكر الإسلامي شرف التنشأة الأولى لعلم الدين المقارن، و من ثم فإن الأبوّة الشرعية لهذا العلم تكمن في الفلسفة الإسلامية، ولقد فطن لهذه الحقيفة كثير من علماء الأديان في الغرب و أقرّوا بها في أكثر من مناسبة.
 
ويُشير الشرقاوي إلى رأي (إيريك شارب) حيث يقول:
أما الأستاذ (شارب) فيرى أن شرف كتابة أول تاريخ للأديان في العالم يختص به (الشهرستاني) الذي وصف و صنّف أديان العالم العشرة المعروفة في العالم آنئذٍ إلى حدود الصين اعتماداً على منهج تاريخي سديد لم يكن لأي كاتب مسيحي في عصره أن يكتب مثله.
و لاينبغي أن نغفل قول (فرانز روزنتال):
أن الغرب يعترف اليوم صراحة بأن الدراسة المقارنة للأديان تعتبر واحدة من الإنجازات العظيمة للحضارة الإسلامية التي أسهمت في التقدم الفكري للإنسانية كلها.
و لكن الأستاذ الدكتور لا يقف فحسب على الاعترافات الغربية الصريحة بنشأة علم مقارنة الأديان ليُبرهن على صحة دعواه بل يأخذنا إلى ماهو أعمق من ذلك حيث يقول:
الطريق المنهجي للجواب على سؤالنا هو قراءة الفكر الإسلامي في هذا الحقل قراءة فاحصة واعية.
ويخلص بذلك بالنتيجة الآتية:
لم يظهر علم مقارنة الأديان في الفكر الإسلامي حقلاً علمياً مستقلاً بذاته مثل أصول الفقه أو الحديث أو التاريخ مثلاً، لكنه ظهر على تخوم حقول علمية أخرى، فهو بطبيعته من العلوم البينية التي تشتبك في الموضوع و القضايا مع غيرها و إن استقل عنها في مناهج الدرس و المعالجة، و من ثم يتميز عنها في الوظيفة و الغاية.
و يُمكن أن نسوق أسماء بعض العلماء الذين كثبوا في هذا الحقل مثل (واصل بن عطاء)، و (القاسم الرسّي)، و (الجاحظ)، و (الجبائي)، و (أبو عيسى الوراق)، و (الطبري)، و (الكندي الفيلسوف)، و(النوبختي)، و(ابن ربّن الطبري)، و (الحسن بن أيوب)، و (القاضي عبدالجبار)، و(ابن حزم الأندلسي)، و (أبو الوليد الباجي)، و (أبو الحسن الأشعري)، و (الباقلاني)، و (أبو المعالي البلخي)، و (أبو الحسن العامري)، و (البيروني)، و (الجويني)، و(السكسكي)، و (الطوفي الفقيه)، و (السموأل بن يحيى المغربي)، و(نصر بن يحيى المتطبب)، و(عبدالله الترجمان)، فضلاً عن (المسعودي) و (اليعقوبي)، و (المقريزي)، و(رحمة الله الهندي)، وخلق كثير يصعب حصرهم.
و هو بتعداده لمن تناول هذا العلم يجعلنا نتساءل مجدداً:
من يتأمل هذه القائمة يجد فيها المؤرخين و المفسّرين و الفقهاء و المترجمين, لكننا نجد أكثرها من المتكلمين.
هل يُعطي ذلك مشروعية للقول بأن علم: مقارنة الأديان جزء من علم الكلام في الإسلام؟ 
كيف نميّز خاصة و أن كثير ممن كتبوا في أصول الفقه كانوا من المتكلمين, فهل نازع أحد في استقلال أصول الفقه عن علم الكلام!
يقول الشرقاوي:
إننا نميّز بين علم و آخر عن طريق أمور ثلاثة هي: الموضوع، و المنهج، و الوظيفة أو الغاية.
و من المقبول بين أهل الاختصاص اليوم، أن وظيفة علم الكلام تتحدد في البرهنة العقلية على صحة العقائد أو أصول الدين، والحجاج العقلي عنها ضد المخالفين، وموضوع العلم ووظيفته يحددان منهج البحث فيه كما هو معروف.
يلتقي علم الكلام مع علم الدين المقارن في جانب من موضوعه وهو درس موضوعات أو جوانب من أديان المخالفين، لكن يبقى أن علم الكلام يحتفظ باستقلال وظيفته و منهجه في البحث عن علم الكلام أن يؤرخ للديانة الجينية، أو أن يرصد و يصف التطور الذي لحق بديانة زن Zen البوذية مثلاً. و إن اتفق و درس المتكلم جانباً في الديانة الهندوسية مثلاً، فهو يدرسه بمنهج جدلي، أعني محاجة المخالفين بمقتضيات العقل و براهينه. وذلك يدفعني إلى القول بأن علم دراسة الأديان أو علم الدين المقارن مثله مثل علم الكلام يشكل حقلاً متميزاً من حقول الفلسفة الإسلامية، و إن من طبيعة العلوم الإسلامية أن تتشابك و تتلاقى دونما غضاضة، و أن تتعانق و تتساند في أداء دورها في منظومة الفكر الإسلامي.
 
و للاستزادة ثمّة دراسة للشرقاوي بعنوان: بحوث في مقارنة الأديان

فلسفة الجمال برأي فيليب هيبل

صدر مؤخراً عن مجموعة النيل، الطبعة العربية لكتاب “مدخل إلى علم الفلسفة الحديثة: اتبع خطوات الأرنب” لـ(فيليب هيبل) و من ترجمة (رانيا خليف).
 ومما أفرد فيه فصلاَ ماتعاً عَنْونه بالمتعة: فن الجمال، حيث طرح من خلاله تساؤلات حول ماهيّة الجمال.
 وبادئ ذي بدء تطرّق إلى علم الجمال الفلسفي، ووضّح بقصده بأنه علم الجمال والفن، ولكنه فضّل فصْل الجمال والشهوة والمتعة من ناحية، والفن والإبداع من ناحية أخرى.
و هذا الخليط تناوله (سقراط) في شخصية (إيروس): إله الحب و الرغبة، وحول تأثيره في حياة الناس، أو بتعبير أدق حياة الرجل. وفقاً لما رآه (سقراط) فإن بداخل كل رجل (إيروس)، أو شغف بالجمال.
يبدأ هذا الشغف بحب الأطفال الجميلين، ثم يتحول إلى حس جمالي تجاه الأشياء والأفعال، وعدد قليل من الناس يتطوّر إلى شغف بالمعرفة أو بالفلسفة، وبالتالي فإن التأمل باعتباره علامة من علامات النضج الفكري شيء يتميز به الجميع، ولكنه يقتصر على أولئك الأشخاص أصحاب الذوق الرفيع.
يرى (هيبل) بالفصْل بين الجمال و الفن، ويؤكد ذلك بقوله:
هناك فنون غير جميلة، وهناك جمال ليس فناً، مثل جمال الطبيعة.
وهذا يطرح تساؤلات حول علم الجمال الفلسفي منها:
ماهو الجمال؟ و ماهو الفن؟ 
ظلّ هناك ارتباط وثيق بين الاثنين لفترة طويلة، فقد ظل الفنانون يصنعون أعمالاً تخاطب الحواس بصورة إيجابية حتى عصرنا الحديث: مثل تماثيل الرخام الرشيقة، و السيمفونيات التي تدغدغ الآذان، و القصور الفخمة، وحركات الرقص السلسة، أما اليوم؛ فالجمال منفصل عن الفن، فالتصوير الفوتوغرافي للموضة والتصميم وموسيقى البوب مازالوا يخاطبون حاسة الجمال لدينا بصورة مباشرة، لكن الكثير من أعمال الفن لم تعد كذلك.
سؤال آخر وهو: هل هناك شيء جميل على المستوى العالمي، بمعنى: هل هناك شيء مّا يراه الناس جميلاً؟
قد تبدو أسئلة (سقراط) صالحة بالنسبة لرجال أثينا الأحرار القدماء، لكن السؤال هنا: هل يمكن تطبيقها على الرجال و النساء في كل العصور و كل الثقافات؟
يقول (هيبل):
إن من المثير للدهشة أن سقراط لم يتطرق في حواراته إلى السؤال عمّا يجعل الإنسان جميلاً!
هل يُمكننا الثقة في الأحكام التي نطلقها؟ 
تشير التجارب إلى أن ألفة الشعار، والاسم، والعلامة التجارية، قد تتفوق على تجربة المذاق الأصلي، فكلما كنا نرى الشعار كثيراً بدا لنا طعم ذلك المشروب الأسود أفضل. أو ربما نتخيل ذلك، إذن لن يستطيع مشروب أفري كولا أن يُجاري بيبسي أو كوكا كولا.
هناك خبر مفرح لصناع الإعلانات، وهو أن الحملة الدعائية الجيدة تستطيع التأثير على الأحكام المعروفة حول إحدى التجارب الأساسية، ألا وهي تجربة التذوق، وهذا يعني من منظور علم الجمال أننا كثيراً مّانخدع أنفسنا و بالتالي لا يمكننا أن نثق في أحكام الذوق التي نصدرها، إننا نادراً مانقول عن الكولا أن مذاقها جيد، لكن من حيث المبدأ يبدو أن تفضيلنا للمشروبات المنعشة لايختلف عن تفضيلنا للروائح، الألوان وحتى الأصوات.
يُطلق على هذا التناقض بين الشعور و الأحكام مصطلح: التنافر الإدراكي، فقد نخطئ في تقييم تجاربنا الجميلة و الممتعة لكثير من الأسباب:
لأننا نخدع أنفسنا، أو لأن ثمة إجابة معينة هي المتوقعة، أو لأننا تعودنا على التحدث بهذه الطريقة، وكي يصبح المرء أكثر وعياً فيجب عليه أن يثق في تجربته الشخصيّة.
نحن نقيّم تجاربنا بكل حكم نصدره، شئنا ذلك أم أبينا، وفي بعض الأحيان يستخدم الناس نفس معيار التقييم، فمن منا لم يجد خطاب أوباما في برلين قوياً و رائعاً؟
لكن المعيار غالباً ما يكون فردياً للغاية، فنحن نعبر في كل حالة عن علاقة بين الإنسان والجماد، على سبيل المثال: سلمى ترى الورود جميلة، وليست قبيحة أو عادية.
أما في المتعة الخالصة: 
فيعتبر (كانط) من رواد نظرية الجمال السببية الحديثة، والتي تقول: أن الشيء الجميل هو الذي يسبب المتعة. وحتى يومنا هذا وأفكار (كانط) الأساسية تهيمن على علم الجمال، لكن في نقده لقوة الحكم لم يتحدث عن “المتعة” و لكنه تحدث عن  “الإعجاب غير المغرض”، لأن الشيء يكون جميلاً عندما يعجبنا بصرف النظر عن مصالحنا و ميولنا، وإليك المثال التالي:
الآباء يجدون رسومات أبنائهم جميلة، وهذا أمر طبيعي، لكن عندما يعتقدون أن لوحة مّا جميلة و هم لا يعرفون صاحبها فذلك هو الإعجاب غير المغرض.
حتى اليوم يتساءل الفلاسفة: مالذي يميز متعة الجمال عن المتعة العادية، لكن هل هذا الاختلاف موجود فعلا؟
إن رؤية الشيء جميلاً تعتمد على أمرين. أولاً: خصائصه، ففي بلاد العجائب كانت (أليس) تعتبر ملكة القلوب بنوافيرها وأحواض زهورها الجميلة. و لم يحدث ذلك مع الحدائق القاحلة المقفرة.
ثانياً: صفات الإنسان، فلو أن (أليس) كانت مكتئبة أو محبطة لما وجدت حديقة الزهور جميلة، والكثير من الفلاسفة ينظرون فقط إلى الأشياء الجميلة و ينسون الرائي.
كل تجربة تسجل لدى الرائي قيمة معينة على مقياس المتعة، سواءً كانت إيجابية أو سلبية، و في بعض الأحيان من الصعب تحديد التجربة، لكن معظم الحالات تكون واضحة، وعندما يخلق فينا شيء ما السرور و المتعة، فإننا ننقل الجمال من التجربة إلى المصدر، فنحن نصف بعض الأشياء مثل سوناتات البيانو أو المناظر الطبيعية بأنها جميلة، لأنها تحدث دائماً نفس المعايشة، ويمكن أن تصف أكثر من شخص بأنه جميل، ويخمن أن ذلك الثبات يجعلنا نعتاد التركيز على الحواس البعيدة و هي النظر و السمع، ونتجاهل الحواس القريبة مثل اللمس أو اشم أو التذوق لأن مصادر التحفيز هنا تتلاشى بصورة أسرع.
يعقب ذلك بقوله: 
تعتمد المتعة على العوامل الذاتية: على شكل اليوم وخصائصنا الفردية وألفتنا للأشياء وتوقعاتنا.
يعتقد بعض الفلاسفة أن المتعة لابد أن تظهر مع التجربة في نفس الوقت، ولكن هذا ليس صحيحاً، فقد يظل الإنسان مأخوذاً لساعات بعد خروجه من حفلة موسيقية حتى و إن كانت الموسيقى قد تلاشت من وعيه منذ فترة طويلة، فليس من الضروري أن تتطابق مرحلة السمع مع مرحلة المتعة.
كان (إدموند بيرك) المعاصر لـ(كانط) أقل حساسية، ووفقاً لرأيه تكون الأشياء جميلة لأنها مشرقة أو صغيرة أو شفافة أو ملساء، و من الأمثلة التي ساقها على ذلك: الأحجار الكريمة و الحمام و النساء صاحبات الشعر الأملس والجلد الخالي من العيوب.
ومن الواضح أن هذه القائمة تكشف عن اهتمامات (بيرك) الشخصية و التفضيلات التي كانت سائدة في عصره.
و ينتقد رأي (بيرك) بقوله:
الخطأ الذي ارتكبه (بيرك) و غيره أنهم اعتبروا الجمال شيئاً مجسماً، ولذلك لم تعد النظريات الحديثة تركز على الأشياء المفردة، و لكنها تتحدث عن الانسجام والتعقيد والتماثل، عن العلاقات والبساطة. أي أنها تتناول بُنية الأشياء الجميلة، فقد تتغير الموضة أو أنواع الموسيقى لكن مبادئ التصميم الأساسية تظل كما هي، فليس هناك من يُعجب بالتنافر، هذا مايقوله أنصار النظريات، كما أن كل شخص يرغب في أن تبدو ملابسه مقنعة.
لكن حتى النظريات المجردة بها ثغرات، ذلك لأن مبادئها غالباً ماتكون عامة للغاية، فأحياناً تكون البساطة جميلة، وأحياناً أخرى يكون التعقيد جميلاً، وأحياناً يكون الشيء الجديد جميلاً، فكل شيء سواءً كان بسيطاً أو معقداً، معروفاً أو جديداً يمكن أن يكون جميلاً، فنحن نعرف ذلك بطريقة أو بأخرى.
و لهذا لم تعد هذه النظرية مُجدية، لو لم ننظر إلى الأشياء ونظرنا إلى المتفرج لوجدنا أن البساطة أو التماثل أو الألفة تكشف لنا عن أفضليات هذا المتفرج.
ماهو الحال مع الألفة؟ 
بعض الباحثين اعتبروا الألفة نوعًا من أنواع الجمال من الدرجة الثانية، لكن هذا الزعم قصير النظر. فغالباً ما تكون الأشياء الجديدة وغير المعروفة أكثر جمالاً من الأشياء المألوفة، والأرجح أن الألفة تعمل كمحفز للذوق، لكن هذا لا يحدث إلا مع الأشياء التي اعتبرناها قبل ذلك جميلة أو على الأقل محايدة، فألفة الأشياء القبيحة والجيران السيئين لا تجعلهم يبدون أكثر جمالاً.
الألفة والبساطة و التماثل ربما يكون ذلك الارتباط الجمالي بسيطاً للغاية، فمثلما يدفعنا الخوف أو الألم إلى تجنب مصادر الخطر فإن المتعة تجعلنا دائماً نبحث عن الأشياء الجميلة و الممتعة.
 وماهي المقوّمات التي يجب أن يمتلكها الفنان كي يصبح مبدعاً؟ 
 يقول الفيلسوف (يوهان جوتفريد هردر): “إن الفن يأتي من المقدرة و المعرفة“. لكن لا يبدو واضحاً ماكان (هيردر) يقصد بذلك الشيء، و قد عبر الممثل الكوميدي (كارل فالنتين) عن تلك العلاقة بصورة أوضح من (هيردر) و ذلك عندما قال: “الفن يأتي من المقدرة، لكن إذا جاء من الرغبة فهو إذن رغبة فنية“
واليوم، أصبح التمييز بين الفنان الحقيقي والغير حقيقي أمراً صعباً، فقد كانت المهارات اليدوية قديماً هي العنصر الحاسم، أما اليوم فالعنصر الحاسم هو موهبتك في الدخول لسوق الفن.
وقد يقول واحد من غير المثقفين على المستوى الفني: “حتى طفلي الصغير يستطيع أن يفعل ذلك!”، لكن الشخص المتذاكي سيقول: “عليك أن تبدأ أولاً“، والاثنان غير محقين، لأنه لا توجد معايير موضوعية لجودة الفن الحديث، فإن الفنان ليس مضطراً لأن يكون أصلياً للغاية، فالفن اليوم يعتمد على فهم سيكولوجية سوق الفن، أي لعبة السلطة التي يمارسها أصحاب المعارض الفنية و منظموها. والسؤال من يحتفي بمن؟ و من الذي يوصي؟ و بمن يوصي؟ و ماهي العداوات المشتعلة داخل مجلس منظمي المعارض؟ و من الذي يكتب النقد المهم؟
يُجيب قائلاً:
سوف تعثر دائماً على سبب واحد على الأقل يجعل العمل جيداً على المستوى الفني: مثلاً أن يكون استفزازياً لأنه خام، أو عميقاً لأنه رقيق، أو مميزاً لأنه يملأ المساحات أو يتركها خالية. فلا توجد معايير، وبالتالي فإن الخطاب الفني يبدو غريباً للغاية.
أما عن الفن المعاصر فيقول:
الكثير من الفنانين المعاصرين يزعمون أنهم لا يريدون صناعة فن جميل، و لكنهم يفضلون التشكيك في عادات الرؤية أو هدم شيء معين مثل الهياكل القديمة. وقد كان لـ(كافكا) نفس الرأي فيما يخص الأدب: “يجب أن يصبح الكتاب هو الفأس الذي يحفر البحر المتجمد بداخلنا”.
وسواءً كان هذا الفأس هو العتلة أو الزخرفة فإن كل تلك التعبيرات المجازية تتناول تأثير الأعمال علينا سواءً كان تأثيراً مباشراً أو غير مباشر، و لهذا يمكن تصنيف الفنون وفقاً لتأثيراتها، فهناك الموسيقى، وعلى النهاية الأخرى يوجد الأدب الذي يخاطب أولاً أفكارنا ومخيلتنا وبعدها يثير فينا المشاعر، أما الفنون الجميلة فهي تخدم كل مايقع بين النهايتين المتطرفتين للموسيقى والأدب: فبعض الأعمال تطير العقول وتصيبنا بالاضطراب و تفاجئنا بغتة و بطريقة مباشرة دون أن نعرف لماذا.
أما بعضها الآخر فنلجأ إلى تفسيره و تصنيفه، فلا نفهم السخرية و الرموز إلا بعد تفكير متأنِ، و بعض الأعمال تفتقر إلى متعة الجمال وبعض الأعمال الأخرى تكون متعة الجمال مجرد تأثير واحد. من بين تأثيرات أخرى عديدة، فهل يمكن تفسير التأثيرات الأخرى؟ 
لفترة طويلة ظل النقاد ينظرون إلى الفنون الجميلة من منظور علم الأدب، فكان تفسير الرموز والاستعارات يحتل الصدارة، حيث كان الناقد يتساءل: كيف يمكن تصنيف ذلك العمل الفني في التاريخ؟ و كان الأمر هنا يتعلق بالتناصّ، ويقصد بالتناص إحالة العمل إلى أعمال أخرى، وكان النقد يتناول التلميحات والاقتباسات الواردة في العمل، وعلاقة العمل بالموضوعات الثقافية الكبرى مثل الجنس، الموت، السلطة و الواقع. ولم تكن مشاعر الفنان وحسّيته تلعب دوراً مهماً، أولا لأنها تعتبر ذاتية و بالتالي لا يمكن بحثها بحثاً علمياً، وثانياً لأنه في لحظة التأمل البارد و لحظة التفسير تكون المشاعر الدافئة قد تلاشت.
لقد تبنى الفيلسوف الأمريكي (جيرولد ليفينسون) هذا المنظور الفكري، وهو يرى أننا لا نجد متعة في الفن إلا عندما نفهمه و نمعن التفكير فيه، أما زميله (كيندال والتون) فكان يرى أننا نبحث في الفن عن الأشياء القيّمة، تلك الأشياء التي تثير فينا الإعجاب، لكن الاثنين يبدوان وكأنهما أعضاء في مجلس طلابي يقولان لأحد الطلاب في أثناء إحدى الرحلات إلى المتحف، إن الفن يجب أن يبعث على التفكير، والحقيقة أن الفن قد يبعث على التفكير في بعض الأحيان، لكنه غالباً ما يسبب المتعة. و قد لاتكون له أي تأثيرات مقصودة.
في مواجهة ذلك المنظور التقليدي تبنى الباحثون في العصر الحديث المنظور العاطفي، فهم يسألون عما يمكن أن يثيره الفن بداخلنا: حيث يسألون عن المشاعر والتأثيرات المختبرة، وغالباً مايفعلون ذلك اعتماداً على نتائج بحوث العواطف والوعي و كيف تولد فينا الصور و التماثيل الاشمئزاز أو الإعجاب، المتعة أو الحيرة، الرغبة أو الدهشة، ولماذا تبعث بعض الأعمال الفنية على الراحة بينما تبدو الأخرى مستفزة.
يعتقد الفيلسوف الأمريكي (جيسي برينز) أن تقديرنا الجمالي ينبع من شعور أساسي لدينا، ولا يمكن أن يكون هذا الشعور هو الإعجاب، لأسباب كثيرة منها: أننا على الأرجح نعجب بالأشخاص و ليس بالأعمال الفنية، و لا يمكن أن يكون هذا الشعور هو متعة الجمال، لأن الكثير من الأعمال الفنية لا تكون جميلة على الإطلاق، ولا يمكن أيضًا آن يكون الاهتمام، لأنه وفقاً لما يراه (برينز) فإن تقديرنا للأعمال الفنية يرجع إلى ذلك المزيج، أو الشعور الإيجابي المجهول الذي يثير فينا الاهتمام و العشق.
يعلق على المنظورين بقوله: 
لكن كلا المنهجين -الفكري و العاطفي- يغفلان شيئًا مّا، فالمنهج الأول يصور تأثير الفنون الجميلة بأنه تأثير فكري بحت، حيث يستثني العديد من المشاعر، أما الاتجاه المضاد فيملأ هذه الفجوة، لكنه يفشل في التعرف على العمل الفكري عند النظر إلى أي عمل فني، على الرغم من أن الشيء الذي يميز الإنسان هو قدرته على التفكير و المراجعة.
إن الفن يخاطب كل مافينا، أفكارنا و مشاعرنا، وفي كثير من الأحيان يفاجئنا لكننا في بعض الأحيان قد نعجب بعمل دون أن نصاب بالدهشة. إن الإلمام الجمالي المزدوج بالتفكير و الشعور يلعب دوراً مهماً في فهم أحد الفروع البحثية الحديثة و هو علم الجمال العصبي.
منذ بعض الوقت و العلم يكشف الكثير من الأشياء عن حياتنا الفنية، و في هذا يطرح (هيبل) سؤالاً بقوله:
مالذي كشفته أبحاث الدماغ عن الفن؟
و في ذلك كتب عالم الأعصاب الهندي (فيلاينور راماشاندران) في طيّ أطروحته مقالاً يعتبر أحد أهم المراجع الرئيسية في علم الجمال العصبي وهي: “علم الفن” تناول فيها القوانين العالمية الفعلية للفن ويخلص بنا بأن (راماشانداران) قصد بالفن الفنون الجميلة و لم يتناول الفنون الأخرى مثل الأدب والموسيقى والرقص وتركيب العطور، حيث أنه توجه لبحث الأعمال التصويرية التي يقصد بها تلك الأعمال التي يستطيع المرء أن يميز فيها الأشخاص والأشياء مثل شخصيات المعابد الهندية، ولوحات المناظر الطبيعية، والرسوم الكاريكاتيرية، وصور العراة، وهذا يشرح إحدى مشكلات فن الجمال العصبي: “لقد اقتصر على جزء صغير من الفن، لكن كعادته يمارس التعميم”.
كان (راماشاندران) متأكداً بأن 90% من الفنون الجميلة تتوقف على الأحداث الثقافية العشوائية، وقال أنه يهتم فقط بالـ 10% الباقية التي يستند إليها كل عمل فني، وكانت قوانينه العشرة العالمية هي:
المبالغة (إننا نحب الأشياء التي تتناسب معاً)
المجموعة (إننا نحب الأشياء التي نتناسب معها)
التباين (نحن نحب الأشياء التي تتميز عن الخلفية)
العزل (نحن نحب ما يلفت انتباهنا)
تأثير الفطنة المفاجئة (نحن نحب اكتشاف الأشياء)
التماثل (نحن نحب محاور المرآة)
المنظور (نحن نحب وجهة النظر الطبيعية)
التكرار (نحن نحب الكثير من نفس الشيء)
التوازن (نحن نحب التوازن)
وأخيرا المجاز (نحن نحب نقل جانب إلى جانب آخر).
ثم يسأل (رامشاندران) عن الميزة التي ساهمت بها قدرتنا على إنتاج الفن في التطور، وينتقد بعض الاقتراحات، فيقول: “إن الفن لا يخدم التنسيق بين العين و اليدين، كما أنه لا يوضح الثراء، حتى و إن كان الثراء هو هدف الكثير من الفنانين الآن، إن الفن البديل هو قصور مخيلتنا، فمن خلال الصور الحقيقية كان أجدادنا يستحضرون شيئاً مّآ أصبح باهتاً في خيالنا”.
يعقب بذلك:
ربما كان الأمر هكذا في يوم من الأيام لكن مبادئ (راماشاندران) للفن عامة جداً حتى أنها تشمل العملية الإبداعية بأسرها، فكل عمل إنساني يفعل أحد الأشياء التالية: فهو إما يعزل أو يبالغ أو يكرر أو يتباين أو يصنع مجازاً أو يلفت الانتباه. فدائماً ما يصدق أحد القوانين على أي عمل إنساني، و يبدو وكأن (رامشاندران) يستطيع أن يفسر شيئاً واحداً.
يختم الفصل الذي خصصه لفن الجمال بقوله:
إن الفن يخاطب حواسنا و مشاعرنا، سواءً كان أدباً أو موسيقى أو رسماً، ولكنه أيضًا يخاطب معارفنا الثقافية و أفكارنا، إن الفن يتحدى كل قدراتنا الفكرية، وهو مايجعله مميزاً، ولا بد أن هناك تفسيراً عصبياً لكل تحد من هذه التحديات: تفسير لمتعة الجمال والدهشة أو حتى الحيرة.
والأفكار هي أصعب ما يمكن اكتشافه و بحثه، لأنها متقلبة جداً وتثير أفكاراً أخرى كثيرة، وقد نعجب بمفاجآت الطبيعة، والفنون القادمة كم هي جميلة!

الكتابة كطوق نجاة، عن كتابٍ ينقذ طفلاً

Path 2015-10-10 20_25

(أسطورة الكتابة.. كتاب ينقذ طفلاً) شارك فيه اثنان وثلاثون كاتبا من الوطن العربي، وجّهوا من خلاله رسائل لأطفالٍ في مقتبل التعبيرو البوح .. متناولين فيه تجاربهم مع الكتابة، خطواتهم، عثراتهم، أحلامهم، ورؤاهم، ومواقفهم وتوجيهاتهم. يتلبّسون الطفولة أحيانا فيكتبون بلسانها إرادتها ودوافعها ونزعاتها وآثارها.و سيتم رصد أرباحه للإنفاق على تعليم أطفال عرب!* 

و قد اقتبسنا مجموعة نصوص من الكتاب منها:

يقول الشاعر (إبراهيم الوافي):

القراءة قبل الكتابة و معها و بعدها .. هي سفر لا ينتهي مع المعرفة التي لا تعرف متى ستحتاجها و متى ستحياها كي لا تموت، لكنك حتماً ستفتقدةها دائماً حين تهملها.

أصْدَقكم أيها الأصدقاء الصغار لا يكتب من لا يقرأ و لا يكون من لا تتكاثر خطواته في ذاكرته المعرفية.

و يقول:
الكتابة التي تشرب القهوة كما يقول أكثر الكتاب لا تشتهيها في كل ساعة و لا يمكنك أن ترغمها على تناولها حينما يكون مزاجها صائماً عنك، إنها حالة لا تكون أجمل و أقدر إلا حينما تسترسل فيك حضورها و تقطف من عينيك صحوها و من قراءاتك تلك الكلمات المسافرة في سطور ذاكرتك المعرفية و من قدراتك تطويعها لها و الامتثال لضجيجها و قلقها.
و مع كل هذا المنعة و الترف المزاجي، تحتمل الكتابة مالا يحتمله النسيان أو يطمره التاريخ فهي أثر أخلد من حياة و أبقى من مصير منذ ولادتها الأولى. تحتمل كل شيء تركه الإنسان في رحلته مع الوجود ذنوبه، أخطاء، غروره، نرجسيته، تطرفه، اعتداله، حضارته، ولادته، موته، كل شيء .. كل شيء قادرة هي على أن تحفظه في رحم الخلود و تبقيه في كنف التناقل مهما تباين الرواة أو تغشاهم المس النسياني أو أخذتهم الأهواء إلى التزوير .. ستبقى الكتابة ،حدها وعاء الوجود و ماء الحياة فيه!
الفرحة الأولى بالكتابة ستكرر دائماً. ستكتشف مهما تقدمت في العمر أنك تفرح. بما تكتب فرح الأطفال و أن موسيقى الفرح القديم تمشي معك. أجل فقد كنت تفرح منذ وقت مبكر بما تكتب. ستكون فرحتك فيما بعد مضاعفة. سيمشي معك الإحساس بالجمال الذي رأيته قديماً حين كانت روحك ترى قبل عقلك و سكون كل ما تكتبه جميلاً حتى لو كان عتابًا أو ألماً من صديق أو حبيب. و حتى لو تقدم العقل الذي نضج ليختار ماذا يكتب فلن يختار إلا ما يسعدك حين تكتبه و ما يسعد الناس حين يقرأونه.
أما (إبراهيم نصر الله) فقد زرع بذور الكتابة لديه أملاً في أن ينمو ضمير العالم و تخضرّ الأوطان بالسلام و تصفح الأراضي المخضّبة بالدماء.
 فيقول عن بداياته:
كان علي أن أستدير لأبحث عن ذلك الوطن بقوة أكبر، فبدأت بكتابة روايتي الأولى، لا عن فلسطين، بل عن حياة هؤلاء المعذبين في الأرض.
 أدركت عذابات الناس ففهمت عذابي أكثر
في الكتابة اتسع العالم، و في القراءة تعدد، لكن القيم الكبرى التي قاتل البشر من أجلها من جديد. و شيئاً فشيئاً اكتشفت أنك لن تقدّم شيئاً لوطنك، إلا إذا قدمت شيئاً جميلاً للعالم، رواية جميلة، قصيدة جميلة، موسيقى جميلة.
و في رسالة (أمير تاج السرّ) يقول عن فضل القراءة على الكتابة: 
كنت قارئاً متعثراً في البداية، ثم أصبحت قارئاً عاشقاً، و انتهيت كاتباً، حين أحسست بأن المعرفة التي شربتها من الكتب، يمكن أن تنتج معرفة تخصني، و أستطيع أن أن أشارك بها الآخرين.
و يقول:
كانت القراءة هي علف الذهن فعلاً، و كنا نطاردها و لا نمنحها أي فرصة لتطاردنا هي، كنا جوعى للمعرفة، واستمر معنا الجوع حتى كبرنا، و مازلنا جوعى إلى الآن، نبحث عن كل ما يمكن أن يشبع الذهن و لا يشبع.
أما (أميرة صليبيخ) فتحثك على الكتابة كلما كان وجعك أكبر فتقول: 
اكتب .. اكتب .. اكتب ..
حتى تلهيك الكتابة من أن تموت مبكراً بعد الذي شهدته و عاصرته.
فكلما حاول العالم أن يتجاهل أوجاعك، اعل أن آثار الجريمة ستكون أكثر وضوحاً، و أن من يملك قلماً يصبح هو سيد الساحة!
و تقول:
في الوقت الذي كنت أرى اتساع الجرح أكبر من العالم، كان القلم يرتق الجراح كلما تمادت في النزف، و حاولت الثورة على الشفاء.
 تتساءل (سعدية مفرح) هل تغيرنا الكتابة؟ فعلاً؟ 
هل نتغير بها؟
أم نتغير فيها و حسب؟ 
تستهوينا حياتنا المرتبة، رغم فوضويتها أحياناً، على الورق. و يغرينا أن تبدو أمام القارئ و كأنها فردوسه المفقود.
ندججها بالعبر و الحكم التي نفترض أمام ذلك القارئ الضحية أننا استخلصناها من الحياة. فنسهم في خداعه ذلك الخداع الشهيّ الذي يجعله يتلمس أطراف الأوراق الخضراء فتتندى أصابعه و يفرك جناح فراشة ملونة حطت للتو على حافة الكرسي القريب، و لعله يغني مع بلبل عابر بين الأسطر فتعبق رائحة غابة استوائية عربشت أغصانها على الجدران بينما تمسك بكتابه بين يديه.
الكتابة تفعل كل هذا فعلاً ياصغيري الغائب للأبد، تخدعك لأجلك.
يتحدث (سلطان العميمي) عن الكتابة كطوق نجاة فيقول:
الكتابة أوكسجين الحياة، لذلك عندما سألوني لماذا تكتب؟ أجبتهم: كي أتنفّس و أعيش، و أمد غيري بالفرصة نفسها.
أقول هذا دون أن أفصل الكتابة عن القراءة، فالكتابة بحاجة إلى وقود مستمر، و أحد المصادر التي تمد الكاتب بالطاقة المتجددة هو القراءة، و كلما قرأت أكثر، كتبت أكثر، لتشكل كتاباتك وقوداً لكتابات غيرك.
و يقول في موضع آخر :
اكتب، و تذكر أنك تخلق عالمك الخاص، الذي تدعو القراء للدخول فيه من أوسع أبوابه، فتسمج لهم بالجلوس و الاسترخاء، مسلماً إياهم مفاتيح أبواب التفكير و النقاش.
عن أي مفاتيح أتحدث؟
أتحدث عن مفاتيح الكلمات و الصياغات و الأفكار، سلمهم ما قد يفتح الأبواب و النوافذ المغلقة في داخلهم، فهناك شمس مشرقة خلف الجدران، و هناك من البشر من يظن أنه لا وجود لهذه الشمس إلا في الخيال، أثبت بكلماتك لأولئك اليائسين أن ثمة نوراً و هواءً في الخارج، يمكن معهما التنفس و رؤية الأشياء بألوانها الحقيقية، و أنهم قادرون على التحرر من السجون التي بنوها في داخلهم و حبسوا أنفسهم فيها.
اكتب كي تلون حياة البشر، كي تلوّن ضحكات الكبار و الصغار، كي تجعل لحظاتهم أكثر إشراقاً.
و يقول:
بكلماتك يمكنك أن تبني جسوراً تعبر بها نحو الآخر لإنقاذه، أو يعبر الآخر من خلالها نحوك و نحو العالم ليعيش بشكل أجمل.
أما رسالة (عبدالله العريمي) فجاء فيها: 
كن فكرة إذن لاشيء يحملها، ، لا شيء يمكنه أن ينهي وجودها، فالأفكار لا تُقتل، و لا يمكن لأحدٍ أن يُلقي القبض عليها، و احمل قلبك و رؤيتك المضاءة بقناديل المعرفة، و اخلق بلاداً للبلاد، لا شيء يحدّ من امتدادك الإنساني، فالمعرفة و الكتابة و الفنون جميعها كائن كوني لا يحمل جواز سفر و أوراق ثبوتية، إن الله ياصديقي حين خلق الكوكب الأجمل في هذا الكون الواسع لم يقسمه، حتى جاءت هذه الجغرافيا السياسية، إذن في البدء كلنا أبناء هذا التراب، نغتسل بضوء شمسٍ واحدة، و هواءٌ واحدٌ يختزل في ذراته أصواتنا و ذكرياتنا،  و ضحكاتنا و أحزاننا.
إن المعرفة ياصديقي هي القانون الإلهي الأول، و بداية الإنسان على الأرض كانت بسؤال دائم باحث عن إجاباته، إن هذا البحث عملية لا متناهية، فكل شيء ينمو و يتطور بشكل مستمر، و كل معرفة لها قوانينها المعبرة عنها، و التي يمكن استثمارها لخدمة الإنسانية بمقدار ما تحمله من حب للإنسانية، كما أنها أسلوب حياة خلاق، و من يتيقن في لحظة ما أنه وصل إلى قمة المعرفة و الثقافة فهو يعلن بذلك جمود عقله و إفلاسه المعرفي، و تخشّب إمكاناته، فاقرأ يا صديقي حتى الحرف الأخير و حتى الرمق الأخير.

صراع الأمل و اليأس عند كازنتزاكي

لم يكتب (كازانتزاكي) إلا في السنوات الخمس عشرة الأخيرة من حياته وملاحمه شاهدة على عبقريته، ناضل من أجل كل الحريات: حرية الشعوب، الإنسان، الروح. و أشهر ما كتب (زوربا اليوناني).

يحدثنا كازنتزاكي حول اليأس و عمق الألم في عمله حديقة الصخور فيقول:

استجمع قواك و أصغِ، ليس قلب الإنسان إلا صرخة واحدة، اتّكئ على صدرك لتسمعها، شخص مّا يصارع و يصرخ في داخلك.

إن واجبك في كل لحظة نهاراً و ليلاً، في الفرح أو الحزن، وسط جميع الضرورات اليومية، أن تسمع تلك الصرخة بشدة أو بتحفظ، وفقاً لطبيعتك بضحك أو ببكاء، في الفعل أو الفكر، مجاهداً لتجد من هو معرّض للخطر و يصرخ و يصرخ. و كيف يمكن أن نعبأ جميعاً لننقذه.

وسط سعادتنا الأعظم شخصٌ ما في داخلنا يصرخ: “أنا أتألم! أريد أن أهرب من سعادتك! أنا أختنق!

و يتساءل (كازنتزاكي) حول زيف الابتسامة فيقول:

هل الابتسامة مجرد قناع؟ مع ذلك يجعل هذا القناع الحياة الاجتماعية محتملة و تقريباً مقبولة و يمنح العلاقات البشرية كرامة و نبلاً. يُعلم الإنسان أن يسيطر على نفسه، أن يحتفظ بمشكلاته و آلامه لنفسه. و هكذا تدريجياً يصبح الوجه قناعاً، والذي لم يكن بالأصل سوى شكل يتحول إلى جوهر.

و في جانبٍ متقدم من روايته يخبرنا عن واجبات ثلاثة يقول فيها: 

إن الواجب الأول للإنسان هو أن يرى و يقبل حدود الذهن البشري دون تمرد لا طائل منه، و أن يعمل ضمن هذه القيود الحادة دون توقف أو احتجاج.

و يكمل:

ميّز بوضوح هذه الحقائق الإنسانية المرّة لكن الخصبة، التي هي جسدنا و أعترف بها ببطولة: أولاً، يستطيع ذهن الإنسان أن يدرك المظاهر فقط، لكنه لا يدرك أبداً جوهر الأشياء. ثانياً، لايدرك جميع المظاهر و إنما مظاهر المادة وحسب. ثالثاً، لايدرك حتى مظاهر المادة و إنما العلاقات فيما بينها و حسب. رابعاً، وهذه العلاقات بيست حقيقة و مستقلة عن الإنسان ذلك لأنها من خلقه. خامساً، و هي ليست الوحيدة الممكنة بشرياً، لكن ببساطة الأكثر ملاءمة لحاجاته العملية و المميزة.

و يقول:

الانضباط هو أعلى أشكال الفضيلة. هكذا فقط يمكن أن تتوازن القوة و الرغبة و تثمر مساعي الإنسان.

أما الواجب الثاني فيقول فيه:
العقل صبور و يعدّل نفسه، ويحب اللعب، لكن القلب يصبح متوحشاً و لا يتنازل ليلعب، إنه يختنق و يندفع ليمزق شباك الضرورة.

و في الواجب الثالث يقول:

اللحظة ناضجة: اترك العقل و القلب وراءك، تقدّم إلى الأمام، قم بالخطوة الثالثة.

حرّر نفسك من الرضا البسيط للعقل الذي يفكر بوضع جميع الأشياء في نظام آملاً أن يخضع الظواهر. حرر نفسك من رعب القلب الذي يبحث و يأمل أن يجد جوهر الأشياء.

اغزُ الأخيرَ، الإغراء الأعظم لكل شيء: الأمل. هذا هو الواجب الثالث!

 

فن التصوير و علاقة الصورة بالحقيقة عند سوزان سونتاغ

(سوزان سونتاغ) 1933 – 2004 ناقدة ومخرجة وروائية أميركية، في كتابها الأخير (الالتفات إلى آلام الآخرين)، الصادر بنسخته العربية بترجمة مجيد البرغوثي، تحدثت فيه عن فن التصوير وعلاقة الصورة بالحقيقة، وما تُضيفه اللقطة المأخوذة لمشهد الألم الإنساني على الشخص المتألم، وما تُحدثه الصورة، من ثم، في الناظر إليها.

تقول (سونتاغ):

إنّ الصور لا تُظهر في الواقع ماتفعله الحرب كحرب. إنها تُظهر طريقة محددة لشنّ الحرب، طريقة كانت توصف بأنها ” بربريّة ” يكون فيها المدنيّون هم الهدف.
إن صور الجثث المقطعة يمكن أن تستخدم لتفعيل إدانة الحرب، و قد توضح جزءاً من واقعها لأولئك الذين ليست لديهم خبرة في الحرب على الإطلاق.
وعن علاقة الصور بالصحافة تقول:
 إن كون المرء متفرّجاًً على الفواجع التي تقع في بلد آخر، تجربة جوهرية حديثة، و هي حصيلة تراكمية لما قدّمه خلال أكثر من قرن و نصف هؤلاء السياح المحترفون المتخصصون المعروفون باسم “الصحفيين”.    والحروب الآن هي مشاهد و أصوات توجد داخل غرفة المعيشة.
والمعلومات عما يحدث في مكان آخر والتي تسمّى “الأخبار” تبرز الصراع و العنف. وإذا كان هناك نزيف، فإنه يتصدر تلك الأخبار – كما يقول التوجيه المعتبر لدى صحف المجدولة و لدى العروض الإخبارية التي تستمر على مدى 24 ساعة يومياً- وتكون الاستجابة إما بالتعاطف أو السخط أو الدغدغة أو الاستحسان كلما ظهر بؤسٌ للعيان.
و في موضع آخر تقول:
فالصور مجنّدة كجزء من الصحافة و يُتوقع منها أن تأسر الانتباه، أو تفزِع أو تُدهِش. و قد عبّر عن هذا المعنى الشعار الإعلاني القديم لصحيفة باري ماتش الفرنسية التي تأسست في عام 1949: “ثقل الكلمات و صدمة الصور“. إن السعي لاصطياد صور أكثر إثارة  -كما توصف غالباً- هو مايحرك المشروع المتعلق بالتصوير، وهو جزء من الطبيعة العادية للثقافة التي أصبحت الصدمة فيها مثيراً رئيسياٍ للاستهلاك و مصدراً للقيمة.
الجمال إما أن يكون صاخباً أو لايكون” كما قال (أندريه بريتون). و قد وصف هذا المثال الجمالي بأنه “فوق واقعي-سريالي” و لكن ضمن إطار الثقافة التي تم تنقيحها جذرياً إثر صعود القيم التجارية، فإن المطالبة بأن تكون الصور مستفزة، صاخبة، وحتى مذهلة يبدو كأنه نوع من الواقعية المبدئية. كما أنه نوع من الحس التجاري الجيد.
و في أثر الصورة تقول:
 إن الصور المتواصلة بدون توقف في -التلفاز و المقاطع والأفلام- تحيط بنا، و لكن عندما يتعلق الأمر بالتذكر، فإن الصورة لها الأثرُ الأعمق. فالذاكرة تجمّد الصور. ووحدتها الأساسية هي الصورة المنفردة. وفي الحقبة المكتظة بالمعلومات؛ توفر الصورة أسلوباً سريعاً لفهم شيء مّا و شكلاً محدداً لحفظه، فالصورة تشبه القول المأثور أو الحكمة أو المثَل، و كل منا يخزن عقلياً مئات الصور القابلة للاستعادة بشكل فوري.
ماذا يعني إظهار الألم، كشيء مختلف عن الاعتراف به؟ تجيب:
إن تمثيل الألم من خلال التصوير الفني له تاريخ طويل. فالآلام التي يُنظر إليها في أغلب الأحيان على أنها جديرة بالتصوير هي التي تفهم على أنها ناجمة عن الغضب، سواءً كان إلهياً أو إنسانياً. فالمعاناة لأسباب طبيعية، كالمرض أو الولادة، نادراً ما جرى تمثيلها عبر تاريخ الفن، والمعاناة من الحوادث العرضية، لم تمثل على الإطلاق – كأنه ليس هناك ألم ينجم عن الإهمال أو سوء المغامرة.
و تتابع:
يبدو أن الشهية لرؤية الصور التي تُظهر الأجساد في حالة الألم تكاد تكون شبيهة في قوتها بالرغبة في رؤية الصور التي تظهر الأجساد و هي عارية.
من له الحق إذاً ؟ تقول:
ربما كان الأشخاص الوحيدون الذين لهم الحق في النظر إلى صور المعاناة من هذا المستوى المتطرف هم أولئك الذين بمقدورهم أن يقدموا شيئاً لتخفيف تلك المعاناة – كالأطباء الجراحين في المشفى العسكري الذي التقطت فيه الصورة – أو أولئك الذين يمكن أن يتعلموا منها. أما البقية منا فمتلصصون، سواءً قصدنا ذلك أو لم نقصد.
 وتكمل في موضع آخر:
إن الصور تُشيِّئ: أي انها تحول حادثةً ما إلى شيء يمكن امتلاكه. و الصور نوع من الكيمياء أيضًا، ولذلك كله تلقى التقدير كتعبير شفاف عن الواقع.
وتقول أيضًا:
إن ألفة صور معينة تبني إحساسنا بالحاضر و الماضي القريب. فالصور تضع أمامنا خطوطاً مرجعية.   وتخدمنا كرموز أو تمائم للأسباب. فتبلور العاطفة حول صورة ما أكثر احتمالاً من تبلورها حول شعار لغوي. و الصور تساعد في تركيب ومراجعة إدراكنا لماضٍ بعيد جداً، مع تحريك صدمات لاحقة بواسطة توزيع صور لم تكن معروفة آنذاك. إن الصور التي يتعرف عليها الجميع الآن جزءٌ لا يتجزآ مما يختار المجتمع أن يفكر فيه أو يصرح بأنه احتار التفكير فيه. وهو يسمي هذه الأفكار بـ”ذكريات”. و في ذلك على المدى البعيد، نوع من الوهم. و بتعبير أدق، لا يوجد شيء اسمه “الذاكرة الجماعية” فذلك ليس جزء من نفس عائلة الأفكار الزائفة كالإحساس الجماعي بالذنب. و لكن هناك وعي جماعي.
إن الذاكرة شأنها شأن فردي، لا يمكن إعادة إنتاجه، إنها تموت مع كل شخص. و مايُسمى بذاكرة جماعية ليس تذكراً و إنما نصاً: بأن هذا الأمر مهم، وهذه هي القصة عن كيفية حدوثه، مع صور تثبِّت القصة في أذهاننا، إن الأيدلوجيات تخلق مخزوناً محسوساً من الصور، الصور المعبرة عن التي تختزن الأفكار العامة الهامة، وتطلق أفكاراً و مشاعر يمكن التنبؤ بها.
ماذا نفعل بمثل هذه المعرفة حول الألم البعيد عنا كما تأتي بها الصور؟ توضح:
إن الناس يمكن أن ينغلقوا ليس لمجرد أنهم رأوا وجبة ثابتة من صور العنف جعلتهم لا مبالين، و لكن لأنهم خائفون. و كما يلاحظ الجميع، هناك مستوى من العنف و السادية اللذين يمكن قبولهما في الثقافة الجماعية في التلفاز، الأعمال الكوميدية، وألعاب الحاسوب.
فالصور التي كانت ستجد جمهوراً منكمشاً ومنزوياً باشمئزاز قبل أربعين عاماً، تشاهد الآن بطرفة عين من قبل كل شاب، وبشكل مضاعف. و بالفعل، إن الأذى يُمتع كثير من الناس في معظم الثقافات المعاصرة بدلاً من أن يصدمهم. و لكن لا يُشاهد العنف كله بدرجات متساوية من التباعد عنه، إن بعض الكوارث تعتبر موضوعات مناسبة للسخرية أكثر من سواها.
و تُورِد السبب لذلك، بقولها:
لأن الحرب، أي حرب، إذا لم يَبدُ أنه يمكن وقفها، فإن الناس يصبحون أقل استجابة لأهوالها.
إن التعاطف مع الآخرين عاطفة غير مستقرة. تحتاج إلى ترجمتها إلى فعل، و إلا ستذوب.
ثم تقول :
إن الناس لايعتادون على مايُعرض عليهم -إذا كان هذا هو الأسلوب الصحيح لوصف ما يحدث- بسبب كمية الصور التي تلقى عليهم. بل إنها السلبية التي تبلّد الأحاسيس.
وتكمل مقولتها:
طالما أننا نشعر بالتعاطف، فإننا نحس بأننا لسنا شركاء في أسباب الألم. إن تعاطفنا ينم عن براءتنا كما ينم عن عجزنا. إلى ذلك الحد، يمكن أن يكون تعاطفنا رغم نوايانا الطيبة. -استجابة وقحة – إن لم تكن غير مناسبة.
لنترك التعاطف الذي نقدمه للآخرين الواقعين في الحرب والسياسة الإجرامية جانباً، ولنتأمل كيف تقع امتيازاتنا على نفس الخارطة كآلامهم، قد نفضل على نحو ما عدم التخيل و ربط امتيازاتنا بآلامهم. تماما كما أن غنى البعض قد يعني ضمناً فقر آخرين – تبدو مهمة لا تقدم لنا الصور المؤلمة، المثيرة، إلا أنها شرارة البداية فقط.

تأمل فكرتين شائعتين – تقتربان الآن بسرعة من حالة التسطيح – حول تأثير فن التصوير. الفكرة الأولى: هي أن الاهتمام الشعبي موجّه بواسطة اهتمامات وسائل الإعلام  مما يعني، بشكل أكثر حسماً، الصور. فعندما تكون هناك صور، تصبح الحرب “واقعية”.

الفكرة الثانية:- قد تبدو عكس -ماوصفته للتو- تقول إنه في عالم مشبّع، بل مفرط في تشبعه بالصور، فإن تأثير الصور التي يجب أن تثير الاهتمام يتلاشى بالتدريج: فنصبح متبلدين.

وفي نهاية المطاف، تجعلنا مثل هذه الصور أقل قدرة على الإحساس، وعلى جعل ضمائرنا تشرئب.

وتطرح تساؤلاً حول ماهية المطلوب؟ هل نخفض صور المجازر إلى مرة أسبوعياً مثلاً؟ تجيب على ذلك:
لن تكون هناك لجنة من الحماة لتقنين الرعب، أو لتبقي قدرة دماثنا طازجة على الدوام.
والفظائع المرعبة نفسها لن تنقص.إن قدرتنا على الاستجابة لخبراتنا بنقاء عاطفي و ارتباط جمالي تصاب بالوهن من جراء النشر المتواصل للصور الفظة والمروعة – يمكن أن يسمى نقداً محافظاً لنشر مثل هذه الصور.
توصَف هذه الفكرة بأنها محافظة لأن الحس الواقعي هو الذي تآكل، و هناك واقع لايزال موجوداً بشكل مستقل عن محاولات إضعاف سلطانه. إن الفكرة تمثل دفاعاً عن الواقع و المعايير المعرضة للخطر والمتعلقة بالاستجابة على نحو أكمل لهذا الواقع.
و في خاتمة كتابها تُذكرنا:
أن لانتغير كلياً، وأن يكون في استطاعتنا أن نبتعد، نقلب الصفحة، ونغير قناة تلفازٍ لا تنفي القيمة الجمالية لهجوم تشنه الصور. و لا يُفترض في الصورة أن تصلح جهلنا بالتاريخ و أسباب المعاناة التي تلتقطها و تؤطرها. إن مثل هذه الصور لا يمكنها أن تكون أكثر من دعوة للانتباه، للتآمل، للتعلم، لفحص مبررات المعاناة التي تقدمها القوى الراسخة.
ليس هناك خطأ في الوقوف بعيداً و التفكير. وهنا أعيد صياغة أقوال عدة حكماء: ” لا أحد يستطيع أن يفكر و يضرب أحداً في نفس الوقت.
و في سطورها الأخيرة تقول:
نحن حقيقةً لا نستطيع أن نتخيل كم هي الحرب مخيفة، مرعبة، وكيف تصبح شيئاً عادياً. لا نستطيع أن نفهم، ولا نستطيع أن نتخيل.