أرشيف الكاتب

أشهر القبلات في تاريخ الأدب العالمي

 

إيميلي تيمبل

في عام ٢٠١٢، نشرت (إيميلي تيمبل) في صحيفة The Atlantic Magazine، مقالة أسمتها “أشهر القبلات في تاريخ الأدب العالمي”، ننشر لكم ترجمة حصرية لمقالتها في ساقية.

تقول (إيميلي) في افتتاحية مقالتها:

ومثل كل المهوسيين بالكتب، لا نستطيع أن نساعد، ولكن نستطيع أن نفكر في أكثر مؤلفات الأدب الرومانسي عمقاً. وبالتحديد كتبنا التي أصبحت مفضلة، تلك الكتب التي زودتنا بالوحي الإلهي الصغير. وبعد كل ذلك لا أعتقد ان هناك ما هو أكثر رومانسية من امتلاك عناصر التعبير عن المودة والحب. ومن هذا الذي يستطيع التعبير عنه أفضل من (شكسبير)، و(نابكوف)، و(بايرون)؟ ولذلك إذا كنت تبحث عن  أفكار للأعتناء أكثر برومانسيتك، أو حتى إذا كنت هنا لفضول وإغراء الموضوع فقط، فهنا أعظم 10قبلات في تاريخ الأدب العالمي، والتي انطوت بدورها على خلفيات وقصص في غاية العشق الإنساني ومفترق التحديات المصيرية:

ثم تكمل بعد ذلك في سردها لهذه القبلات الشهيرة:

أولًا:

القبلة الأولى كانت من نصيب رواية (ذهب مع الريح)، للكاتبة الأمريكية (مارغريت ميتشل). [1936]

وفي ذلك المقطع المُرتبك و الإستثنائي من الرواية، وقبل أن تسحب (سكارليت أوهارا) عقلها من أماكنها البعيدة، حيث ألتفت ذراعيّ (ريت بيتلر) حولها، ستشعر عندها بالعجز المتنامي من عشيقها الأول (آشلي ويلكس) ومع شعورها المتكرر بالعدم، يقرّب (ريت بيتلر) رأسها بين ذراعيه بحنو ويقبّلها، تلك القُبلة التي ستبدأ بهدوء ونعومة في البداية، لتتدرج سريعاً بعد ذلك بشدة محمومة، ليلتحمان بعد ذلك بكلا شفتيهما، إصراراً وفراقاً وهزاً، تلك الهزات التي ستنتشر على طول أعصابها، وبجسدها المليء بالأحساس ستفكر عندها أنها لم تكن تعرف أنها قادرة على الشعور مرةً أخرى، لتجد نفسها أخيراً تشعر و تُبادله القُبل.

ثانيًا:

من مسرح (روميو وجوليت)، لـ(وليام شكسبير). [1596]

– (روميو): (إلى جولييت) بعد أن قبّل يدها لأول مرة:

عفواً إن كانت يدي الأثيمة قد دنست حرم يديكِ المقدس فدنسته

فلو كان لي أن أزيل خطيئتي بخطيئة عذبة، إذ أن لي شفتين كالحجاج

حمراون من فرط الخجل.

– (جولييت): يا أيها الحاج الكريم ظلمت كل الظلم راحتك، فهي التي

أبدت أخلاق العابدين، وفي تلامس الكفين للحُجّاج قُبلةً مقدسة.

– (روميو): لكن أليس للحاج والقديسة شِفاه؟

– (جولييت): بلى، ولكن يقتصرن على الصلاة.

– (روميو): إذاً فلنجعل الشفاه يا قديستي، تفعل ما تفعله الشفاه.فها هما الآن تصلّيان لك.

– (جولييت): لكن قدّيساتنا لا تتحرك، حتى ولو سمعت دُعاك.

– (روميو): إذاً لا تتحركي .. حتى أنال ثَوابي، وتزيل قُبلة ثغرك البسّام أثار الخطيئة من فَمي.

[فقبَّلها]

– (جولييت): نقلت إلى شفتي حطيئة ثغركَ!

– (روميو): خطيةً من مبسمي؟ ما أعذب الأثم الذي دعوتني إليه!

هيّا أعيدي لي خَطيئتي!

[فقبَّلها مرةً أخرى].

ثالثًا:

رواية (بيتر بان)، للاسكتلندي (جيمس باري). [1911]

“ولأن ليس أعظم القبلات دائماً تكون حقيقية”

(بيتر بان)، الطفل الخيالي الشقي والممتع الذي لا يكبر أبداً، والذي لا يعرف معنى القبلة! هذا الطفل الذي يأتي من عوالمه البعيدة، ليستمع إلى حكايات (ويندي) لأخويها الآخرين، عن (سنو وايت) و(سندريلا) و(الحسناء النائمة) .. وفي إحدى الليالي المشحونة بالأثارة والتشويق، حين تنهض من سريرها وتقترب منه لتقول: “سأعطيك قبلة لو أردت”، ولكن (بيتر) لا يعلم ماذا كانت تقصد! ماداً يده لها بترقب وكأنه ينتظر شيء ستضعه هي داخل يده. لتجيبه (ويندي) باستغراب “ألا تعرف ما هي القُبلة؟”، ليجيبها (بيتر الخيالي): “سأعرف عندما أراى واحدة منها”، ولكي لا تجرح شعوره ناولته كشتبان الخياطة. ليشعر انه لابد أن يرد الجميل. “أيجب عليَ أن أعطيك قبلة أيضاً؟”، لتجيبه مادة شفتيها ووجهها إليه: “إذا سمحت”. تنتظر (ويندي) القُبلة، وهي مغمضة العينين، ولكن (بيتر) الجاهل يرى وجهها باستغراب ويناول يدها قطعة خشبية من البلوط، لتسايره (ويندي) وتلفها بسلسلة حول عنقها .. قائله بخيال: “أنه من الجميل أن تلف قُبلة حول عنقها”.

رابعًا:

رواية (غاتسبي العظيم) لـ(فرنسيس سكات فيتزجيرالد). [1925]

“ولأن ليس أعظم القبلات تقع على المنصة، وعلى مرأى من الكل، ولأن هذه القبلة هي واحدة من أصدق مفاهيم القبلات عبر تاريخ قراءة الأدب”.

غاتسبي: “لقد كان على هذا النحو، آخر ما كنت أتذكره هو وقوفي بجانب (دايزي)، ومشاهدة الصور المتحركة للمفرقعات النارية في السماء ونجومها الاصطناعية. كان الجميع مازالوا تحت أشجار البرقوق البيضاء، وقد لامست وجوههم الظلال الشاحبة للأضواء في السماء، وخيوط قليلة من ضوء القمر بينهم. خطر لي أن هذا الانحناء كان يقترب كل مساء لتحقيق هذا التقارب بيننا. وحتى انتهيت من مراقبة أنحداره لآخر درجاته، اقتربت أكثر، وقبّلتها على خدها”.

خامسًا:

فارمير وإيوان، في (عودة الملك) لـ(جون تولكين)، من سلسلة (ملك الخواتم). [1955]

“ولأن بعض الأحيان، كل ما تحتاجه هو قبلة على الجبين وفرصة لتدع شَعرك، يتحدث بدلاً عنك”

في تلك اللحظة عندما تقول (إيوان): “أذاً أتعتقد أن الظلام قادم؟”، الظلام الذي لا مفر منه، لتجد نفسها تلتصق به بقوة. ليرد (فارمير): “لا”، ناظراً لوجهها، ليفكر أن شراً عظيماً قد حلَ، وأنهم على وشك النهاية، ولكن قلبه يقول له: “لا”، بجميع أطرافه الخفيفة بالأمل والفرح يقول له “لن يحدث، في هذه الساعة لا أؤمن أن أي ظلام سوف يدوم”، يقول لها ليتوقف عن الكلام عندها، ويقبل جبينها .. وهكذا وقفوا على جدران مدينة (غوندور)، لترتفع حينها ريح عظيمة مع الفجر، بشعرهما الذهبي والأسود والمختلط بقربٍ مع الهواء.

سادسًا:

أسطورة (دافنيس وكلوي)، للأغريقي (لونقس).

دافنيس: “يا الهي.ما هذه المشاعر؟ شَفتيها أكثر نعومة من أوراق الوردة، فَمها حلو كالعسل، ولها قُبلة تلحق بي أكثر من ألم لسع النحل، وإنني كثيراً ما قبّلت أطفالي، وإنني كثيراً ما قبّلت خرافي، ولكني أبداً، ما عرفت البتة مثل تلك القُبلة. نبضي يتضارب أسرع، يال دقات قلبي، كما لو كنت على وشك الأختناق، ولكن على الرغم من ذلك، أرغب بقبلة أخرى، غريب! لم يحدث أن أشتبه عليَ الألم .. وبثمالة أتساءل هل (كلوي) قبّلتني حقاً؟ وكيف حدث أنها نفسها لم تمت من تلك القبلة؟!

سابعًا:

كالي وكلمنتين، من رواية (ميدلسكس)  أو (الجنس الوسط)، لـ(جيفري يوجينيدس). [2002]

“ولأن القبلات الطفولية البريئة يمكن أنّ تغير الحياة”

بحواف عين (كلمنتين) المحترقة، تثائبت وهي تفرك أنفها براحة يدها، لتسألني: “هل ترغب في تجريب القُبّل؟” .. “لم أكن أعرف كيف أجيبها، فأنا أعرف مسبقاً كيف أقبّل، أليس كذلك؟ ولكن وكأن هناك شيء أكثر من ذلك تريد أن تتعلمه. وخلال جولة هذه الأسئلة في رأسي، كانت (كلمنتين) تمضي قدماً في تجريب التقبيل، كانت تقول أنها جاءت خصيصاً لتواجه وجهي، ومع تعبير خطير من عينيها، أحاطت بذراعيها حول عنقي .. شعرت أن وجهي وشفتيّ مسلوبة، لم أمتلك أي هجوم أمامها، لكن ما أود لك أن تتخيله معي هو وجه (كليمنتين) الأبيض، يقترب ملاصقاً لوجهي، بعينيها الناعستين والمُغلقة الآن، بشفتيها التي تعلو الآن، وتخلف تجعيدها من أثر التقبيل، بجميع أصوات العالم التي تحولت صامتة في هذه اللحظات! بحفيف وتحرك ملابسنا، بأمها التي تصعد السلالم من الأسفل، بضجيج الطائرة التي ترسم علامة تعجب في السماء، كل ذلك كان صامتاً. مثل تعليم (كلمنتين) على وجهي الآن، بشفتيها التي تبلغ من العمر ثماني سنوات على شفتيّ.

ثامنًا:

لوليتا وهمبرت، في رواية (لوليتا) لـ(فلاديمير نابوكوف). [1955]

“لحساسيتها المُفرطة، ولعبقرية غنائيتها الغير مريحة، وللطريقة التي نُحرج ونتلوى بها على مقاعدنا كلما قرأناها”

وما كادت سيارتي تقف، حتى كانت (لوليتا) قد طارت إلى ما بين ذراعي..

على أنني اكتفيت بأن أمس مساً رقيقاً، وبأقصى الحذر شفتيها المنفرجتين الدافئتين، ذلك أنني لم أجرؤ على أن أطلق لنفسي العنان. ولم أجرؤ على أن أدع روحي تدرك من أنّ هذه هي بداية الحياة الرائعة التي انفتحت لي أبوابها بمساعدة القدر .. كانت قُبلتي لها بريئة خالية من كل شهوانية، ولكن (لوليتا) دفعت بنفسها بفروغ صبر، وأطبقت بفمها على شفتيّ بقوة، أحسست معها بوطأة أسنانها الأمامية، وتذوقت من خلالها رضابها الممتزج بطعم نعنان العلكة..

تاسعًا:

وأخيراً، هيدي وجوان، من الملحمة الشعرية (دون جوان) لـ(لورد بايرون). [1824]

“ولأن قبلة واحدة منكِ، يمكن أن تساوي يوم كامل من الصيف”

إنهم ينظرون للسماء، بتوهجها العائم

مُنتشرةٍ كمحيطٍ ورديّ، واسعةً ومشرقة

إنهم يحدقون على البحر المتلألئ أدناها

أين يرتفع القمر مُحلقاً في الأفق؟

سمعوا الموجات المتدفقة

والرياح المُنخفضة أكثر

لينتبه كلاً منهما لأندفاع نور عينيّ الآخر فيه

لتقترب وجوه شِفاهِهم أكثر.. وتتشبث بقبلة.


[المصدر]

البحث عن يوم سيء للكتابة

 

هايدي داري، وهي مُدوّنة، نشرت قبل أشهر نصًا أسمته “البحث عن يوم سيء للكتابة”، أقوم بترجمته لكم بشكل حصري على ساقية. تقول (هايدي داري) في تدوينتها الجميلة:

أريد أن أستيقظ لأكتب بسرعة. ولكن.. “اللعنة“، جهازي لن يسمح لي بذلك حتى ينهي تحديثاته البرامجية كل صباح.

لعنة شاشة التكنولوجيا وتثاقلها الصباحي، والذي عليّ أن أنتظرها كمقيدة حتى تسمح لي بالبدء بالكتابة.

وليتها تصنع لي ما أريد. أريد منها مثلاً:

توثيق وحفظ حالتي المزاجية الرائعة، قبل أن يعصف بي أي أمر خارج الكتابة وداخل الحياة.

أريد منها تخزين إلهامي، والحفاظ على سخونته وتدفقه حتى أعود له.

أحتاج منها الأفراج الفوري لتركيزي عندما تكتمل مشاهدي الفنية في ذهني وتكون جاهزة لتحويلها للغة.

هل يمكن ذلك؟

لا يمكنني وضع جميع أفكاري بنفس سرعتها الذهنية أسفل ورقة وبالقلم.

أحتاج إلى الشاشة الضوئية. ولوحة المفاتيح. والف سرعة مضاعفة من حركة نقر أصابعي.

أخاف أن يذهب مزاجي الآن. وأنا أفكر في متعة وسيلان كل ذلك الحلم.

ولكن سأحاول – أعلم أن الكلمات لا تزال هناك. يجب أن أتنفس بعمق وأسمح للإحباط بالتبدد حتى أتمكن من تحويل روحي من السخط والغضب إلى التأمل والهدوء.

وإن لم يحدث ذلك، فحتماً سيكون اليوم سيء.

يوم سيء بحيث يمكنك تذّكر وتجميع كل أيامك وذكرياتك الجيدة في سلة محكمة.

يوم سيء حتى يعكس لك مقدار تعاستك الآن كمقياس يجعلك تبحث، وتشك، وتساءل، وتراجع جدوى كل ما عشته حتى الآن، وأدى إلى هذه اللحظة.

يوم سيء يعني بركان بارد وخامل سيفور ببطء وسينفجر بك وإبداعك في النهاية.

يوم سيء رائع. بحيث يمكنك فيه على الأقل الحفاظ على غيظك لتكتب كلمات جيدة.

أبحث عن يومك السيء.. أقبض عليه، وتوسله..

للأسف قد يفشل أسبوع كامل من عمري ويذهب مع مخلفات أعمال حياتية جديدة ومرهقة كل مرة، ما هو الثمن الذي يجب دفعه يا ترى؟ للتخلي عن تلك الثواني الثمينة، الساعات، والأسابيع المتصلة بصراع الوجود مع شكليات قد تستنزف كل شيء.

لذلك سأحاول أن أمتص هذا اليوم الأخير كبطانية دافئة، أستوعبه بأفكاري العزيزة والمجرَّبة باستمرار، أفكاري التي تعترضها الهموم والمخاوف من كل مخلوق على وجه العالم.

سأختبئ خلف يومي السيء، وأكتشف مشهد ذاتي الداخلي بعناية، مثل عالم أو فيلسوف عتيق – سأتحرك بلطف، سأبحث عن شيء ما، سأراقبه، سأجد دفتر ملاحظات ببساطة وسأبدأ بالكتابة، وتذوق ما كتبت من بعيد. لا يمكنني أبداً التنبؤ بما سيأتي بعد كل ذلك الانتباه. لن أبحث أو أسعى لمعنى محدد ومحتوم سلفاً. سأعرف فقط أنني أستمتع بالرضا النهائي للتفكير والانعكاس الروحي والكتابة دون عائق من التزامات أو قلق أو يوم سيء.

ما سيأتي من هذا التأمل سيكون أقل أهمية من إدراك أن العمل نفسه يعمل بجد.

سأبدأ صباحي بالسينما, هناك فيلم:  (The Hours) سأشاهده وليس للمرة الأولى، بل لأني شاهدته كثيراً، هذا الفيلم الذي ينتهي، ولكنه يبقى و يشبه قوة المحادثة مع نفسي حيث عبء الحياة، والهروب الجميل للخيال والأبداع. أنا أعيش هذه الأشياء أيضاً. ليس كل الوقت، وليس كل يوم, ولكن مع كل يوم سيء، ولا أعلم عدد تلك الأيام الجميلة.

عندما أكون متعبة داخلياً حتى النخاع، هذه المشاعر ستنير وتتألق في كل زاوية من أفكاري.

وهذه لحظات من العزلة اللازمة، وهي في الواقع تغذيتي الذهنية الوحيدة، من أجل نهوض تفكيري وسلامه الداخلي.

لكل شكوايّ الخاصة واللعينة حول ضرورة أن أنتبه لأعمال أخرى لكسب لقمة العيش، أدرك ضرورة ذلك أيضاً. ولكن أسمحوا لي، سأنزوي راكدة، آسنة، وفاسدة مثل نظرتكم لأي يوم سيء في حياتكم. إلى ضجري وكآبتي. اسمحوا لي لأنني أعرف بهذا الشعور أنني على استعداد كامل للكتابة ولعدة أشهر مرهقة.

من يعرف هذا الوقت منكم؟ ربما ليس يومكم, ولكنه قادم.. أشعر بذلك سوف يأتي..

أشعر بوصول هذه اللحظة مثل التغيرات في الطقس وإعلانه عن موسم جديد. شكل قصتي الذي سينقض عليّ بسرعة خاطفة مثل سمكة زلقة، تتجاوزني بعد أن تلمس أقدامي الحافية تصعد لكاحلي وكامل جلدي, وتلعق قلبي، بينما أنا مثبتة في الوحل. أشعر بتلك اللحظة الزلقة وكأنها زعنفة تكشطني بتلك النظرة العابرة.

ولكن كما ترون، هذه سمكة الهامي الخاصة. والتي لم يسبق لأحد غيري رؤيتها. يمكنك أن تتخيل تلك اللذة الباهرة واللاهثة لأفكارك وهي تشعرك بوميض خروجها من سطح بحرك الخاص، تلك اللحظة عندما تفضح السمكة نفسها للهواء؟ هل تعرف شعور دفء وراحة القبض على شيء جميل وفاتن؟

أنها أفكارك العظيمة داخل يومك السيء, والذي ما يزال داخلك..

أنني أعيش من أجل أشيائي الكثيرة، وليس أقلها تلك اللحظات التي يكون فيها العالم واليوم سيء وخامل. ولكنني في الحقيقة، أكون منهمكة قدر أقصى ما استطعت، بصنع أكثر الأعمال الضرورية والحميمية. وإلا كيف يمكن للمرء إنتاج تلك الأسماك الأسطورية وفي يوم سيء؟


[المصدر]

مأزق أن تنتهي من رواية رائعة

سادي شتاين، هي محررة مساهمة في صحيفة (پاريس ريڤيو) الشهيرة، والغنية باللقاءات الصحفية والمقالات المهمة. كما تعمل مراسلة في ذات الصحيفة.

في التاسع من نوفمبر في عام 2015، قامت (سادي) بنشر مقالة في صحيفة (پاريس ريڤيو)، تتحدث فيها عن مأزق الانتهاء من رواية عظيمة، نترجمها لكم بشكل حصري. تقول في مقالتها:

أنا بين الكتب مرةً أخرى. وياله من مكان غير مُريح بالكامل، فبعد الانتهاء من كتاب جيد ومثير للتفكير، ما سيحدث هو أنك لا تريد أن تذهب سريعاً عنه، أو حتى تبتعد، لتتناول كتاب آخر وتبدء فيه. يحدث أنك تُريد أن تجلس بجانب النهاية، وتهدأ قليلاُ وأنت تندب خسارة ولهفة ما فقدته من راحة ذلك الكتاب.

سَتفتقد حتماً لأجواء الشخصيات، ستشعر بالتنافر، والبعد، والتخلي عنهم لمجرد كونك تُفكر في فتح رواية جديدة والبدء فيها.

“رواية غير مضمونة وسَتستهلك مُجدداً ذهنك وروحك بالكامل”.

من ناحية أخرى، وبعد وقت كافي من الخيبة، يُمكنك أن تُصاب بالاضطراب، وتبدء فيك الرغبة في الفرار، والتنازل. فالقدرة على الصمود والتحفزّ للقراءة، لا يساعدك عليها سوى كتاب مُلهم.

لتبدأ عندها بالتساؤل؛ عمّا إذا كان بإمكانك أن تشعر مرةٍ أخرى؛ بمتع ودوافع ما انتهيت من قراءته من أيام فقط؟

ستكون هناك ردّات فعل نفسية، وبطبيعة الحال، بسبب اكتشافك الكتب السخيفة و التي تأخذ الكثير من الوقت، وتعطيك أقل رؤية وإحساس. ستكون هناك بدايات خاطئة، وتلك هي الأسوأ. وهناك أيضاً محاولاتك المُستمرة، بأمل تكرار متعة والهام تجربة القراءة السابقة.

وفي الجزء الأهم من المشكلة سيكون هناك الضغوط، ضغوط القراءة، وذلك الصوت المُلح لإنهاء الأولويات؛ من كتب كلاسيكية يجب عليك قراءتها، إلى كتب الأصدقاء المُهداة، إلى الكتب الموصى بها لك، تلك الكتب التي بانتظار فتحها إلى الآن، ولكن ماذا إذا لم تُعجبك؟ وطالما أنك لم تحاول حتى، أو لم تفشل فيها بعد. ذلك أنه في حالة كل كتاب غير مقروء حولك، هناك احتمال وقدر من النقاء المُلقى حولها وغير المحسوب أيضاً. ويمكن له أن يغير حياتك.

وأخيراً، هناك ذلك النوع من الشلل والعجز، والذي يُمكن أن يُحدد بالخبرة، وتلك أخطر اللحظات، هل مررت بها؟ هل شعرت بها وأنت تتسكع هائماً في المكتبات، باحثاً عن كتب مثالية تُشبه تجربتك السابقة؟ تلك اللحظات وأنت تتلمس عمود الكتب هذا، وتتابع بعينيِك العناوين الأخرى هناك. متفحصاً بحذر، تأخذ الكتاب بيديِك بتردد، لتُرجعه مكانه، قبل أن تتسرع وتقتنيه.

“حافظ على ذلك المعنى الخطر”

انه من المُطمئن لك أن تكون خائفاً! ولا تزال بعد كل ذلك الوقت، وحتى بعد عدد الكتب التي قرأتها، لن يغير شيء من ذلك الشعور، ذلك المعنى الجازم من الخوف المُبدع و الذي يبقى حولك، وبين الكتب دائماً.


[المصدر]

 

المصدر/ http://www.theparisreview.org/blog/2015/11/09/between-books/

عندما تَفسُد السياسة، يظهر الشَّعر

 

أدريانا ريتش

“وحده  الشعر يمكنه كسر الغرف المغلقة للإلهام، إرجاع  المناطق المخدرة إلى الشعور، وإعادة شحن الرغبة”. (أدريان ريتش).

سآخذ بمقولة (بالدوين): “إن الشعراء  هم الأشخاص الوحيدون الذين يعرفون حقيقتنا. ليس الجنود. ولا حتى الدولة تفعل ذلك. ليس الكهنة. ولا زعماء الاتحادات. الشعراء فقط” .. كيف يكملنا الشعر؟ ويعطينا شكل لخبراتنا من خلال اللغة، وبالتالي منحنا فعاليتنا، كرامتنا، وصلاحية حياتنا، الشعر ببساطة هو توسيع قدراتنا للوصول إلى إنسانيتنا.

بلا شك يفعل الشعر ذلك، ولكن ليست كل القصائد، وهذه هي الحيرة التي لازمتني كمتسائلة منذ زمن.

الجواب، أو على الأقل جزء من إجابة، وصلتني كشرارات، كومضة من نصف حلم، ونصف ذاكرة، عندما كنت أنجرف إلى النوم في إحدى الليالي الهادئة. تذكرت فجأة شيئا كنت قد قرأته منذ فترة طويلة، منذ وقت طويل شيء يبدو أنه أصبح  كالخبايا والرموز في أعماق عقلي اللاواعي، كان ذلك؛ (ملاحظات عن الشعر والسياسة) للشاعرة (أدريان ريتش). واحدة من أعظم الشاعرات وأنبّه العقول في القرن الماضي.

تماماً بعد ثلاثين عاماً بالضبط من خطاب الرئيس (جون كينيدي) الأشهر على الأطلاق ومقولته: “عندما تفسد السياسة ، يظهر الشعر” فكرت حينها (أدريان ريتش) وكتبت ما يلي:

إذا أستخدمت القصيدة كوسيلة وردّة فعل سياسية فورية فسيكون الأمر خاطئاً وكأنك تحاول إعلان مظاهرة احتجاجية على الفور، أو صنع خط طارئ  للاعتصام.

[…]

أريد ذلك النوع من الشعر الذي لا يكلف نفسه عناء إمّا الثناء على القادة والأحزاب وإمّا لعنهم. ولكني أريده أن يكتشف من نحن – داخليا وخارجياً – من نحن؟ في ظل ظروف حياتية تعيسة وسوء استخدام للقوة من السلطة الفاسدة . كيف يكشف مفاوضاتنا الخاصة مع أنفسنا، عبر تأرجح آلامنا، وكدماتنا النفسية.  كيف نصنع الحب – بأكبر قدر من الحميمية وبأوسع معنى – كيف؟ (بكل معنى هذا التساؤل) كيف نشعر؟ وكيف نحاول أن نصنع الشعور؟

الشاعرة التي أمضت جل حياتها تفكر في العلاقة بين الفن والرأسمالية، وأصبحت أول شاعرة –وما زالت الوحيدة- في رفض الميدالية الوطنية للفنون احتجاجاً على  نقاط الضعف في تلك العلاقة معتبرة الشعر كوعد منفرد و وحيد وسط غابة ثقافة جديدة مشغولة البال ومخدّرة أمام  الرأسمالية المتفشية قائلة:

وحده الشعر يمكنه كسر الغرف المغلقة للإلهام، إرجاع  المناطق المخدرة إلى الشعور، وإعادة شحن الرغبة.

[…]

لم يسبق لي أن أعتقدت أن الشعر هو هروب من التاريخ، وأنا لا أعتقد أنه أقل ضرورة من الغذاء والمأوى والصحة والتعليم وظروف العمل اللائقة- الشعور ضروري.

[…]

كل قرار سياسي له مبرره الخاص في موازين الربح الرأسمالية المشتركة، الشعر يقلق هذه الطريقة في العيش، وليس من خلال  أيديولوجية، ولكن من خلال تواجده الذاتيّ وطرق بقائه، إنه تجسيد  لمملكاته الخاصة من الحنين والرغبة.

وبعد تسليع المشاعر في الثقافة المعاصرة تكتب:

سنرى اليأس عندما تخرج الغطرسة الاجتماعية واللامبالاة من نفس الشخص, مع الرغبة في العيش في مستويات مدمرة من السطحية والتسطيح الذاتي … اليأس، عندما لا يكون الرد على الهزيمة المادية والمعنوية المطلقة، مثل قوة الحرب، وفشل المُخيلة .

وفي واحدة من أقوى ملاحظاتها عن دور الشعر في تجربة المهاجرين, ورحلات القهر:

الشعر هو تدفق مياه العالم السرية، هو صوت الماء عندما يرتديه الحجر.

لن يهم إذا نزح الشاعر إلى الغربة، وهاجر داخل روحه، شاعراً سيعتاد على ظروف العمل الرهيبة التي تقوم عليها الثروة الرأسمالية، شاعراً من منطلق وجوده الخاص، شاعراً كشخص مُدان، أو أرستقراطي، كعاشق أو عدو؛ كل أعمالنا عانت وتمزقت من الخيال الوطني المزعزع للاستقرار، ومن توهمنا المختبئ في التاريخ.

وأخيراً الشعر في مواجهة الظلم تقول:

لا أحد يحب الحياة و الشعر، يمكن له أن يحسد الظروف التي يعيش بها بعض الشعراء في أنحاء العالم، شعراء يكتبون بينما اجراءات الحبس الانفرادي، والتعذيب، والنفي تلاحقهم، شعراء يكتبون بحظر كبير، دون نشر، دون صوت عالي سوى في سرهم. وإذا حسدت ظروفهم فذلك يعني أنني أحسد موهبتهم، شجاعتهم، إيمانهم العنيد في قوة كلماتهم، تلك الرغبة لدي في استبدال ظروفهم الطارئة بظروفنا المستقرة هنا في أمريكا الولايات المتحدة، أن نتبادل شعورهم بالمأزق، والتحدي، والمطاردة!


[المصدر]

باتريشيا بيسين: هل تخاف من الفن؟ اتبعني

باتريشيا بيسين، خريجة الأكاديمية الأمريكية للفنون، ومعهد التكاملية الغذائية على حد سواء. من الناحية المهنية، يمكن وصفها بأنها كاتبة، مدربة صحة وفنانة. في مصطلحات “غير مهنية”، تقول بأنها يمكن أن توصف بأنه أسعد شاربة قهوة، مدافعة عن جمال اللون البرتقالي، محبة لقنديل البحر وغيرها من الكائنات الأثيرية.

في تاريخ 23 أغسطس من عام 2016، كتبت (باتريشيا) مقالة بعنوان “هل تخاف من الفن؟ اتبعني”، نترجمها لكم حصريًا.تقول في مقالتها:

 

أكتب هذه السطور لتكريم الفنانين الصغار الذين يحتاجون في الوقت الحاضر لبعض التشجيع. وبلا شك، أنا واحدة منهم.

عليّ أن أقول، أنني كلما انغمست في لعبة الفن أكثر، كلما قدّرت حقيقة وجوده للأبد. أحترم صانع الفن، ذلك الفنان الذي أمتلك قلبه ووضعه هناك بشجاعة. ربما كان لهذا الفنان وظيفة تستغل أغلب يومه، وظيفة بساعات عمل ممتدة ,سيتحمل ذلك, وفقط ليوفر المواد والأدوات اللازمة لصنع فنه.

“لا تخف سترى السماء ممتدة مثل قبعة من حرير شفّاف.. سترى الأرض مثل كائن من عراء”

إذا قمت بمحاولة صنع أي نوع من الفن، ستحبه. ستقدر القماشة البيضاء، الصفحة الفارغة، وحتى المجال الجوي داخل كل لوحة. أن تصنع وتضع شيئا في فراغ الفراغ، وإن كان فاتناً أم لا؟ ..لن يهم، فالفن عرض مستمر. إذا كنت ترغب أن تكون فناناً، فأنت لن تضر أحد (لن تضر نفسك) لن يكون هناك آثار جانبية للفن. مثل الأفراط في الشرب مثلاً، أو تناول جرعة زائدة من المخدرات.

“الفن هو مظاهرة سلمية أيها الفنان، سواءً تم ذلك في حجرتك أو في الأستوديو الخاص بك أو أمام جمهور كبير..”

أحيي الفنانين الذين يمكن أن يبدؤوا  كل مرة من جديد. الحياة تبزغ لك أحيانا من الطريق؛ من رعاية الاطفال، من زبائن عملك، من عملاء الشركات، من عصرك الحديث أينما وجدت وكنت.. تلك البداية والمحاولة كل مرة هي بمثابة ذلك الصغر. قال (بيكاسو) ذات مرة: “كل طفل هو فنان، المشكلة هي كيف أن يحافظ على الفنان بداخله بمجرد أن يكبر.”

ستواجهك بعد ذلك فوضاك- الذاتية. لا أعرف ما إذا كنت مثلي، حيث وضعت الكثير من الضغوط على رغبتي في الإنتاج. أريد أن أكون كآلة روبوت، أصنع الفن بكميات هائلة ومذهلة،  فقط أعمال مذهلة وباستمرار…هل يمكن ذلك؟

عزيزي الفنان، أهتف لك لأنك لم تُقدّر وتُحترم بعد. في بعض دول العالم، ينظرون للفنان كشيء عظيم. ولكن  علينا أن نجد التقدير من داخلنا من داخل مدننا وبيئتنا وبيوتنا. لكل أولئك الذين يمكن أن يخفوك تذكر هذه المقولة لـ(دينوس):

“فعلت كل شيء لتدفني.. ولكنك نسيت أنني بذرة..”

كونك فنان حاول أن تتغلب على الأشياء العديدة والتي ليس لها علاقة بالفن، أنت الفنان وأنت تمشي وتنظر و تُلقي القمامة. أنت الفنان الذي يرد على هواتف العمل المزعجة. سيظل الفنان داخلك حتى وأنت تبعث برسالة خاصة بالمال والأعمال.. أنت دائماً فنان.

ولذلك بالنسبة لأولئك الفنانين منا والذين يمكن أن يستمروا غير مشهورين. أولئك الذي سيتساءلون لماذا الفن على الإطلاق؟ ممارسة الفن ستكون لأسباب بشرية  صادقة، لأننا نستطيع. وبالتأكيد سننجح بعد يوم عملي متعب وشاق كجزء صغير من الجحيم .ستتمكن من ممارسة أيّ فعل فني في نهاية أي يوم منهك, معتاد وممل . وكما لو أنك تتحفز لممارسة الرياضة. الدقائق القليلة الأولى ستكون حقاً صعبة ، ومن ثم ستصبح ممتعة، وبعد ذلك تقريباً لن تريد أن تتوقف.

حدق جيداً  في هذه المقولة لـ(داميان هيرست): “أن تكون فناناً لا يعني الشهرة أبداً. أنه يعني الفن.. وفقط . والذي هو كل شيء غير مادي. غير مُدرك ولكنه يتحول ليحمل الكثير من النزاهة، والأمانة. في حين يمكن أن تكون الشهرة عكس ذلك. ولكن أعتقد أن عليك أن تعترف أنك تريد أن تصبح مشهور، وإلاّ لا يمكن أن تكون فناناً. الفن والشهرة معاً مثل الرغبة في العيش إلى الأبد”.

نحتاج كفانين للانضباط أكثر مما يتوقعه الجمهور منّا. الجمهور يرانا كما الأرواح الحرة التي تعيش وتمضي بصورة عشوائية، ولكن عليك أن تعرف أن  بعض الفنانين الأغزر إنتاجاً وأبداعاً كانوا  الأكثر استقامة على الأطلاق بخصوص الوقت على الأقل. بالنسبة لتلك الذوات المبدعة والمخصصة للفن والحرفة: الوقت هو الوقت والذي يجب أن يُنفق بأبداع أيضاً.

عزيزي الفنان، لا تنسى أنك إنسان طبيعي أيضاً، ولم تكن أبداً قادراً على صنع فنك بمفردك. أنت إنسان طبيعي وتحتاج للطبيعة. لذلك أسمح للبحر، والجبال، والمحيطات، والزهور حتى ترسل تغذيتها نحوك. ولا تنسى ما صنعه البشر أيضاً، أستمتع بقراءة  الكتب الجيدة، بسماع الموسيقى الملهمة، أستمتع بالفن. وشجع الآخرين.

أيها الفنان تنصتك الدائم داخل قوة شخصيتك لا يعني رحلة نحو الأنا المفردة. تنصتك يعني أن تستفيد من قوتك وقوة الأدلة الخاصة بك، أن تستخدم نفوس أجدادك القدامى، وكل ما يشكل روحك حول البشرية أجمع.

أن تستخدم إلهامك: يعني أن ترى من كان قبلك .. أن ترى روحك بينهم، وتكمل الفن.


[المصدر]