أرشيف الكاتب

لماذا يُكتبُ التاريخ الأدبيّ ؟

frenchlibrary3-1024x768
كليمان موازان، ولدت في باريس ودرست اللغات الشرقية في جامعة لومونوسوف في موسكو. كتبت موازان عددًا من الكتب، بالإضافة إلى ترجماتها ومشاركاتها الصحفية.

في كتاب (ما التاريخ الأدبي؟) من تأليف (كليمان موازان)، تحدث في أحد فقراته عن سبب كتابة التاريخ الأدبي. فيقول مستفتحًا حديثه باقتباس عن (رولان بارت) بالمصدر التتالي (تدريس الأدب، باريس، من منشورات Plon)، يقول فيه:

تاريخ الأدب موضوع مدرسيّ أساسًا ولا وجود له، بالضّبط، إلاّ من خلال تدريسه، فالأدب هو ما يُدرس و كفى. إنه موضوع للتّدريس.
رولان بارت، تدريس الأدب، باريس، من منشورات Plon.

ثم يُتبع (موازان) حديثه فيقول:

لقد أجاب (رولان بارت) جوابًا حاسمًا عن سؤال: “لماذا يُكتب التّاريخ الأدبيّ؟” من أجل تدريسه. فالتّاريخ الأدبيّ هو، أولاً وقبل كل شيء، أداة تدريس، و من ثم فهو وسيلة لنقل المعارف، تصبحُ بسبب هذا المؤسساتي، شكلاً من أشكال التربية بكل معاني الكلمة؛ الوطنيّة، الأخلاقية، الدّينية، السياسية، القوميّة و غيرها، لكن قبل أن يصل التاريخ الأدبي إلى هذه الغاية وحتى يصل إليها كذلك فإنه يتبنى مجموعة من الأدوات التي تقوم على أنماطٍ مختلفةٍ من فهم الحدث التاريخي، وعلى مناهج تسمح بتفسيرها و وصفها. وبما أن الأمر يتعلق بتدريس معين، فمن السهولة بمكان أن نفهم أن غاية التاريخ الأدبي إنما تمكن، في المقام الأوّل، في تنظيم الوقائع و منحها معنى معينًا، وفي حالتنا هذه، منح معنى إلى الكتّاب و الأعمال الأدبية اللذين يشكلان موضوع حكاية أو سرد.

ثثم يقول بعد ذلك:

غير أن التدريس لم يكن أبدًا نشاطًا محايدًا، فنحن لا ننقل معارف موضوعية خالصة بل ننقل، على العكس من ذلك تمامًا، معارف ذاتية خالصة. إننا نتداول الوقائع و الأفكار، رغم أنفنا وبعلم منا، ونغلفها بطرقنا الخاصة في النظر إليها وفي فهمها، إن العامل المحول هو ذلك الأستاذ الذي يختار النصوص، على غرار الكتاب المدرسي، ويقطعها تبعا لرغباته، محددًا معناها السياقي، وذلك بهدف تقييمها وتكريسها للحصول على إقرار المؤسسة في نهاية المطاف.

منافع القراءة لدى رديارد كيبلنغ

روديارد كبلنغ (1865 – 1936)، كاتب وشاعر وقاص بريطاني ولد في الهند البريطانية. من أهم أعماله (كتاب الأدغال) 1894. وكما ألف العديد من القصص القصيرة. منها (الرجل الذي اصبح ملكا) 1888. حصل هذا الكاتب على جائزة نوبل في الأدب سنة 1907 وبذلك يكون هو أصغر حائز على الجائزة، وأول كاتب باللغة الإنجليزية يحصل عليها.

في كتاب (داخل المكتبة .. خارج العالم)، والذي قدّم فيه المترجم السعودي الشاب (راضي النماصي) عددًا من النصوص والمقالات، التي ترجمها إلى العربية، ينقل عن (روديارد) كلماته التالية:

هناك فكرةٌ – أو لنقل كانت هناك – تقول بأن القراءة بحد ذاتها عملٌ مقدس. شخصيًا لا أتفق معها تمامًا، لأني أرى وجود شخصٍ مولعٍ بالقراءة فقط دون سبب يثبت أحد أمرين: إما كسله، أو أنه مجهدٌ من كد المعيشة، ويود الراحة بصحبة كتابٍ ما. ربما يكون فضوليًّا ويود أن يتعرف على الحياة قبل خوض غمارها، ولذلك يندمج في أي كتاب تقع يداه عليه لكي يفهم ما يحيره أو يرعبه أو يثير اهتمامه.
من الصعب الآن أن أقول بأهمية الأدب لدى حياة الرجال و الأمم، ولكن الرجل الذي يريد اقتحام الحياة دون معرفة شيءٍ عن آداب بلاده و لا إحاطةٍ بالكتب الكلاسيكية و لا تقديرٍ لقيمة الكلمات مقعدٌ بقدر من يريد إجادة رياضة دون أن يعرف أساسياتها، فهو لا يعرف عظماءها و بالتالي لايجد طموحًا يريد الوصول إليه. لدي كتابٌ في البيت، ويحتوي على ملخصاتٍ مرقفةٍ بصورٍ حول جميع الآلات مستمرة الحركة خلال القرنين الماضيين. الغرض من تأليف هذا الكتاب هو توفير حلول المشاكل للمخترعين، وقد كتب المؤلف في المقدمة : “إن أحد أكبر أخطاء العقل هو الثقة بأن كل أخطاء تصاميم الآلات الميكانيكية – وخصوصًا الحوادث – قد حصلت للمرة الأولى. أكبر حماقات المخترع هي تجاهل المخططات السابقة بالإضافة إلى انعزاله عن الحياة” .
وهذا بالضبط هو حال من لايقرأ الأدب، فهو جاهلٌ بكل ما سبقته من خططٍ في هذه الحياة. أجدر بمثل ذلك الشخص ألا يضيع وقت وصبر أصدقائه – أو حتى يهدد سلامة مجتمعه – بالقيام بأمرٍ خطر في باله أو بال جاره، سبق و أن جُرب ووضع جانبًا قبل ذلك الوقت بألف سنة، والذي كان يمكن أن يطلع على رسومه و بياناته – إن شئنا التقريب- بمجرد أم كلّف على نفسه و قرأ.

ثم يتابع قائلًا:

أحد الأشياء التي يصعب إدراكها – خصوصًا من الشباب – هو أن أسلافنا قد علموا ببعض الأشياء حينما كانوا على قيد الحياة، وربما عرفوا أشياء في غاية الأهمية. والحق أقول بأني لن أتفاجأ فيما لو كان ما يهمهم في حياةٍ سالفةٍ هو ما يهمنا الآن. ما ينساه كل جيلٍ هو أن الكلمات التي تصف الأفكار تتغير على الدوام، بينما الأفكار ذاتها لا تتغير بنفس الوتيرة أو تتجدد.
وإذا لم نول اهتمامًا للكلمات مهما كانت، فربما نكون في مكان أولئك الذين يريدون اختراع محركٍ دون النظر في المخططات و المحاولات السابقة، ويتفاجأ بفشل محاولته.
إذا تجاهلنا الكتب الكلاسيكية للغاتنا و ركزنا على الكتب المعاصرة، سنصل إلى اعتقادٍ بأن العالم لا يتقدم إلا إذا أخذ بالتكرار. في كلا الحالتين سنتوه، وما يهم هو أن يتيه الآخرون وليس نحن. بالتالي، فإن الأفضل لنا أن نهتم بقراءة منجزنا الأدبي عبر كل العصور، وذلك لأن الشخص حين يقرأ لما كتبه الناس منذ زمنٍ سيفهم أن ما يُكتب الآن هو الأفضل .

مفهوم الأدب عند د.ماهر شعبان عبدالباري

ماهر شعبان

د. ماهر شعبان عبدالباري، من مواليد 1972، هو محاضر في كلية التربية في جامعة بنها. في كتابه (التذوق الأدبي) كتب عن مفهوم الأدب، فقال:

أولًا  مفهوم الأدب:
تطورت كلمة الأدب شأنها في ذلك شأن الكائن الحي بتطور الأمة، حيث أنتقل معنى هذه الكلمة من المعنى المادي وهو الدعوة إلى الطعام إلى معنى معنوي وهو التهذيب، و التحلي بمكارم الأخلاق، حتى استقرت الكلمة على مدلولها الحالي، وهو الكلام البليغ المؤثر في نفس السامع أو القارئ، ولقد تطور هذا المفهوم حتى أصبح علمًا على هذا الفن.
وإن للأدب نوعين: الأدب بمعناه الخاص، و الأدب بمعناه العام. ولكل منهما معنى يختلف تمامًا عن الآخر.
الأدب الخاص: وهو الكلام الجيد الذي يحدث في نفس قارئه و سامعه لذة فنية سواءً أكان هذا الكلام شعرًا أم نثرًا، والثاني الأدب بمعناه العام وهو الإنتاج العقلي الذي يصور في الكلام و يكتب في الكتب، فالقصيدة الرائعة، و المقالة البارعة، و الخطبة المؤثرة، و القصة الممتازة، كل هذا أدب بالمعنى الخاص؛ لأنك تقرؤه أو تسمعه فتجد فيه لذة كاللذة التي تجدها حين تسمع غناء المغني، وتوقيع الموسيقى، وحين ترى الصورة الجميلة، والتمثال البديع، فهو إذن يتصل بذوقك و حسك و شعورك، ويمس ملكة تقدير الجمال في نفسك، والكتاب في النحو أو في الطبيعة أو في الرياضة أدب بالمعنى العام ؛ لأنه كلام يصور ما انتجه العقل الإنساني من أنواع المعرفة، سواء أحدث في نفسك أثناء قراءته أو سماعه في هذه اللذة أم لم يحدثها.

ثم يستشهد بعدة تعاريف:

(محمد راتب الحلاق): “فالأدب تشكيل لغوي يمثل التعبير الأسمى والأجمل عن فكر الأمة، وحياتها وطموحاتها، وقيمها، وهو تعبير من إنشاء العقل والخيال معًا، على يد أفراد تجلت فيهم وتوهجت في أعماقهم ملامح أمتهم و خصوصيتها.”

(مريم البغدادي): “كما أن الأدب تجربة إنسانية يرصدها الأديب بوساطة اللغة بأبعاد محددة، وبشكل وأسلوب فنيين معينين، يؤديان وظيفة التعبير عن القضايا البشرية الخاصة والعامة، والعمل الأدبي بطبيعته إبداع جديد لواقع قائم، أو يمكن أن يقع بأبعاد وجدانية جديدة، يصور هذا الواقع الملموس أو المحتمل وقوعه، وذلك بإبداع جمالي فني، وبأسلوب مبتكر، وعناصر جمالية مؤثرة.”

(ريننيه ويلك) و(أوستن وارين): “أما كلمة الأدب في اللغة الإنجليزية فهي Literature، وهي مشتقة من الأصل اللاتيني Lite-ra بمعنى حرف، ومن ثم فهي توحي بالاقتصار على الأدب المكتوب أو المطبوع، أي أن المفهوم المتسق لهذا اللفظ ينبغي أن يشمل أيضًا الأدب المنطوق، و من هذه الناحية فإن الكلمة الألمانية Wortkunst، و الكلمة الروسية Sloevesnost تتوفقان على نظريتهما الإنجليزية.”

ولقد عرفت دائرة المعارف البريطانية الجديدة: “بأنه عمل مكتوب، فاسم الأدب يطلق على الأعمال التخيلية من الشعر و النثر في أغلب الأحيان، التي تتميز بسمات كاتبيها، وبراعتهم الأدبية، ويمكن تصنيف الأدب وفقًا لأنماط متعدده منها: اللغة المستخدمة، والمنطقة الإقليمية، والحقبة التاريخية، ونوع الأدب نفسه شعر أو نثر، والموضوع أو الغرض.”

وعرفه قاموس أكسفورد “بأنه منتجات أدبية بصفة عامة، وهو عمل مكتوب يقدم من بلاد معينة، وفي حقبة معينة من العالم. وعمومًا فإن الأدب إحساس مقيد يطبق كتابة ويهتم بجمال الشكل والتأثير العاطفي في المتلقي.”

وباختصار: فإن الأدب يمثل تلبية طموحات الروح الإنسانية، لا بما هي محكومة بحتميات القانون وعبوديات الواقع، بل لكونها خروج عن هذه العبوديات باتجاه حرية الخلود إنه بالتالي تعبير مطلب الاستحالة الذي لا يكون و لكنّه يكون! وهذا لا يعني أن الأدب والفن يتجاهلان كليًا العقل المحض، فالروح الإنسانية التي هي مركّب انفعالات الكائن بتراجيديا وجوده، تتخلّق هي أيضًا في العقل و تقوم به، تمامًا كما ينهض هو عليها، غير أن لكل منهما في حوار الوجود طريقه المستقلة نسبيًا، هنا كما أرى تقع خصوصية الفعالية الأدبية.

ألبرتو مانغويل عن أساليب القراءة

Img_Art_46a98e01-caf6-4d96-87be-7cc2d0a8835e_alberto-manguel

ألبرتو مانغويل، ولد عام 1948. ارجنتيني المولد، كندي الجنسية. يعمل كجامع للأعمال الادبية الهامة، مترجم، محرر، روائي، وكاتب مقالات. يقول (مانغويل) عن القراءة بالعينين، في كتابه (تاريخ القراءة):

تبدأ القراءة أولاً بالعينين. “أكثر حواسنا حدّة هو نور العين“، كتب (شيشرون)، الذي كان يظنّ أنّ رؤية النصّ تجعلنا نحفظه بصورة أفضل مما لو سمعناه فقط. كان القديس (أغسطينوس) يمتدح العينين كثيراً (لعنهما في وقت لاحق) ويصفهما بأنهما بوّابة الدخول إلى العالم. وكان القديس (توما الأكويني) يقول عن البصر: “إنه أهم الحواس التي نستطيع الحصول عبرها على المعرفة“. هناك ناحية بديهية جداً للقارئ: نرى الأحرف بواسطة حاسة البصر. لكن عبر أي عملية كيميائية تتحوّل فيها هذه الأحرف إلى كلمات ذات معانٍ؟ ماذا يحدث في داخلنا عندما نُواجّه بنصّ؟ وكيف تصبح الأشياء المرئية “الجوهر” الذي يصل عبر أعيننا إلى مختبرنا الداخلي، إلى جانب ألوان و أشكال و مرئيات أخرى و الأحرف قابلة للقراءة؟ من أي شيء يتكون إذن ما نطلق عليه فعل القراءة؟

القراءة ليست عملية أوتوماتيكية، يكمل قائلًا:

إذن، فالقراءة ليست عملية أوتوماتيكية لحصر النص، مقارنة بانتقال الصورة إلى الفيلم عند إجراء عملية التحميض الضوئي، بل إنها عملية استنساخ معقدة و محيّرة ومذهلة تحدث بصورة متشابهة عند جميع الناس، والتي تحتفظ، مع ذلك، بميزة خصوصية عالية تختلف من إنسان إلى آخر، أما إذا كانت القراءة تحدث بعيداً عن السمع، أو أنها تحدث داخل مجموعة واحدة من العمليات السيكولوجية، أو من العديد من مثل هذه العمليات، فناحية لا يعرفها العلماء بعد. بيد أنّ العديد منهم يظنون بأنّ عملية القراءة معقدة مثل التفكير. وحسب نظرية وتروك، فإن القراءة ليست “ظاهرة خصوصية في البنية أو المزاج وهي ليست فوضوية أبداً. إلاّ أنها أيضاً عملية غير متناغمة و متراصة يكون فيها معنى واحد هو الصحيح. كلا، إنّ القراءة عملية خلاّقة إبداعية تعّبر عن محاولة القارئ المنتظمة لإنشاء وتكوين معنى واحد أو أكثر ضمن أحكام اللغة و قواعدها“.

ثم ينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن القراءة بصمت، فيقول:

لقد مكنت القراءة بصمت القارئ في نهاية المطاف من إقامة علاقة غير مضطربة مع الكتاب و الكلمة، مما جعله يدخر المجهود و الوقت اللذين كان يحتاج إليهما في النطق. إنها تنتشر في مكان داخلي، تسبح داخل القارئ، أو أنها تجثم في موقع ما. و ما إن تراها العين أو يبدأ اللسان بنطقها، حتى تطلق العنان لتصورات القارئ، أو أنه يتعمق في قراءة كتاب آخر موضوع أمامه. هكذا أخذ القارئ الصامت يكسب وقتاً للتمعن بالكلمات و التلذذ بها، و الإنصات إلى إيقاعاتها في داخله. إن النص المحروس من أعين الدخلاء المتطفلين بالغلافين أصبح ملك يد القارئ، كنز معلوماته السري، بغض النظر إن كان يجلس في غرفة النسّاخين المملوءة بالأصوات، أو في ساحة السوق، أو في مخدعه المنزوي.

الكتابة ضد غسيل الصحون، فيرجينيا وولف

فيرجينيا وولف

تقول (فرجينيا وولف) في كتابها (غُرفَةٌ للمرءٍ وحده) أنّه لم يكن في وسع امرأة، أية امرأة على الإطلاق، أن تكتب مسرحيّات شكسبير في زمنه. ولتوضح حجتها ابتكسرت امرأة خيالية وقدمتها كأختٍ لـ(شكسبير)، اسمها (جودث). لنفترض للحظة أن جودث هذه كانت شغوفةً بالمسرح كما كان (شكسبير)، وتتمتّع بالموهبة نفسِها. فماذا سيكون مصيرها؟ هل كان لها أن تُسّخّر حياتها في تنمية موهبتها كما فعل (شكسبير)؟ تقول (فرجينيا):

الجواب هو لا، لأن هناك أنظمةً وقوانينَ مختلفة لكل من الرجال والنساء. تستطيع (جودث) أن تكون موهوبةً كيفما تشاء، مولعةٌ بالفنون والآداب كيفما تُحب، بيد أن طريقها ككاتبة سيكون مرصوفٌا بالعقبات، صغيرها وكبيرها. ستمر بوقتٍ عصيب لتجد فسحة متذبذبة بين الزوجة الاجتماعية والزوجة الرفيقة والأم المخلصة التي عليها أن تكونهن جميعًا. والأهم من ذلك أنها لن تجد، وهي متمزقة بين واجبات الأم والزوجة، أي وقتٍ للكتابة. سينقضي يومها مستغرقةً في أعمال المنزل الروتينية ؛ الطبخ والكّي والاهتمام بالأطفال والتبضّع للمنزل والاعتناء بكل مسؤولياتها العائلية، وقبل أن تنتبه، ستجد نفسها امرأةً منخولة ؛ يتسرّب وقت العالم كلّه من ثقوب حياتها. وحتّى تلك اللحظات النادرة التي تجد نفسها فيها وحيدة، فسوف تكرّسها للاسترخاء والتخلّص من التوتّر. كيف لها أن تكتب؟ متى ستقوم بذلك؟
منذ البدء، كان الفُرَص الُمتاحة لشكسبير محظورة على (جودث). في عالم تُثبًط فيه عزائم النساء عن تنمية فرديتهن، ويُلًقن بأن دورهنّ الأساسي في الحياة هو الوقوف كأم وزوجة صالحة فحسب، عالم فيه النساء مجرّد أصواتٍ في حيّز الثقافة الشفهيّة، ولكن لا أحد ينظّر إليهنّ داخل الثقافة الكتابية، لذلك فإنّ الكاتبات يبدأن اللعب منذ الخسارة: صفرًا مقابل سًبعة.

لنقم الآن بطرح سؤال (فرجينيا وولف) على الشرق الأوسط.

فمن يدري كم امرأة عاشَت في تاريخ الشرق الأوسط؟ نساء كان بإمكانهن أن يُصبحن شاعرات أو كاتبات، إلا أنه لم يُسمح لهنّ بذلك. نساءُ خبأنَ قصائدهن في قنّ الدجاج أو صناديق المهور، حيث فسدت إلى الأبد. وبعد سنوات طويلة، وهُن يحكين القصص لحفيداتهن، قد تقول إحداهن :
– كُنتَ مرةٌ أكتُبُ الشّعر! هل تعرفنّ ذلك؟
– وما ذاك يا جدتي؟
– الشّعر؟ إنه مكانٌ ساحرً، خلفَ جبل قاف!
– هل بإمكاني الذهاب إلى هناك أنا أيضًا؟ هل أستطيع ذلك؟
– بلى تستطعين ذلك يا عزيزتي. لكن لايمكنك المكوث هناك. زيارة قصيرة وحسب. هذا فقط ما يُسمحُ به لك.
وستقول ذلك هامسةً، وكأن ما قالته، إلى هذا الحدّ، إحدى حكايات العفاريت.

[المصدر]