أرشيف الكاتب

اندريه تاركوفيسكي و “النحت في الزمن “

image-w1280

أندري تاركوفسكي (1932-1986) مخرج وممثل وكاتب روسي، و منظر سينمائي ومدير أوبرا. ولد (تاركوفسكي) في مدينة زفراجيه الروسية الواقعة على ضفاف نهر الفولغا، والده هو الشاعر الروسي (أرسيني تاركوفسكي)، والدته (مايا ايفانوفنا فيشيناكفا). يعدّ (تاركوفيسكي) أيقونة سينمائية مهمة جداً ويُعتبر من أفضل المخرجين في تاريخ السينما . له العديد من الأفلام مثل (طفولة إيفان) عا 1962 و(المرآة) عام 1975. صدر له أيضاً عدداً من المؤلفات منها (النحت في الزمن) عام 1986 والذي ناقش فيه آراؤه حول السينما و صناعة الأفلام، و شارك فيه بعض تأملاته في أفلامه.
يعتبر (تاركوفيسكي) نفسه شاعراً أكثر من كونه مخرجاً و تربطه علاقة قوية بالشعر، وفي واحد من آرائه جاء:

ﺣﻴﻦ ﺃﺗﺤﺪﺙ ﻋﻦ ﺍﻟﺸﻌﺮ ﻓﺈﻧﻨﻲ ﻻ ﺃﻧﻈﺮ إليه ﻛﻨﻮﻉ ﺃﺩﺑﻲ. ﺍﻟﺸﻌﺮ ﻫﻮ ﺍﻟﻮﻋﻲ ﺑﺎﻟﻌﺎﻟﻢ، ﻃﺮﻳﻘﺔ ﺧﺎﺻﺔ ﻟﻼﺗﺼﺎﻝ ﺑﺎﻟﻮﺍﻗﻊ. ﻫﻜﺬﺍ ﻳﺼﺒﺢ ﺍﻟﺸﻌﺮ ﻓﻠﺴﻔﺔ ﺗﺮﺷﺪ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻃﻮﺍﻝ ﺣﻴﺎﺗﻪ.

في نظره فإن لكل نوع من أنواع الفنون قيمته الخاصة و أغراضه الخاصة التي يقدمها للبشري:

ﻟﻜﻞ ﻓﻦ ﻣﻌﻨﺎﻩ ﺍﻟﺸﻌﺮﻱ ﺍﻟﺨﺎﺹ، ﻭ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎ ليست استثناء. ﺇﻥ ﻟﻬﺎ ﺩﻭﺭﺍً ﺧﺎصاً، ﻗﺪﺭﺍً ﺧﺎﺻﺎً. ﻟﻘﺪ ﻧﺸﺄﺕ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎ ﻣﻦ أﺟﻞ ﺃﻥ ﺗﻌﺒّﺮ ﻋﻦ ﻣﺠﺎﻝ ﻣﻌﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﻣﻌﻨﺎﻫﺎ، ﺣﺘﻰ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻮﻗﺖ، ﻟﻢ ﻳﺠﺪ ﺗﻌﺒﻴﺮﻩ ﻓﻲ ﺃﻱ ﺷﻜﻞ ﻓﻨﻲ ﻗﺎﺋﻢ. ﻛـﻞ ﺷـﻲء ﺟﺪﻳـﺪ ﻓـﻲ ﺍﻟﻔـﻦ ﺍﻧﺒﺜﻖ ﺍﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﻟﺤﺎﺟﺔ ﺭﻭﺣﻴﺔ، ﻭﻭﻇﻴﻔﺘﻪ ﺃﻥ ﻳﻄﺮﺡ ﺗﻠﻚ ﺍﻷﺳﺌﻠﺔ ﺍﻟﺘـﻲ ﻫـﻲ ﻣﺘﺼـﻠﺔ ﻋﻠـﻰ ﻧﺤﻮ ﺑﺎﺭﺯ ﻭﺭﻓﻴﻊ ﺑﺰﻣﻨﻨﺎ. ﻟﻘﺪ ﻧﺸﺄﺕ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎ ﻣﻦ أﺟﻞ ﺃﻥ ﺗﻌﺒّﺮ ﻋﻦ ﻣﺠﺎﻝ ﻣﻌﻴﻦ ﻣـﻦ ﺍﻟﺤﻴـﺎﺓ ﺍﻟﺘـﻲ ﻣﻌﻨﺎﻫـﺎ، ﺣﺘﻰ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻮﻗﺖ، ﻟﻢ ﻳﺠﺪ ﺗﻌﺒﻴﺮﻩ ﻓﻲ ﺃﻱ ﺷﻜﻞ ﻓﻨﻲ ﻗﺎﺋﻢ. ﻛـﻞ ﺷـﻲء ﺟﺪﻳـﺪ ﻓـﻲ ﺍﻟﻔـﻦ ﺍﻧﺒﺜﻖ ﺍﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﻟﺤﺎﺟﺔ ﺭﻭﺣﻴﺔ، ﻭﻭﻇﻴﻔﺘﻪ ﺃﻥ ﻳﻄﺮﺡ ﺗﻠﻚ ﺍﻷﺳﺌﻠﺔ ﺍﻟﺘـﻲ ﻫـﻲ ﻣﺘﺼـﻠﺔ ﻋﻠـﻰ ﻧﺤﻮ ﺑﺎﺭﺯ ﻭﺭﻓﻴﻊ ﺑﺰﻣﻨﻨﺎ.

و قد بيّن (تاركوفيسكي) الفرق بين السينما و الأدب، و إمكانيات تحويل المادة الأدبية إلى مادة فيلميّة:

ﻓــﻲ ﺍﻟﺒــﺪء ﻳﺘﻌــﻴﻦ ﻋﻠــﻲ ﺍﻟﻘــﻮﻝ ﺑــﺄﻥ ﻟــﻴﺲ ﻛــﻞ عمل ﻧﺜــﺮﻱ ﻗﺎﺑــﻞ ﻟﻠﺘﺤﻮﻳــﻞ ﺍﻟــﻰ ﺍﻟﺸﺎﺷﺔ. ﺑﻌﺾ ﺍﻷﻋﻤﺎﻝ ﺍﻷﺩﺑﻴﺔ ﺫﺍﺕ ﻭﺣﺪﺓ ﻛﺎﻣﻠﺔ، ﺗﺤﺘﻮﻱ ﻋﻠﻰ ﺻﻮﺭ ﺃﺩﺑﻴﺔ ﺃﺻﻴﻠﺔ ﻭﺩﻗﻴﻘﺔ، ﻭﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺎﺕ ﻣﺮﺳﻮﻣﺔ ﺑﺤﻴﺚ ﺗﺤﻤﻞ ً ﻻ ﻳﺴـﺒﺮ ﻏﻮﺭﻫـﺎ، ﻭﻟﻠﺘﻜـﻮﻳﻦ ﻗـﺪﺭﺓ ﺍﺳـﺘﺜﻨﺎﺋﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﻓﺘﺎﻥ. ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ­ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻬﺎﻳﺔ  ﻫﻮ ﻛﻞ ﻻ ﻳﺘﺠﺰﺃ، ﻭﻋﺒﺮ ﺍﻟﺼﻔﺤﺎﺕ ﺗﻮﺟﺪ ﺍﻟﺬﺍﺗﻴـﺔ ﺍﻟﻔـﺬﺓ ﻭﺍﻟﻤﺪﻫﺸﺔ ﻟﻠﻤﺆﻟﻒ. ﺇﻥ ﻛﺘﺒﺎً ﻛﻬﺬﻩ ﺗﻌﺪ ﺗﺤﻔﺎ ﻓﻨﻴﺔ، ﻭﻓﻘﻂ ﺫﺍﻙ ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﺒﺪﻱ ﺍﻛﺘﺮﺍﺛـﺎً ﺑـﺎﻟﻨﺜﺮ ﺍﻟﺮﻓﻴﻊ ﻭﺑﺎﻟﺴﻴﻨﻤﺎ ﻣﻌﺎً ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺘﺼﻮﺭ ﺇﻣﻜﺎﻧﻴﺔ ﺗﺤﻮﻳﻠﻬﺎ إﻟﻰ ﺍﻟﺸﺎﺷﺔ. ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻬﻢ ﻫﻨﺎ ﺗﻮﻛﻴﺪ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻨﻘﻄﺔ ﻷﻥ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﻗﺪ ﺣﺎﻥ ﻟﻔﺼـﻞ ﺍﻷﺩﺏ عن ﺍﻟﺴـﻴﻨﻤﺎ ﻧﻬﺎﺋﻴﺎً ﻭﻋﻠﻰ ﻧﺤﻮ ﺣﺎﺳﻢ. ﺑﻌــﺾ ﺍﻷﻋﻤــﺎﻝ ﺍﻟﻨﺜﺮﻳــﺔ ﻣﺒﻨﻴــﺔ ﺑﻮﺍﺳــﻄﺔ ﺍﻷﻓﻜــﺎﺭ، ﻭﻭﺿــﻮﺡ ﻭﻣﺘﺎﻧــﺔ ﺍﻟﺒﻨــﺎء، ﻭﺟــﺪﺓ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻉ. ﻛﺘﺎﺑﺔ ﻛﻬﺬﻩ ﻻ ﺗﺒﺪﻭ ﻣﻌﻨﻴﺔ ﺑـﺎﻟﺘﻄﻮﺭ ﺍﻟﺠﻤـﺎﻟﻲ ﻟﻠﻔﻜـﺮ ﺍﻟـﺬﻱ ﺗﺘﻀـﻤﻨﻪ.

من ناحية أخرى تحدّث (تاركوفيسكي) عن تأرجح السينما بين أن يكون مادة فنية لها معناها السامي و بين أن يكون سلعة تجارية الغرض الأساسي منها تحقيقة الربح فيكفّ بذلك عن تحقيق غاياته التي نشأ من أجلها:

ﻣﻮﻗﻊ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎ ﺍﻟﻤﻠﺘﺒﺲ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻔﻦ ﻭﺍﻟﺼﻨﺎﻋﺔ ﻳﻔﺴﺮ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻷﺷﻴﺎء ﺍﻟﺸﺎﺫﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺒﺪﻉ ﻭﺍﻟﺠﻤﻬﻮﺭ.ﺍﻧﻄﻼﻗﺎً ﻣﻦ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ، ﺍﻟﻤﺴـﻠﻢ ﺑﻬـﺎ ﻋﻠـﻰ ﻧﺤـﻮ ﻋـﺎﻡ، ﺃﺭﻳﺪ ﺃﻥ ﺍﻧﻈﺮ إﻟﻰ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﺃﻭ ﺇﺛﻨﺘﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﺼﻌﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻮﺍﺟـﻪ ﺍﻟﺴـﻴﻨﻤﺎ، ﻭﺍﺳـﺘﻨﻄﻖ ﺑﻌـﺾ ﻧﺘﺎﺋﺞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻮﺿﻊ. ﻛﻞ ﺻﻨﺎﻋﺔ، ﻛﻤﺎ ﻧﻌﻠﻢ، ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻗﺎﺑﻠﺔ ﻟﻠﺤﻴﺎﺓ ﻭﻟﻠﻨﻤﻮ.ﻭﻟﻜﻲ ﺗﻌﻤـﻞ ﻭﺗﺘﻄـﻮﺭ، ﻳﻜﻔﻲ ﺃﻥ ﺗﺴﺘﺮﺟﻊ ﻣﺎ ﺃﻧﻔﻘﺘﻪ ﺑﻞ ﺃﻥ ﺗﺤﻘـﻖ ﺭﺑﺤـﺎً ﻣﺆﻛـﺪﺍً. والفيلم بوصفه ﺳـﻠﻌﺔ، ﻗـﺪ ﻳــﻨﺠﺢ ﺃﻭ ﻳﻔﺸــﻞ، ﻭﻗﻴﻤﺘــﻪ ﺍﻟﺠﻤﺎﻟﻴــﺔ ﺗﺘﻮﻃــﺪ ﻋﻠــﻰ ﻧﺤــﻮ ﻣﺘﻨــﺎﻗﺾ ﻇﺎﻫﺮﻳــﺎ، ﻭﻓﻘــﺎ ﻟﻠﻌــﺮﺽ ﻭﺍﻟﻄﻠﺐ، ﻭﺣﺴﺐ ﻗﻮﺍﻧﻴﻦ ﺍﻟﺴﻮﻕ ﺍﻟﺼﺮﻳﺤﺔ. ﻭﺗﺠﺪﺭ ﺍﻹﺷﺎﺭﺓ ﻫﻨﺎ ﺇﻟﻰ أﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﺘﻌﺮﺽ ﻓﻦ ﺁﺧﺮ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎ ﺍﻟﻰ ﻣﺜﻞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻮﻉ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﺮﻭﻁ ﻭﺍﻟﻤﻌﺎﻳﻴﺮ. ﻭﻃﺎﻟﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎ ﺗﻈﻞ ﻓﻲ ﻭﺿﻌﻬﺎ ﺍﻟﺤﺎﻟﻲ ﻓﺴﻮﻑ ﻟﻦ ﻳﻜﻮﻥ ﺳـﻬﻼً ﺃﺑـﺪﺍً ﻟﻠﻌﻤـﻞ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎﺋﻲ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﺃﻥ ﻳﺮﻯ ﺍﻟﻨﻮﺭ، ﻭﻟﻴﺲ ﻓﻘﻂ ﺃﻥ ﻳﺼﻞ ﺍﻟﻰ ﺟﻤﻬﻮﺭ ﺃﻭﺳﻊ.
ﻃﺒﻌﺎً ﺍﻟﻤﻘﺎﻳﻴﺲ ﺍﻟﻤﻌﺘﻤﺪﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺑﻮﺍﺳـﻄﺘﻬﺎ ﻳﺘﻤﻴـﺰ ﺍﻟﻔﻨـﻲ ﻋـﻦ ﺍﻟﻼﻓﻨـﻲ ﺃﻭ ﺍﻟﺰﺍﺋـﻒ ﻫﻲ ﻧﺴﺒﻴﺔ، ﻏﻴﺮ ﻭﺍﺿﺤﺔ، ﻭﻳﺘﻌـﺬﺭ ﺍﻟﺒﺮﻫﻨـﺔ ﻋﻠﻴﻬـﺎ إلـﻰ ﺣـﺪّ ﺃﻥ ﻻ ﺷـيء ﻳﻤﻜـﻦ ﺃﻥ ﻳﻜـﻮﻥ ﺃﺳﻬﻞ ﻣﻦ ﺍﺳـﺘﺒﺪﺍﻝ ﺍﻟﻤﻌـﺎﻳﻴﺮ ﺍﻟﺠﻤﺎﻟﻴـﺔ ﺑﻤﻘـﺎﻳﻴﺲ ﻣﻨﻔﻌﻴـﺔ ﻣﺤﻀـﺔ ﻓـﻲ ﺍﻟﺘﻘﻴـﻴﻢ، ﻭﻫـﺬﻩ ﺍﻟﻤﻘﺎﻳﻴﺲ ﺗﻤﻠﻴﻬﺎ ﺍﻟﺮﻏﺒﺔ ﻓﻲ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺃﺿﺨﻢ ﺭﺑﺢ ﻣـﺎﻟﻲ ﻣﻤﻜـﻦ ﺃﻭ ﺑـﺪﺍﻓﻊ ﺇﻳـﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻲ ﻣـﺎ ،ﻭﻛﻼﻫﻤﺎ، ﻋﻠﻰ ﺣﺪ ﺳﻮﺍء، ﺑﻌﻴﺪ ﺗﻤﺎﻣﺎً ﻋﻦ ﻏﺎﻳﺔ الفن؟

فيما بعد أكمل متسائلاً عن العوامل التي توجّه ذوق الجمهور و ما يريده من السينما:

ﺑــﺎﻟﻄﺒﻊ ﺍﻟﻌﻮﺍﻣــﻞ ﺍﻟﺴﻮﺳــﻴﻮﻟﻮﺟﻴﺔ (ﺍﻹﺟﺘﻤﺎﻋﻴــﺔ)ﺗﻠﻌــﺐ ﺩﻭﺭﺍً ﻫﻨــﺎ، ﻭﺇﻻ ﻟــﻢ ﺗﺘﻮﺟــﻪ ﺟﻤﺎﻋﺎﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ إﻟﻰ ﺍﻟﻔﻦ ﻣﻦ أﺟﻞ ﺍﻟﺘﺴﻠﻴﺔ ﻓﻘﻂ، ﻓﻲ ﺣﻴﻦ ﻳﺒﺤﺚ ﺁﺧـﺮﻭﻥ ﻋـﻦ ﺣـﻮﺍﺭ ﻓﻜﺮﻱ؟ ﻟﻤﺎﺫﺍ ﻳﻘﺒﻞ ﺍﻟﺒﻌﺾ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻫﻮ ﺳﻄﺤﻲ ﻭ”ﺟﻤﻴﻞ” ﻇﺎﻫﺮﻳﺎً ﻛﺸﺊ ﺣﻘﻴﻘـﻲ ﻣـﻊ ﺍﻧـﻪ ﺳﻮﻗﻲ ﻭﺭﺩﺉ ﻭﻣﺒﺘﺬﻝ ﻭﻓﻆ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻫﻨﺎﻙ ﺁﺧﺮﻭﻥ ﻣﺆﻫﻠـﻮﻥ ﻟﺘﻠﻘـﻲ ﺍﻟﺘﺠﺮﺑـﺔ ﺍﻟﺠﻤﺎﻟﻴـﺔ ﻋﻠـﻰ ﻧﺤﻮ ﺣﻘﻴﻘﻲ؟ﺃﻳﻦ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﻧﺒﺤـﺚ ﻋـﻦ ﺃﺳـﺒﺎﺏ ﺍﻟﺼـﻤﻢ ﺍﻟﺠﻤـﺎﻟﻲ –ﻭﺍﻷﺧﻼﻗـﻲ ﺃﺣﻴﺎﻧـﺎً – ﻷﻋﺪﺍﺩ ﺿﺨﻤﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ ؟ﺫﻧﺐ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ؟ ﻭﻫﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻤﻜﻦ ﻣﺴﺎﻋﺪﺓ ﻣﺜﻞ ﻫـﺆﻻء ﺍﻟﻨـﺎﺱ ﻋﻠﻰ ﺍﻛﺘﺸﺎﻑ ﺍﻹﻟﻬﺎﻡ ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻝ ﻭﺍﻟﺒﻮﺍﻋﺚ ﺍﻟﻨﺒﻴﻠﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻄﻠﻘﻬـﺎ ﺃﻭ ﻳﺜﻴﺮﻫـﺎ ﺍﻟﻔـﻦ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘـﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻔﺲ؟

أمّا عن الزمن و أشكاله وخصائصه، و دوره في التجربة الإنسانية فقد كتب:

ﻳﻘﺎﻝ ﺃﻥ ﺍﻟﺰﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﻗﺎﺑـﻞ ﻟﻺﻟﻐـﺎء، ﻭﻫـﺬﺍ ﺻـﺤﻴﺢ ﺗﻤﺎﻣـﺎً ﺇﺫﺍ ﻛـﺎﻥ ﻳﺘﺼـﻞ ﺑﺎﻟﻤﺎﺿـﻲ، ﺑﻤﻌﻨﻰ ﺃﻧﻚ “ﻻ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﺗﻌﻴﺪ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ” ﻛﻤـﺎ ﻳﻘﻮﻟـﻮﻥ. ﻟﻜـﻦ ﻣـﺎ ﻫـﻮ ﻫـﺬﺍ “ﺍﻟﻤﺎﺿـﻲ” ﺑﺎﻟﻀﺒﻂ ؟ ﻫﻞ ﻫﻮ ﻣﺎ ﻗﺪ ﻣﻀﻰ؟ ﻭﻣﺎ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﻨﻴﻪ “ﻣﻀﻰ” ﻟﻠﺸﺨﺺ ﺣﻴﻦ ﻳﻜـﻮﻥ ﺍﻟﻤﺎﺿـﻲ، ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻜﻞ ﻭﺍﺣﺪ ﻣﻨﺎ، ﻫﻮ ﺍﻟﺤﺎﻣﻞ لكل ﻣﺎ ﻫـﻮ ﻣﺴـﺘﻤﺮ ﻓـﻲ ﻭﺍﻗـﻊ ﺍﻟﺤﺎﺿـﺮ، ﻟﻜـﻞ ﻟﺤﻈـﺔ ﺟﺎﺭﻳﺔ ؟ ﺑﻤﻌﻨـﻰ ﻣـﺎ، ﺍﻟﻤﺎﺿـﻲ ﺃﻛﺜـﺮ ﺣﻘﻴﻘﻴـﺔ، ﺃﻛﺜـﺮ ﺭﺳـﻮﺧﺎً ﻭﺍﺳـﺘﻘﺮﺍﺭاً، ﺃﻛﺜـﺮ ﻣﺮﻭﻧـﺔ ﻣـﻦ ﺍﻟﺤﺎﺿﺮ. ﺍﻟﺤﺎﺿﺮ ﻳﻨﺰﻟﻖ ﻭﻳﺘﻼﺷﻰ ﻛﺎﻟﺮﻣﻞ ﺑﻴﻦ ﺍﻷﺻﺎﺑﻊ، ﻣﺤﺮﺯﺍً ﺛﻘﻼً ﻣﺎﺩﻳﺎً ﻓﻘـﻂ ﻓـﻲ ﺗـﺬﻛﺮﻩ. ﺇﻥ ﺧﻮﺍﺗﻢ ﺍﻟﻤﻠﻚ ﺳـﻠﻴﻤﺎﻥ ﻛﺎﻧـﺖ ﺗﺤﻤـﻞ ﻫـﺬﺍ ﺍﻟﻜـﻼﻡ ﺍﻟﻤﻨﻘـﻮﺵ “ﺍﻟﻜـﻞ ﺳـﻮﻑ ﻳﻤﻀـﻲ“. ﺑﺎﻟﺘﺒﺎﻳﻦ ﻣﻊ ﻫﺬﺍ، ﺃﺭﻳﺪ ﺃﻥ ﺃﻭﺟﻪ ﺍﻻﻧﺘﺒـﺎﻩ إلى ﻛﻴﻔﻴـﺔ ﺍﺭﺗـﺪﺍﺩ ﺍﻟـﺰﻣﻦ ﻭﻋﻮﺩﺗـﻪ إلى ﺍﻟـﻮﺭﺍء. ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﻟﻠﺰﻣﻦ ﺃﻥ ﻳﺰﻭﻝ ﺑﻼ ﺃﺛﺮ، ﻧﻈﺮﺍً ﻷﻧﻪ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺫﺍﺗﻲ، ﺭﻭﺣﻲ. ﺍﻟﺰﻣﻦ ﺍﻟﺬﻱ ﻋﺸﻨﺎﻩ ﻳﺴـﺘﻘﺮ ﻓﻲ ﺭﻭﺣﻨﺎ ﻛﺘﺠﺮﺑﺔ ﻣﻮﺿﻮﻋﺔ ﺩﺍﺧﻞ ﺍﻟﺰﻣﻦ.

بحث تاركوفيسكي في تشكّل المعرفة الإنسانية ، و دور الفن في تحقيق ذلك

ﺑﺎﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ، ﻛﻞ ﻓﺮﺩ ﻳﺨﺘﺒﺮ ﻟﻨﻔﺴﻪ ﻋﻤﻠﻴﺔ ﻣﻌﺮفة ﺍﻟـﺬﺍﺕ ﻓﻴﻤـﺎ ﻫـﻮ ﻳﺘﻮﺻـﻞ ﺇﻟﻰ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻭﻧﻔﺴﻪ ﻭﺃﻫﺪﺍﻓﻪ. ﺑﺎﻟﻄﺒﻊ، ﻛـﻞ ﺷـﺨﺺ ﻳﺴـﺘﻔﻴﺪ ﻣـﻦ ﺧﻼﺻـﺔ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓـﺔ ﺍﻟﻤﺘﺮﺍﻛﻤﺔ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﺠﻨﺲ ﺍﻟﺒﺸﺮﻱ، ﻟﻜﻦ ﻣـﻊ ذلك ﻓـﺈﻥ ﺗﺠﺮﺑـﺔ ﻣﻌﺮﻓـﺔ ﺍﻟـﺬﺍﺕ ﺍﻷﺧﻼﻗﻴـﺔ ﻭﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔ ﻫﻲ ﺍﻟﻐﺎﻳﺔ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻟﻜـﻞ ﻓـﺮﺩ. و ذاتياً، ﻫـﻲ ﻣﺨﺘﺒـﺮﺓ ﻓـﻲ ﻛـﻞ ﻣـﺮﺓ ﺑﻮﺻﻔﻬﺎ ﺷﻴﺌﺎً ﺟﺪﻳﺪﺍً . ﺇﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻳﻘﻴﻢ، ﺍﻟﻤﺮﺓ ﺗﻠـﻮ ﺍﻷﺧـﺮﻯ، ﻋﻼﻗـﺔ ﻣﺘﺒﺎﺩﻟـﺔ ﺑـﻴﻦ ﻧﻔﺴـﻪ ﻭﺍﻟﻌﺎﻟﻢ، ﻭﻳﺮﻫﻘﻪ ﺍﻟﺘﻮﻕ إلى ﺇﺣﺮﺍﺯ، ﻭﺍﻟﺘﻮﺣﺪ ﻣﻊ، ﺍﻟﻤﺜﺎﻝ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻜﻤﻦ ﺧﺎﺭﺟﻪ، ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻳﻔﻬﻤﻪ ﻛﻀﺮﺏ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﺍﻷﻭﻝ ﺍﻟﻤﺪﺭﻙ ﺑﺎﻟﺤﺪﺱ. ﺇﻥ ﺍﺳﺘﺤﺎﻟﺔ ﺇﺣﺮﺍﺯ ﺃﻭ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺘﻮﺣﺪ، ﻭﻋﺪﻡ ﻛﻔﺎﻳﺔ”ﺃﻧﺎﻩ” ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ، ﻫﻮ ﺍﻟﻤﺼﺪﺭ ﺍﻟﺪﺍﺋﻢ ﻟﺸﻌﻮﺭ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺑﺎﻷﻟﻢ ﻭﻋﺪﻡ ﺍﻹﺷﺒﺎﻉ. ﻫﻜﺬﺍ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻔﻦ، ﻣﺜﻞ ﺍلعلم، ﻭﺳﻴﻠﺔ ﻻﺳـﺘﻴﻌﺎﺏ ﺍﻟﻌـﺎﻟﻢ، ﻭﺍﺳـﻄﺔ ﻟﻤﻌﺮﻓـﺔ ﺍﻟﻌـﺎﻟﻢ، ﺃﺛﻨﺎء ﺭﺣﻠﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻧﺤﻮ ﻣﺎ ﻳﺴﻤﻰ “ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﻤﻄﻠﻘـﺔ“. ﻣـﻦ ﺟﻬـﺔ ﺃﺧـﺮﻯ، ﺫﻟـﻚ ﻳﺸـﻜﻞ ﻧﻬﺎﻳﺔ ﺃﻱ ﺗﻤﺎﺛﻞ ﺑﻴﻦ ﻫﺬﻳﻦ ﺍﻟﺘﺠﺴﻴﺪﻳﻦ (ﺍﻟﻔـﻦ ﻭﺍﻟﻌﻠـﻢ) ﻟﻠـﺮﻭﺡ ﺍﻹﻧﺴـﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﺨﻼﻗـﺔ، ﺍﻟﺘـﻲ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻻ ﻳﻜﺘﺸﻒ ﻓﺤﺴﺐ، ﺑﻞ ﻳﺨﻠﻖ.
ﺑﻮﺍﺳﻄﺔ ﺍﻟﻔﻦ، ﻳﺴـﻴﻄﺮ ﺍﻹﻧﺴـﺎﻥ ﻋﻠـﻰ ﺍﻟﻮﺍﻗـﻊ ﻣـﻦ ﺧـﻼﻝ ﺍﻟﺘﺠﺮﺑـﺔ ﺍﻟﺬﺍﺗﻴـﺔ. ﻓـﻲ ﺍﻟﻌﻠﻢ، ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻟﻠﻌﺎﻟﻢ ﺗﺘﺠﻪ ﺻﺎﻋﺪﺓ ﺳﻠّﻤﺎً ﻻ نهائياً، ﻭﻫـﻲ ﺗُﺴـﺘﺒﺪﻝ، ﻋﻠـﻰ ﻧﺤـﻮ ﻣﺘﻮﺍﻝ، ﺑﻤﻌﺮﻓﺔ ﺟﺪﻳﺪﺓ، ﺣﻴﺚ كل ﺍﻛﺘﺸﺎﻑ ﻏﺎﻟﺒﺎ ﻣﺎ ﻳﺪﺣﻀﻪ ﺍﻛﺘﺸﺎﻑ ﺁﺧـﺮ ﻣـﻦ أﺟـﻞ ﺑﻠـﻮﻍ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﻣﻮﺿﻮﻋﻴﺔ ﺧﺎﺻﺔ.
ﺍﻻﻛﺘﺸﺎﻑ ﺍﻟﻔﻨﻲ ﻳﺤﺪﺙ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﺮﺓ ﺑﺎﻋﺘﺒﺎﺭﻩ ﺻﻮﺭﺓ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﻭﻓﺮﻳﺪﺓ ﻟﻠﻌﺎﻟﻢ، ﻭﺗﺼﻮﺭاً ﻣﺒﻬﻤﺎً ﻟﻠﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﻤﻄﻠﻘﺔ. ﺇﻧﻪ ﻳﻈﻬﺮ ﻛﻜﺸﻒ، ﻛﺄﻣﻨﻴﺔ ﺧﺎﻃﻔـﺔ ﻭﻣﺘﻘـﺪﺓ ﻟﻠﺴـﻴﻄﺮﺓ ﺣﺪﺳـﻴﺎً ﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﻗﻮﺍﻧﻴﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ: ﺟﻤﺎﻟﻪ ﻭﻗﺒﺤﻪ، ﻭﺩﺍﻋﺘﻪ ﻭﻗﺴﻮﺗﻪ، ﻻ ﺗﻨﺎﻫﻴﻪ ﻭﻣﺤﺪﻭﺩﻳﺘﻪ.
ﺍﻟﻔﻨﺎﻥ ﻳﻌﺒّﺮ ﻋﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﺷﻴﺎء ﺑﺨﻠﻖ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﺍﻟﻜﺎﺷﻔﺔ ﻋﻦ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮﻱ، ﻋﻦ ﺍﻟﻤﻄﻠﻖ. ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﻳﺘﻌﺰﺯ ﺍﻟﻮﻋﻲ ﺑﺎﻟﻼ ﻣﺘﻨﺎﻫﻲ: ﺍﻟﺴﺮﻣﺪﻱ ﺿﻤﻦ ﺍﻟﻨﻬﺎﺋﻲ، ﺍﻟﺮﻭﺣﺎﻧﻲ ﺿـﻤﻦ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ، ﻭﺍﻟﻼ ﻣﺤﺪﻭﺩ ﻳﻜﺘﺴﺐ شكلاً. ﻳﻤﻜﻦ ﺍﻟﻘﻮﻝ ﺃﻥ ﺍﻟﻔﻦ ﺭﻣﺰ ﻟﻠﻜﻮﻥ، ﻧﻈﺮﺍ ﻷﻧﻪ ﻣﺘﺼﻞ ﺑﺘﻠﻚ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﺮﻭﺣﻴﺔ ﺍﻟﻤﻄﻠﻘﺔ، ﺍﻟﻤﺘﻮﺍﺭﻳﺔ ﻋﻨﺎ ﻓﻲ ﺃﻧﺸﻄﺘﻨﺎ ﺍﻟﻮﺿﻌﻴﺔ ﻭﺍﻟﺬﺭﺍﺋﻌﻴﺔ.

ثروت عكاشة يتحدّث عن الفن والحياة

ثروت عكاشة

ثروت عكاشة (1921-2012). كان وزيراً للثقافة و نائب رئيس الوزراء المصري سابقاً، أنشأ أكاديمية الفنون في ١٩٥٩ و يعود له الفضل في تأسيس البنية التحتية للثقافة في مصر و تطويرها، له العديد من المؤلفات في الفنون منها كتاب (الفن و الحياة).

يتحدّث (ثروت) عن الفنون و دورها في تنمية النظام الأخلاقي، و تجاوز وظيفتها من صنع الجمال و خلقه إلى تهذيب النفس الإنسانية:

الفن لا يقف عند إبداع الجمال و تحقيق أسمى متعة للإنسان ، بل ينفذ كذلك إلى أعماقه ليوائم بين أمزجته فيحفظ له اتساق كيانه الداخلي . و يذهب علماء النفس إلى أن ثمة شهوات في النفس تضطرم ، و ما أكثر ما يعاني المرء من كبتها ، و قد يعجز فيسيء إلى المجتمع الذي يعيش فيه بما يندفع إليه من خروج على القوانين و التقاليد ،و قد يفلح فيسيء إلى نفسه بما يجر له من ويلات الكبت . و لم يجد علماء النفس لذلك مخرجاً غير الفنون ، فهي بما تمثّله كفيلة برد النفوس إلى الطمأنينة حين تجد ما تشتهيه و تتخيله بين يديها مرئياً أو مسموعاً

و في الانتقال بين مفردتيّ الفن و الفنان يتساءل (ثروت) عن الفنان ، مؤسساً بذلك سؤالاً مثيراً للجدل فيما إذا كان هو الشخص الذي يخدم نفسه  بعمله الفني أو يخدم المجتمع، ثمَّ يتناول المصادر التي تحفّزه لإنتاج العمل ، إذ أنه لا يوجد فصل بين الظروف التي تحيط بالفنان و بين ما ينتجه:

و لكن ترى من هو الفنان؟ أهو المعبّر عن روح الجماعة التي ينتمي إليها و عمّا تحس به و يجيش في صدورها ؟ أم هو المعبر عن ذاته و آلامه و أحلامه ؟ سواء أكان الفنان هذا أم ذاك ، فهو لا شكّ يستلهم من الزمان الذي يعيش فيه و من البيئة التي يحيا فيها ، و من الأحوال التي تحيط به ، و هو على الحالين معبّر عن نفسه و قومه بل و إنسانيته

وفي انتقالية أخرى ، يسلّط (ثروت) الضوء على دور المتلقّي في إعطاء العمل الفني قيمة أكبر و ذلك من خلال محاولته لفهم العمل الفني و البيئة التي جاء فيها و أهميتها في إثراء المتلقي و استمتاعه بالعمل الفني:

و ما أخطر ألّا يلقي الإنسان بالاً لأعمال الفنان ، ويتعمقها قانعاً بما قرأ ، مجتزئاً به عن أن يتبعه بدراسته . فإن الفن عميق دقيق و على من يرغب في تذوقه أن يكون دقيقاً عميقاً ، ينعم النظر في كل صغيرة و كبيرة ، و يغوص في كل جليلة و ضئيلة ، و أن يحيط بالظروف و الأحوال و البواعث و الحوافز ، عندها سوف يستمتع بالفن متعة رخية واعية

 كما و يتناول موضوع العلاقة التي تربط فيها جودة العمل الفني بين المتلقّي و ما يولّده العمل لديه:

الجودة إذن هي تعبير عن موهبة الفنان و جهده ، غير أنّها ضروؤة للمتلقّي حتى يستقبلها و يفسح لها مجالاً في نفسه ، و هنا يبدأ حوار صامت بين المتلقّي و نوع الإحساس الذي أثاره العمل الفني في وجدانه . و هنا أيضاً يكمن السر الذي يجد فيه العمل مأربه و سرّ وجوده

يتّسم هذا العصر بتطور تكنولوجي هائل ساهم بشكل كبير و ملحوظ في زيادة الاتصال بين الأعمال الفنية و المتلقّي بوسائل كثيرة و مختلفة تتيح له مساحةً أكبر للتفاعل و تطوير الذوق الفني و الشخصية الفردية:

و ما من شكّ في أننا نملك اليوم من أدوات الاتصال و الانتقال و الطباعة ما لم يملكه السلف بالأمس ، و غدا الفرد و هو مستلقٍ في داره يستمتع بما هنا و هناك مطبوعاً أو مصوّراً أو مرئياً على شاشة السينما أو التلفزيون أو الكمبيوتر دون أن يبرح مكانه ، فأصبحنا بهذه الوسائل و الأدوات أقدر على أن نهيئ لأنفسنا ما يذكّي فينا الذوق الفني و يطبعنا على الإحساس به ، فإذا متاحف الفن التي لم تأخذ بالانتشار إلا خلال القرن التاسع عشر تغدو اليوم ذات شأن كبير في المعاونة على استيعاب الأعمال الفنية و دراستها و الموازنة بين بعضها و بعض حتى غدت جزءاً كبيراً من حياة الناس اليومية ، و أصبحت تلك المعروضات الفنية تمثّل شيئاً قائماً بذاته يُضفي عليها مجتمعة طابعاً جديداً

ثمَّ في مكانٍ آخر، يطرح ثروت فكرة (الخروج عن القالب) الذي يقدّم رؤية فنية جديدة مختلفة عن (القالب) الذي التزمه الفنانون لفترات طويلة جعلت من أي انحراف عن المسار المؤسس هو خطأ ارتكبه الفنان بحق الطبيعة ، بينما هو في الحقيقة شيئاً لا بد منه و ضروري لإثارة أفكار بأساليب و طرق جديدة ، و أهمية إعادة النظر في ماهية العلاقة بين الفنان و ما ينتجه ، هل هي خضوع أم تحكّم ؟

غير أننا نرى فناني اليوم يحاولون أن ينظروا إلى العالم نظرة جديدة و كأنهم يرونه لأول مرة ، فإذا هم يتناسون تلك الآراء السابقة عن وردية اللحم البشري ، و صفرة التفاح أو حمرته.  في قدرة الفنان بهذه المحاولة مع ما فيها من كدّ و مشقّة أن يقدّم أعمالاً من الروعة بمكان تضيف إلى جمال الطبيعة جمالاً جديداً لم نكن نحلم يوماً برؤيته و تجعلنا نتنكّر للالتزام بالمألوف الذي يحرمنا من التجديد و الاجتهاد و يفوّت علينا مثل هذه المتعة . إذ أن الفنان الحق هو الذي لا يسلّم نفسه للطبيعة توجهه كيف تشاء ، إنما هو الذي يوجه الطبيعة كيف شاء ، و لا يكون منها بمنزلة التابع ، بل بمنزلة الندّ المنافس

 لكل زمان فنونه ، و رغم الاختلافات التي تحملها  فبينها قواسم مشتركة تصنعها العوامل و الأزمات وكل البيئات التي تظهر في كل زمان ، موحّدة بذلك فنون كل حقبة زمنية طالت أو قصُرت بإطار بشري عام:

فنون كل عصر ترتبط بعضها ببعض ، و تجمع بينها كلها سمات مشتركة نشأت عن الصلات الجامعة بين الفنانين في عصر بعينه فكراً و بيئة ؛ فلقد كانوا يصدرون معاً عن هذه الظروف المتجانسة و إن اختلفوا في الوسيلة و الصياغة .و هذه الظروف التي خلّفت وحدة متكاملة ربطت بين كل مرحلة و المكان الذي توفر فيه من أسباب الحضارة م لم يتوفر في غيره من تلك المرحلة التي أصبح كل ما فيها من نبوغ ينتمي إليها

ما بعد التحوّل، عند كافكا

كافكا

 

ما بعد المسخ عند كافكا // أو التحول و ما يليه عند كافكا // الاغتراب عند كافكا

س كافكا (3 يوليو 18833 يونيو 1924) (بالألمانية: Franz

فرانز كافكا (1883-1924) كاتب تشيكي يُعدّ واحداً من أفضل الأدباء الألمان في فن الرواية والقصة القصيرة، ويعتبر  رائد الكتابة الكابوسية. درس الكيمياء و الحقوق و الأدب في الجامعة الألمانية في براغ.

نُشرت له رواية (التحوّل) في عام 1915، وهي واحدة من أشهر أعمال القرن العشرين وأكثرها تأثيراً حيث تتم دراستها في العديد من الجامعات والكليات في العالم الغربي. تتناول الرواية وصف الحياة اليومية لعائلة (غريغور) الصغيرة بعدما وقع لـ(غريغور)، والحياة اليومية لـ(غريغور) نفسه وهو في هيئته الحشرية المكتسبة وقد بقي وعيه وعواطفه على ما كانت عليه قبل التحول، والتطرّق إلى عوالم الغربة والاغتراب الداخلي في النفس البشرية وعدم الإحساس بالأمان. وقالت المترجمة (سوزان بيرنوفسكي) لموقع لوكال الالماني: “إن المسخ قصة مثلى عملياً”  مشيرة الى ان البداية الغريبة تستحوذ على اهتمام القارئ فيما تتكفّل البقية بابقائه مشدوداً:

إذ استيقظ (غريغور سامسا) ذات صباح، على إثر أحلام سادها الاضطراب، وجد أنه قد تحول و هو في سريره، إلى حشرة عملاقة. كان مستلقياً على ظهره، الصلب مثلما درع، ولما رفع رأسه قليلاً، رأى كرشه، منتفخة، داكنة، تجزِّئها خطوط مقوسة جاسية، والغطاء بالكاد ممدود على أعلاها، ويكاد أن ينزلق عنها كلية. وكانت قوائمه العديدة، والدقيقة بشكل فادح بالنظر إلى ضخامة بدنه، ما تنفكّ تهتز، في حركة يراها ولا يستطيع إزاءها شيئاً.

تعرض (التحوّل) فكرة فقدان التواصل كخطوة أولية في اغتراب الأفراد:

أدرك (غريغور) أن الانعدام التام للتحادث المباشر مع أي إنسان والحياة الرتيبة التي يعيشها في الوسط العائلي، قد تسببتا له بالتأكيد، على امتداد هذين الشهرين، في بلبلة الذهن، وإلا فكيف يمكنه أن يفسّر لنفسه بكل جدية توقه إلى رؤية غرفته و قد أُفرغت؟ أكان يرغب حقاً في أن يترك الغرفة الدافئة ذات الفراش المريح الذي ورثته عائلته تنقلب إلى كهف، ولكنه سينسى فيه أيضاً، وبشكل سريع، ماضيه الإنساني بأكمله؟ ذلك أنه في الواقع على وشك أن ينساه.

كما و يعطي لمحة عن صراع الفرد بين ما كان عليه قبل تغيّره وما يصير إليه بعده، و التنافس بين داخله كإنسان له عاطفة وذكريات وبين ما آل إليه جسده كحشرة عملاقة لها احتياجاتها من الفراغ والمساحة الخالية:

إلا أنه اضطر إلى الاعتراف بنفسه بأنه لن يقوى على احتمال ما يحدث لوقت طويل. فقد كانتا تخليان الغرفة من محتوياتها، كانتا تنتزعان منه أحب الأشياء إليه … فجأة اجتذبت ناظريه صورة المرأة التي كانت مدثرة كلية بالفراء، تلك الصورة التي كانت الوحيدة المتبقية في وسط جدار عار مما عداها ؛ فمضى متسلقاً صوبها بأسرع ما أمكنه، والتصق بقطعة الزجاج التي تغطيها.

و في الحديث عن الاستسلام للعزلة و الاهمال المتكرر و المتزايد للفرد من الآخرين و خصوصاً المقربين وما ينجم عن ذلك من تقلّص للذات و عدم الرغبة في الاستمرار:

و الآن؟ تساءل (غريغور)، وهو ينظر حواليه في الظلمة. ولم يتأخر في اكتشاف أنه الآن قد أضحى عاجزاً تماماً عن الحركة. لم يدهشه ذلك بل إنا ما بدا له غير طبيعي تماماً، هو أنه حتى هذا الوقت كان بمستطاعه أن يتنقل على قوائمه تلك، الصغيرة والناحلة جداً. وفيما عدا هذا فإنه شعر ببعض الارتياح. حقاً كان الألم مستشرياً في سائر جسده، لكن كان لديه انطباع بأن حدة آلامه كانت تخف تدريجياً وتتضاءل وأنها آيلة في نهاية الطاف إلى التلاشي كليّة. وكان قد فقد الإحساس إلى حد بعيد بالتفاحة المهترئة المنغرسة في زهره وبالمنطقة الملتهبة فيما حولها، والتي كان يغطيها غبار دقيق. واستذكر عائلته بحنان وحب. وكانت فكرة ضرورة اختفائه قد أضحت أكثر ترسخاً لديه ربما منها لدى أخته. واستمر في تأملاته الغامضة، في حال من السكينة إلى أن أعلنت ساعة البرج الثالثة صباحاً. وشهد الضوء وقد بدأ ينتشر في الخارج، أمام النافذة. ثم هوى رأسه أرضاً رغماً عنه ومن منخريه انطلق في وهن آخر أنفاسه.

يطرح (كافكا) فكرة أخرى بخصوص دور التجارب في تشكيل ردات الفعل تجاه التغيّرات والتحولات في الأشخاص والأحداث وأهميتها في بناء الشخصية القوية:

فتلك الأرملة المسنة، التي لا شكّ أن بنيتها القوية قد كفلت لها أن تجتاز أسوأ المحن خلال حياتها الطويلة، لم تكن تشعر باشمئزاز حقيقي من (غريغور) … كانت تبلغ حدّ مناداته و دعوته إلى القدوم نحوها بتعابير كانت تعتبرها، ولا شكّ، وديّة ، مثل: “اقترب قليلاً، يا خنفس الروث!”.