أرشيف الكاتب

الفيلسوف (جاكوب نيدلمن): أنا لست أنا.

يوجد دائمًا ما هو أكثر من حقيقتين متعارضتين، فالحقيقة الكاملة تتضمن دائمًا عنصرًا ثالثًا، ألا وهو التوافق.

“هذا هو الجوهر الكامل للحياة: من أنت؟ ما أنت؟” هذا ما أكد عليه الكاتب الروسي (ليو تولستوي) في مذكرات شبابه..كما تقول الشاعرة الأمريكية (سيلفيا بلاث) متعجبةً عندما كانت في سن الثامنة عشر من عمرها: “أنا: يا له من حرف راسخ، ويال تلك الطمأنينة التي نشعر بها من هذه الخطوط الثلاث: خطُ أفقي يدل على الفخر وتأكيد الذات، ثم خطين قصيرين أفقيين في تتابع سريع وأنيق”، في مذكراتها الخاصة بعد قرن من (تولستوي) متأملةً الإرادة الحرة وما يجعلنا ما نحن عليه. إن هذه الخطوط الثلاثة الأنيقة تشق قلب خبرتنا بوصفنا آدميين، لكن عندما نبدأ في تفكيكها لا نرى ذلك القلب، لا نرى جوهر الحياة؛ فمما صُنعنا إذًا؟ وما الذي يجعلنا ما نحن عليه؟

في كتاب (أنا لست أنا) يستأنف الفيلسوف الأمريكي (جاكوب نيدلمن) من حيث توقف (تولستوي) و(بلاث)، ليجنّد المزيد من أكثر العقول البشرية يقظةً، بدايةً من الفيلسوف الألماني (نيتشه) والفيلسوف الدانمركي (كيركيغارد) حتى الفيلسوف الأمريكي (ويليام جيمز) والكاتب الياباني (د. ت. سوزوكي) للبحث عن تهدئة ـــــ إن لم تكن إجابة ـــــ لتلك الأسئلة الوجودية الأكثر إقلاقًا، وانطلاقًا من تلك الأسئلة ذاتها سنجد عرضًا يقدم الكثير من الأمل، إنه نوع من السر المقدس الدنيوي الذي يضيئ ما يكمن في قلب أكثر التجارب عمقاً التي يمكن أن نمر بها حيث: الفرح، والحب، والأمل، والتساؤل، والدهشة، والسمو.

يقول نيدلمن:

من بين الأسئلة العظيمة التي يطرحها القلب البشري، لا يوجد سؤال أكثر محورية من السؤال التالي: من أنا؟ ومن بين الإجابات العظيمة التي تقدمها الروح البشرية لا يوجد ما هو أكثر محورية من خبرة “أنا أكون”، بل إنه في إطار الحياة البشرية التي نعيشها بكل ما في الكلمة من معاني ـــــ حياة بشرية طبيعية مفعمة بالبحث عن الحقيقة ـــــ نجد أن هذا السؤال وهذه الإجابة يوازيان بعضهما البعض في النهاية، ويقتربان أكثر فأكثر حتى يصبح السؤال هو الإجابة والإجابة هي السؤال.

لقد صادف (نيدلمن) هذا السؤال للمرة الأولى عندما كان في الحادية عشرة من عمره، ويرجع الفضل في ذلك إلى صبيٍ في الحي الذي كان يعيش فيه يدعى (إلياس بارخورديان) الذي أصبح أعز صديق له في طفولته، وأكثر رفقائه الذين لا يمّلون ولا يكّلون من الاستقصاء الفكري، فكانا يجلسان معًا بعد المدرسة لساعات طوال يتناقشان في علم الفلك والروحانيات بنفس القدر من الدقة والصراحة والفضول، إلا أن موت إلياس مبكرًا وكذلك حياته القصيرة كان السبب في دفع الألغاز الوجودية لدى (نيدلمن) إلى مستويات جديدة من الفهم، فنجده يكتب بعد مرور أكثر من نصف قرن:

توفي (إلياس) بسبب سرطان الدم الذي لم يكن له علاج في ذلك الوقت، مات قبل عيد ميلاده الرابع عشر بقليل، وخلال الأشهر التي تلت بداية مرضه كنت أقابله في غرفة الموسيقى الهادئة في الجانب الخلفي من المنزل، وكانت تلك الغرفة تواجه حديقة يتم الاعتناء بها بدقة وتمتلئ بضوء الشمس، ومع تطور المرض لديه وزيادته ضعفًا تعمق إحساسي بعقله، فكان يتحدث صراحة عما ينتظره، وكان نادمًا فقط على أنه لن يعيش طويلاً بما يكفي لفهم كل الأشياء التي كان يرغب في فهمها عن الكون. ولكن بطريقة ما وبلا شك بسبب الظهور المتكرر فينا للحضور الواعي المشترك، جلب لي موته في النهاية في الأعوام التي تلت ذلك،المزيد من الأمل وليس الألم، إنه ذلك الأمل الذي ينشأ من “صوت” الوعي المقدس الحقيقي الذي يخاطبنا من داخل أنفسنا.

فأدركت الآن أني كنت أحاول طوال الوقت توصيل هذا النوع من الأمل لنفسي ولتلامذتي وللقراء، و في الوقت ذاته في وجه تلك الآمال الخادعة، والتشاؤم الحتمي الذي يميز عصرنا على نحوٍ غير مسبوق.

ولاستقصاء تلك الأسئلة قام (نيدلمن) بتنظيم الكتاب في أسلوب حوارات (سقراط) الكلاسيكي، لكنه استخدم شكلاً حديثًا ومفعمًا بالحياة باستخدام حيلة تخيلية فقام بعمل محادثة بين ذاته في الطفولة (جيري) وذاته الحالية البالغة من العمر ثمانين عامًا (جاكوب)، وأتذكر هنا الملاحظة الساخرة التي لا تنسى للكاتبة الأمريكية (جوان ديديون)، إذ تقول: “من الحكمة عدم قطع الصلة مع ذواتنا الماضية سواء كنا نجدها تستحق الصحبة أم لا”، وهي نصيحة يصعب تطبيقها في كثير من الأحيان، حيث أننا نجفل من سوء الطبع والحماقة والعجرفة التي كانت تميز ذواتنا السابقة، ولكن نيدلمن تمكن من ذلك بامتياز كبير ودفء وسخاء روحي تجاه ذلك الصبي غير الصبور،وغير المكتمل الذي كانه.

ففي إحدى المحادثات يعبر (جاكوب) لـ(جيري) عن المقدمة المنطقية الرئيسية للكتاب ذاته:

إن الصراع من أجل البقاء، من أجل عدم الاختفاء في هذه اللحظة، هو جوهر الصراع من أجل البقاء في كل لحظة، فيجب أن نساعد بعضنا بعضًا في هذا الصراع، أنت بالسؤال وأنا بالجِد في محاولة الإجابة، فهذا هو قانون الحب الذي يحكم الكون.

وفي محادثة أخرى تذكرنا بالحجة الرائعة التي قدمها الكاتب الأمريكي (ألفريد كازن) لصالح احتضان التناقض، يحذر (جاكوب) (جيري):

تحمَّل التناقض، فإذا تحملته ستجد أنه يوجد دائمًا ما هو أكثر من مجرد حقيقتين متعارضتين، فالحقيقة الكاملة تتضمن دائمًا عنصرًا ثالثًا، ألا وهو التوافق.

يرى (نيدلمن) أن الاستعداد للتوافق مع التناقض هو بداية المعرفة الحقيقية للذات وأكثر أنواع الصدق عمقًا، ويقول (جاكوب) لـ(جيري) مرددًا ما أكد عليه الكاتب الفرنسي (أندريه جيد) من أن الإخلاص هو أكثر المآثر صعوبة:

هذه هي بداية الإخلاص.

 لأنك تصارع، سيبدأ سؤالك بالتعمق…إنه ما ستكتشفه دائمًا للمرة الأولى ـــــ جديد باستمرار ــــ في تلك اللحظة العابرة من الدهشة، وقبل أن تسيطر عليها الطموحات الشخصية، سوف تكتشف أنت وأكتشف أنا في تلك اللحظة الحاجة لخدمة تلك الطاقة البشرية والمقدسة أيضًا على نحوٍ فريد، و التي ستبدأ بوصفها إدراكًا خالصًا لوجود الشخص ذاته، وحتى عندما تبدأ تلك الفكرة ــــــــ تلك الفكرة المبدئية ــــ عما هو بشري، تلك الفكرة عن ما هو الإنسان، التي ستبدأ في الظهور، تلك اللحظة العابرة للإدراك الخالص لوجودي الذي يظهر الآن في صورة فكرة عظيمة، تلك اللحظة المواجهة لفكرتي الحيّة، فكرة الصحوة، التي ستكشف لمحة لذلك التوق البشري للخدمة على نحو فريد، ستظهر الحاجة، الحاجة لطاعة تلك الطاقة، الحاجة لرعايتها، والتغذي عليها، لتستقبل تلك المساعدة، التي تأتي في تلك اللحظة ،وعندها فقط ، أي عندما تلتزم موضوعيًا بإعطاء تلك الطاقة عبر الفعل والفهم والظهور، انها ببساطة تلك الطاقة الخاصة بالوجود الواعي، التي تمنحك أيها الكائن البشري قوتك الحقيقية، إنها الطاقة التي تمثل مجمل إدراك الشخص لوجوده، إذ يمكن أن تصبح أقوى أنواع الطاقة في الحياة البشرية

وفي محادثة أخرى يوجه (جاكوب) (جيري) باتجاه فكرة أن الاعتراف بوهم الإرادة الحرة يحررنا ولا يأخذ منا حرياتنا. متأملاً مصدر الحرية الحقيقية بالإشارة إلى مدى استحالة فهم الحرية دون فهم التأثيرات فينا، كقوانين الكون، وطبيعة الواقع:

سل نفسك عن مدى فهمك للتأثيرات فينا، القوانين الكونية في الطبيعة؟ ما هي أفكارك حيالها؟ وتعاليم الدين، فكرة الإيمان، وطاعة الأسمى، والمسئولية تجاه الأخرين وتجاه النفس، وأوهام النوم والأحلام وإيحاءاتهما، فكرة مكانة الإنسان في الحياة، فكرة التنفس، ومكاننا على كوكبنا، والمطالبة بالأخلاق، وطبيعة الغرائز الحيوانية والبديهية داخلنا وحولنا، ووظيفة الألم والمتعة ومعناهما، وفكرة الوعي والضمير وتجربتهما، والتغذية الخفيّة من الهواء الذي نتنفسه،والطعام الذي نتناوله، الاحتياجات والرغبات الحقيقية، والمصطنعة للجسم، التأثيرات القوية للرموز، وقوى الجنس الكونية والحميمة، حتمية الموت، ووهم الزمن وحقيقته.

[…]

فعند المضي على هذا النحو ،محتفظاً بالتوجه الأساسي للصدق مع النفس وما تكتشفه، ستصاب بالإحباط ليس فقط من قناعاتك ولكن كذلك من بنية عقلك ذاتها، وستدرك أن ما تحتاجه ليس معتقدات جديدة، ولا معلومات جديدة، ولا نظريات جديدة، ولكن عقل جديد تمامًا.

فبوابة الحرية الحقيقية كما يقول (نيدلمن) هي انحلال اليقين:

إن الأفكار الواقعية تفتح العقل على القلب، على قلب العقل، على مستوى آخر من الواقع داخل أنفسنا…وهذا هو مذاق الحرية الداخلية وبدايتها، إن الحمقى فقط هم من يعتقدون أن الحرية تعني الحصول على كل ما يشتهيه المرء، إن الحرية الحقيقية تبدأ بطاعة تأثير أسمى، طاقة أسمى وأنقى داخل أنفسنا.

[…]

ما هو الأسمى في ذاتك؟ تلك الطريقة في التفكير في السؤال، ستكون بداية الإجابة، لأنها تتضمن فكرة واقعية لدى البشرية على مدى آلاف السنين…وفي تلك المرحلة ستجد أنت نفسك الإجابة، ليس بوصفها فكرة،ولكن تجربة.

وللحظة سوف تتحول أنت إلى الإجابة! ولن تشعر فقط بمذاق الحرية الحقيقة، بل ستتحول للحظة إلى الحرية.


[المصدر]

مارثا غراهام: الاستياء المقدس من أن تكون فنانًا.

مارثا غراهام (1894 – 1991) هي راقصة ومصممة رقصات أمريكية ولدت في بيتسبرغ، بنسلفانيا وتعد من رواد الرقص الحديث، الذين يمكن مقارنة تأثيرهم على الرقص بتأثير  (إيجور سترافينسكي) على الموسيقى، أو تأثير (بيكاسو) على الفنون البصرية، أو تأثير (فرانك لويد رايت) على فن العمارة.

لا فنان يشعر بالرضا…فلا يوجد سوى ذلك الاستياء المقدس الغريب، ذلك القلق المبارك الذي يبقينا في مسيرتنا ويبث فينا المزيد من الحياة أكثر من غيرنا.

“استسلم لذلك الحزن المستمر على مدى الحياة الذي يأتي من ألا تكون مطلقًا راضيًا”، تقدم لنا الروائية الانجليزية (زادي سميث) تلك النصيحة من نصائحها العشرة للكتابة. ولكن كيف يمكن للمرء مصادقة هذا الاستياء الأبدي، وفي الوقت ذاته مواصلة تحرير ما تعبر عنه الكاتبة الأمريكية (جوليا كاميرون) بعبارتها المؤثرة: “الكهرباء الروحية” للتدفق الإبداعي؟

تقدم لنا هنا مديرة الرقص الأسطورية (مارثا غراهام) إجابة لهذا السؤال الدائم لحياة الابداع، وهي إجابة تتميز بالمعرفة الملحوظة والسمو الملحوظ في الوقت ذاته، وذلك في محادثة نجدها في سيرتها الذاتية لعام 1991 بعنوان مارثا: حياة مارثا غراهام وأعمالها للراقصة ومصممة الرقصات (أغنيس دو ميل).

في عام 1943 تم تعيين (دي ميل) لتصميم رقصات للمسرحية الغنائية أوكلاهوما! التي أحدثت ضجة بين عشية وضحاها وحققت رقمًا قياسيًا في عدد العروض بلغ 2212 عرضًا، وعندما شعرت (دي ميل) بأن النقاد والجمهور تجاهلوا طويلاً الأعمال التي وضعت فيها قلبها وروحها شعرت بالإحباط بسبب شعورها بأن العمل الذي كانت تعده “مجرد عمل متوسط الجودة” حقق نجاحًا منقطع النظير، وبعد العرض الأول بفترة قصيرة قابلت (غراهام) في مطعم شرافتس للصودا، وجرت بينهما محادثة أظهرت ذلك الألم الشديد الذي تشعر به وقدمت لدي ميل ما تعُده أعظم ما قيل لها على الإطلاق، وتروي لنا تلك المحادثة:

اعترفت بأني لدي رغبة عارمة لتحقيق التميز، ولكن لا إيمان لدي في قدرتي على ذلك.

فقالت لي (مارثا) حينها بهدوء شديد: “ثمة حيوية وقوة حياة وطاقة وإحياء يتم ترجمته من خلالك إلى فعل، ولأنك الوحيدة فقط من نوعك في كل عصر، فما تقومين به سيكون كذلك أيضاً. وإذا حجبته لن يخرج إلى الوجود مطلقًا عن طريق أي وسيط آخر، وسيضيع، وسيخسره العالم، وليست مهمتك تحديد مدى جودته، ولا مدى قيمته، ولا الشبه بينه وغيره من التعبيرات، فمهمتك هو أن يظل ملكك بوضوح، وعلى نحوٍ مباشر، وأن تظل تلك القناة مفتوحة، فلا يجب عليك حتى مجرد الإيمان بنفسك أو بعملك، فيجب أن تظلي متفتحة ومدركة للدوافع التي تحفزك، لا تغلقي تلك القناة، أما بالنسبة لك يا أغنيس فقد استخدمت حتى الآن مجرد الثلث تقريبًا من موهبتك.”

فقلت: “ولكن عندما أرى عملي أُسلم بتقييم الآخرين له، فلا أرى سوى عدم كفاءته، وعيوبه، وفظاظته، فلا أشعر بالسعادة ولا الرضا”.

فردت عليّ: “لا يوجد فنان سعيد”.

ولكن هل ثمة رضا؟ سألتها.

فصرخت بانفعال:

لا رضا على الإطلاق في أي وقت، لا فنان يشعر بالرضا…فلا يوجد سوى ذلك الاستياء المقدس الغريب، ذلك القلق المبارك الذي يبقينا في مسيرتنا ويبث فينا المزيد من الحياة أكثر من غيرنا.


[المصدر]

 

 

 

كافكا ناصحاً الشاب العاشق

كافكا ناصحًا الشاب العاشق

الصبر هو الحل لجميع المشكلات، يجب على المرء أن يُشفق على كل الأشياء، وأن يستسلم لكل الأشياء، ولكن عليه في الوقت ذاته أن يظل صبورًا ومتسامحًا”.

في صباح أحد أيام شهر مارس من عام 1920 وصل أحد المراهقين ويدعى (غوستاف يانوتش) إلى مؤسسة التأمين على حوادث العمال التي كان يعمل بها والده، وكان غرضه الوحيد من تلك الزيارة هو مقابلة ذلك المبدع الطموح البالغ من العمر حينها السابعة عشرة، زميل والده الشهير ومؤلف رواية (التحول) أو (المسخ) فيما بعد، (فرانس كافكا) [03 يوليو 1883 – 03 يونيو 1924]، الذي كان يعمل بجد في شركة التأمين لمدة اثنى عشر عامًا، حدث أن نَمت بين هذين الاثنين صداقة مستبعدة، وعلى مدى الأربع سنوات الأخيرة المتبقية في حياة (كافكا) كانا يسيران سويًا في جولات طويلة في المدينة يتحدثان عبرها عن الأدب والحياة.

وفي عام 1951 بعد وفاة (كافكا) بوقتٍ طويل نشر (يانوتش) ذكرياته عن تلك الجولات الثرية والمميزة التي كان يتحدث خلالها مع (كافكا) باسم (محادثات مع كافكا) [المكتبة العامة].

إن ما يثير الاهتمام في تلك المحادثات على هذا النحو هو أن الكثير منها كان يناقض الانطباع المألوف عن كافكا بوصفه كان يعيش غالباً في حالةٍ من الاستياء والكآبة، ولعل ذلك يرجع إلى أننا يمكن أن نُسلي ونخرج أجمل ما فينا بالمحادثات, بالإضافة إلى ذلك التفاؤل وتلك الصراحة الجوانية العفوية التي ميزت ذلك الشاب التي ربما أيقظت مواضع روحانية كامنة داخل كافكا، ولذلك تميزت الموضوعات التي ناقشاها بقدر كبير من التنوير: حيث الفن (“الفن مثل الصلاة فهو يد ممتدة في الظلام تبحث عن لمسة جمال تحولها إلى يد معطاءة.”) والشعر (“كما يقول غوته إنه بالفعل كل ما نهتم به نحن البشر”)، والحب.

وفي تأمل عميق للألم في علاقات الحب الفاشلة، يقدم لنا (كافكا) تعريفًا رائعًا للحب ومخاطره، إذ يمكن أن يرفعنا إلى السماء بمعنى الكلمة ويهبط بنا إلى الأرض بمعنى الكلمة كذلك، يتسائل (كافكا) في تلك المحادثات ويجيب:

ما هو الحب؟ إنه بسيط على أية حال، إن الحب هو كل ما يدعم حياتنا ويوسعها ويثريها، من أعاليها حتى جوفها، فمشاكل الحب مثل مشكلات السيارة، قليلة جداً، فمشكلاتها الوحيدة غالباً هي السائق والركاب والطريق.

وفي كثيرٍ من الأحيان وأكثر بكثير مما نود تخيله قد تؤدي تلك المشكلات الصغيرة إلى حادثة، إذ كان (كافكا) نفسه قد ألف انفطار القلب عن كثب، وهو ما يتضح في خطابات الحب الجميلة والمروعة التي كتبها، حيث أكد فيها أن “انفطار القلب هو ما يدفعنا إلى النضوج” ولعل هذا هو السبب في أن خبرة (كافكا) الكاتب أتاحت له تقديم تلك النصيحة المطمئنة على نحوٍ غريب لـ(غوستاف) الشاب لتسليته ومواساته فيما شعر به من ألم بسبب طلاق والديه بعد الحب الذي كان بينهما، حيث ذلك الشرخ في القلب الذي أصابه باليأس من إمكانية تحقيق السعادة في الحب، ويردد (كافكا) ما يعتقده الفيلسوف الألماني (نيتشه) من أن الحياة المثمرة تتطلب معانقة الصعوبات”، فيحث (كافكا) ذلك الشاب على عدم الهروب من مشاعر الألم داخله وينصحه:

فقط كن هادئًا وصبورًا، وذلك لتدع الشرور والتعاسة يتجاوزانك بهدوء، فلا تحاول تجنبهما، بل على العكس، لاحظهما بدقة، وليكن الفهم الفعال هو البديل لرد الفعل الساخط، فهذا هو السبيل الوحيد لتنضج وتخرج من مشاكلك، فلا يمكن للبشر تحقيق العظمة إلا بالتغلب على وهنهم.

وفي جولتهما التالية يعود إلى الموضوع ذاته، ويقول (كافكا) ناصحًا الشاب العاشق بطريقة تذكرنا بالروائي الأمريكي (جون شتاينبك) ونصيحته التي لا تُنسى عن الحب:  إذا كان الحب حقيقياً فسيحدث، والمهم ألا تتعجل، فالخير لا يهرب” فيقول (كافكا) لـ(غوستاف) الشاب:

إن الصبر هو الحل لجميع المشكلات، فيجب على المرء أن يتشارك وجدانيًا مع كل شيء، وأن يستسلم لكل شيء، ولكن عليه في الوقت ذاته أن يظل صبورًا ومتسامحًا…فلا مجال للانثناء أو الانكسار، فكل المسألة هي في التغلب على المصاعب فقط، وهي تبدأ بالتغلب على النفس أولاً، ولا يمكن تجنب ذلك، فالأبتعاد عن ذلك الطريق يعني دائمًا التحطّم، فيجب على المرء تقبل جميع الصدمات بصبر, ولا يتقبلها فقط، بل ينميها في نفسه، فلا جدوى من التغلب على عوائق الأنا المشبّعة بالخوف إلا بالحب، فإذا رأينا تلك الأوراق الميتة وحفيفها من حولنا لابد أن نرى أيضاً معها خضرة الربيع الناشئة والنضرة وأن نهدأ وننتظر صابرين، فالصبر هو الأساس الوحيد الحقيقي الذي بممارسته والتحلي به تكون قادراً على جعل أحلامك حقيقة.


[المصدر]

 

 

أوليفر ساكس: أن تعيش حياتك الخاصة وتموت ميتتك الخاصة

“إن قدر كل إنسان -من الناحية الوراثية والعصبية- أن يكون فريدًا وأن يكون له طريقه الخاص في الحياة وأن يعيش حياته الخاصة وأن يموت ميتته الخاصة”

“إن الندم على أننا لن نعيش بعد مئة عام لا يختلف عن حماقة الأسف على عدم الحياة منذ مئة عام”، هكذا قال الفيلسوف الفرنسي (مونتين) في القرن السادس عشر متأملاً الموت وفن الحياة. “إن أعظم كرامة يمكن أن نجدها في الموت هي كرامة الحياة التي سبقت ذلك الموت”، كانت تلك كلمات الجراح وأخصائي أخلاقيات البحث العلمي الراحل (شيروين نولان) التي كتبها بعد خمسمائة عام في بحثه التأسيسي عن الأخلاق.

لكني لم أجد حتى الآن شخصًا جسد هذه الحقائق الصعبة ومارسها عمليًا على نحوٍ أصدق من طبيب الأعصاب البريطاني (أوليفر ساكس) (09 يوليو 1933 – 30 أغسطس 2015).

لقد واجه الموت مباشرةً بفضول ينم عن الشجاعة وشفافية مشرقة في أحد مقالاته في جريدة نيويورك تايمز، وتم جمع تلك المقالات بعد موته في كتاب صغير يمنح الأمل في الحياة باسم العرفان بالجميل (المكتبة العامة)، ويمثل هذا الكتاب هدية الفراق الرائعة التي توضح لنا ما يتسم به الطبيب (ساكس) من حكمة وود بخصوص أسلوب العيش وكرامة الموت، وقام تحرير ذلك الكتاب شريك (ساكس) الكاتب والمصور (بيل هايز) وصديقه ومساعدة على مدى ثلاثين عامًا (كيت إدغار).

فبعد أن علم الطبيب (ساكس) -الذي لن يُعوّض- بالتشخيص النهائي لمرضه نجده ينعم النظر في أعماق الوجود من منبر تلك الحياة الحلوة والمرة في الوقت ذاته التي كانت طويلة لتدنو من نهايتها على حين غرة وعلى الفور كحياة محدودة:

لقد أصبحت واعياً بشكل متزايد. على مدى العشر سنوات الأخيرة تقريبًا, بحالة الموت بين معاصريّ، إن الجيل الذي أنتمي له في طريقه إلى الزوال، فكنت أشعر بأن كل وفاةٍ تمثل توقفًا مفاجئًا وانتزاعًا لجزءٍ من ذاتي، إننا لن نُعوَّض عندما نرحل، ولكن لا يوجد شخص مثل شخص آخر، مطلقًا، فعندما يموت البشر فإنهم لا يُعوَّضون، فهم يتركون خلفهم ثغرات لا يمكن ملئها، لأنه قُدِّر لكل إنسان ـــــ من الناحية الوراثية والعصبية ــــ أن يكون فريدًا، وأن يكون له طريقه الخاص في الحياة وأن يعيش حياته الخاصة وأن يموت ميتته الخاصة.

ومع دنو نهاية طريقه الخاص في الحياة، وهي تلك النهاية التي نجح في تجنبها بشق الأنفس منذ عقودٍ مضت عندما تمكن من إنقاذ حياته بالأدب والغناء، فيقول:

لا يمكنني التظاهر بعدم الخوف، ولكن الشعور الذي يسيطر عليّ هو العرفان بالجميل، لقد أحببت وكنت محبوبًا، لقد حصلت على الكثير وقدمت شيئًا في المقابل، لقد مارست القراءة وسافرت ومارست التفكير والكتابة، لقد اتصلت بالعالم، ذلك الاتصال الخاص للكتاب والقراء.

وفوق كل ذلك كنت كائنًا حساسًا، حيوانًا مفكرًا على هذا الكوكب الجميل، وكان ذلك في حد ذاته امتيازًا كبيرًا ومغامرة لا مثيل لها.


[المصدر]

 

 

كي ميللر، الكتاب الذي يطارد أفكاره بينما يلعب “كاندي كراش”

2560

في الثاني من شهر يوليو 2016، نشر الشاعر الجاميكي (كي ميلر) مقالة في صحيفة (الغارديان) الشهيرة، ننقلها لكم بترجمة حصرية لدى ساقية. يقول (ميلر) في مقالته:

” لطالما حسدت الكتّاب الذين يعرفون أفضل الساعات بالنسبة لهم”

يبدو السؤال بسيطاً كفاية- كيف يبدو روتين يومي أثناء الكتابة؟

ثم ماذا؟

هناك وزن وثقل خلف هذا السؤال، هناك شيء يشبه القلق، شيء يكبر ويلتهم.

هل لدينا حتى أيام للكتابة؟

أنا لست متأكدا دائماً. أعمالي أو أدلتي الملموسة تقول أني أنجزت تسعة كتب على الأقل، خلال عشرة أعوام بالإضافة إلى المقالات والمراجعات والمدونات والمحاضرات. حتى انيّ أنجزت شبه دكتوراه غير عملية، شيء ما عن طريقة ممارسة الرسائل في جميع أنحاء منطقة البحر الكاريبي بين عامي 1900 و 2000.

عشر سنوات إذاً. (3652) يوماً. البعض منها – في الواقع، عدد كبير جداً منها – كان حتماً مخصصاً للكتابة . ولكنني حتى الآن لا يوجد لدي أي نمط، لا روتين، لا شكل واضح أستطيع أن أفكر بوصفه كيوم مثالي و خاص للكتابة.

بالنسبة لهم الأيام هي تلك الأشياء الرائعة – مقسمة على ساعاتهم ودقائقهم مثل شرائح سعادة من كعكة عيد الميلاد. هناك الكتاّب الذين يعرفون الساعات الأفضل لهم للكتابة – في الهدوء، في الصباح دون إزعاج، أو بعد الظهر عندما يكون كل شيء مستيقظاً بما في ذلك أفكارهم – بالإضافة إلى ساعاتهم التي تُحفظ لأمورهم الأخرى: تسلية حل الكلمات المتقاطعة، جولات المشي، استعادة الأطفال من المدرسة، النوم. أحسد حقاً هؤلاء الكتاب.

حتى الكتابة على فترات، عندما تأتيني، لا تأتي بدقة. يحدث ان تمتد عبر أيام، من العاشرة ليلاً إلى الخامسة صباحاً، لن أذهب إلى النوم إلا عندما أرى اشراق السماء, مصاحباً لذلك الصوت المفاجئ في رأسي, صوت التحذير لأمرأة الكاريبي القديمة: “لا تجعل غَدك يقبض عليك وأنتَ تنظر للأمس”

أذهب إلى النوم بعد ذلك، ولكنه نوم قلق، لأستيقظ بعد بضع ساعات في وقت لاحق للكتابة مرةً أخرى – نمط هذا اليوم الجديد سيختلف عن اليوم السابق. يمكن أن لا يكون لي حتى مساحة للكتابة. أحياناً في المنزل، أو في مكتبي على الكمبيوتر،  ومرات أخرى ستكون في السرير على لابتوبي المحمول، وأحياناً  في المقاهي، أو في صالات المطارات ذات مكبرات الصوت العالية.

عندما أكتب، أكتب بشراسة، ربما كتعويض عن العديد من أيام عدم الكتابة القادمة . هناك الكثير من الملهيات. وأستسلم لها جميعاً. وأود أن أقول لك أن لدي تسليات نبيلة مثل: مثل إعادة قراءة الكلاسيكيات، والبحث الدؤوب. ولكنني لستُ كذلك. كذبت عليك. أنا أنصرف عن الكتابة بسبب البرامج التلفزيونية السيئة لتلفزيون الولايات المتحدة الوطني، بسبب أهم الأخبار في الصحف الجامايكية في بلدي، وبسبب (كاندي كراش)! “يا إلهي إنني أعترف بذلك”.

بالمجمل أنا كاتب منتج, ولكن فقط معلومات الأنترنت تثبت ذلك, تسعة كتب حتى الآن. أما أنا فأستيقظ كل صباح وكأني مفزوع, وكأني أتأكد أن تلك المؤلفات ليست حلم, كما لو أني أذّكر نفسي كل مرة: “نعم. هذه حقيقة.. هذا ما أنجزته أنا !!”.

إذا لم تمتلئ معظم الأيام بالكتابة، فإنها ستمتلئ بالتفكير فيها – للتفكير في جمل لم تكتب بعد، لمحاولة  تذوقها على لساني، لمحاولة اكتشاف إيقاعها، توقفها وجريانها. أو سأقضي تلك الأيام الفارغة في مطاردة فكرة غريبة، ودائماً ما سأتخيل طريقة صيد الجمايكيين القدامى للخنازير البرية في الأدغال. أريد الإمساك بهذه الفكرة كطريدة، لانتزاع عنقها ثم خبطها على طاولة الكتابة مثل جراح مجنون، يبدو الأمر كما لو أني أتخيل كم من القصائد والقصص والمقالات ستخرج من أحشاء تلك الفكرة؟. في معظم الأيام لن أتمكن من أنتزاع أي شيء. معظم الأيام ستنزلق من يدي، سأشخر حينها بسعادة تحت الأشجار المظللة. سأذهب إلى الفراش معظم الليالي بخيبة أمل، ولكن سأقول للصوت خلف الأدغال أبتعد عني الآن.. وغداً.. غداً فقط سوف أمسك بك..

” أنا كاتب منتج – ذكرت لك ذلك في البداية- ولكني أعلم أني العكس، ولم أكن أبداً كاتباُ منضبط. أنا الكاتب الذي يعيش مع ثقل دائم وراءه.. شيء كبير ومزعج. وهو: القلق”.


[المصدر]