أرشيف الكاتب

ماذا يعني أن تعيش بخفّة؟ رؤية فلسفيّة.

(الرغبة والمتعة: رؤية فلسفية) هو عنوان العمل الفلسفي الجديد الذي صدر لـ(عبد الصمد الكباص) عن (دار إفريقيا الشرق)، في إطار سلسلة فيلوسوفيا. ويمثل هذا العمل استمرارا للبرنامج الفلسفي الذي أعلن عنه المؤلف في كتاب (الجسد والكونية: مبادئ ثورة قادمة) الذي صدر سنة 2013، حيث حافظ فيه على ذات الإشكالية المتعلقة بسؤال الجسد.*

بقول (الكباص) في العيش بخفّة:

تهم الجمالية بالحياة،لأنها اشتغال على إمكانيات الجسد في خلق المتعة. لا يمكن تصوّر جمالية مفصولة عن الحياة،أي عن المجهود الذي يبذله الجسد لانتزاع إحساس ممتع. مثلما لا يُمكن تصوّر جماليّة مفصولة عن الحواسّ،أي التذوق المنتشي لهذه الحواس لما تحوله من العالم كموضوع لها.

يُمكننا من الآن أن نطلق لفظ “الجماليّة” على المجهود الذي نبذله من أجله انتزاع المتعة من خلال إمكانيات الجسد.

فالتذوق الحسّي الذي يتم عبر الجسد هو الذي يتم عبر الجسد هو الذي يمنح الشعر جمالية. أي ذلك التذوق المنتشي الذي يحدث من خلال العين و الأذن و اللسان و الأنف و البشرة. و نفس الشيء بالنسبة للوحة تشكيليّة أو أغنية أو مقطع موسيقي أو طبق لذيذ أو عطر نافذ.

ففيها يتحقق الجوهري في الجماليّة و المتمثّل في شحن الحواسّ بالخفّة التي تجعل العالم مطلوباً و مرغوباً و ليس فقط ضرورياً.

ليس الجماليّة فكرة، و إنما تجربة.و خارج التجربة التي تختبر في أداء الحواس و رغبات الجسد تغدو الجمالية شكلاً فارغاً قد يتحوّل إلى مفهوم ثقيل يصلح لإنهاك القرّاء أو أولئك الذين فقدوا أثر الحياة في الكتب،لكنه لا يحفّزهم على الحياة.

ويتابع قائلًا:

كلّما تحفّزت الحواس أكثر و تقوّت الرغبة و اشتدّ الشّغف بالحياة نكون بصدد تجربة فعليّة للجماليّة.

و هي التجربة التي تقنعنا أن الحياة وعد بالمتعة، لذلك يشتد شغفنا بها و انشدادنا إليها و طلنا للمزيد منها. و عندما تفتقر الحواسّ للتحفيز هو الذي يجعلنا نحتكم لحواس حية التي تجعل بدورها العالم أمامنا كياناً حياً.

ماذا تعني العيش بخفّة؟ 

تعني الخفّة هنا العيش من خلال متعة الحواس و حماس الرّغبة، وتتحقق الجمالية عبر هذه الخفّة. و إذا انتفت الثانية انتفت معها الأولى. و لا مجال للفصل بين الاثنين. فبعد أن حرّرنا الطب من ثقل السر أضحى بإمكان الجسد أن يخلق الأهم، و هو أن يجعل باب المتعة مشرعاً في الحياة، و أن يتيح وجوداً خفيفاً ملتزماً مع نفسه و مع متعته الخاصّة.

يعني: العيش بجماليـّة.

العيش بخفّة في الأفق – الذي حدّدناه سابقاً – عيشٌ لا بلزم نفسه بمعنى سابق و لا بقيمة عدا تلك التي تثبت الحياة و تزيد من قوّتها. و لأنه عيش يحقّق قيمته الأساسيّة من خلال المتعة، و لأن الظّفر بالمتعة يستدعي مجهوداً، فذلك يستلزم أسلوباً في صياغة اللحظة و تطويعها من أجل أن تغدو ممتعة و مشبعة للحواسّ و منصفة للرغبة.

العيش بخفّة هو عيش في الحاضر، إمكانه الوحيد في الزمن هو اللحظة التي تجتازني، إن الخفّة تدرك في الآن و الهنا و لاتتعلّق بأمل، إنها ترتبط بمجهود يعمل بإصرار لجعل المتعة شيئاً راهناً يختبر في إحساس مباشر للجسد و حواسّه.

و يعقّب:

إن الكلمات التي لا تمنح للحياة قدرات مضاعفة تكف عن أن تكون ذات وجود شعريّ. فالشعر الحقيقي هو ذاك الذي يتيح للحياة بأن تكون في حد ذاتها عملاً فنياً، يقوّي الحواس و يضيف إليها قدرات جديدة في تذوّق العالم.

لا ينتبه الكثيرون إلى أن الحياة التي بين أيديهم، والتي يعملون على صنعها هي إنجاز فنّي يستند إلى اجتهاد وابتكار. فعلاقة الفرد بحياته الخاصّة التي يكون هو نفسه تحققها الوحيد، هي علاقة انشغال فنّي تقوم على ممارسة اختبارات معينة و كل لحظة فيها هي حصيلة عمل و بناء.

هل عرف الفكر الإسلامي علم “مقارنة الأديان” أو علم “الدين المقارن” ؟ 


محمد الشرقاوي، أستاذ ورئيس قسم الفلسفة الإسلامية ومقارنة الأديان بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة، وله مجهود متميز في مجالي مقارنة الأديان والفلسفة الإسلامية، ويعتبر من أوائل الأكاديميين الذين أعادوا تقديم علم مقارنة الأديان في الجامعات المصرية والعربية.

يقول أ.د. محمد الشرقاوي :
إن مصطلح مقارنة الأديان أو الدين المقارن Comparative Religion قد صكّه علماء الغرب في نهاية القرن التاسع عشر، ليدل عندهم – على الدراسة العلمية للأديان، للتفريق بين هذا النوع الجديد من الدراسة و بين الدراسات اللاهوتية التي عرفتها المسيحية منذ نشأتها و حتى اليوم، و قد اتّسع نطاق علم مقارنة الأديان في القرن العشرين ليشمل: “تاريخ الأديان” و “فلسفة الدين” و “علم الاجتماع الديني” و “علم نفس الدين” و “فييومولوجيا الدين” وهذه ليست علوماً مساعدة لكنها أقسام أو حقول لعلم “الدين المقارن“.
إذا كان علم “مقارنة الأديان” يعني في التحليل الأخير – في رأي أ.د محمد – :
أن تتخذ الأديان بعامة – كتابية ووضعية – و العقائد الدينية، أو الملل و النحل موضوعاً للدراسة العلمية بمناهج موضوعية لها أصولها و خصائصها و ضوابطها التي اصطلح عليها أهل هذا الحقل، فإن الفكر الإسلامي منذ القرن الثاني للهجرة قد انفتح على أديان العالم و جعلها موضوعاً مستقلاً للدراسة و البحث، ووضع العلماء لذلك مناهج علمية سديدة؛ فوصفوا أديان العالم و حلّلوها و قارنوا بينها و أرّخوا لها و انتفدوا بعضها، و كانوا يستمدون أوصافهم لكل ديانة من مصادرها الموثوق بها، ويستقونها من منابعها الأولى. و هكذا فإنهم – كما يذكر العلامة (محمد عبدالله دراز) – بعد أن أن اختطّوه علماً مستقلاً، اتخذوا له منهجاً علمياً سليماً.”

لقد كان للفكر الإسلامي شرف التنشأة الأولى لعلم الدين المقارن، و من ثم فإن الأبوّة الشرعية لهذا العلم تكمن في الفلسفة الإسلامية، ولقد فطن لهذه الحقيفة كثير من علماء الأديان في الغرب و أقرّوا بها في أكثر من مناسبة.
ويُشير الشرقاوي إلى رأي (إيريك شارب) حيث يقول:
أما الأستاذ (شارب) فيرى أن شرف كتابة أول تاريخ للأديان في العالم يختص به (الشهرستاني) الذي وصف و صنّف أديان العالم العشرة المعروفة في العالم آنئذٍ إلى حدود الصين اعتماداً على منهج تاريخي سديد لم يكن لأي كاتب مسيحي في عصره أن يكتب مثله.
و لاينبغي أن نغفل قول (فرانز روزنتال):
أن الغرب يعترف اليوم صراحة بأن الدراسة المقارنة للأديان تعتبر واحدة من الإنجازات العظيمة للحضارة الإسلامية أسهمت في التقدم الفكري للإنسانية كلها.
و لكن الأستاذ الدكتور لا يقف فحسب على الاعترافات الغربية الصريحة بنشأة علم مقارنة الأديان ليُبرهن على صحة دعواه بل يأخذنا إلى ماهو أعمق من ذلك حيث يقول:
الطريق المنهجي للجواب على سؤالنا هو قراءة الفكر الإسلامي في هذا الحقل قراءة فاحصة واعية.
ويخلص بذلك بالنتيجة الآتية:
لم يظهر علم مقارنة الأديان في الفكر الإسلامي حقلاً علمياً مستقلاً بذاته مثل أصول الفقه أو الحديث أو التاريخ مثلاً، لكنه ظهر على تخوم حقول علمية أخرى، فهو بطبيعته من العلوم البينية التي تشتبك في الموضوع و القضايا مع غيرها و إن استقل عنها في مناهج الدرس و المعالجة، و من ثم يتميز عنها في الوظيفة و الغاية.
و يُمكن أن نسوق أسماء بعض العلماء الذين كثبوا في هذا الحقل مثل (واصل بن عطاء)، و (القاسم الرسّي)، و (الجاحظ)، و (الجبائيين)، و (أبي عيسى الوراق)، و (الطبري)، و (الكندي) الفيلسوف، و(النوبختي)، و(ابن ربّن الطبري)، و (الحسن بن أيوب)، و (القاضي عبدالجبار)، و(ابن حزم الأندلسي)، و (أبي الوليد الباجي)، و (أبي الحسن الأشعري)، و (الباقلاني)، و (أبي المعالي الحسيني العلوي)، و (أبي الحسن العامري)، و (البيروني)، و (الجويني)، و(السكسكي)، و (الطوفي الفقيه)، و (السموأل بن يحيى المغربي)، و(نصر بن يحيى المتطبب)، و(عبدالله الترجمان)، فضلاً عن (المسعودي) و (اليعقوبي)، و (المقريزي)، و(رحمة الله الهندي)، وخلق كثير يصعب حصرهم.
و هو بتعداده لمن تناول هذا العلم يجعلنا نتساءل مجدداً:
من يتأمل هذه القائمة يجد فيها المؤرخين و المفسّرين و الفقهاء و المترجمين, لكننا نجد أكثرها من المتكلمين.
هل يُعطي ذلك مشروعية للقول بأن علم: مقارنة الأديان جزء من علم الكلام في الإسلام؟ 
كيف نميّز خاصة و أن كثير ممن كتبوا في أصول الفقه كانوا من المتكلمين, فهل نازع أحد في استقلال أصول الفقه عن علم الكلام!
يقول الشرقاوي:
إننا نميّز بين علم و آخر عن طريق أمور ثلاثة هي: الموضوع، و المنهج، و الوظيفة أو الغاية.
و من المقبول بين أهل الاختصاص اليوم، أن وظيفة علم الكلام تتحدد في البرهنة العقلية على صحة العقائد أو أصول الدين، والحجاج العقلي عنها ضد المخالفين، وموضوع العلم ووظيفته يحددان منهج البحث فيه كما هو معروف.
يلتقي علم الكلام مع علم الدين المقارن في جانب من موضوعه وهو درس موضوعات أو جوانب من أديان المخالفين، لكن يبقى أن علم الكلام يحتفظ باستقلال وظيفته و منهجه في البحث عن علم الكلام أن يؤرخ للديانة الجينية، أو أن يرصد و يصف التطور الذي لحق بديانة زن Zen البوذية مثلاً. و إن اتفق و درس المتكلم جانباً في الديانة الهندوسية مثلاً، فهو يدرسه بمنهج جدلي، أعني محاجة المخالفين بمقتضيات العقل و براهينه. وذلك يدفعني إلى القول بأن علم دراسة الأديان أو علم الدين المقارن مثله مثل علم الكلام يشكل حقلاً متميزاً من حقول الفلسفة الإسلامية، و إن من طبيعة العلوم الإسلامية أن تتشابك و تتلاقى دونما غضاضة، و أن تتعانق و تتساند في أداء دورها في منظومة الفكر الإسلامي.
و للاستزادة ثمّة دراسة للشرقاوي بعنوان: بحوث في مقارنة الأديان

فلسفة الجمال برأي فيليب هيبل

 
صدر مؤخراً عن مجموعة النيل العربية الطبعة العربية لكتاب “مدخل إلى علم الفلسفة الحديثة” لـ(فيليب هيبل) و من ترجمة (رانيا خليف).
 و مما أفرد فيه فصلاَ ماتعاً عَنْونه بالمتعة: فن الجمال 
و طرح من خلاله تساؤلات حول ماهيّة الجمال و بادئ ذي بدء تطرّق إلى علم الجمال الفلسفي و وضّح بقصده بأنه علم الجمال و الفن و لكنه فضّل فصْل الجمال و الشهوة و المتعة من ناحية و الفن و الإبداع من ناحية أخرى و هذا الخليط تناوله (سقراط) في شخصية (إيروس): إله الحب و الرغبة، و حول تأثير (إيروس) في حياة الناس، أو بتعبير أدق: حياة الرجل، وفقاً لما رآه (سقراط) فإن بداخل كل رجل (إيروس)، آو شغف بالجمال: و يبدأ هذا الشغف بحب الأطفال الجميلين ثم يتحول إلى حس جمالي تجاه الأشياء و الأفعال، و عدد قليل من الناس يتطوّر إلى شغف بالمعرفة أو بالفلسفة، وبالتالي فإن التأمل باعتباره علامة من علامات النضج الفكري شيء زيتميز به الجميع و لكنه يقتصر على أولئك الذواقة أصحاب الذوق الرفيع.
يرى هيبل بالفصْل بين الجمال و الفن ويؤكد ذلك بقوله:
فهناك فنون غيرجميلة، و هناك جمال ليس فناً، مثل جمال الطبيعة.
و هذا يطرح تساؤلات حول علم الجمال الفلسفي منها:
ماهو الجمال؟ و ماهو الفن؟ 
ظلّ هناك ارتباط وثيق بين الاثنين لفترة طويلة، فقد ظل الفنانون يصنعون أعمالاً تخاطب الحواس بصورة إيجابية حتى عصرنا الحديث: مثل تماثيل الرخام الرشيقة، و السيمفونيات التي تدغدغ الآذان و القصور الفخمة و حركات الرقص السلسة، أما اليوم فالجمال منفصل عن الفن، فالتصوير الفوتوغرافي للموضة و التصميم و موسيقى البوب مازالوا يخاطبون حاسة الجمال لدينا بصورة مباشرة، لكن الكثير من أعمال الفن لم تعد كذلك.
سؤال آخر وهو: هل هناك شيء جميل على المستوى العالمي، بمعنى: هل هناك شيء مّا يراه الناس جميلاً؟
قد تبدو أسئلة سقراط صالحة بالنسبة لرجال أثينا الأحرار القدماء، لكن السؤال هنا: هل يمكن تطبيقها على الرجال و النساء في كل العصور و كل الثقافات؟ يقول فيليب:
و المثير من الدهشة أن سقراط لم يتطرق في حواراته إلى السؤال عمّا يجعل الإنسان جميلاً
هل يُمكننا الثقة في الأحكام التي نطلقها؟ 
تشير التجارب إلى أن ألفة الشعار و الاسم و العلامة التجارية قد تتفوق على تجربة المذاق الأصلي، فكلما كنا نرى الشعار كثيراً بدا لنا طعم ذلك المشروب الأسود أفضل، أو ربما نتخيل ذلك، إذن لن يستطيع مشروب أفري كولا أن يُجاري بيبسي أو كوكا.
هناك خبر مفرح لصناع الإعلانات، و هو أن الحملة الدعائية الجيدة تستطيع التأثير على الأحكام المعروفة حول إحدى التجارب الأساسية، ألا وهي تجربة التذوق، وهذا يعني من منظور علم الجمال أننا كثيراً مّانخدع أنفسنا و بالتالي لا يمكننا أن نثق في أحكام الذوق التي نصدرها، إننا نادراً مانقول عن الكولا أن مذاقها جيد، لكن من حيث المبدأ يبدو أن تفضيلنا للمشروبات المنعشة لايختلف عن تفضيلنا للروائح و الألوان و الأصوات.
يُطلق على هذا التناقض بين الشعور و الأحكام مصطلح: التنافر الإدراكي، فقد نخطئ في تقييم تجاربنا الجميلة و الممتعة لكثير من الأسباب: 
لأننا نخدع أنفسنا، أو لأن ثمة إجابة معينة هي المتوقعة، أو لأننا تعودنا على التحدث بهذه الطريقة، وكي يصبح المرء أكثر وعياً فيجب عليه أن يثق في تجربته الشخصيّة.
نحن نقيّم تجاربنا بكل حكم نصدره، شئنا ذلك أم أبينا، وفي بعض الأحيان يستخدم الناس نفس معيار التقييم: فمن منا لم يجد خطاب أوباما في برلين قوياً و رائعاً؟ لكن المعيار غالباً ما يكون فردياً للغاية، فنحن نعبر في كل حالة عن علاقة بين الإنسان و الجماد، على سبيل المثال: سلمى ترى الورود جميلة – وليست قبيحة أو عادية.
أما في المتعة الخالصة: 
فيعتبر (كانط) من رواد نظرية الجمال السببية الحديثة، التي تقول: أن الشيء الجميل هو الذي يسبب المتعة، وحتى يومنا هذا و أفكار (كانط) الأساسية تهيمن على علم الجمال، لكن (كانط) في نقده لقوة الحكم لم يتحدث عن “المتعة” و لكنه تحدث عن  “الإعجاب غير المغرض“، “غير مغرض” لأن الشيء يكون جميلاً عندما يعجبنا بصرف النظر عن مصالحنا و ميولنا، إليك المثال التالي:
الآباء يجدون رسومات أبنائهم جميلة، وهذا أمر طبيعي، لكن عندما يعتقدون أن لوحة مّا جميلة و هم لايعرفون صاحبها فذلك هو الإعجاب غير المغرض.
حتى اليوم يتساءل الفلاسفة: مالذي يميز متعة الجمال عن المتعة العادية، لكن هل هذا الاختلاف موجود فعلا؟
إن رؤية الشيء جميلاً تعتمد على أمرين: آولاً: خصائص الشيء: ففي بلاد العجائب كانت أليس تعتبر ملكة القلوب بنوافيرها و أحواض زهورها جميلة، و لم يحدث ذلك مع الجدائق القاحلة المقفرة، ثانياً: صفات الإنسان: فلو أن أليس كانت مكتئبة أو محبطة لماوجدت جديقة الزهور جميلة، والكثير من الفلاسفة ينظرون فقط إلى الأشياء الجميلة و ينسون الرائي.
كل تجربة تسجل لدى الرائي قيمة معينة على مقياس المتعة، سوادً إيجابية أو سلبية، و في بعض الأحيان من الصعب تحديد التجربة، لكن معظم الحالات تكون واضحة، وعندما يخلق فينا شيء ما السرور و المتعة فإننا ننقل الجمال من التجربة إلى المصدر، فنحن نصف بعض الأشياء مثل سوناتات البيانو أو المناظر الطبيعية بأنها جميلة، لأنها تحدث دائماً نفس المعايشة، ويمكن أن تصف أكثر من شخص بأنه جميل، ويخمن أن ذلك الثبات يجعلنا نعتاد التركيز على الحواس البعيدة و هي النظر و السمع، ونتجاهل الحواس القريبة مثل اللمس أو اشم أو التذوق لأن مصادر التحفيز هنا تتلاشى بصورة أسرع.
يعقب ذلك بقوله: 
تعتمد المتعة على العوامل الذاتية: على شكل اليوم وخصائصنا الفردية و ألفتنا للأشياء و توقعاتنا.
يقول (هيبل):
يعتقد بعض الفلاسفة أن المتعة لابد أن تظهر مع التجربة في نفس الوقت، ولكن هذا ليس صحيجاً، فقد يظل الإنسان مأخوذاً لساعات بعد خروجه من حفلة موسيقية حتى و إن كانت الموسيقى قد تلاشت من وعيه منذ فترة طويلة، فليس من الضروري أن تتطابق مرحلة السمع مع مرحلة المتعة.
كان (إدموند بيرك) المعاصر لـ(كانط) أقل حساسية، ووفقاً لرأيه تكون الأشياد جميلة لأنها مشرقة أو صغيرة أو شفافة أو ملساء، و من الأمثلة التي ساقها على ذلك: الأحجار الكريمة و الحمام و النسء صاحبات الشعر الأملس و الجلد الخالي من العيوب، و من الواضح أن هذه القائمة تكشف عن اهتمامات بيرك الشخصية و الأفضليات التي كانت سائدة في عصره.
و ينتقد رأي (بيرك) بقوله:
الخطأ الذي ارتكبه (بيرك) و غيره أنهم اعتبروا الجمال شيئاً مجسماً، ولذلك لم تعد النظريات الحديثة تركز على الأشياد المفردة، و لكنها تتحدث عن الانسجام و التعقيد و التماثل ، عن العلاقات أو البساطة، أي أنها تتناول بنية الأشياء الجميلة، فقد تتغير الموضة أو أنواع الموسيقى لكن مبادئ التصميم الأساسية تظل كما هي، فليس هناك من يُعجب بالتنافر، هذا مايقوله أنصار النظريات، كما أن كل شخص يرغب في أن تبدو ملابسه مقنعة.
لكن حتى النظريات المجردة بها ثغرات، ذلك لأن مبادئها غالباً ماتكون عامة للغاية، فأحياناً تكون البساطة جميلة، و أحياناً أخرى يكون التعقيد جميلاً، و أحياناً يكون الشيء الجديد جميلاً، فكل شيء سوادً كان بسيطاً أو معقداً، معروفاً أو جديداً يمكن أن يكون جميلاً، فنحن نعرف ذلك بطريقة أو بأخرى، ولهذا لم تعد هذه النظرية مجدية، لو لم ننظر إلى الأشياء ونظرنا إلى المتفرج لوجدنا أن البساطة أو التماثل أو الألفة تكشف لنا عن أفضليات هذا المتفرج.
ماهو الحال مع الألفة؟ 
بعض الباحثين اعتبروا الألفة نوعاِ من أنواع الجمال من الدرجة الثانية، لكن هذا الزعم قثير النظر، فغالباً ماتكون الأشياء الجديدة و غير المعروفة أكثر جمالاً من الأشياء المألوفة، والأرجح أن الألفة تعمل كمحفز للذوق، لكن هذا لا يحدث إلا مع الأشياد التي اعتبرناها قبل ذلك جميلة أو على الأقل محايدة، فألفة الأشياء القبيحة و الجيران السيئين لاتجعلهم يبدون أكثر جمالاً.
الآلفة والبساطة و التماثل: ربما يكون ذلك الارتباط الجمالي بسيطاً للغاية، فمثلما يدفعنا الخوف أو الألم إلى تجنب مصادر الخطر فإن المتعة تجعلنا دائماً نبحث عن الأشياء الجميلة و الممتعة.
 ماهي المقوّمات التي يجب أن يمتلكها الفنان كي يصبح مبدعاً؟ 
 يقول الفيلسوف (يوهان جوتفريد هيردر): “ إن الفن يأتي من المقدرة و المعرفة “، لكن لا يبدو واضحاً إذا ماكان (هيردر) يقصد بذلك أم يقصد الشيء و قد عبر الممثل الكوميدي (كارل فالانتين) عن تلك العلاقة بصورة أوضح من (هيردر) و ذلك عندما قال: “ الفن يأتي من المقدرة لكن إذا جاء من الرغبة فهو إذن رغبة فنية “ و اليوم أصبح التمييز بين الفنان الحقيقي و الفنان غير الحقيقي أمراً صعباً، فقد كانت المهارات اليدوية قديماً هي العنصر الحاسم، أما اليوم فالعنصر الحاسم هو موهبتك في الدخول لسوق الفن، و قد يقول واحد من غير المثقفين على المستوى الفني: ( حتى طفلي الصغير يستطيع أن يفعل ذلك )، لكن الشخص المتذاكي سيقول: “ عليك أن تبدأ أولاً “، والاثنان غير محقين، فلأنه لاتوجد معايير موضوعية لجودة الفن الحديث فإن الفنان ليس مضطراً لأن يكون أصلياً للغاية، فالفن اليوم يعتمد على فهم سيكولوجية سوق الفن: لعبة السلطة التي يمارسها أصحاب المعارض الفنية و منظمو المعارض، والسؤال من يحتفي بمن؟ و من الذي يوصي؟ و بمن يوصي؟ و ماهي العداوات المشتعلة داخل مجلس منظمي المعارض؟ و من الذي يكتب النقد المهم؟
يُجيب قائلاً:
سوف تعثر دائماً على سبب واحد على الأقل يجعل العمل جيداً على المستوى الفني: مثلاً أن يكون استفزازياً لأنه خام، أو عميقاً لأنه رقيق، أو مميزاً لأنه يملأ المساحة أو مميزاً لأنه يترك مساحات خالية، فلاتوجد معايير، و بالتالي فإن الخطاب الفني يبدو غريباً للغاية.
أما عن الفن المعاصر فيقول :
الكثير من الفنانين المعاصرين يزعمون أنهم لايريدون صناعة فن جميل، و لكنهم يفضلون التشكيك في عادات الرؤية أو هدم شيء معين مثل الهياكل القديمة، و قدكان لـ(كافكا) نفس الرأي فيما يخص الأدب: “يجب أن يصبح الكتاب هو الفأس الذي يحفر البحر المتجمد بداخلنا“.
و سواءً كان هذا الفأس هو العتلة أو الزخرفة فإن كل تلك التعبيرات المجازية تتناول تأثير الأعمال علينا سواءً كان تأثيراً مباشراً أو غير مباشر، و لهذا يمكن تصنيف الفنون وفقاً لتأثيراتها، فهناك الموسيقى و على النهاية الأخرى يوجد الأدب الذي يخاطب أولاً أفكارنا و مخيلتنا و بعدها يثير فينا المشاعر، أما الفنون الجميلة فهي تخدم كل مايقع بين النهايتين المتطرفتين للموسيقى و الأدب: فبعض الأعمال تطير العقول و تصيبنا بالاضطراب و تفاجئنا بغتة و بطريقة مباشرة دون أن نعرف لماذا،
أما بعضها الآخر فنلجأ إلى تفسيره و تصنيفه، فلانفهم السخرية و الرموز إلا بعد تفكير متأنِ، و بعض الأعمال تفتقر إلى متعة الجمال و بعض الأعمال الأخرى تكون متعة الجمال مجرد تأثير واحد، من بين تأثيرات أخرى عديدة، فهل يمكن تفسير التأثيرات الأخرى؟ 
لفترة طويلة ظل النقاد ينظرون إلى الفنون الجميلة من منظور علم الأدب، فكان تفسير الرموز و الاستعارات يحتل الصدارة، حيث كان الناقد يتساءل: كيف يمكن تصنيف ذلك العمل الفني في التاريخ؟ و كان الأمر هنا يتعلق بالتناصّ، و يقصد بالتناص: إحالة العمل إلى أعمال أخرى، و كان النقد يتناول التلميحات و الاقتباسات الواردة في العمل، وعلاقة العمل بالموضوعات الثقافية الكبرى مثل الجنس و الموت و السلطة و الواقع، و لم تكن مشاعر الفنان وحسّيته تلعب دوراً مهماً، أو لأنها تعتبر ذاتية و بالتالي لا يمكن بحثها بحثاً علمياً، وثانياً لأنه في لحظة التأمل البارد و لحظة التفسير تكون المشاعر الدافئة قد تلاشت.
لقد تبنى الفيلسوف الأمريكي (جيرولد ليفينسون) هذا المنظور الفكري و هويرى أننا لا نجد متعة في الفن إلا عندما نفهمه و نمعن التفكير فيه، أما زميله (كيندال والتون) فكان يرى أننا نبحث في الفن عن الأشياء القيمة، تلك الأشياء التي تثير فينا الإعجاب، لكن الاثنين يبدوان و كأنهما أعضاء في مجلس طلابي يقولان لأحد الطلاب في أثناء إحدى الرحلات إلى المتحف إن الفن يجب أن يبعث على التفكير، والحقيقة أن الفن قد يبعث على التفكير في بعض الأحيان، لكنه غالباً ما يسبب المتعة و قد لاتكون له أي تأثيرات مقصودة.
في مواجهة ذلك المنظور التقليدي تبنى الباحثون في العصر الحديث المنظور العاطفي، فهم يسألون عما يمكن أن يثيره الفن بداخلنا: حيث يسألون عن المشاعر و التأثيرات المختبرة، وغالباً مايفعلون ذلك اعتماداً على نتائج بحوث العواطف و الوعي، كيف تولد فينا الصور و التماثيل الاشمئزاز أو الإعجاب، المتعة أو الحيرة، الرغبة أو الدهشة؟ ولماذا تبعث بعض الأعمال الفنية على الراحة بينما تبدو الأخرى مستفزة؟
يعتقد الفيلسوف الأمريكي (جيسي برينز) أن تقديرنا الجمالي ينبع من شعور أساسي لدينا، ولايمكن أن يكون هذا الشعور هو الإعجاب، لأسباب كثيرة منها: أننا على الأرجح نعجب بالأشخاص و ليس بالأعمال الفنية، و لايمكن أن يكون هذا الشعور هو متعة الجمال، لأن الكثير من الأعمال الفنية لاتكون جميلة على الإطلاق، وليمكن أيضًا آن يكون الاهتمام ، لآنه وفقاً لمايراه برينز فإن تقديرنا فإن تقديرنا للأعمال الفنية يرجع إلى ذلك المزيج، أو هذا الشعور الإيجابي المجهول الذي يثير الاهتمام و العشق.
يعلق على المنظورين بقوله: 
لكن كلا المنهجين – الفكري و التقليدي – يغفلان شيئًا مّا، فالمنهج الأول يصور تأثير الفنون الجميلة بأنه تأثير فكري بحت، حيث يستثني العديد من المشاعر، أما الاتجاه المضاد فيملأ هذه الفجوة، لكنه يفشل في التعرف على العمل الفكري عند النظر إلى أي عمل فني، على الرغم من أن الشيء الذي يميز الإنسان هو قدرته على التفكير و المراجعة.
إن الفن يخاطب كل مافينا، أفكارنا و مشاعرنا، وفي كثير من الأحيان يفاجئنا لكننا في بعض الأحيان قد نعجب بعمل دون أن نصاب بالدهشة، إن الإلمام الجمالي المزدوج بالتفكير و الشعور يلعب دوراً مهمهاً في فهم أحد الفروع البحثية الحديثة و هو علم الجمال العصبي.
منذ بعض الوقت و العلم يكشف الكثير من الأشياء عن حياتنا الفنية، و في هذا يطرح هيبل سؤالاً بقوله:
مالذي كشفته أبحاث الدماغ عن الفن؟
و في ذلك كتب عالم الأعصاب الهندي (فيلاينور راماشاندران) في طيّ أطروحته مقالاً يعتبر أحد أهم المراجع الرئيسية في علم الجمال العصبي وهي: “علم الفن” تناول فيها القوانين العالمية الفعلية للفن و يخلص بنا هيبيل بأن راماشاندار قصد بالفن الفنون الجميلة و لم يتناول الفنون الأخرى مثل الأدب و الموسيقى و الرقص و تركيب العطور، حيث أنه توجه لبحث الأعمال التصويرية التي يقصد بها تلك الأعمال التي يستطيع المرء أن يميز فيها الأشخاص و الأشياء مثل شخصيات المعابد الهندية و لوحات المناظر الطبيعية و الرسوم الكاريكاتيرية و صور العراة، وهذا يشرح إحدى مشكلات فن الجمال العصبي: لقد اقتصر على جزء صغير من جزء صغير من الفن، لكن كعادته يمارس التعميم.
كان (راماشاندران) متأكداً ٩٠٪ من الفنون الجميلة تتوقف على الأحداث الثقافية العشوائية، وقال أنه يهتم فقط بالـ ١٠٪ الباقية التي يستند إليها كل عمل فني، وكانت قوانين (راماشاندران) العشرة العالمية هي:
المبالغة ( إننا نخب الأشياء التي تتناسب معاً ) – المجموعة ( إننا نحب الأشياء التي تتناسب معاً ) – التباين ” نحن نحب الأشياء التي تتميز عن الخلفية” – العزل ” نحن نحب ما يلفت انتباهنا” تأثير الفطنة المفاجئة ( نحن نحب اكتشاف الأشياء) – التماثل ( نحن نحب محاور المرآة ) – المنظور ( نحن نحب وجهة النظر الطبيعية) – التكرار ( نحن نحب الكثير من نفس الشيء ) – التوازن ( نحن نحب التوازن ) – المجاز ( نحن نحب نقل جانب إلى جانب آخر )
يسأل (رامشاندران) عن الميزة التي ساهمت بها قدرتنا على إنتاج الفن في التطور، وينتقد بعض الاقتراحات، فيقول: “إن الفن لايخدم التنسيق بين العين و اليدين، كما أنه لايوضح الثراء، حتى و إن كان الثراء هو هدف الكثير من الفنانين الآن، إن الفن بديل هن قصور مخيلتنا، فمن خلال الصور الحقيقية كان أجدادنا يستحضرون شيئاً مّآ أصبح باهتاً في خيالنا“.
يعقب بذلك:
” ربما كان الإمر هكذا في يوم من الأيام لكن مبادئ راماشاندران للفن عامة جداً حتى أنها تشمل العملية الإبداعية بأسرها، فكل عمل إنساني يفعل أحد الأشياء التالية: فهو إما يعزل أو يبالغ أو يكرر أو يتباين آو يصنع مجازاً أو يلفت الانتباه، فدائماً ما يصدق أحد القوانين على أي عمل إنساني، ويبدو و كأن رامشاندران يستطيع أن يفسر شيئاً واحداً ” 
يختم الفصل الذي خصصه لفن الجمال بقوله:
إن الفن يخاطب حواسنا و مشاعرنا، سواءً كان أدباً أو موسيقى أو رسماً، ولكنه أيضًا يخاطب معارفنا الثقافية و أفكارنا، إن الفن يتحدى كل قدراتنا الفكرية، وهو مايجعله مميزاً، ولا بد أن هناك اتفسيراً عصبياً لكل تحد من هذه التحديات: تفسير لمتعة الجمال و الدهشة أو الحيرة، والأفكار هي أصعب ما يمكن اكتشافه و بحثه، لأنها متقلبة جداً و تثير أفكاراً أخرى كثيرة، و قد نعجب بمفاجآت الطبيعة و الفن القادمة، كم هو جميل.

الكتابة كطوق نجاة، عن كتابٍ ينقذ طفلاً

Path 2015-10-10 20_25

(أسطورة الكتابة.. كتاب ينقذ طفلاً) شارك فيه اثنان وثلاثون كاتبا من الوطن العربي، وجّهوا من خلاله رسائل لأطفالٍ في مقتبل التعبيرو البوح .. متناولين فيه تجاربهم مع الكتابة، خطواتهم، عثراتهم، أحلامهم، ورؤاهم، ومواقفهم وتوجيهاتهم. يتلبّسون الطفولة أحيانا فيكتبون بلسانها إرادتها ودوافعها ونزعاتها وآثارها.و سيتم رصد أرباحه للإنفاق على تعليم أطفال عرب!* 

و قد اقتبسنا مجموعة نصوص من الكتاب منها:

يقول الشاعر (إبراهيم الوافي):

القراءة قبل الكتابة و معها و بعدها .. هي سفر لا ينتهي مع المعرفة التي لا تعرف متى ستحتاجها و متى ستحياها كي لا تموت، لكنك حتماً ستفتقدةها دائماً حين تهملها.

أصْدَقكم أيها الأصدقاء الصغار لا يكتب من لا يقرأ و لا يكون من لا تتكاثر خطواته في ذاكرته المعرفية.

و يقول:
الكتابة التي تشرب القهوة كما يقول أكثر الكتاب لا تشتهيها في كل ساعة و لا يمكنك أن ترغمها على تناولها حينما يكون مزاجها صائماً عنك، إنها حالة لا تكون أجمل و أقدر إلا حينما تسترسل فيك حضورها و تقطف من عينيك صحوها و من قراءاتك تلك الكلمات المسافرة في سطور ذاكرتك المعرفية و من قدراتك تطويعها لها و الامتثال لضجيجها و قلقها.
و مع كل هذا المنعة و الترف المزاجي، تحتمل الكتابة مالا يحتمله النسيان أو يطمره التاريخ فهي أثر أخلد من حياة و أبقى من مصير منذ ولادتها الأولى. تحتمل كل شيء تركه الإنسان في رحلته مع الوجود ذنوبه، أخطاء، غروره، نرجسيته، تطرفه، اعتداله، حضارته، ولادته، موته، كل شيء .. كل شيء قادرة هي على أن تحفظه في رحم الخلود و تبقيه في كنف التناقل مهما تباين الرواة أو تغشاهم المس النسياني أو أخذتهم الأهواء إلى التزوير .. ستبقى الكتابة ،حدها وعاء الوجود و ماء الحياة فيه!
الفرحة الأولى بالكتابة ستكرر دائماً. ستكتشف مهما تقدمت في العمر أنك تفرح. بما تكتب فرح الأطفال و أن موسيقى الفرح القديم تمشي معك. أجل فقد كنت تفرح منذ وقت مبكر بما تكتب. ستكون فرحتك فيما بعد مضاعفة. سيمشي معك الإحساس بالجمال الذي رأيته قديماً حين كانت روحك ترى قبل عقلك و سكون كل ما تكتبه جميلاً حتى لو كان عتابًا أو ألماً من صديق أو حبيب. و حتى لو تقدم العقل الذي نضج ليختار ماذا يكتب فلن يختار إلا ما يسعدك حين تكتبه و ما يسعد الناس حين يقرأونه.
أما (إبراهيم نصر الله) فقد زرع بذور الكتابة لديه أملاً في أن ينمو ضمير العالم و تخضرّ الأوطان بالسلام و تصفح الأراضي المخضّبة بالدماء.
 فيقول عن بداياته:
كان علي أن أستدير لأبحث عن ذلك الوطن بقوة أكبر، فبدأت بكتابة روايتي الأولى، لا عن فلسطين، بل عن حياة هؤلاء المعذبين في الأرض.
 أدركت عذابات الناس ففهمت عذابي أكثر
في الكتابة اتسع العالم، و في القراءة تعدد، لكن القيم الكبرى التي قاتل البشر من أجلها من جديد. و شيئاً فشيئاً اكتشفت أنك لن تقدّم شيئاً لوطنك، إلا إذا قدمت شيئاً جميلاً للعالم، رواية جميلة، قصيدة جميلة، موسيقى جميلة.
و في رسالة (أمير تاج السرّ) يقول عن فضل القراءة على الكتابة: 
كنت قارئاً متعثراً في البداية، ثم أصبحت قارئاً عاشقاً، و انتهيت كاتباً، حين أحسست بأن المعرفة التي شربتها من الكتب، يمكن أن تنتج معرفة تخصني، و أستطيع أن أن أشارك بها الآخرين.
و يقول:
كانت القراءة هي علف الذهن فعلاً، و كنا نطاردها و لا نمنحها أي فرصة لتطاردنا هي، كنا جوعى للمعرفة، واستمر معنا الجوع حتى كبرنا، و مازلنا جوعى إلى الآن، نبحث عن كل ما يمكن أن يشبع الذهن و لا يشبع.
أما (أميرة صليبيخ) فتحثك على الكتابة كلما كان وجعك أكبر فتقول: 
اكتب .. اكتب .. اكتب ..
حتى تلهيك الكتابة من أن تموت مبكراً بعد الذي شهدته و عاصرته.
فكلما حاول العالم أن يتجاهل أوجاعك، اعل أن آثار الجريمة ستكون أكثر وضوحاً، و أن من يملك قلماً يصبح هو سيد الساحة!
و تقول:
في الوقت الذي كنت أرى اتساع الجرح أكبر من العالم، كان القلم يرتق الجراح كلما تمادت في النزف، و حاولت الثورة على الشفاء.
 تتساءل (سعدية مفرح) هل تغيرنا الكتابة؟ فعلاً؟ 
هل نتغير بها؟
أم نتغير فيها و حسب؟ 
تستهوينا حياتنا المرتبة، رغم فوضويتها أحياناً، على الورق. و يغرينا أن تبدو أمام القارئ و كأنها فردوسه المفقود.
ندججها بالعبر و الحكم التي نفترض أمام ذلك القارئ الضحية أننا استخلصناها من الحياة. فنسهم في خداعه ذلك الخداع الشهيّ الذي يجعله يتلمس أطراف الأوراق الخضراء فتتندى أصابعه و يفرك جناح فراشة ملونة حطت للتو على حافة الكرسي القريب، و لعله يغني مع بلبل عابر بين الأسطر فتعبق رائحة غابة استوائية عربشت أغصانها على الجدران بينما تمسك بكتابه بين يديه.
الكتابة تفعل كل هذا فعلاً ياصغيري الغائب للأبد، تخدعك لأجلك.
يتحدث (سلطان العميمي) عن الكتابة كطوق نجاة فيقول:
الكتابة أوكسجين الحياة، لذلك عندما سألوني لماذا تكتب؟ أجبتهم: كي أتنفّس و أعيش، و أمد غيري بالفرصة نفسها.
أقول هذا دون أن أفصل الكتابة عن القراءة، فالكتابة بحاجة إلى وقود مستمر، و أحد المصادر التي تمد الكاتب بالطاقة المتجددة هو القراءة، و كلما قرأت أكثر، كتبت أكثر، لتشكل كتاباتك وقوداً لكتابات غيرك.
و يقول في موضع آخر :
اكتب، و تذكر أنك تخلق عالمك الخاص، الذي تدعو القراء للدخول فيه من أوسع أبوابه، فتسمج لهم بالجلوس و الاسترخاء، مسلماً إياهم مفاتيح أبواب التفكير و النقاش.
عن أي مفاتيح أتحدث؟
أتحدث عن مفاتيح الكلمات و الصياغات و الأفكار، سلمهم ما قد يفتح الأبواب و النوافذ المغلقة في داخلهم، فهناك شمس مشرقة خلف الجدران، و هناك من البشر من يظن أنه لا وجود لهذه الشمس إلا في الخيال، أثبت بكلماتك لأولئك اليائسين أن ثمة نوراً و هواءً في الخارج، يمكن معهما التنفس و رؤية الأشياء بألوانها الحقيقية، و أنهم قادرون على التحرر من السجون التي بنوها في داخلهم و حبسوا أنفسهم فيها.
اكتب كي تلون حياة البشر، كي تلوّن ضحكات الكبار و الصغار، كي تجعل لحظاتهم أكثر إشراقاً.
و يقول:
بكلماتك يمكنك أن تبني جسوراً تعبر بها نحو الآخر لإنقاذه، أو يعبر الآخر من خلالها نحوك و نحو العالم ليعيش بشكل أجمل.
أما رسالة (عبدالله العريمي) فجاء فيها: 
كن فكرة إذن لاشيء يحملها، ، لا شيء يمكنه أن ينهي وجودها، فالأفكار لا تُقتل، و لا يمكن لأحدٍ أن يُلقي القبض عليها، و احمل قلبك و رؤيتك المضاءة بقناديل المعرفة، و اخلق بلاداً للبلاد، لا شيء يحدّ من امتدادك الإنساني، فالمعرفة و الكتابة و الفنون جميعها كائن كوني لا يحمل جواز سفر و أوراق ثبوتية، إن الله ياصديقي حين خلق الكوكب الأجمل في هذا الكون الواسع لم يقسمه، حتى جاءت هذه الجغرافيا السياسية، إذن في البدء كلنا أبناء هذا التراب، نغتسل بضوء شمسٍ واحدة، و هواءٌ واحدٌ يختزل في ذراته أصواتنا و ذكرياتنا،  و ضحكاتنا و أحزاننا.
إن المعرفة ياصديقي هي القانون الإلهي الأول، و بداية الإنسان على الأرض كانت بسؤال دائم باحث عن إجاباته، إن هذا البحث عملية لا متناهية، فكل شيء ينمو و يتطور بشكل مستمر، و كل معرفة لها قوانينها المعبرة عنها، و التي يمكن استثمارها لخدمة الإنسانية بمقدار ما تحمله من حب للإنسانية، كما أنها أسلوب حياة خلاق، و من يتيقن في لحظة ما أنه وصل إلى قمة المعرفة و الثقافة فهو يعلن بذلك جمود عقله و إفلاسه المعرفي، و تخشّب إمكاناته، فاقرأ يا صديقي حتى الحرف الأخير و حتى الرمق الأخير.

صراع الأمل و اليأس عند كازنتزاكي

لم يكتب (كازانتزاكي) إلا في السنوات الخمس عشرة الأخيرة من حياته وملاحمه شاهدة على عبقريته، ناضل من أجل كل الحريات: حرية الشعوب، الإنسان، الروح. و أشهر ما كتب (زوربا اليوناني).

يحدثنا كازنتزاكي حول اليأس و عمق الألم في عمله حديقة الصخور فيقول:

استجمع قواك و أصغِ، ليس قلب الإنسان إلا صرخة واحدة، اتّكئ على صدرك لتسمعها، شخص مّا يصارع و يصرخ في داخلك.

إن واجبك في كل لحظة نهاراً و ليلاً، في الفرح أو الحزن، وسط جميع الضرورات اليومية، أن تسمع تلك الصرخة بشدة أو بتحفظ، وفقاً لطبيعتك بضحك أو ببكاء، في الفعل أو الفكر، مجاهداً لتجد من هو معرّض للخطر و يصرخ و يصرخ. و كيف يمكن أن نعبأ جميعاً لننقذه.

وسط سعادتنا الأعظم شخصٌ ما في داخلنا يصرخ: “أنا أتألم! أريد أن أهرب من سعادتك! أنا أختنق!

و يتساءل (كازنتزاكي) حول زيف الابتسامة فيقول:

هل الابتسامة مجرد قناع؟ مع ذلك يجعل هذا القناع الحياة الاجتماعية محتملة و تقريباً مقبولة و يمنح العلاقات البشرية كرامة و نبلاً. يُعلم الإنسان أن يسيطر على نفسه، أن يحتفظ بمشكلاته و آلامه لنفسه. و هكذا تدريجياً يصبح الوجه قناعاً، والذي لم يكن بالأصل سوى شكل يتحول إلى جوهر.

و في جانبٍ متقدم من روايته يخبرنا عن واجبات ثلاثة يقول فيها: 

إن الواجب الأول للإنسان هو أن يرى و يقبل حدود الذهن البشري دون تمرد لا طائل منه، و أن يعمل ضمن هذه القيود الحادة دون توقف أو احتجاج.

و يكمل:

ميّز بوضوح هذه الحقائق الإنسانية المرّة لكن الخصبة، التي هي جسدنا و أعترف بها ببطولة: أولاً، يستطيع ذهن الإنسان أن يدرك المظاهر فقط، لكنه لا يدرك أبداً جوهر الأشياء. ثانياً، لايدرك جميع المظاهر و إنما مظاهر المادة وحسب. ثالثاً، لايدرك حتى مظاهر المادة و إنما العلاقات فيما بينها و حسب. رابعاً، وهذه العلاقات بيست حقيقة و مستقلة عن الإنسان ذلك لأنها من خلقه. خامساً، و هي ليست الوحيدة الممكنة بشرياً، لكن ببساطة الأكثر ملاءمة لحاجاته العملية و المميزة.

و يقول:

الانضباط هو أعلى أشكال الفضيلة. هكذا فقط يمكن أن تتوازن القوة و الرغبة و تثمر مساعي الإنسان.

أما الواجب الثاني فيقول فيه:
العقل صبور و يعدّل نفسه، ويحب اللعب، لكن القلب يصبح متوحشاً و لا يتنازل ليلعب، إنه يختنق و يندفع ليمزق شباك الضرورة.

و في الواجب الثالث يقول:

اللحظة ناضجة: اترك العقل و القلب وراءك، تقدّم إلى الأمام، قم بالخطوة الثالثة.

حرّر نفسك من الرضا البسيط للعقل الذي يفكر بوضع جميع الأشياء في نظام آملاً أن يخضع الظواهر. حرر نفسك من رعب القلب الذي يبحث و يأمل أن يجد جوهر الأشياء.

اغزُ الأخيرَ، الإغراء الأعظم لكل شيء: الأمل. هذا هو الواجب الثالث!