أرشيف الكاتب

في جوهر الفنون والفنان، عند الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر

تبرز أهمية (مارتن هايدغر)، الفيلسوف الألماني، بعدد من كتبه، مثل كتاب (مدخل إلى الميتافيزيقيا) في دراسة وتحليل جوهر الأشياء، بما في ذلك أسئلة الوجود والصيرورة والكينونة والواقع. أو كتابه الآخر (الكينونة والزمان)، والذي يُعد كتابه الرئيسي -كتبه عام 1927- ويُعتبر باتفاق عام بين الباحثين؛ أعظم تحليل للوجود البشري. وقد ظهر في [الفلسفة الوجودية] على امتداد هذه الحركة كلها. ومن الممكن النظر إلى تركيزه في هذا الكتاب على موضوعات مثل: الهم، القلق، والإثم، والتناهي.
في كتابه الصادر عن منشورات الجمل والذي حمل عنوان (أصل العمل الفني) من ترجمة الأستاذ (أبوالعيد دودو)، والذي يقول في مقدمته:

“الصيغة الأولى لهذا البحث تُشكّل محتوى محاضرة، كنت قد ألقيتها في 13 نوفمبر1935 في الجمعية العلمية الفنية في مدينة فبرايبورغ بمنطقة برايسغاو، وأعيد إلقاءها في شهر يناير1936 في زيورخ بدعوة من الجمعية الطلابية في الجامعة.”

يبتدئ بعد ذلك في تعريفه للأصل، فيقول:

“الأصل يعني؛ هنا، من أين، وبماذا يكون هذا الشيء وما هو؟ وكيف هو؟
هذا هو الذي عليه الشيء، وكيف هو، نسميه جوهره. أصل الشيء هو مرجع جوهره، والسؤال عن أصل العمل الفني سؤال عن مرجع جوهره.
والعمل ينبع وفقًا للتصور العادي من نشاط الفنان وعن طريق نشاطه. ولكن عن طريق أي شيء وكيف يستطيع الفنان أن يكون ما هو عليه؟ إنه يكون كذلك عن طريق العمل الفني؛ وإذا كان العمل الفني يُثني على الفنان، فلذلك يعني أن عمله هو الذي يجعل الفنان يبرز بوصفه الفنان.
الفنان هو أصل العمل الفني، والعمل الفني هو أصل الفنان. لا وجود لأحدهما دون الآخر!
على أنه في الوقت نفسه لا يحمل أحدهما الآخر وحده، الفنان والعمل الفني هما دائمًا في ذاتهما، وفي علاقتهما المتبادلة، موجودان عن طريق ثالث.
هو الأول .. أي ذلك الذي اتخذ منه الفنان والعمل الفني اسميهما، وهو طريق الفن.”

ويتحدث في موضع آخر من كتابه، بأن “السؤال عن أصل العمل الفني، يُصبح سؤالًا عن جوهر الفن!”، ثم يقول بعد ذلك في مطلع حديثه عن الفن:

“أما السؤال عن ما هو الفن؟ فينبغي أن يُستمد من العمل الفني. ونحن لا نستطيع أن نعرف ما هو العمل الفني، إلا من جوهر الفن.”

بقلم: علي زين
تحرير: أحلام العمري

قواعد السلوك عند أندريه جيد الشاب

يجب أن نسعى كبشر لتحقيق غاية واحدة فقط، وأن نستمر في هذا المسعى بلا توقف. فمن المؤكد عند ذلك أننا سنحصل على ما نريد.

يُعد المؤلف الفرنسي (أندريه جيد) (1869 – 1951) أحد الكتاب الأكثر تأثيرًا في القرن العشرين، ويرجع ذلك إلى حدٍ كبير وعلى نحو يدعو إلى المفارقة، إلى إيمانه الراسخ بأن الكاتب الكبير يجب عليه دومًا أن يسبح ضد تيار عصره. لقد كرّس حياته لمشكلة الحرية الشخصية، وأصبح نصيرًا مخلصًا للمضطهدين. ولطالما كانت أعماله بمثابة الإلهام للإصلاحات القضائية في “الكونغو” كما ساعدت في تخفيف قبضة الاستعمار، وكانت تدعم عملية إصلاح السجون، وتحقيق ظروف أكثر آدمية للمسجونين، ووضعت الأساس الفلسفي للمساواة في الزواج قبل قرنٍ من تحقق تلك المساواة قانونيًا. وكانت ضريبة ذلك الإخلاص الذي تمتع به (أندريه جيد) في قول الحقيقة بشجاعة في وجه السلطة هو تعرضه المستمر وعلى نحوٍ ممنهج لازدراء المؤسسة الأدبية، فكان بعيدًا كل البعد عن ترشيحات الجوائز المختلفة، ولكن  حدث وقبل وفاته بفترة قصيرة أن قامت الأكاديمية السويدية بمنحه جائزة نوبل في الآداب لما أبداه من “حب شجاع للحقيقة وفهم نفسي عميق لها”، ولكن حتى بعد تسلمه لتلك الجائزة أعلن جيد الذي كان يبلغ من العمر الثامنة والسبعين حينها وبفخر لأحد الصحفيين أنه لو طُلب منه التنازل عن أيًا من أعماله التي كانت تقوّض السلطة حتى يتأهل للحصول على هذا الوسام المرموق لكان غض الطرف بسعادة “عن جائزة نوبل”.

لكننا لا نجد هذا “الحب الشجاع للحقيقة والفهم النفسي العميق لها” على نحوٍ أكثر وضوحًا ودقةً منه في تلك العقود الستة من حياة جيد التي كرسها لكتابة يومياته التي خطّها وسردها في إطار نظرة داخلية متعمقة لذاته تعكس على نحوٍ رائع الفكرة التي تقول “كلما زادت رغبة الشخص في التطرق إلى أدق تفاصيل حياته زاد انتشاره على المستوى العالمي”، ولا يمكننا أن نجد هذه الحياة التي تدّب في أعمق أعماق جوهر شخصية جيد وفهمه الأكثر عالمية للخبرة البشرية بشكل كامل و أكثر ثراءً إلا في كتابه: يوميات أندريه جيد.ففي ذلك الكتاب وجدت الكاتبة الشابة سوزان سونتاغ ما اسمته “تلك المشاركة الفكرية المثالية” كما كتبت في يومياتها الخاصة“انتهيت من قراءة هذا الكتاب في الثانية والنصف صباحًا من اليوم ذاته الذي حصلت عليه فيه، كان عليّ أن أقرأه ببطء أكثر، ويجب أن أقرأه مجددًا عدة مرات.”، ولم تكن سونتاغ الوحيدة في ذلك الشعور، فلا يمكن التوقف عن تكرار قراءة يوميات جيد باستمرار مثلما لا يمكن إنهاؤها دون الشعور بالتحوّل التام.

في إحدى اليوميات الأولى من يوميات شهر نوفمبر من عام 1890 نجد المؤلف البالغ من العمر 21 عاماً فقط يتصارع مع تلك المهمة التي ستصبح فيما بعد مهمة البحث المميزة في حياته بوصفه مفكرًا وكاتبًا: إنها السعي نحو وضع إطار أخلاقي يجمع بين الحرية وضبط النفس، فنجد جيد يحدد بشكل مفصل ما يطمح إليه لتحقيق السلوك القويم فيكتب:

لا أزال أخرقًا، فيجب أن يكون هدفي ألا أكون أخرقًا إلا عندما أريد ذلك، فيجب أن أتعلم أن أظل صامتًا…يجب أن أتعلم أن أتعامل مع ذاتي بجدية، وألا أنظر إلى نفسي بغطرسة، وأن يكون لدي عينين أكثر تنقلاً ووجه أقل تنقلاً، يجب أن أكبت ضحكتي عندما ألقي النكات، وألا أصفق لكل النكات التي يلقيها الآخرون عليّ، وألا أبدي الود للجميع دون تحيز، يجب عليّ أن أربك غيري في اللحظة المناسبة و بتعبيرات جامدة، وعلى وجه الخصوص يجب عليّ ألا امتدح شخصين بالطريقة ذاتها، يجب عليّ أن استخدم طريقة مختلفة تجاه كل فرد ولا أخالف تلك الطريقة إلا عندما أريد ذلك.

ويقدم لنا جيد تحت عنوان “قواعد السلوك” موجزًا لتلك الالتزامات الأخلاقية التي فرضها على نفسه:

النقطة الأولى هي: ضرورة وجود القاعدة.

ثانياً: تتوقف الأخلاق على وضع ترتيب هرمي للأشياء، ومن ثم استخدام الأقل منها للحصول على الأعلى، وهذه هي الاستراتيجية المثالية.

ثالثاً. لا تفقد غايتك مطلقًا، ولا تفضّل وسيلتك دائماً.

رابعاً. أنظر إلى نفسك على أنك وسيلة، وبالتالي لا تفضّل نفسك مطلقًا بوصفك الغاية المختارة على العمل.

(وعند تلك المرحلة سيكون هناك فراغًا سيثور فيه السؤال عن طريقة اختيار العمل وحرية اختيار ذلك العمل. ولكن… هل يمكن للشخص الاختيار؟)

كما يضيف جيد تحذيرًا آخر ضد التركيز على الذات بوصفها الوسيلة:

التفكير في خلاص الذات: أنانية.

يجب على البطل ألا يفكر حتى في خلاصه الذاتي. وذلك لأنه قد نهض طوعًا و على نحوٍ مهلك ليكرّس نفسه للآخرين وليتحمل اللعنات من أجل الآخرين، وكل ذلك فقط لكي تنجلي الحقيقة وتظهر.

وبعد عدة أشهر وفي ربيع عام 1891 يعود (أندريه جيد) إلى مسألة الانضباط في إظهار الغاية عن طريق الوسيلة فيضيف:

يجب أن نسعى لتحقيق غاية واحدة فقط، وأن نستمر في هذا المسعى بلا توقف. ومن المؤكد عند ذلك أننا سنحقق ما نريد، لكني كنت أرغب في كل شيء وبالتالي لم أحصل على شيء، وفي كل مرة كنت أكتشف ـــــ وبعد فوات الأوان ــــ أن شيئًا ما كان يجيئ إليّ بينما كنت أركض وراء شيء آخر.

ثم يقرر:

ليست هناك حلول وسط (سواءً أخلاقية أو فنية)، ولعل من الخطير للغاية بالنسبة لي أن أستمر في رؤية الآخرين، وذلك لأن لدي دائمًا رغبة هائلة لإرضاء الآخرين، ربما أني في حاجة إلى الخلوة… (ولكن يجب ألا تكون ثمة “ربما” في مسائل السلوكيات. فلا حاجة لعلامات الاستفهام.أن أجيب على كل شيء مقدمًا، يالها من مهمة مضحكة! ياله من طيش!).

وياله من إنذار شخصي يقدمه لنفسه أخيراً بين قوسين ويمثل فكرة “الاحتمالات” في دلالة على رغبة جيد المستمرة في زيادة فكره تعقيدًا وتناقضًا، وهي موهبته الأعظم في يومياته التي تُعد كنزًا أبديًا في فهم النفس البشرية والثقة الإبداعية.


[المصدر]

على بوابات الأمل تأملات رائعة عن اللوذ إلى آدمية البشر في الأوقات العصيبة

 

“كيف نكون بهذا التفاؤل وهذا الحذر لكي لا نتعثر، لكننا نتعثر، ثم ننهض ونقول: حسنًا؟” هذا هو السؤال الذي طرحته الفنانة الأمريكية (مايرا كالمنوهي تتأمل السعادة والوجود. ما الذي يدفعنا إلى النهوض بعد الخسارة، بعد انفطار القلب، بعد الفشل؟ ما هذا الحبل الثابت الذي يشدنا من أعماقنا، تلك الأعماق التي نعرفها بالكاد، حتى تأتي تلك اللحظة عندما يختفي ضوء السطح بالكامل ولا يمكننا الوصول إليه؟

هذا تحديدًا هو ما تتطرق إليه سيدة الدين (فيكتوريا سافورد) في مقالها الرائع بعنوان “العمل الأصغر في العمل الأعظم”، من كتاب (المستحيل يأخذ وقتًا أطول: المثابرة والأمل في الأوقات العصيبة) وهي مجموعة من التأملات المريحة للنفس بقلم عدد من الشخصيات اللامعة مثل الشاعر التشيلي (بابلو نيرودا)، والشاعرة الأمريكية (مايا أنجيلو)، والشاعرة الأمريكية (ديان أكيرمن)، والكاتبة الأمريكية (أليس والكر)، والصحافي الأمريكي (بيل مويرز)، والزعيم الجنوب أفريقي (نيلسون مانديلا)، وقام بتحريرها الناشط الاجتماعي (بول ليب)، وتحمل نفس عنوان كلمات الأغنية الشهيرة لمغنية الجاز الأمريكية من أصل أفريقي (بيلي هوليداي“الصعب سأقوم به الآن، أما المستحيل فسيأخذ وقتًا أطول.”

تتأمل (سافورد) الدافع لدى الرجال والنساء الذين شاركوا في أولى مسيرات الفخر للمثليين والمثليات والمتحولين جنسيًا منذ أربعة عقود مضت، ماذا كان هذا الدافع غير الشجاعة والخيال. وتعبر (سافورد) عن وجهة نظر رائعة تذكرنا بقصيدة الشاعر الأمريكي (تشارلز بوكوفسكي) عن الدافع الذي لا يمكن كبحة ويدفع العمل الإبداعي، فتنقل لنا ما يمكن أن يقوله هؤلاء المتظاهرين الحالمين:

بمجرد أن تلمح العالم في صورته المحتملة، وصورته التي يجب أن يكون عليها، وصورته التي سيكون عليها، مهما كانت تلك الرؤية بالنسبة لك، سيكون من المستحيل أن تعيش في ظل الإذعان والرضا عن النفس بعد اليوم في العالم في الصورة التي هو عليها الآن…فتخرج، وتسير، وتتظاهر، وهي الطريقة ذاتها التي تخرج بها الزهرة إلى الوجود وتزهر، وذلك لأن ليس لها مهنة أخرى، فلا عمل آخر لها سوى هذا.

[…]

إنني مهتمة بما يدعوه الشاعر الايرلندي (شيموس هيني) بنقطة التقاء الأمل والتاريخ، حيث تلتقي الأحداث الماضية مع تفسيرنا لها، فتلتقي الأحداث الماضية في منتصف الطريق مع الأشخاص الذين يمثلون، من بين ما نمثله من مجموعة هائلة من الأشياء، كائنات روحانية وكل ما يتضمن الإبداع والخيال والحكمة الجنونية والحكمة القديمة والتعاطف الانفعالي والشجاعة الإيثارية والتوقير الشديد للحياة، وحبنا بعضنا لبعض بالتأكيد، وذلك الحب الذي ينشأ منا لشيء أكبر من ذواتنا، سميه ما شئت. إنني مهتمة بالمكان والأماكن التي يلتقي فيها التاريخ بالأمل المنبعث من النفس البشرية والذي يمثل اشتياق الحياة لنفسها. إنني مهتمة بالأمل في هذه الحياة، فلا أمل آخر بالنسبة لي. مهتمة بتلك الموجة العارمة من العدالة التي يمكن أن تخرج لو أننا سمحنا لها بذلك.

وتقول متأملةً تلك “الكارثة المحددة بعينها” التي حدثت في الحادي عشر من سبتمبر وكيف “ساد صمت رهيب” بين من شهدوا تلك الكارثة. إذ ترى (سافورد) أن ذلك الاشتياق، وذلك الأمل الذي تعنيه يكون أكثر حدةً وتأثيرًا في مثل تلك اللحظات من الضجة الشيطانية، فتوضح ذلك باستخدام حكاية لاذعة:

لدي صديقة حرفتها الكلمات، إنها ليست قسيسة لكنها طبيبة نفسية تعمل في العيادة الصحية في إحدى كليات البنات المرموقة. حدث أن كنا نجلس ذات مرة بعد مرور فترة ليست بالطويلة على قيام إحدى الطالبات بالانتحار في مهجع الكلية، وكانت الطبيبة تعرف تلك الطالبة وكانت تقدم لها المشورة الطبية، وقد تأثرت صديقتي الطبيبة والمعالجة بتلك الخسارة تأثرًا شديدًا في تلك الأيام القلائل الأولى ليس على نحو غير مهني، ولكن بعمق، وبكل ما في كلمة عمق من معنى، تمامًا كما كنا سنفعل لو كانت تلك الطالبة في رعاية أحدنا.

وفي لحظةٍ ما نظرت إلى أعلى، والدموع تنهمر على وجهها، نظرة تحدي، ولا يمكن وصفها سوى بهذه الكلمة، وتحدثت بوضوح عن مهنتها كما لو كانت تُقسِم من جديد، أو تأخذ على نفسها عهدًا جديدًا من بين حطام ذلك اليوم، وأظن ذلك، لقد تحدثت بصراحة عن مهنتها ومهنتكم ومهنتي، فقالت: “تعرفين أني لا يمكنني إنقاذهم، فلست هنا لكي أنقذ أي إنسان أو أنقذ العالم، فكل ما يمكنني فعله، وهو ما يُطلب مني القيام به، هو أن أغرس قدمي عند بوابة الأمل، فأحيانًا يدخلون منها وأحيانًا يمرون أمامها. لكنني أقف هناك كل يوم وأنادي حتى آخر رمق مني، وأشير إليهم، وأحثهم على الدخول من أجل الحياة الجميلة والحب…

فهناك شيء ما لكل منا هنا، على ما أعتقد. فمهما كان نوع المهنة التي نقوم بها ،فإننا نقف انطلاقاً منها ونحن نشير، وننادي، ونغني، ونصرخ، وأقدامنا مغروسة عند بوابة الأمل. علينا أن نرفع من معنويات هذا العالم، وكذلك شعبنا الجميل والمحطم. وأن نكون شهودًا على إمكانية العيش بكرامة، وشجاعة، وسعادة تناسب البشر، وقد يكون ذلك هو معنى أن “نعيش مهمتنا“.

وهذه المهمة تختلف بطبيعة الحال بالنسبة لكلٍ منا، فلا يمكن أن نكون جميعنا أطباء نفسيين نبعد البائسين عن حافة الهواية، ولا يجب علينا ذلك.”ففي هذا العصر “عصر الأوقات العصيبة” كما يقول عنوان الكتاب، نجد أن وسائل الإعلان باتت تروّج للكثير من هذا الخوف، وأقل القليل من ذلك الأمل الذي نحتاج إليه بشدة. ما يذكرنا بتلك الفكرة الملحة التي لا يمكن أن ننساها، والتي أكدّ عليها الكاتب الأمريكي (إ. ب. وايت) ومفادها أن واجب الكاتب هو “رفع معنويات الناس وليس خذلانهم.”

وتقوم (سافورد) تلك الكاتبة النادرة بتلك المهمة الصعبة برفع معنويات الناس على نحوٍ لا يوصف من الجمال والروعة، وتتأمل ما يجب علينا القيام به، وما ندين به لأنفسنا ولبعضها بعضًا، من أجل ترسيخ أقدامنا بلطف ودون تردد في المهمة التي نقوم بها فتكتب:

إننا نقف في المكان الذي سنقف فيه، نقف فوق قطع صغيرة من الأرض حيث “يُطلب” منا الوقوف على الأرجح، وإن كان الله وحده يعلم ما معنى ذلك، بين المصلين، وفي الفصول، والمكاتب، والمصانع، وحقول الخس والمشمش، وفي المستشفيات، وفي السجون، وعلى جانبي البوابة في مختلف الأوقات، وفي الشوارع، وفي الجماعات المجتمعية، وهي أرض مقدسة إن شرفناها، إذا باركناها ببركة التضحية والمخاطرة…

إن مهمتنا هي أن نغرس أقدامنا عند بوابات الأمل، وليس بوابات التفاؤل الحذر الأضيق إلى حدٍ ما، ولا بوابات المنطق السليم القوية والمملة، ولا بوابات تزكية النفس الصارمة، وذلك الصرير العالي الصادر من مفصلاتها الحادة والغاضبة، لا يمكن أن يسمعنا الناس هناك، ولا يمكنهم العبور، ولا بوابات البساتين المبهجة الرقيقة التي لسان حالها “كل شيء سيكون على ما يرام“، وإنما في مكان مختلف، ومنعزل في بعض الأحيان، إنه المكان حيث تُقال الحقيقة، عن روح كل منا أولاً  وحالها، إنه مكان المقاومة والتحدي، إنها تلك القطعة من الأرض التي ترى منها العالم كما هو، وكما يمكن أن يكون، وكما سيكون، إنه المكان الذي تلمح منه ليس فقط الصراع، ولكن البهجة في ذلك الصراع، ونحن نقف هناك نشير وننادي ونخبر الناس بما نراه ونطلب منهم أن يخبرونا بما يرونه.


[المصدر]

لينا دنهام: رسائل مفعمة بالأمل عن الحب والجنس والصداقة والموت.

إنها مزية استثنائية أن يولد المرء في الجسم الذي يريده، وأن يعتنق جوهر النوع الذي يمثله، حتى عندما يدرك ما يواجهه، بل وأثناء محاولة إعادة تعريفه.

“أنا أقول دومًا ما في رأسي”، هكذا تصرخ (إلويس) البالغة من العمر ست سنوات في الفيلم المقتبس عن كتب الأطفال الشهيرة التي أبدعتها الكاتبة الأمريكية (كاي ثومبسون) في عام 1955 وجاءت في بداية ذلك التحول الثقافي البارز وكانت تصور فتاة نضجت مبكرًا وتناصر الحركة النسوية الأولى وتتمتع بروح عتيقة ومفردات مبهرة. لقد كانت حرية التعبير التي تتمتع بها (إلويس) أكثر من مجرد مجاز سردي، فاستعدادها لتجسيد حياتها الداخلية بكل ما تحتويه من ظلمة وضياء كان يرمز إلى التغيرات التي شهدتها الكاتبة (ثومبسون) (1909-1998) والاتجاهات التي كانت هي نفسها تسعي من خلالها بمنتهي اللطف والدهاء لتغيير التيار الثقافي بواسطة كتب (إلويس)، وكما يؤكد المؤلف البريطاني (توكين) على نحوٍ معروف وكذلك ما ردده سنداك فيما بعد، لم تكن (ثومبسون) تؤمن بوجود ما يسمى الكتابة “للأطفال” ولهذا فهي لم تنظر مطلقًا إلى تلك السلسة البارزة من الكتب التي ألفتها على أنها “كتب للأطفال“.

وليس من قبيل المصادفة أن بطلة قصص (ثومبسون) المحبوبة تظهر في صورة وشم على جسد الممثلة والكاتبة الأمريكية (لينا دنهام) مثل العديد غيرها من الصور في الكتب الكلاسيكية المصورة، وتُعد (دنهام) في كثير من الجوانب هي (إلويس) هذا العصر الحديث على نحو تعمدته (دنهام)، فهي تقول دائمًا ما في رأسها من الأفكار التي تتميز بالرؤى الاستثنائية والذكاء العاطفي والضعف دون خوف، في الوقت الذي يحاول فيه جيل آخر من النساء والرجال السعي لفهم تلك النوعية من النساء وحبهّن للمخاطرة عبر شفا الهاوية ، وتحاول دنهام استكشاف جوهر تلك الهاوية: الحب والعمل والجنس والصداقة والجسد والعلاج وجميع تلك الوسطية الشائكة للحياة، إذ تستكشف ذلك بنفس القدر من الطرافة والدفء والحكمة في كتاب (لست ذلك النوع من الفتيات: شابة تتحدث عن “تجربتها”).

وفي إحدى الفقرات التي تعبر على وجه الخصوص عن أفكار (إلويس) الجديدة في مقدمة الكتاب، تتذكر (دنهام) شرائها نسخة مستعملة من كتاب المؤلفة (هيلين غورلي) براون لعام 1982 (لدي كل شيء)، وتجادل بأنه رغم أن نصيحة (غورلي) قابلة للنقاش فيجب أن نقول شيء ما، يجب أن نقول شيء ما، لمجرد ممارسة شجاعة التعبير عما في الرأس، وخاصةً عندما يتعلق الأمر بامرأة تعيش وسط ثقافة حيث ـــــرغم ما نتمتع به من نوايا حسنةــــ يكون العكس هو المتوقع فتكتب:

ليس أشجع بالنسبة لي من الشخص الذي يعلن أن قصته تستحق أن يسردها، وخاصةً إذا كان امرأةً، فرغم ذلك الجهد الذي عملنا به، وتلك المرحلة المتقدمة التي وصلنا إليها، لا تزال ثمة العديد والعديد من القوى التي تتآمر على النساء لإقناعهن بأن همومهن تافهة، وآرائهن لا حاجة لها، وقصصهن ينقصها الوقار اللازم لكي تكون ذي جدوى، وأن الكتابة الذاتية عند النساء لا تزيد عن كونها نوع من الممارسة الزائفة، وأنه يجب علينا تقدير هذا العالم الجديد للنساء ثم نجلس ونغلق أفواهنا.

وتستغل (دنهام) تلك النقطة لتضيفها إلى دوافعها لتأليف الكتاب:

أريد إحياء ما لدي من القصص، بل والأكثر من ذلك أنّي مضطرة لذلك حتى احتفظ باتزاني العقلي…ولو تمكنت من استخدام ما تعلمت في جعل مهمة واحدة حقيرة أكثر سهولة بالنسبة لي، أو منعكم من ممارسة ذلك النوع من الجنس الذي تشعرون فيه بأنه يجب عدم خلع الأحذية في حال أردتم الهروب أثناء الممارسة، عندئذٍ يكون كل خطأ ارتكبته يستحق العناء…فأنا لست خبيرة في العلاقات الجنسية، ولا طبيبة نفسية، ولا أخصائية غذائية، وأنا لست أمًا لثلاثة أطفال ولا أملك مصنع ملابس ناجح، ولكني فتاة أهتم بشدة بأن يكون لدي كل شيء، وفيما يلي رسائل مفعمة بالأمل من الخطوط الأمامية لهذا الصراع.

تكتب (دنهام) تلك الرسائل بنوع من الصدق المتلاشي داخليًا وخارجيًا معًا، ولا يتأتى ذلك للكثير منا، ودائمًا ما تقدم تلك الرسائل بنوعٍ من تداخل ثنائية النقص والكمال ، الذي تتميز بهما وكذلك ثقافتنا، فهي تبحث على سبيل المثال في ذلك الوباء المنتشر بشدة والمتمثل في إرضاء الآخرين، وهي تتناول تلك النقطة من زاوية نادرًا ما نتجرأ على التفكير فيها:

لا أشعر بالغيرة التقليدية، من الرفيق أو الرضيع أو الحساب البنكي، لكني أغبط أساليب الوجود عند غيري من النساء.

[…]

كنت أحسد السمات الذكورية إن لم يكن الرجال أنفسهم، إني أغار من تلك السهولة التي تميزهم في القيام بأدوارهم المهنية: عدم الاعتذار، وعدم بذل قصاري الجهد للتأكد من أن من حولهم ليسوا مستائين مما يحاولون القيام به؛ فأنا أرى أن الرجال غالبًا لا تكون لديهم غريزة إرضاء الآخرين، وهي تلك الغريزة التي أعتبرها اللعنة التي تصيب وجودي بوصفي أنثى، لقد شاهدت الرجال وهم يطلبون العشاء، ويطلبون النبيذ المروّع، والمزيد من الخبز بثقة لم أتمكن من إتقانها قط، وفكرت في نفسي وقلت: ياله من عملٍ فذٍ، لكني أرى كذلك أن كوني أنثى هو هدية لا مثيل لها، وسعادة مقدسة، على نحو شديد العمق حتى أنني لا يمكنني التعبير عنه، إنها مزية استثنائية أن يولد المرء في الجسم الذي يريده، وأن يعتنق جوهر الجنس الذي يمثله، حتى عندما يدرك ما يواجهه، بل وحتى أثناء محاولة إعادة تعريفه.

أعرف أني عندما سأعاني من سكرات الموت وأتذكر الماضي سأندم على المجادلة مع النساء، هؤلاء النساء اللائي حاولت إبهارهن وفهمهن وتعذبت بسببهن، هؤلاء النساء اللائي أريد رؤيتهن ثانيةً، أريد رؤيتهن وهن يبتسمن ويضحكن ويقلن: لقد جرت الأمور على ما يُرام.

لو لم أكن متحفظة بشدة من أستمرار استخدام كلمة “حساس” لوصف الكتابة النسائية، وإبعادها برقة عن عالم الكتابة الواقعية،لتحدثت عن تلك الحساسية التي لا مثيل لها التي تميز دنهام، فجميع أنحاء كتابها زاخرة بها، ولكن لعل أكثر المواضع التي تتضح فيها هذه الحساسية هو ذلك الفصل الذي تتذكر فيه اختها الصغيرة (غريس) وهي تعلن عن مثليتها الجنسية:

كنت في الثالثة والعشرين من العمر حينها،ومتطفلة بكل معنى الكلمة، أخذت بعض شرائح المكرونة ووضعتها في فمي، بينما (غريس) تتحدث عن ذلك الموعد الغرامي المروع مع صبي “مغفل” من إحدى المدارس في إحدى المناطق التي يقطنها الأثرياء.

تنهدت وقالت: “إنه طويل أكثر من الازم، ولطيف، ويحاول أكثر من الازم أن يكون فكهاً، لقد وضع منديل مائدة على يده وقال: “انظري! لدي غطاء لليد.” ثم أضافت “انه رسّام كارتوني، ويعاني من مرض السكري.”

قلت لها: “إنه رائع”، وبعد ذلك وقبل أن أفكر في الأمر قلت: “ما أنتِ؟ هل أنتِ مثلية؟

فقالت: “في الحقيقة، نعم”، قالتها وهي تضحك وقد احتفظت برباطة الجأش التي كانت تميزها منذ مولدها.

بدأت تخرج مني شهقة، ليس لأني لم أكن أريدها أن تكون مثلية…لا، كنت أصرخ لأني فهمت فجأة ضآلة ما أعرفه بالفعل: عما تعانيه من آلام، وعن أسرارها، وأوهامها التي كانت تدور في رأسها عندما تستلقي على سريرها ليلاً بذاتها الداخلية.

وفي فصل آخر تمارس (دنهام) تلك الموهبة اللافتة للنظر التي تتميز بها وهي استخدام الأفكار الثقافية الشائعة في هذا العصر ـــــ وهي مقالات القوائم في هذه الحالة ـــــ باستخفاف ولكن دون تحمل عبء السخرية إلى حدٍ ما، ذلك العبء الذي يعوق تحقيق الأهداف، وذلك من أجل توضيح أن الوسط لا يحدد طبيعة الرسالة ولكن الجوهر، ولا يجب ألا تكون المادة خالية من الفكاهة لكي تكون جادة، فتقول تحت عنوان “الأشياء السبعة عشر التي تعلمتها من والدي“:

  1. الموت آتي إلينا جميعاً.

  2. لا توجد أفكار سيئة ولكن أفعال سيئة فقط.

  3. “أيها الرجال، إحترسوا: النساء قادمات من أجل مداعبتكم.”

  4. الثقة ستجعلك تخلع كل شيء أثناء الجنس حتى الأحذية والجوارب.

  5. جميع الأطفال فنانون مدهشون، فالبالغون هم من يجب أن نقلق عليهم.

  6. إذا كنت في حفلة وكانت لا تعجبك، قل أنك ستذهب للاطمئنان على سيارتك ثم أخرج بسرعة، ولا تنظر في عين أحد.

  7. عواطف السكارى ليست حقيقية.

  8. يمكنك إعداد وجبة خفيفة رائعة بتحمير البطاطا الحلوة في فرن الميكروويف ثم تغطيتها بزيت بذور الكتان.

  9. لم يفت الأوان مطلقًا للتعلم.

  10. “سيارة الفولفو سيئة بما يكفي، لن أضع معطف على ذلك الكلب اللعين.”

  11. المد المرتفع يرفع جميع القوارب.

  12. من المريع أن يحصل من تكرههم على الأشياء التي تريدها.

  13. هل توقف الإبداع لديك؟ خذ إجازة من العمل لمشاهدة أحد أفلام الجريمة والغموض، فدائمًا ما يحلون لغز الجريمة، وهو ما سيحدث لك أنت أيضًا.

  14. لا يجب أن تكون لامعًا في حياتك لكي تكون لامعًا في عملك.

  15. ارتدي بذلة عند الذهاب إلى قسم المركبات لتسريع الأمور قليلاً.

  16. لا تطلق نكات عن إخفاء المخدرات أو الأسلحة أو العملة أمام ضباط الشرطة أو العاملين في إدارة أمن النقل والمواصلات الأمريكية، فالاحتجاز ليس مزحة.

  17. التأقلم هو الأهم.

وتخصص (دنهام) فصلاً كاملاً لأول درس من تلك الدروس التي تعلمتها من والدها، وهو علاقتنا المعقدة بالموت وكذلك قلق البشر على الدوام من الزوال:

أعتقد أن هناك قدراً كبيراً من حقيقية كوننا سنذهب جميعًا للموت، تأتيني تلك الفكرة في لحظات غير مناسبة على نحو لا يصدقه عقل، عندما أقف في أحد الحانات مثلاً و بعد أن تمكنت من إضحاك شاب جذاب للتّو،سأضحك أيضًا وربما أرقص قليلاً، ثم يسير كل شيء بالحركة البطيئة لثانية وأفكر: هل يدرك هؤلاء الناس أننا سنذهب إلى المكان ذاته في النهاية؟ وعندما أتمكن من المشاركة في المحادثة ثانيةً أقول لنفسي إن ذلك الإدراك الخاطف للموت أثرى تجربتي وذكرني بأن كل ما يجب عليّ حينها هو الانطلاق في الضحك وإمالة الشعر من جانب إلى آخر وقول الصراحة: . لماذا لا؟ ولكن في بعض الأحيان يظل ذلك الإحساس بداخلي ويذكرني بأني طفلة أشعر بأن الخوف يتملكني ولكن دون أن أمتلك الكلمات التي تهدئني، أظن أنه عندما يتعلق الأمر بالموت لا أحد فينا يملك الكلمات بالفعل.

أتمنى أن أكون واحدة من هؤلاء الشابات اللائي يبدو أن لا وعي لديهن على الإطلاق بأن أجسادهن الجذابة والجميلة معرضة للخطر (ربما يجب أن يكون لدى المرء جسد جذاب وجميل لكي يشعر بذلك). الخداع الجميل للنفس: أليس هذا هو جوهر الشباب؟ أن تظن أنك خالد حتى يأتي يوم تصير فيه في الستين تقريبًا وفجأة تُصدم: فترى ذلك الشبح الكئيب للموت فتراجع نفسك وقد تتبنى طفل محتاج، وتقرر أن تعيش باقي حياتك بأسلوب يمكنك الافتخار به.

لكني لست واحدة من هؤلاء الشابات، لقد انتابني هاجس الموت منذ ولادتي.

[…]

والحقيقة هي أنني كنت أدور حول موضوع الموت دون وعي لفترة من الوقت، لقد نشأت في حي سوهو في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين وأوائل التسعينيات من القرن ذاته، وكنت واعية لمرض الإيدز وعدد الوفيات بسبب ذلك المرض بين أوساط المبدعين، وكانت موضوعات مثل المرض، والفقدان، ومن يتولى الفن والعقارات وفواتير العلاج تسود جميع حفلات العشاء، وعندما مرض العديد من أصدقاء والداي تعلمت كيف أدرك نظرة المعاناة في الوجوه: خدود غائرة وبقع غريبة على الوجه وزيادة في الوزن، وكنت أعلم معنى ذلك: سوف يصبح ذلك الشخص مجرد ذكرى قريبًا، مجرد اسم على جائزة تُمنح للطلبة الزائرين، مجرد ذكرى بعيدة.


[المصدر]

 

 

الفيلسوف (جاكوب نيدلمن): أنا لست أنا.

يوجد دائمًا ما هو أكثر من حقيقتين متعارضتين، فالحقيقة الكاملة تتضمن دائمًا عنصرًا ثالثًا، ألا وهو التوافق.

“هذا هو الجوهر الكامل للحياة: من أنت؟ ما أنت؟” هذا ما أكد عليه الكاتب الروسي (ليو تولستوي) في مذكرات شبابه..كما تقول الشاعرة الأمريكية (سيلفيا بلاث) متعجبةً عندما كانت في سن الثامنة عشر من عمرها: “أنا: يا له من حرف راسخ، ويال تلك الطمأنينة التي نشعر بها من هذه الخطوط الثلاث: خطُ أفقي يدل على الفخر وتأكيد الذات، ثم خطين قصيرين أفقيين في تتابع سريع وأنيق”، في مذكراتها الخاصة بعد قرن من (تولستوي) متأملةً الإرادة الحرة وما يجعلنا ما نحن عليه. إن هذه الخطوط الثلاثة الأنيقة تشق قلب خبرتنا بوصفنا آدميين، لكن عندما نبدأ في تفكيكها لا نرى ذلك القلب، لا نرى جوهر الحياة؛ فمما صُنعنا إذًا؟ وما الذي يجعلنا ما نحن عليه؟

في كتاب (أنا لست أنا) يستأنف الفيلسوف الأمريكي (جاكوب نيدلمن) من حيث توقف (تولستوي) و(بلاث)، ليجنّد المزيد من أكثر العقول البشرية يقظةً، بدايةً من الفيلسوف الألماني (نيتشه) والفيلسوف الدانمركي (كيركيغارد) حتى الفيلسوف الأمريكي (ويليام جيمز) والكاتب الياباني (د. ت. سوزوكي) للبحث عن تهدئة ـــــ إن لم تكن إجابة ـــــ لتلك الأسئلة الوجودية الأكثر إقلاقًا، وانطلاقًا من تلك الأسئلة ذاتها سنجد عرضًا يقدم الكثير من الأمل، إنه نوع من السر المقدس الدنيوي الذي يضيئ ما يكمن في قلب أكثر التجارب عمقاً التي يمكن أن نمر بها حيث: الفرح، والحب، والأمل، والتساؤل، والدهشة، والسمو.

يقول نيدلمن:

من بين الأسئلة العظيمة التي يطرحها القلب البشري، لا يوجد سؤال أكثر محورية من السؤال التالي: من أنا؟ ومن بين الإجابات العظيمة التي تقدمها الروح البشرية لا يوجد ما هو أكثر محورية من خبرة “أنا أكون”، بل إنه في إطار الحياة البشرية التي نعيشها بكل ما في الكلمة من معاني ـــــ حياة بشرية طبيعية مفعمة بالبحث عن الحقيقة ـــــ نجد أن هذا السؤال وهذه الإجابة يوازيان بعضهما البعض في النهاية، ويقتربان أكثر فأكثر حتى يصبح السؤال هو الإجابة والإجابة هي السؤال.

لقد صادف (نيدلمن) هذا السؤال للمرة الأولى عندما كان في الحادية عشرة من عمره، ويرجع الفضل في ذلك إلى صبيٍ في الحي الذي كان يعيش فيه يدعى (إلياس بارخورديان) الذي أصبح أعز صديق له في طفولته، وأكثر رفقائه الذين لا يمّلون ولا يكّلون من الاستقصاء الفكري، فكانا يجلسان معًا بعد المدرسة لساعات طوال يتناقشان في علم الفلك والروحانيات بنفس القدر من الدقة والصراحة والفضول، إلا أن موت إلياس مبكرًا وكذلك حياته القصيرة كان السبب في دفع الألغاز الوجودية لدى (نيدلمن) إلى مستويات جديدة من الفهم، فنجده يكتب بعد مرور أكثر من نصف قرن:

توفي (إلياس) بسبب سرطان الدم الذي لم يكن له علاج في ذلك الوقت، مات قبل عيد ميلاده الرابع عشر بقليل، وخلال الأشهر التي تلت بداية مرضه كنت أقابله في غرفة الموسيقى الهادئة في الجانب الخلفي من المنزل، وكانت تلك الغرفة تواجه حديقة يتم الاعتناء بها بدقة وتمتلئ بضوء الشمس، ومع تطور المرض لديه وزيادته ضعفًا تعمق إحساسي بعقله، فكان يتحدث صراحة عما ينتظره، وكان نادمًا فقط على أنه لن يعيش طويلاً بما يكفي لفهم كل الأشياء التي كان يرغب في فهمها عن الكون. ولكن بطريقة ما وبلا شك بسبب الظهور المتكرر فينا للحضور الواعي المشترك، جلب لي موته في النهاية في الأعوام التي تلت ذلك،المزيد من الأمل وليس الألم، إنه ذلك الأمل الذي ينشأ من “صوت” الوعي المقدس الحقيقي الذي يخاطبنا من داخل أنفسنا.

فأدركت الآن أني كنت أحاول طوال الوقت توصيل هذا النوع من الأمل لنفسي ولتلامذتي وللقراء، و في الوقت ذاته في وجه تلك الآمال الخادعة، والتشاؤم الحتمي الذي يميز عصرنا على نحوٍ غير مسبوق.

ولاستقصاء تلك الأسئلة قام (نيدلمن) بتنظيم الكتاب في أسلوب حوارات (سقراط) الكلاسيكي، لكنه استخدم شكلاً حديثًا ومفعمًا بالحياة باستخدام حيلة تخيلية فقام بعمل محادثة بين ذاته في الطفولة (جيري) وذاته الحالية البالغة من العمر ثمانين عامًا (جاكوب)، وأتذكر هنا الملاحظة الساخرة التي لا تنسى للكاتبة الأمريكية (جوان ديديون)، إذ تقول: “من الحكمة عدم قطع الصلة مع ذواتنا الماضية سواء كنا نجدها تستحق الصحبة أم لا”، وهي نصيحة يصعب تطبيقها في كثير من الأحيان، حيث أننا نجفل من سوء الطبع والحماقة والعجرفة التي كانت تميز ذواتنا السابقة، ولكن نيدلمن تمكن من ذلك بامتياز كبير ودفء وسخاء روحي تجاه ذلك الصبي غير الصبور،وغير المكتمل الذي كانه.

ففي إحدى المحادثات يعبر (جاكوب) لـ(جيري) عن المقدمة المنطقية الرئيسية للكتاب ذاته:

إن الصراع من أجل البقاء، من أجل عدم الاختفاء في هذه اللحظة، هو جوهر الصراع من أجل البقاء في كل لحظة، فيجب أن نساعد بعضنا بعضًا في هذا الصراع، أنت بالسؤال وأنا بالجِد في محاولة الإجابة، فهذا هو قانون الحب الذي يحكم الكون.

وفي محادثة أخرى تذكرنا بالحجة الرائعة التي قدمها الكاتب الأمريكي (ألفريد كازن) لصالح احتضان التناقض، يحذر (جاكوب) (جيري):

تحمَّل التناقض، فإذا تحملته ستجد أنه يوجد دائمًا ما هو أكثر من مجرد حقيقتين متعارضتين، فالحقيقة الكاملة تتضمن دائمًا عنصرًا ثالثًا، ألا وهو التوافق.

يرى (نيدلمن) أن الاستعداد للتوافق مع التناقض هو بداية المعرفة الحقيقية للذات وأكثر أنواع الصدق عمقًا، ويقول (جاكوب) لـ(جيري) مرددًا ما أكد عليه الكاتب الفرنسي (أندريه جيد) من أن الإخلاص هو أكثر المآثر صعوبة:

هذه هي بداية الإخلاص.

 لأنك تصارع، سيبدأ سؤالك بالتعمق…إنه ما ستكتشفه دائمًا للمرة الأولى ـــــ جديد باستمرار ــــ في تلك اللحظة العابرة من الدهشة، وقبل أن تسيطر عليها الطموحات الشخصية، سوف تكتشف أنت وأكتشف أنا في تلك اللحظة الحاجة لخدمة تلك الطاقة البشرية والمقدسة أيضًا على نحوٍ فريد، و التي ستبدأ بوصفها إدراكًا خالصًا لوجود الشخص ذاته، وحتى عندما تبدأ تلك الفكرة ــــــــ تلك الفكرة المبدئية ــــ عما هو بشري، تلك الفكرة عن ما هو الإنسان، التي ستبدأ في الظهور، تلك اللحظة العابرة للإدراك الخالص لوجودي الذي يظهر الآن في صورة فكرة عظيمة، تلك اللحظة المواجهة لفكرتي الحيّة، فكرة الصحوة، التي ستكشف لمحة لذلك التوق البشري للخدمة على نحو فريد، ستظهر الحاجة، الحاجة لطاعة تلك الطاقة، الحاجة لرعايتها، والتغذي عليها، لتستقبل تلك المساعدة، التي تأتي في تلك اللحظة ،وعندها فقط ، أي عندما تلتزم موضوعيًا بإعطاء تلك الطاقة عبر الفعل والفهم والظهور، انها ببساطة تلك الطاقة الخاصة بالوجود الواعي، التي تمنحك أيها الكائن البشري قوتك الحقيقية، إنها الطاقة التي تمثل مجمل إدراك الشخص لوجوده، إذ يمكن أن تصبح أقوى أنواع الطاقة في الحياة البشرية

وفي محادثة أخرى يوجه (جاكوب) (جيري) باتجاه فكرة أن الاعتراف بوهم الإرادة الحرة يحررنا ولا يأخذ منا حرياتنا. متأملاً مصدر الحرية الحقيقية بالإشارة إلى مدى استحالة فهم الحرية دون فهم التأثيرات فينا، كقوانين الكون، وطبيعة الواقع:

سل نفسك عن مدى فهمك للتأثيرات فينا، القوانين الكونية في الطبيعة؟ ما هي أفكارك حيالها؟ وتعاليم الدين، فكرة الإيمان، وطاعة الأسمى، والمسئولية تجاه الأخرين وتجاه النفس، وأوهام النوم والأحلام وإيحاءاتهما، فكرة مكانة الإنسان في الحياة، فكرة التنفس، ومكاننا على كوكبنا، والمطالبة بالأخلاق، وطبيعة الغرائز الحيوانية والبديهية داخلنا وحولنا، ووظيفة الألم والمتعة ومعناهما، وفكرة الوعي والضمير وتجربتهما، والتغذية الخفيّة من الهواء الذي نتنفسه،والطعام الذي نتناوله، الاحتياجات والرغبات الحقيقية، والمصطنعة للجسم، التأثيرات القوية للرموز، وقوى الجنس الكونية والحميمة، حتمية الموت، ووهم الزمن وحقيقته.

[…]

فعند المضي على هذا النحو ،محتفظاً بالتوجه الأساسي للصدق مع النفس وما تكتشفه، ستصاب بالإحباط ليس فقط من قناعاتك ولكن كذلك من بنية عقلك ذاتها، وستدرك أن ما تحتاجه ليس معتقدات جديدة، ولا معلومات جديدة، ولا نظريات جديدة، ولكن عقل جديد تمامًا.

فبوابة الحرية الحقيقية كما يقول (نيدلمن) هي انحلال اليقين:

إن الأفكار الواقعية تفتح العقل على القلب، على قلب العقل، على مستوى آخر من الواقع داخل أنفسنا…وهذا هو مذاق الحرية الداخلية وبدايتها، إن الحمقى فقط هم من يعتقدون أن الحرية تعني الحصول على كل ما يشتهيه المرء، إن الحرية الحقيقية تبدأ بطاعة تأثير أسمى، طاقة أسمى وأنقى داخل أنفسنا.

[…]

ما هو الأسمى في ذاتك؟ تلك الطريقة في التفكير في السؤال، ستكون بداية الإجابة، لأنها تتضمن فكرة واقعية لدى البشرية على مدى آلاف السنين…وفي تلك المرحلة ستجد أنت نفسك الإجابة، ليس بوصفها فكرة،ولكن تجربة.

وللحظة سوف تتحول أنت إلى الإجابة! ولن تشعر فقط بمذاق الحرية الحقيقة، بل ستتحول للحظة إلى الحرية.


[المصدر]

مارثا غراهام: الاستياء المقدس من أن تكون فنانًا.

مارثا غراهام (1894 – 1991) هي راقصة ومصممة رقصات أمريكية ولدت في بيتسبرغ، بنسلفانيا وتعد من رواد الرقص الحديث، الذين يمكن مقارنة تأثيرهم على الرقص بتأثير  (إيجور سترافينسكي) على الموسيقى، أو تأثير (بيكاسو) على الفنون البصرية، أو تأثير (فرانك لويد رايت) على فن العمارة.

لا فنان يشعر بالرضا…فلا يوجد سوى ذلك الاستياء المقدس الغريب، ذلك القلق المبارك الذي يبقينا في مسيرتنا ويبث فينا المزيد من الحياة أكثر من غيرنا.

“استسلم لذلك الحزن المستمر على مدى الحياة الذي يأتي من ألا تكون مطلقًا راضيًا”، تقدم لنا الروائية الانجليزية (زادي سميث) تلك النصيحة من نصائحها العشرة للكتابة. ولكن كيف يمكن للمرء مصادقة هذا الاستياء الأبدي، وفي الوقت ذاته مواصلة تحرير ما تعبر عنه الكاتبة الأمريكية (جوليا كاميرون) بعبارتها المؤثرة: “الكهرباء الروحية” للتدفق الإبداعي؟

تقدم لنا هنا مديرة الرقص الأسطورية (مارثا غراهام) إجابة لهذا السؤال الدائم لحياة الابداع، وهي إجابة تتميز بالمعرفة الملحوظة والسمو الملحوظ في الوقت ذاته، وذلك في محادثة نجدها في سيرتها الذاتية لعام 1991 بعنوان مارثا: حياة مارثا غراهام وأعمالها للراقصة ومصممة الرقصات (أغنيس دو ميل).

في عام 1943 تم تعيين (دي ميل) لتصميم رقصات للمسرحية الغنائية أوكلاهوما! التي أحدثت ضجة بين عشية وضحاها وحققت رقمًا قياسيًا في عدد العروض بلغ 2212 عرضًا، وعندما شعرت (دي ميل) بأن النقاد والجمهور تجاهلوا طويلاً الأعمال التي وضعت فيها قلبها وروحها شعرت بالإحباط بسبب شعورها بأن العمل الذي كانت تعده “مجرد عمل متوسط الجودة” حقق نجاحًا منقطع النظير، وبعد العرض الأول بفترة قصيرة قابلت (غراهام) في مطعم شرافتس للصودا، وجرت بينهما محادثة أظهرت ذلك الألم الشديد الذي تشعر به وقدمت لدي ميل ما تعُده أعظم ما قيل لها على الإطلاق، وتروي لنا تلك المحادثة:

اعترفت بأني لدي رغبة عارمة لتحقيق التميز، ولكن لا إيمان لدي في قدرتي على ذلك.

فقالت لي (مارثا) حينها بهدوء شديد: “ثمة حيوية وقوة حياة وطاقة وإحياء يتم ترجمته من خلالك إلى فعل، ولأنك الوحيدة فقط من نوعك في كل عصر، فما تقومين به سيكون كذلك أيضاً. وإذا حجبته لن يخرج إلى الوجود مطلقًا عن طريق أي وسيط آخر، وسيضيع، وسيخسره العالم، وليست مهمتك تحديد مدى جودته، ولا مدى قيمته، ولا الشبه بينه وغيره من التعبيرات، فمهمتك هو أن يظل ملكك بوضوح، وعلى نحوٍ مباشر، وأن تظل تلك القناة مفتوحة، فلا يجب عليك حتى مجرد الإيمان بنفسك أو بعملك، فيجب أن تظلي متفتحة ومدركة للدوافع التي تحفزك، لا تغلقي تلك القناة، أما بالنسبة لك يا أغنيس فقد استخدمت حتى الآن مجرد الثلث تقريبًا من موهبتك.”

فقلت: “ولكن عندما أرى عملي أُسلم بتقييم الآخرين له، فلا أرى سوى عدم كفاءته، وعيوبه، وفظاظته، فلا أشعر بالسعادة ولا الرضا”.

فردت عليّ: “لا يوجد فنان سعيد”.

ولكن هل ثمة رضا؟ سألتها.

فصرخت بانفعال:

لا رضا على الإطلاق في أي وقت، لا فنان يشعر بالرضا…فلا يوجد سوى ذلك الاستياء المقدس الغريب، ذلك القلق المبارك الذي يبقينا في مسيرتنا ويبث فينا المزيد من الحياة أكثر من غيرنا.


[المصدر]

 

 

 

كافكا ناصحاً الشاب العاشق

كافكا ناصحًا الشاب العاشق

الصبر هو الحل لجميع المشكلات، يجب على المرء أن يُشفق على كل الأشياء، وأن يستسلم لكل الأشياء، ولكن عليه في الوقت ذاته أن يظل صبورًا ومتسامحًا”.

في صباح أحد أيام شهر مارس من عام 1920 وصل أحد المراهقين ويدعى (غوستاف يانوتش) إلى مؤسسة التأمين على حوادث العمال التي كان يعمل بها والده، وكان غرضه الوحيد من تلك الزيارة هو مقابلة ذلك المبدع الطموح البالغ من العمر حينها السابعة عشرة، زميل والده الشهير ومؤلف رواية (التحول) أو (المسخ) فيما بعد، (فرانس كافكا) [03 يوليو 1883 – 03 يونيو 1924]، الذي كان يعمل بجد في شركة التأمين لمدة اثنى عشر عامًا، حدث أن نَمت بين هذين الاثنين صداقة مستبعدة، وعلى مدى الأربع سنوات الأخيرة المتبقية في حياة (كافكا) كانا يسيران سويًا في جولات طويلة في المدينة يتحدثان عبرها عن الأدب والحياة.

وفي عام 1951 بعد وفاة (كافكا) بوقتٍ طويل نشر (يانوتش) ذكرياته عن تلك الجولات الثرية والمميزة التي كان يتحدث خلالها مع (كافكا) باسم (محادثات مع كافكا) [المكتبة العامة].

إن ما يثير الاهتمام في تلك المحادثات على هذا النحو هو أن الكثير منها كان يناقض الانطباع المألوف عن كافكا بوصفه كان يعيش غالباً في حالةٍ من الاستياء والكآبة، ولعل ذلك يرجع إلى أننا يمكن أن نُسلي ونخرج أجمل ما فينا بالمحادثات, بالإضافة إلى ذلك التفاؤل وتلك الصراحة الجوانية العفوية التي ميزت ذلك الشاب التي ربما أيقظت مواضع روحانية كامنة داخل كافكا، ولذلك تميزت الموضوعات التي ناقشاها بقدر كبير من التنوير: حيث الفن (“الفن مثل الصلاة فهو يد ممتدة في الظلام تبحث عن لمسة جمال تحولها إلى يد معطاءة.”) والشعر (“كما يقول غوته إنه بالفعل كل ما نهتم به نحن البشر”)، والحب.

وفي تأمل عميق للألم في علاقات الحب الفاشلة، يقدم لنا (كافكا) تعريفًا رائعًا للحب ومخاطره، إذ يمكن أن يرفعنا إلى السماء بمعنى الكلمة ويهبط بنا إلى الأرض بمعنى الكلمة كذلك، يتسائل (كافكا) في تلك المحادثات ويجيب:

ما هو الحب؟ إنه بسيط على أية حال، إن الحب هو كل ما يدعم حياتنا ويوسعها ويثريها، من أعاليها حتى جوفها، فمشاكل الحب مثل مشكلات السيارة، قليلة جداً، فمشكلاتها الوحيدة غالباً هي السائق والركاب والطريق.

وفي كثيرٍ من الأحيان وأكثر بكثير مما نود تخيله قد تؤدي تلك المشكلات الصغيرة إلى حادثة، إذ كان (كافكا) نفسه قد ألف انفطار القلب عن كثب، وهو ما يتضح في خطابات الحب الجميلة والمروعة التي كتبها، حيث أكد فيها أن “انفطار القلب هو ما يدفعنا إلى النضوج” ولعل هذا هو السبب في أن خبرة (كافكا) الكاتب أتاحت له تقديم تلك النصيحة المطمئنة على نحوٍ غريب لـ(غوستاف) الشاب لتسليته ومواساته فيما شعر به من ألم بسبب طلاق والديه بعد الحب الذي كان بينهما، حيث ذلك الشرخ في القلب الذي أصابه باليأس من إمكانية تحقيق السعادة في الحب، ويردد (كافكا) ما يعتقده الفيلسوف الألماني (نيتشه) من أن الحياة المثمرة تتطلب معانقة الصعوبات”، فيحث (كافكا) ذلك الشاب على عدم الهروب من مشاعر الألم داخله وينصحه:

فقط كن هادئًا وصبورًا، وذلك لتدع الشرور والتعاسة يتجاوزانك بهدوء، فلا تحاول تجنبهما، بل على العكس، لاحظهما بدقة، وليكن الفهم الفعال هو البديل لرد الفعل الساخط، فهذا هو السبيل الوحيد لتنضج وتخرج من مشاكلك، فلا يمكن للبشر تحقيق العظمة إلا بالتغلب على وهنهم.

وفي جولتهما التالية يعود إلى الموضوع ذاته، ويقول (كافكا) ناصحًا الشاب العاشق بطريقة تذكرنا بالروائي الأمريكي (جون شتاينبك) ونصيحته التي لا تُنسى عن الحب:  إذا كان الحب حقيقياً فسيحدث، والمهم ألا تتعجل، فالخير لا يهرب” فيقول (كافكا) لـ(غوستاف) الشاب:

إن الصبر هو الحل لجميع المشكلات، فيجب على المرء أن يتشارك وجدانيًا مع كل شيء، وأن يستسلم لكل شيء، ولكن عليه في الوقت ذاته أن يظل صبورًا ومتسامحًا…فلا مجال للانثناء أو الانكسار، فكل المسألة هي في التغلب على المصاعب فقط، وهي تبدأ بالتغلب على النفس أولاً، ولا يمكن تجنب ذلك، فالأبتعاد عن ذلك الطريق يعني دائمًا التحطّم، فيجب على المرء تقبل جميع الصدمات بصبر, ولا يتقبلها فقط، بل ينميها في نفسه، فلا جدوى من التغلب على عوائق الأنا المشبّعة بالخوف إلا بالحب، فإذا رأينا تلك الأوراق الميتة وحفيفها من حولنا لابد أن نرى أيضاً معها خضرة الربيع الناشئة والنضرة وأن نهدأ وننتظر صابرين، فالصبر هو الأساس الوحيد الحقيقي الذي بممارسته والتحلي به تكون قادراً على جعل أحلامك حقيقة.


[المصدر]

 

 

أوليفر ساكس: أن تعيش حياتك الخاصة وتموت ميتتك الخاصة

“إن قدر كل إنسان -من الناحية الوراثية والعصبية- أن يكون فريدًا وأن يكون له طريقه الخاص في الحياة وأن يعيش حياته الخاصة وأن يموت ميتته الخاصة”

“إن الندم على أننا لن نعيش بعد مئة عام لا يختلف عن حماقة الأسف على عدم الحياة منذ مئة عام”، هكذا قال الفيلسوف الفرنسي (مونتين) في القرن السادس عشر متأملاً الموت وفن الحياة. “إن أعظم كرامة يمكن أن نجدها في الموت هي كرامة الحياة التي سبقت ذلك الموت”، كانت تلك كلمات الجراح وأخصائي أخلاقيات البحث العلمي الراحل (شيروين نولان) التي كتبها بعد خمسمائة عام في بحثه التأسيسي عن الأخلاق.

لكني لم أجد حتى الآن شخصًا جسد هذه الحقائق الصعبة ومارسها عمليًا على نحوٍ أصدق من طبيب الأعصاب البريطاني (أوليفر ساكس) (09 يوليو 1933 – 30 أغسطس 2015).

لقد واجه الموت مباشرةً بفضول ينم عن الشجاعة وشفافية مشرقة في أحد مقالاته في جريدة نيويورك تايمز، وتم جمع تلك المقالات بعد موته في كتاب صغير يمنح الأمل في الحياة باسم العرفان بالجميل (المكتبة العامة)، ويمثل هذا الكتاب هدية الفراق الرائعة التي توضح لنا ما يتسم به الطبيب (ساكس) من حكمة وود بخصوص أسلوب العيش وكرامة الموت، وقام تحرير ذلك الكتاب شريك (ساكس) الكاتب والمصور (بيل هايز) وصديقه ومساعدة على مدى ثلاثين عامًا (كيت إدغار).

فبعد أن علم الطبيب (ساكس) -الذي لن يُعوّض- بالتشخيص النهائي لمرضه نجده ينعم النظر في أعماق الوجود من منبر تلك الحياة الحلوة والمرة في الوقت ذاته التي كانت طويلة لتدنو من نهايتها على حين غرة وعلى الفور كحياة محدودة:

لقد أصبحت واعياً بشكل متزايد. على مدى العشر سنوات الأخيرة تقريبًا, بحالة الموت بين معاصريّ، إن الجيل الذي أنتمي له في طريقه إلى الزوال، فكنت أشعر بأن كل وفاةٍ تمثل توقفًا مفاجئًا وانتزاعًا لجزءٍ من ذاتي، إننا لن نُعوَّض عندما نرحل، ولكن لا يوجد شخص مثل شخص آخر، مطلقًا، فعندما يموت البشر فإنهم لا يُعوَّضون، فهم يتركون خلفهم ثغرات لا يمكن ملئها، لأنه قُدِّر لكل إنسان ـــــ من الناحية الوراثية والعصبية ــــ أن يكون فريدًا، وأن يكون له طريقه الخاص في الحياة وأن يعيش حياته الخاصة وأن يموت ميتته الخاصة.

ومع دنو نهاية طريقه الخاص في الحياة، وهي تلك النهاية التي نجح في تجنبها بشق الأنفس منذ عقودٍ مضت عندما تمكن من إنقاذ حياته بالأدب والغناء، فيقول:

لا يمكنني التظاهر بعدم الخوف، ولكن الشعور الذي يسيطر عليّ هو العرفان بالجميل، لقد أحببت وكنت محبوبًا، لقد حصلت على الكثير وقدمت شيئًا في المقابل، لقد مارست القراءة وسافرت ومارست التفكير والكتابة، لقد اتصلت بالعالم، ذلك الاتصال الخاص للكتاب والقراء.

وفوق كل ذلك كنت كائنًا حساسًا، حيوانًا مفكرًا على هذا الكوكب الجميل، وكان ذلك في حد ذاته امتيازًا كبيرًا ومغامرة لا مثيل لها.


[المصدر]

 

 

كي ميللر، الكتاب الذي يطارد أفكاره بينما يلعب “كاندي كراش”

2560

في الثاني من شهر يوليو 2016، نشر الشاعر الجاميكي (كي ميلر) مقالة في صحيفة (الغارديان) الشهيرة، ننقلها لكم بترجمة حصرية لدى ساقية. يقول (ميلر) في مقالته:

” لطالما حسدت الكتّاب الذين يعرفون أفضل الساعات بالنسبة لهم”

يبدو السؤال بسيطاً كفاية- كيف يبدو روتين يومي أثناء الكتابة؟

ثم ماذا؟

هناك وزن وثقل خلف هذا السؤال، هناك شيء يشبه القلق، شيء يكبر ويلتهم.

هل لدينا حتى أيام للكتابة؟

أنا لست متأكدا دائماً. أعمالي أو أدلتي الملموسة تقول أني أنجزت تسعة كتب على الأقل، خلال عشرة أعوام بالإضافة إلى المقالات والمراجعات والمدونات والمحاضرات. حتى انيّ أنجزت شبه دكتوراه غير عملية، شيء ما عن طريقة ممارسة الرسائل في جميع أنحاء منطقة البحر الكاريبي بين عامي 1900 و 2000.

عشر سنوات إذاً. (3652) يوماً. البعض منها – في الواقع، عدد كبير جداً منها – كان حتماً مخصصاً للكتابة . ولكنني حتى الآن لا يوجد لدي أي نمط، لا روتين، لا شكل واضح أستطيع أن أفكر بوصفه كيوم مثالي و خاص للكتابة.

بالنسبة لهم الأيام هي تلك الأشياء الرائعة – مقسمة على ساعاتهم ودقائقهم مثل شرائح سعادة من كعكة عيد الميلاد. هناك الكتاّب الذين يعرفون الساعات الأفضل لهم للكتابة – في الهدوء، في الصباح دون إزعاج، أو بعد الظهر عندما يكون كل شيء مستيقظاً بما في ذلك أفكارهم – بالإضافة إلى ساعاتهم التي تُحفظ لأمورهم الأخرى: تسلية حل الكلمات المتقاطعة، جولات المشي، استعادة الأطفال من المدرسة، النوم. أحسد حقاً هؤلاء الكتاب.

حتى الكتابة على فترات، عندما تأتيني، لا تأتي بدقة. يحدث ان تمتد عبر أيام، من العاشرة ليلاً إلى الخامسة صباحاً، لن أذهب إلى النوم إلا عندما أرى اشراق السماء, مصاحباً لذلك الصوت المفاجئ في رأسي, صوت التحذير لأمرأة الكاريبي القديمة: “لا تجعل غَدك يقبض عليك وأنتَ تنظر للأمس”

أذهب إلى النوم بعد ذلك، ولكنه نوم قلق، لأستيقظ بعد بضع ساعات في وقت لاحق للكتابة مرةً أخرى – نمط هذا اليوم الجديد سيختلف عن اليوم السابق. يمكن أن لا يكون لي حتى مساحة للكتابة. أحياناً في المنزل، أو في مكتبي على الكمبيوتر،  ومرات أخرى ستكون في السرير على لابتوبي المحمول، وأحياناً  في المقاهي، أو في صالات المطارات ذات مكبرات الصوت العالية.

عندما أكتب، أكتب بشراسة، ربما كتعويض عن العديد من أيام عدم الكتابة القادمة . هناك الكثير من الملهيات. وأستسلم لها جميعاً. وأود أن أقول لك أن لدي تسليات نبيلة مثل: مثل إعادة قراءة الكلاسيكيات، والبحث الدؤوب. ولكنني لستُ كذلك. كذبت عليك. أنا أنصرف عن الكتابة بسبب البرامج التلفزيونية السيئة لتلفزيون الولايات المتحدة الوطني، بسبب أهم الأخبار في الصحف الجامايكية في بلدي، وبسبب (كاندي كراش)! “يا إلهي إنني أعترف بذلك”.

بالمجمل أنا كاتب منتج, ولكن فقط معلومات الأنترنت تثبت ذلك, تسعة كتب حتى الآن. أما أنا فأستيقظ كل صباح وكأني مفزوع, وكأني أتأكد أن تلك المؤلفات ليست حلم, كما لو أني أذّكر نفسي كل مرة: “نعم. هذه حقيقة.. هذا ما أنجزته أنا !!”.

إذا لم تمتلئ معظم الأيام بالكتابة، فإنها ستمتلئ بالتفكير فيها – للتفكير في جمل لم تكتب بعد، لمحاولة  تذوقها على لساني، لمحاولة اكتشاف إيقاعها، توقفها وجريانها. أو سأقضي تلك الأيام الفارغة في مطاردة فكرة غريبة، ودائماً ما سأتخيل طريقة صيد الجمايكيين القدامى للخنازير البرية في الأدغال. أريد الإمساك بهذه الفكرة كطريدة، لانتزاع عنقها ثم خبطها على طاولة الكتابة مثل جراح مجنون، يبدو الأمر كما لو أني أتخيل كم من القصائد والقصص والمقالات ستخرج من أحشاء تلك الفكرة؟. في معظم الأيام لن أتمكن من أنتزاع أي شيء. معظم الأيام ستنزلق من يدي، سأشخر حينها بسعادة تحت الأشجار المظللة. سأذهب إلى الفراش معظم الليالي بخيبة أمل، ولكن سأقول للصوت خلف الأدغال أبتعد عني الآن.. وغداً.. غداً فقط سوف أمسك بك..

” أنا كاتب منتج – ذكرت لك ذلك في البداية- ولكني أعلم أني العكس، ولم أكن أبداً كاتباُ منضبط. أنا الكاتب الذي يعيش مع ثقل دائم وراءه.. شيء كبير ومزعج. وهو: القلق”.


[المصدر]

أشهر القبلات في تاريخ الأدب العالمي

 

إيميلي تيمبل

في عام ٢٠١٢، نشرت (إيميلي تيمبل) في صحيفة The Atlantic Magazine، مقالة أسمتها “أشهر القبلات في تاريخ الأدب العالمي”، ننشر لكم ترجمة حصرية لمقالتها في ساقية.

تقول (إيميلي) في افتتاحية مقالتها:

ومثل كل المهوسيين بالكتب، لا نستطيع أن نساعد، ولكن نستطيع أن نفكر في أكثر مؤلفات الأدب الرومانسي عمقاً. وبالتحديد كتبنا التي أصبحت مفضلة، تلك الكتب التي زودتنا بالوحي الإلهي الصغير. وبعد كل ذلك لا أعتقد ان هناك ما هو أكثر رومانسية من امتلاك عناصر التعبير عن المودة والحب. ومن هذا الذي يستطيع التعبير عنه أفضل من (شكسبير)، و(نابكوف)، و(بايرون)؟ ولذلك إذا كنت تبحث عن  أفكار للأعتناء أكثر برومانسيتك، أو حتى إذا كنت هنا لفضول وإغراء الموضوع فقط، فهنا أعظم 10قبلات في تاريخ الأدب العالمي، والتي انطوت بدورها على خلفيات وقصص في غاية العشق الإنساني ومفترق التحديات المصيرية:

ثم تكمل بعد ذلك في سردها لهذه القبلات الشهيرة:

أولًا:

القبلة الأولى كانت من نصيب رواية (ذهب مع الريح)، للكاتبة الأمريكية (مارغريت ميتشل). [1936]

وفي ذلك المقطع المُرتبك و الإستثنائي من الرواية، وقبل أن تسحب (سكارليت أوهارا) عقلها من أماكنها البعيدة، حيث ألتفت ذراعيّ (ريت بيتلر) حولها، ستشعر عندها بالعجز المتنامي من عشيقها الأول (آشلي ويلكس) ومع شعورها المتكرر بالعدم، يقرّب (ريت بيتلر) رأسها بين ذراعيه بحنو ويقبّلها، تلك القُبلة التي ستبدأ بهدوء ونعومة في البداية، لتتدرج سريعاً بعد ذلك بشدة محمومة، ليلتحمان بعد ذلك بكلا شفتيهما، إصراراً وفراقاً وهزاً، تلك الهزات التي ستنتشر على طول أعصابها، وبجسدها المليء بالأحساس ستفكر عندها أنها لم تكن تعرف أنها قادرة على الشعور مرةً أخرى، لتجد نفسها أخيراً تشعر و تُبادله القُبل.

ثانيًا:

من مسرح (روميو وجوليت)، لـ(وليام شكسبير). [1596]

– (روميو): (إلى جولييت) بعد أن قبّل يدها لأول مرة:

عفواً إن كانت يدي الأثيمة قد دنست حرم يديكِ المقدس فدنسته

فلو كان لي أن أزيل خطيئتي بخطيئة عذبة، إذ أن لي شفتين كالحجاج

حمراون من فرط الخجل.

– (جولييت): يا أيها الحاج الكريم ظلمت كل الظلم راحتك، فهي التي

أبدت أخلاق العابدين، وفي تلامس الكفين للحُجّاج قُبلةً مقدسة.

– (روميو): لكن أليس للحاج والقديسة شِفاه؟

– (جولييت): بلى، ولكن يقتصرن على الصلاة.

– (روميو): إذاً فلنجعل الشفاه يا قديستي، تفعل ما تفعله الشفاه.فها هما الآن تصلّيان لك.

– (جولييت): لكن قدّيساتنا لا تتحرك، حتى ولو سمعت دُعاك.

– (روميو): إذاً لا تتحركي .. حتى أنال ثَوابي، وتزيل قُبلة ثغرك البسّام أثار الخطيئة من فَمي.

[فقبَّلها]

– (جولييت): نقلت إلى شفتي حطيئة ثغركَ!

– (روميو): خطيةً من مبسمي؟ ما أعذب الأثم الذي دعوتني إليه!

هيّا أعيدي لي خَطيئتي!

[فقبَّلها مرةً أخرى].

ثالثًا:

رواية (بيتر بان)، للاسكتلندي (جيمس باري). [1911]

“ولأن ليس أعظم القبلات دائماً تكون حقيقية”

(بيتر بان)، الطفل الخيالي الشقي والممتع الذي لا يكبر أبداً، والذي لا يعرف معنى القبلة! هذا الطفل الذي يأتي من عوالمه البعيدة، ليستمع إلى حكايات (ويندي) لأخويها الآخرين، عن (سنو وايت) و(سندريلا) و(الحسناء النائمة) .. وفي إحدى الليالي المشحونة بالأثارة والتشويق، حين تنهض من سريرها وتقترب منه لتقول: “سأعطيك قبلة لو أردت”، ولكن (بيتر) لا يعلم ماذا كانت تقصد! ماداً يده لها بترقب وكأنه ينتظر شيء ستضعه هي داخل يده. لتجيبه (ويندي) باستغراب “ألا تعرف ما هي القُبلة؟”، ليجيبها (بيتر الخيالي): “سأعرف عندما أراى واحدة منها”، ولكي لا تجرح شعوره ناولته كشتبان الخياطة. ليشعر انه لابد أن يرد الجميل. “أيجب عليَ أن أعطيك قبلة أيضاً؟”، لتجيبه مادة شفتيها ووجهها إليه: “إذا سمحت”. تنتظر (ويندي) القُبلة، وهي مغمضة العينين، ولكن (بيتر) الجاهل يرى وجهها باستغراب ويناول يدها قطعة خشبية من البلوط، لتسايره (ويندي) وتلفها بسلسلة حول عنقها .. قائله بخيال: “أنه من الجميل أن تلف قُبلة حول عنقها”.

رابعًا:

رواية (غاتسبي العظيم) لـ(فرنسيس سكات فيتزجيرالد). [1925]

“ولأن ليس أعظم القبلات تقع على المنصة، وعلى مرأى من الكل، ولأن هذه القبلة هي واحدة من أصدق مفاهيم القبلات عبر تاريخ قراءة الأدب”.

غاتسبي: “لقد كان على هذا النحو، آخر ما كنت أتذكره هو وقوفي بجانب (دايزي)، ومشاهدة الصور المتحركة للمفرقعات النارية في السماء ونجومها الاصطناعية. كان الجميع مازالوا تحت أشجار البرقوق البيضاء، وقد لامست وجوههم الظلال الشاحبة للأضواء في السماء، وخيوط قليلة من ضوء القمر بينهم. خطر لي أن هذا الانحناء كان يقترب كل مساء لتحقيق هذا التقارب بيننا. وحتى انتهيت من مراقبة أنحداره لآخر درجاته، اقتربت أكثر، وقبّلتها على خدها”.

خامسًا:

فارمير وإيوان، في (عودة الملك) لـ(جون تولكين)، من سلسلة (ملك الخواتم). [1955]

“ولأن بعض الأحيان، كل ما تحتاجه هو قبلة على الجبين وفرصة لتدع شَعرك، يتحدث بدلاً عنك”

في تلك اللحظة عندما تقول (إيوان): “أذاً أتعتقد أن الظلام قادم؟”، الظلام الذي لا مفر منه، لتجد نفسها تلتصق به بقوة. ليرد (فارمير): “لا”، ناظراً لوجهها، ليفكر أن شراً عظيماً قد حلَ، وأنهم على وشك النهاية، ولكن قلبه يقول له: “لا”، بجميع أطرافه الخفيفة بالأمل والفرح يقول له “لن يحدث، في هذه الساعة لا أؤمن أن أي ظلام سوف يدوم”، يقول لها ليتوقف عن الكلام عندها، ويقبل جبينها .. وهكذا وقفوا على جدران مدينة (غوندور)، لترتفع حينها ريح عظيمة مع الفجر، بشعرهما الذهبي والأسود والمختلط بقربٍ مع الهواء.

سادسًا:

أسطورة (دافنيس وكلوي)، للأغريقي (لونقس).

دافنيس: “يا الهي.ما هذه المشاعر؟ شَفتيها أكثر نعومة من أوراق الوردة، فَمها حلو كالعسل، ولها قُبلة تلحق بي أكثر من ألم لسع النحل، وإنني كثيراً ما قبّلت أطفالي، وإنني كثيراً ما قبّلت خرافي، ولكني أبداً، ما عرفت البتة مثل تلك القُبلة. نبضي يتضارب أسرع، يال دقات قلبي، كما لو كنت على وشك الأختناق، ولكن على الرغم من ذلك، أرغب بقبلة أخرى، غريب! لم يحدث أن أشتبه عليَ الألم .. وبثمالة أتساءل هل (كلوي) قبّلتني حقاً؟ وكيف حدث أنها نفسها لم تمت من تلك القبلة؟!

سابعًا:

كالي وكلمنتين، من رواية (ميدلسكس)  أو (الجنس الوسط)، لـ(جيفري يوجينيدس). [2002]

“ولأن القبلات الطفولية البريئة يمكن أنّ تغير الحياة”

بحواف عين (كلمنتين) المحترقة، تثائبت وهي تفرك أنفها براحة يدها، لتسألني: “هل ترغب في تجريب القُبّل؟” .. “لم أكن أعرف كيف أجيبها، فأنا أعرف مسبقاً كيف أقبّل، أليس كذلك؟ ولكن وكأن هناك شيء أكثر من ذلك تريد أن تتعلمه. وخلال جولة هذه الأسئلة في رأسي، كانت (كلمنتين) تمضي قدماً في تجريب التقبيل، كانت تقول أنها جاءت خصيصاً لتواجه وجهي، ومع تعبير خطير من عينيها، أحاطت بذراعيها حول عنقي .. شعرت أن وجهي وشفتيّ مسلوبة، لم أمتلك أي هجوم أمامها، لكن ما أود لك أن تتخيله معي هو وجه (كليمنتين) الأبيض، يقترب ملاصقاً لوجهي، بعينيها الناعستين والمُغلقة الآن، بشفتيها التي تعلو الآن، وتخلف تجعيدها من أثر التقبيل، بجميع أصوات العالم التي تحولت صامتة في هذه اللحظات! بحفيف وتحرك ملابسنا، بأمها التي تصعد السلالم من الأسفل، بضجيج الطائرة التي ترسم علامة تعجب في السماء، كل ذلك كان صامتاً. مثل تعليم (كلمنتين) على وجهي الآن، بشفتيها التي تبلغ من العمر ثماني سنوات على شفتيّ.

ثامنًا:

لوليتا وهمبرت، في رواية (لوليتا) لـ(فلاديمير نابوكوف). [1955]

“لحساسيتها المُفرطة، ولعبقرية غنائيتها الغير مريحة، وللطريقة التي نُحرج ونتلوى بها على مقاعدنا كلما قرأناها”

وما كادت سيارتي تقف، حتى كانت (لوليتا) قد طارت إلى ما بين ذراعي..

على أنني اكتفيت بأن أمس مساً رقيقاً، وبأقصى الحذر شفتيها المنفرجتين الدافئتين، ذلك أنني لم أجرؤ على أن أطلق لنفسي العنان. ولم أجرؤ على أن أدع روحي تدرك من أنّ هذه هي بداية الحياة الرائعة التي انفتحت لي أبوابها بمساعدة القدر .. كانت قُبلتي لها بريئة خالية من كل شهوانية، ولكن (لوليتا) دفعت بنفسها بفروغ صبر، وأطبقت بفمها على شفتيّ بقوة، أحسست معها بوطأة أسنانها الأمامية، وتذوقت من خلالها رضابها الممتزج بطعم نعنان العلكة..

تاسعًا:

وأخيراً، هيدي وجوان، من الملحمة الشعرية (دون جوان) لـ(لورد بايرون). [1824]

“ولأن قبلة واحدة منكِ، يمكن أن تساوي يوم كامل من الصيف”

إنهم ينظرون للسماء، بتوهجها العائم

مُنتشرةٍ كمحيطٍ ورديّ، واسعةً ومشرقة

إنهم يحدقون على البحر المتلألئ أدناها

أين يرتفع القمر مُحلقاً في الأفق؟

سمعوا الموجات المتدفقة

والرياح المُنخفضة أكثر

لينتبه كلاً منهما لأندفاع نور عينيّ الآخر فيه

لتقترب وجوه شِفاهِهم أكثر.. وتتشبث بقبلة.


[المصدر]