أرشيف الكاتب

أودري لورد: الشعر ليس ترفاً.

51_PORT_1

أودري جيرالدين لورد (1934-1992)، كاتبة أميريكية كاريبية، شاعرة وناشطة. معاصرة لمثيلاتها من الشاعرات النسويات (سيلفيا بلاث) و(أدريانا ريتش) اللاتي كنّ يسعين نحو تغيير تقاليد النثر والشعر لأن تكون كسيرة ذاتية أكثر، كانت (لورد) جامعةً الأنواع كلها، كانت الحياة بالنسبة لها نصاً فصار كل شيئ أشبه بالسيرة الذاتية فعلاً.

ركزت (لورد) في قضاياها على الإختلاف بين جماعات النساء وبين الأفراد كذلك، كما قالت مرة: أنا أُعرّف بكل جماعة كنت جزءًا فيها، كما عرّفت عن نفسها “سلسلة متصلة من النساء” و“مهرجانٍ من الأصوات”، قائلة: كل ماهو دخيل علينا، هو في آن الوقت نقطة ضعفٌ وقوة؛ ولكن بدون المجتمع لا تتحقق الحرية، لا مستقبل، فقط هدنة ركيكة ومؤقتة بيني وبين القمعوكما قال عنها النقاد أيضاً، بأن التعددية الثقافية في ذاتها، كانت منعكسة عليها في نصوصها. في حين ان الثقافات الفردية هي كياناتٌ لم تعد منفصلة ومستقله لكنها تنصهر في دوائر أكبر دون أن تفقد أهميتها الفردية. رفْضُ لورد لأن تصنّف إجتماعياً وأدبياً، كان بمثابةِ سمة تميزها كفرد بعيداً جداً عن الصور النمطية.

هنا في هذه المقالة تحت عنوان Poetry is not a Luxury (الشعر ليس ترفًا) التي نُشرت لأول مرة في مجلة Charysails العدد الثالث (١٩٧٧)، ثم جُمعت فيما بعد في كتاب (Sister Outsiderالذي حوى عدداً من مقالاتها وخطاباتها الخالدة. أنقلها لكم بترجمة حصرية.

تتحدث (لورد) الشاعرة النسوية، عن بالغ أهمية الشعر في كونه الكلمة الأعلى والمسموعة للوصول إلى التغيير، في كونه لغة عميقة رقيقة تترجم مطالب حقيقية. تحدثت لورد عن قدرة القصيدة الخارقة، على تسمية أفكارنا وتصنيفها. حاثّة على أن يكون صوت الأفكار عالياً، فلطالما كان صوت (لورد) عالياً، في مواجهة الصمت السائد والقمع.

جودة الضوء الذي نستشف به حيواتنا تنعكس على ثمرة مانعيشه، وعلى جميع التغييرات التي نتمنى استمطارها، من خلال هذه الحيوات، وعبر هذا الضوء الذي نشكّل به أفكارنا، سعياً وراء هذا السحر وتحقيقه. هذا هو ضوء الشعر، الشعر الذي من خلاله نطلق التسميات على تلك الأفكار التي قبل أن تكون قصيدة، لا إسم لها ولا شكل، كانت على وشك الولادة وهاهي تتنفس الآن. استمطار الخبرات هذا الذي يولد الأفكار من ينبوع الشعر الحقيقي، كمفهوم ولادة الحلم، والشعور بولادة الفكرة، وولادة المعرفة التي تسبق الفهم. كما تُعلمنا استيعاب حميمية هذا التبصر واستقراءه، واستخدام ثمرة هذا التبصر للسيطرة على حياتنا، حتى تفقد هذه المخاوف التي تتحكم في حياتنا وتشكّل صمتنا سيطرتها علينا.

الشعر في داخل كل منّا، هنا بداخل مكامن قوتنا التي هي بداية كل التغيير، فقالت (لورد):

نحن معشر النساء، هناك بقعة داكنة تختبئ داخل كل واحدة منا وتنمو حتى تسمو بروحها، قوية جميلة في مواجهة كوابيس الضعف والوهن. هذه القدرات في دواخلنا داكنة ومختبئة، وهاهي تنجو وتكبر لتصبح أقوى عبر الظلام. هذه المكامن العميقة في كل واحدة منا هي مدخَرٌ عظيم من القوة والإبداع، مدخر عظيم من مشاعر وانطباعاتٍ لم تُختبر ولم تُسجل بعد. مكمن القوة في داخل كل واحدة منا ليس أبيضاً ولا طافياً على السطح، بل داكن وعريق وعميقٌ جداً. عندما ننظر للحياة في طابع أوروبي فقط كمشكلة يمكن حلها، فإننا نعتمد فقط على أفكارنا لتحررنا، لذا كان قيماً وثميناً جداً ماقاله لنا الآباء البيض . ولكننا حينما أصبحنا على مقربة شديدة من عراقتنا، هذا الوعي الغير أوروبي للحياة كوضعٍ مجرب تم التفاعل معه؛ فإننا نتعلم أكثر وأكثر كيف نثمّن ونقدر هذه المشاعر حق قدرها، وكيف نحترم مكامن قوانا الداخلية التي من خلالها تكون المعرفة الحقة والأفعال الرنانة. وفي هذا الوقت من الزمان، فإنني أؤمن بأننا النساء نحمل في ذواتنا القدرة على الإلتحام والربط بين هذين الأسلوبين الضروريين للنجاة، وها نحن الآن نقترب من هذا المزيج في قصائدنا.  أنا أتحدث هنا عن الشعر كاستمطارٍ إلهامي للتجارب، لا كمفردة عابثة عقيمة أحياناً، كما شوه الآباء البيض مفردة الشعر لتؤدي بمعناها إلى تغطية يائسة للخيال دون تبصر.

قيمة الشعر الحقيقية، آلية القصيدة في منح التصور الفعلي الصحيح للأشياء:

بالنسبة لنا نحن النساء، فالشعر ليس رفاهية ولا كماليّ، الشعر ضرورة محضة لوجودنا. الشعر يشكل جودة الضوء الموجه نحو آمالنا وطموحاتنا للنجاة والتغيير، لغة ثم فكرة ثم أفعال ملموسة. الشعر هو الوسيلة لتسمية اللامسمى ليكون فكرة. القصيدة هي رتق لآفاق آمالنا ومخاوفنا البعيدة التي نحتتها تجاربنا الصلدة في الحياة اليومية. ها وقد أصبح أمر الإستجلاء الصادق لمشاعرنا متعارفٌ عليه ومقبولٌ، كالأرض الخصبة المحرمة لتَوالُد أكثر الأفكار جرأة وراديكالية؛ أصبحت هذه المشاعر باختلافاتها الملاذ الآمن للتغيير وتصوّر أي عمل هادف. الآن، أستطيع على الأقل تسمية عشرة أفكار قد أجدها مبالغٌ بها أو غير قابلة للنقاش ومريبة، ولكن فقط إن ظهرت بعد حلم أو قصيدة. هذا الأمر ليس خيالاً فاسداً أو فارغاً، بل تنبؤ منضبط وواعٍ إلى المعنى الحقيقي لـنعم، هذا الأمر يناسبني. إننا نستطيع تدريب ذواتنا لتحترم مشاعرنا وتترجمها إلى لغة لتصبح في متناول العالم، وعلى اعتبار أن هذه اللغة لم توجد بعد، فإن هذا هو دور الشعر للمساهمة في رواجها. الشعر ليس فقط أحلاماً ورؤىً، إنه هيكل بناء حياتنا، هو الأساس لمستقبل التغيير، والجسر لعبور مخاوفنا التي لم توجد بعد. سواء كانت قدراتنا لحظية أو أبدية، فليس من السهل الحفاظ على الإعتقاد بفعاليتها. نستطيع أحياناً أن نعمل بجد للبدء بمَدّ جسرٍ للمقاومة الحقيقة في سبيل كل الموتات التي ظننا أننا سنعيشها يوماً. ولكن ما إن يواجه الجسر هذا تهديداً أو قمعاً من قبل فرضيات مفرطة في السخف، كنا قد عايشناها حتى الخوف، أو حتى بسبب الإنسحاب من تلك الاتفاقات التي كنا نُحذّر منها لحفظ سلامتنا.  نرى أنفسنا قلصنا وخففنا من الإتهامات زوراً، في حق الشمولية، القابلية للتغير، والشهوانية.

الاحتياج للتغيير في حياتنا هو محفز القصيدة الأول، ومطوّعٌ لطريق السعي وراء الحرية:

ومن هو صاحب السؤال: هل أراني أغير هالتك؟ أفكارك؟ أحلامك؟ أم أنني محضاً أجرك إلى تلك الأعمال الإنتقالية الفاعلة؟ وبالرغم من أن هذا الأخير لا يعني المهمة بحد ذاتها، فإنه أمر كان ولابد من ظهوره في السياق بسبب الاحتياج للتغيير الحقيقي في كل أساس من أسس حياتنا. “أنا أفكر إذن أنا موجود” كالمرأة السوداء فيما بيننا، تلك الشاعرة التي تهمس في أحلامنا أنا أشعر، إذن أنا حرة”. تجعلنا نوقن بأن الشعر يجمع اللغة للتعبير وتوثيق هذا الاحتياج الثوري، السعي الحفيف وراء الحرية.

على كلٍ، فالخبرات علمتنا بأن الأفعال الحتمية هي ضرورة دائماً. أبناؤنا لن يحلمون إلا إن عاشوا، ولن يعيشوا إلا بالغذاء، ومن يستطيع أن يغذيهم بالطعام الحقيقي الذي لا يجعل أحلامهم باختلافٍ بالغٍ عن أحلامنا؟ ويصيح طفلٌ: إن كنت تريدنا أن نغير العالم يوماً، فإننا يجب أن نعيش كفاية للننضج”.

سطوة مواصلة تخيل أفكار جديدة على الطرق التي نحددها -عبر الشعر- لتجديد أفكارنا الساكنة قديماً في رؤوسنا، تلك الأفكار التي آلمتنا يوماً وعبرتنا وكان الشعر هو بلسمها الوحيد:

أحياناً نكبل أنفسنا بإحلامٍ لأفكار جديدة، وتكون نجاتنا هنا في الرأس، العقل وحده هو من يضمن لنا الحرية، ولكن ليس هنالك أي أفكار جديدة تنتظرنا على جناحٍ من الريح لتنقذنا نحن النساء، نحن البشر. هنالك فقط، أفكار قديمة تناساها الجميع، وبتكوين جديد واستقراء وإدراك من ذواتنا جنباً إلى جنب سننجح في محاولةٍ إظهارها. ويجب علينا تشجيع أنفسنا وبعضنا الآخر في محاولة تجنب هرطقة الأفعال التي تمليها علينا أحلامنا، والكثير من وضاعة أفكارنا القديمة. وفي طليعة تحركنا نحو التغيير، لا يوجد هنالك سوى الشعر كتلميح لاحتمالٍ حقيقي. قصائدنا هي من تعيد تشكيل مضامين ذواتنا، ومانشعره ونخشى جعله حقيقة، مخاوفنا، آمالنا، ورهبتنا الأعز. لم تكن مشاعرنا تهدف للنجاة، عبر أشكال الحياة التي تحددها المعيشة من قبل قوة خفية، والتجريد المؤسسي من الإنسانية، بل تم الحفاظ عليها هنا، في حين إعتقادنا بأنه من غير الممكن تجنب تنامياتها أو نشوة عهودها السابقة، هذه المشاعر التي أعتُقِد بأنها قد تركع للأفكار كما اعتُقِد يوماً بأن تركع النساء للرجال. لكن المرأة تنجو بحياتها، والشاعرة كذلك، فلا آلام جديدة، فقد عبرتنا كلها قبلاً، خبأناها في ذات المكان الذي خبأنا بهِ قوتنا. طفت على سطح أحلامنا، وكانت أحلامنا هي من تضع النقاط على حروف الحرية، هذه الأحلام صارت مفهومة عبر قصائدنا التي تمدنا بالقوة وتشجعنا لنرى، لنشعر، لنتحدث ونتجرأ.

(لورد) تختم هنا بجعل الشعر التزاماً وليس رفاهية، التزاماً تجاه أفكارنا ومستقبل التغيير:

ما نحتاجه لنحلم هو أن نرحل بأرواحنا إلى أعمق نقطة مباشرة نحو الالتزام، الذي لم يكن يوماً رفاهية، ولو استسلمت شرارة قوتنا، فإننا نستسلم عن صنع مستقبل لعالمنا. وإن غابت الأفكار المتجددة، فهنالك طرق جديدة لجعلنا نشعر بها، باختبار هذا الفكرة كيف ستكون شعوراً يُعاش في الساعة السابعة من صباح الأحد، بعد تناول الغداء، وخلال حبٍّ غامر ، نصنع حرباً وولادة، نبعث حياةً في موتانا، بينما نعاني من أشواق قديمة، ونتعارك مع محاذير قديمة ومخاوف من الصمت والعجز والوحدة، بينما نتذوق طعم القوة والإمكانيات الجديدة.

لقاء جوناثان ليثيم مع بول أوستر (ج.٢)

بول أوستر

 بول أوستر كاتب ومخرج أمريكي، من مواليد مدينة نيو آرك في ولاية نيوجيرسي الأمريكية، في سنة 1947، لأبوين يهوديين ينحدران من أصل بولندي. اشتهر بروايات بوليسية ذات طابع خاص، كما أنه اشتهر بترجمته للشعر والكتب باللغة الفرنسية.
[اقرأ: الجزء الأول من المقابلة]

هذا الجزء الثاني في مقابلة (بول أوستر) مع الكاتب (جوناثان ليثيم)، التي نُشرت في مجلة The Believer فبراير عام ٢٠٠٥:

يتحدث (بول أوستر) في هذا الجزء عن صراع الإيديولوجيات والتشابه الحضاري الذي يشهده الإنسان على مر العصور، عن سطوة التنكنولوجيا وانفتاحنا نحن البشر على العوالم الافتراضية، بالرغم من أنه استغنى عن معالج النصوص ولازال يستخدم الآلة الكاتبة! كما يتحدث في هذا الجزء عن علاقة الكاتب بالأمكنة، وكيف يلجأ الكاتب بطريقة مّا إلى خلق نفسه من جديد وتحفيز مكامنه الداخلية سعياً وراء التجديد والتغيير.


أماكن:

لقد تذكرت شيئاً مّا طرأ على بالي حين ذكرت لي أمر شقتك الصغيرة، وأتمنى ألا تمانع قولي بأنك تمتلك منزلاً استثنائياً، إنه من تلك المنازل التي فيما أتخيل من المستحيل تركها أو الابتعاد عنها، بمكتب جميل أمارس الكتابة فيه، لكنك في الحقيقة، أراك رتبت خروجك خلسة من هذا المنزل، تنزلق وتنسلّ بطريقة مّا تجعلك ككاتب تتغذى عليها حتى أصبحَت جزءًا لا يتجزأ مما تفعله.

الأمر معقد بعض الشيء، في الحقيقة اعتدت أنا والأولاد العيش في شقة مزدحمة، ولم يكن هناك مكان لي حتى أعمل لذا بحثت عن شقة استوديو وكنت أعمل هناك قرابة الست أو السبع سنوات، ثم اشترينا هذا المنزل بعد ذلك. في البداية، كان لدينا مستأجرون في الطابق السفلي، لكنهم رحلوا أخيراً ثم قررت أن أنقل عملي بالكامل هنا، لسنين عدة، لكن في هذه السنة الأخيرة فقد بدأنا ببعض الأعمال في المنزل، فقد تم غزو هذا الهدوء بكثير من المقاولين والنجارين، السباكين، الكهربائيين، والرسامين كذلك. كان ذلك مزعجٌ جداً، فجرس الباب كان يرن مرات عدة وجرس الهاتف كذلك. آمنت باستحالة التركيز في وضع كهذا، فكرت حينها بأنني ربما لو أعود للفكرة القديمة. وأخيراً، وجدت شقة صغيرة في الجوار منذ تسعة أشهر تقريباً، كان ذلك جيداً، وجيداً جداً. أما بخصوص هذا المنزل الاستثنائي، فكل هذا نتاج حسّ زوجتي (سيري) الجمالي الهائل، ونظرتها الثاقبة للتوازن والانسجام، لكنني طالما شعرت بأنني كالوحش (كاليبان)*، أظنني أسعد في المساحات الفارغة الخالية من البشر.

في المقابل، أنا أستمتع بالعلاقات الغير مباشرة مع الأمكنة، أتفهم أن الناس بدأت تعتقد بأنني انتقلت مجدداً إلى بروكلين للكتابة عنها، لكن الحقيقة الغائبة هي أنني كتبت غالبية كتب بروكلين هذه في تورنتو وساراتوغا سبرنقز وردهات الفنادق الألمانية، فقد بدا لي مُرضياً أن أكتب عن بروكلين من مسافة كافية عنها، أو نظرة عابرة إلى الوراء تتوق اليها.

كما حصل تماماً مع الكاتب (جيمس جويس) في دبلن. أنا أيضاً عاكف على الكتابة عن بروكلين هذه الأيام. آخر كتاب لي، وهو (ليلة التنبؤ)، كان يتمحور حول مدينة بروكلين قبل عشرين عام ٍمضت، لكنني الآن أكتب عنها مرة أخرى وكأنها بروكلين اليوم، أستطيع أن أذكر لك اسم الرواية على أية حال لأنني لن أقوم بتغييره، ألا وهو (حماقات بروكلين). إنها محاولة للكتابة نوعاً مّا في الكوميديا، وهو مجال لم أخض فيه قبلاً حقيقةً، فإني مرتاب من أي كلمة أكتبها، لكنني أستمتع بذلك حقاً، أطمح لخلق شيء مثير للاهتمام وممتع في الوقت آنه.

لا أطيق صبراً عن ذلك!

الأمر كله يتعلق بمحاولتك في مفاجأة نفسك، أن تتوجه بعكس ماكنت تفعل دائماً، تدمر وتحرق كل أعمالك السابقة، أن تجدد ذاتك مع كل مشروع تود القيام به؛ لأنك ما إن وقعت في شرك العادة، فسيختفي الفنان الذي بداخلك. يجب أن تتحدى نفسك في كل مرة ولا تعتمد على أمجادك السابقة، انتهِ منها وضعها جانباً وقل لنفسك: “الآن أنا أستعرض جانباً آخر مني لأن هذا العالم بكل تأكيد كبير ليكون مدهشاً كفاية حتى يُرغمك على اتباع طريقة جديدة في كل مرة تود الكتابة عنه”.

أظن بأنه أيا ما كان فصوتك سيكون بلا حول ولا قوة أمام ذاتك، وأعمالك أيضاً ستتحدى كل محاولاتك لتجاهلها.

بالضبط! لأن كل محاولاتك لتفادي ذاتك غير مجدية، فكل ماتحاول استكشافه موجود بداخلك، هو ذاته هوسك القديم الذي لا يتغير مع تكرار اختلاف طريقة تفكيرك، لكنك تظل تحاول وتحاول، وأظن بأنه لن يبقى الكثير من ماء وجه تلك المحاولات.

ذلك يضحكني جداً، لأنني في الفترة الحالية بدأت في كتابة رواية جديدة، الشيء الوحيد الذي أنا متأكد منه هو الاستثناءات التي قمت بوضعها، الأمور التي أظنني لن أرتكبها مجدداً، كالكتابة عن مدينة بروكلين، كما أنني أتجنب الكتابة عن عائلة مّا، أبوين وأطفال؛ بالرغم من أنني لاحظت بأن كل كتاب يختلف عن الآخر كما لم أتوقع، وجميعها تتعلق بالرعب والموت. وكمن يجد نفسه مستعداً لإطلاق النار؛ اخترت أن أسلك مساراً عاطفياً هذه المرة.

هذا جيد جداً، إمكانيات كل فنان لها حدود، فإنك عندما تكون واعياً بحدود إمكانياتك، ستكون قادراً على تفجيرها، مع العلم بأنه لا أحد يستطيع الوصول لكل شيء وتقديمه وجمعه في آن واحد، بصراحة، الجميل في الفن هو كونه مساحة مخططة محورية، مساحة فيزيائية وعقلية، فمحاولاتك في جمع العالم كله في صفحة واحدة، ستحول الأمر إلى فوضىً عارمة. إن الفنَّ عبارة عن التخلص تقريباً من كل شيء مقابل التركيز على أمر معين تود تناوله والحديث عنه بطريقتك.


تكنولوجيا:

هل تجد صعوبة في إقحام التكنولوجيا في أعمالك، كالبريد الإلكتروني مثلاً أو الهواتف النقالة؟ لأنني من رأيي أجد التكنولوجيا ظهرت في تاريخ غير محدد، أظنها في العام ١٩٧٨ أو ١٩٨٤، يعني لا أعتقد بأنها تعود إلى نوعٍ معين من الخيال.

هذا سؤال مثير حقيقة. في رواية (كتاب الأوهام) التي تم نشرها في الثمانينات، كان هناك دوراً فاعلاً لآلة الفاكس، حدثٌ مهم جرى من خلالها، لذا أقول بأنني لست ضد الحديث عن التكنولوجيا بحد ذاتها. أيضاً في الكتاب الذي أعمل عليه الآن هناك ظهور خاص للبريد الإلكتروني والهواتف النقالة كذلك.

لأكون صريحاً معك، أنا من القلة القليلة الذين لم يقتنوا الكومبيوتر بعد، فلا أكتب على معالج نصوص، بل أكتب على الآلة الكاتبة. لا أملك بريداً إلكترونياً ولا أفكر حتى بإنشاء واحد. لكنني لست ضد الحديث عن أي شيء وكل شيء، بل على العكس أظن أن بهجة الرواية وجمالها يكمن في أنها تنفتح على كل شيء وأي شيء وُجد في ذلك الوقت، فليس لدي استثناءات، فلا أقول: “هذا غير مسموح به لأنه كذا وكذا...”

ليست مقاطعة إيدولوجيات بالطبع، لكنني أكثر ميلاً إلى التواني عن إقحام مثل هذه الأشياء في العمل. أستخدم البريد الإلكتروني أحياناً، لكنني لو أقحمته في الخيال الروائي أشعر بأنني تجاوزت الخيال من فوري، يبدو لي كما لو أنني أُنحّي الخيال شيئا فشيئاً من الصفحات.

هذا يقودنا الى أكثر التساؤلات تداولاً طوال سنوات. كما تعلم هناك ثلة من المتحمسين للتكنولوجيا يقولون بأن هذه التكنولوجيا ستغير العالم وطريقة تفكيره، وأنها ستقوم بصناعة ثورة في حياتنا، وليس فقط حياتنا فيزيائياً ولكن ذواتنا الداخلية كذلك. لكنني لا أؤمن بهذه الفكرة مطلقاً لسبب واحد بسيط، هو أننا لدينا أجسادٌ تمرض وتموت وتحب وتعاني وتحزن وتغضب كذلك. هناك ثوابت في حياة الإنسان البشري سواء عشت في روما القديمة أو أميركا المعاصرة، فلا أعتقد بأن الناس تغيرت بسبب غزو التليغراف أو الراديو أو الهواتف النقالة أو بسبب الطيارات أو حتى بسبب أجهزة الكومبيوتر هذه.

سبع أو ثمان سنوات مضت، تمت دعوتي إلى إسرائيل من قبل مؤسسة القدس، فأقمت هناك في مكان للفنانين يدعى “Mishchanot” مكان رائع حقيقة كان عمري وقتها خمسون عاماً ولم يسبق لي أن زرت إسرائيل من قبل، كنت يهودياً قاوم هذه الفكرة طوال حياته، فقط كنت أنتظر اللحظة المناسبة، فعندما وصلتني الرسالة من (تيدي كولك) التي تنص على أنهم يودون دعوتي للإقامة لثلاثة الى أربعة أسابيع في المبنى وكتابة أو عمل أي شيء آخر أود فعله، فشعرت بأنها اللحظة الحاسمة والمناسبة للذهاب، فذهبت بمرافقة زوجتي سيري وابنتي (صوفي). قمنا بعمل جولة في الأنحاء، كما زرنا بلدة قمران حيث تم اكتشاف مخطوطات البحر الميت، كان هناك أيضاً متحف استثنائي يحوي العديد من المخطوطات والآثار التي تم جمعها من الكهوف والمواقع الأثرية، هذه الآثار كانت مذهلة حقاً فهناك تلك الصحون التي قد تجدها اليوم في المتاجر وتستطيع شراءها، بنفس الطبعات والتصميم، أو السلال التي قد يحملها أي فرنسي أو إيطالي للذهاب إلى السوق. اليوم! فاجأني هذا الوحي، عن أنه كيف لحضارات الإنسان أن تتشابه هذا التشابه الإستثنائي وعبر عصور، لذا أشعر بأننا نستطيع أن نقرأ (هوميروس) و(سفوكليس) و(شكسبير) وكأننا نقرأ عن أنفسنا وحياتنا.

لقد قضيت مقتبل العشرينات من عمري في منطقة الخليج، في الثمانينات من القرن الماضي، وشهدت هذا الإنفجار الإستثنائي للإيدولوجيات الحوسبة، وميلاد المجلات الإلكترونية وكل مافي هذا السياق. كان هناك خوض مريع في فكرة أن حياة البشر لن تبقى على نفس الوتيرة طالما وجد هذا العالم الإفتراضي، فعلى سبيل المثال، لو قمت بقراءة سيرة المنظر السينمائي الروسي (دجيقا فيرتوف)، قبل مئة سنة عندما كان يؤسس نفس متطلبات الأفلام اليوم، ولو بحثت لعقد أو أكثر ستجد نفس الأمر ينطبق على ظهور الراديو أيضاً.  

يبدو الأمر ثورياً إذن. العالم الآن في تباعد فظيع، لكنه أصبح على اتصال ببعضه مع ظهور هذه التكنولوجيا، ولكن هذا لا ينفي وجود المخاطر بوجودها، فأبناؤنا المراهقون اليوم يقضون معظم أوقاتهم أمام الشاشات والعالم الإفتراضي هذا، ولا يعيشون حياتهم ويستمتعون بزهرة العمر، ولكن حين يكبرون وتصدمهم الحياة من حولهم سيدخلون غمار الحياة بجانبنا تماماً.

الجميل في الأمر بأن هذا العالم الإفتراضي يحتوي على الكثير من الكتابة. حيث أننا كنا نمارس نشاط الكتابة والقراءة بحد ذاتهما، حتى ظهر هذا النشاط الذي تم تصنيفه قراءة وكتابة كوضعٍ بديلٍ تماماً، صارعلى هيأة مراسلات يومية.

بالضبط! هذا يعود بنا إلى السؤال عن الخيال الروائي، عبر الأجيال صار الناس يتنبؤون بموت الرواية، على الرغم من أنني أؤمن بأن القصص المكتوبة ستواصل النهوض والمقاومة، لأنها تُجيب على كل مايحتاجه العقل البشري. من جانبي أعتقد بأن الأفلام قد تختفي قبل الرواية، لأن الرواية هي المكان الوحيد الذي يجمع بين غريبين بمحض الصدفة، بحيث أن القارئ والكاتب هما من يصنع الرواية سويةً، لأنك كقارئ ستقتحم الوعي الباطن لشخص آخر ستعوم أغوار دواخله وستقوم باكتشاف أشياء قد تكون وجدت داخلك أنت، وهذا بدوره سيمدك بالحياة أكثر.

يعجبني حرصك على تخصيص التجربة، بغض النظر عن تضخم الرواية، القراءة بحد ذاتها تجعلك تحدد استحالة شمولية التجربة وتشابهها من شخص لآخر. القراءة سلوك حميمي ونشوة مفروضة.

للرواية قارئ وحيد، هو ذاته من يحقق ذلك. شخص واحد في كل مرة يشارك الكاتب هذه الحميمية.

Continue Reading →

لقاء جوناثان ليثيم مع بول أوستر (ج.١)

بول أوستر
 بول أوستر كاتب ومخرج أمريكي، من مواليد مدينة نيو آرك في ولاية نيوجيرسي الأمريكية، في سنة 1947، لأبوين يهوديين ينحدران من أصل بولندي. اشتهر بروايات بوليسية ذات طابع خاص، كما أنه اشتهر بترجمته للشعر والكتب باللغة الفرنسية.
“هذا العالم بكل تأكيد كبيرٌ ومدهشٌ بشكل كافٍ ليُرغمك على اتباع طريقة جديدة في كل مرة تود الكتابة عنه”، كما يقول (بول أوستر).

منح (بول أوستر) الكثير من المقابلات أكثر مما فعل معظم الكتّاب المعاصرين أمثاله. (أوستر) الذي ظهر لجمهوره بشخصية الفنان الفيلسوف المكتئب الذي كرّس نفسه لفنّه عن طيب خاطر وبعيداً عن هذا العالم.

هذه مقابلة له مع الكاتب (جوناثان ليثيم)، نُشرت في مجلة The Believer فبراير عام ٢٠٠٥ كما جمعها (جيمس هاتشسون) مع العديد من المقابلات لبول أوستر وقام بنشرها عام ٢٠١٣ في كتاب بعنوان: Conversations with Paul Auster. ننقلها لكم بترجمة حصرية لدى ساقية:


(بول أوستر) هو شاعر قبل كل شيء، كاتب ومترجم لكن بعد ظهور رواية (مدينة من زجاج) [١٩٨٥] صار يعرف عموما بأنه الروائي الأكثر وضوحاً وأناقة. تناولت رواياته لوحاتٍ وأغانٍ، آلات فاكس وامرأة بدينة تومئ بطريقة أوبرالية! كما أن معظم أبطال رواياته بما فيها (موسيقى الحظ) و (كتَاب الأوهام) و (ليلة التنبؤ) هم على الأغلب كتّابٌ وفنانون. كان من السهل جداً على معجبي وقراء (أوستر) الشباب التمييز بين الصواب والخطأ بأنفسهم وبرفقة الكاتب نفسه حين يضعهم في مواجهة مباشرة مع الصفحات .

وفي العشرينات من عمري، كنت أشق طريقي ككاتب، حيث كنت من أشد المعجبين بـ(بول أوستر)، بعد سنوات وعندما كنت محظوظاً كفاية، ها أنذا تواتيني الفرصة للتعرف على (بول أوستر)، ولم يخب ظني أبداً.

ـ جوناثان ليثيم


موسيقى الجسد:

ماذا كنت تفعل سابقاً في هذا اليوم قبل أن تجدني أقف على باب منزلك؟

أستيقظت صباحاً، قرأت الصحف، وشربت إبريقاً من الشاي، ثم توجهت إلى شقتي المجاورة للعمل قرابة الست ساعات، كالعادة. وبعد ذلك توجب علي القيام ببعض الأعمال، وكما تعرف فوالدتي توفيت منذ سنتين، لزمني التوقيع على بعض أوراق وسندات التأمين، ثم توجهت الى كاتب العدل كي أقوم بختم الأوراق ثم قمت بإرسالها إلى المحامي. عدت إلى المنزل، قمت بقراءة رسالة وردتني من ابنتي ثم صعدت إلى الطابق العلوي لأقوم بسداد بعض الفواتير. يوم عادي كما أظن، العمل على كتابي وإنجاز بعض المهام الروتينية المملة.

بالنسبة لي، فخمسٌ إلى ست ساعات من الكتابة هي زمن وفير، فحين لا أكتب فإن هذا الوقت نعمة كافية ومرضية لأن أقوم بعمل أشياء ومهام أخرى.

أوه! هذا مريع.

نعم مريع جداً.

لقد تيقنت بأن كتابة الروايات هي نوعاً مّا كتجربة، تستغرق منك جهداً فيزيائياً وعقلياً، فأجدني أمام مواجهة أمر الكتابة يوميا لكي أحافظ على نفس الوتيرة، لأجل أن أحافظ على تركيزي الشديد فيما أكتب، وكذلك في أيام الإجازات إن كان ذلك ممكناً مالم أرتبط بمواعيد عائلية، فعلى الأقل أعمل في الصباح. عندما أسافر، فإنني أنفصل وينقطع حبل أفكاري تماما، فلو نفرض بأنني سافرت لأسبوعين فإن الأمر يستغرق مني أسبوعاً لمعاودة الاتزان على نفس الوتيرة التي كنت عليها.

لقد شد انتباهي وصف الجهد المبذول في الكتابة بأنه فيزيائي وعقلي. لدي نفس متلازمة الاستمرارية، بالرغم من أنني لا ألزم نفسي بعدد معين من الكلمات أو الصفحات أو حتى الساعات، فإن متلازمتي هذه تكمن في كوني يجب أن أكتب كل يوم، فعندما تصل الرواية الى مراحل ازدهارها، قد تلفت نظرك تلك القوة البدنية في المحافظة على التوجه في نفس الخط.

هناك شيء ما في إيقاعات اللغة التي تتوافق مع إيقاعات أجسامنا، فأرى أن  معظم الجهد المبذول في كتابة النصوص النثرية هو بناء جمل تُوائمُ إيقاع موسيقانا الداخلية. تلك الموسيقى هي قوىً فيزيائية، مُضنٍ جداً أن تكتب وتكتب وتكتب حتى تظهرها على نحو يتفق مع هواك. هكذا هي الكتابة بالنسبة لي؛ لطالما شعرت بأنها تخرج من جسدي كله وليس عقلي فقط، ففي كتابتي المعتادة، أستطيع سماع صوت الكلمات بينما يخدش قلمي سطح الورق.

في الحقيقة، أنت لا تكتب بطريقة فيزيائية فقط، بل تقرأ بذات الطريقة أيضاً، بحيث أن القارئ النبيه هو الذي ينقب عن المعاني الخفية في الكتاب، فيتلقاها عبر جسده وروحه، وهذا مايفتقر معظم الناس إليه لفهم الخيال الروائي، فهم أيضاً لا يستشعرون النثر عموماً على هذا النحو، فقد اعتادوا على قراءة الصحافة اليومية، والجمل المركبة بطريقة فنية لنقل المعلومات والحقائق الواقعية. من جهة أخرى توقن بأنه كان لزاماً على الشعر أن يكون موسيقياً.

أعتقد أن ذلك يتعلق بالانزعاج الشديد من الدعاية، الكثير من التركيز على وجوب فهم محتوى العمل، مما ينتج عنه  لا محالة عدم التناغم الموسيقي الذي أشرت إليه من جهة القارئ، كما لو أنه يشبه الارتحال بعيداً بالجسد، ثم رسم مخطط له ومحتوى معين ثم توجيهه.

أنا لا أعرف لمَ تغيرَ العالم إلى هذه الدرجة، انه يحاول نشر فكرة ظهور الكُتّاب للعامة في جولات الكتب من أجل التحدث عن أعمالهم، أمرٌ أجده بالغ الصعوبة. إلى حد مّا، قد يكون دافع الكُتّاب للقيام بهذه الجولات هو الشعور بالمسؤولية تجاه دور النشر والقراء.

حاولت أن أحدد موقفاً، فكنت من الفينة والأخرى أحاول الظهور والبدء بذلك وبدافع من الصدق والأمانة، بعدها أتمنى لو أظل بمفردي في أقرب فرصة مواتية. كمثال، عندما نشرت روايتي الأخيرة تلك (ليلة التنبؤ) رفضت ببساطة الخروج في جولات كتاب، إنني فقط لا أملك القدرة التحملية الكافية لفعل ذلك.

(كازو ايشجورو) يمتلك حساً دعابياً عندما يحين الحديث عن ذلك، يظن كما لو أنه خطأ توافقي عملاق أقدم عليه جميع الكتّاب واتفقوا عموماً عليه، بعد ذلك اقترَح أننا قد نحتاج لإيقاف ذلك يداً واحدة، إنه أمر يشبه إصداراً من لعبة (معضلة السجينين) إن قام أحد منّا بذلك فيتوجب على جميع الكتّاب أن يحذوا حذوه، والأمر ذاته لو رفض أحدهم فعل ذلك.

إنه يتحدث عن تجربة شخصية. لقد فعل مالم يفعله أحد من قبل. في أحد المرات كان في جولة لكتاب، قبل مايقارب السنتين، فقد جال كل بلد نُشر فيها كتابه، وفي نهاية المطاف اكتشف بأنه لأمر مجهد جداً وبلا فائدة.

هل سبق وقرأت The Unconseld؟

لقد وددت ذلك.

أرى أنها من أفضل الروايات بالنسبة للكُتّاب الحاليين، ملحمة كافكائية/ سريالية جمعت عدداً من عازفي البيانو كما لم يحدث قط. أشعر بأن الوصف الممكن هي أنها جاءت بأفضل وأكمل جولة كتاب قام بها كاتب من قبل.

على ذكر (كافاكا)، هناك مدخل جيد ومشابهٌ لجولات الكتاب هذه من يوميات (كافكا) التي كان يتحدث فيها عن كاتب خيالي يقدم قراءاته بصوت عالٍ للجماهير، عدا أن الناس أصبحوا يصابون بالملل والإحباط من ذلك، بينما كان يقنعهم: “قصة أخيرة”، “فقط قصة أخيرة” لكن الناس بدأت تهم بالرحيل، فتسمع خبط الأبواب ، ثم توجه للتوسل: “فقط مرة واحدة، واحدة أخيرة” إلى أن رحلوا جميعاً وبقي يصارع وحدته على المنصة، يقرأ لغرفة فارغة.


أفلام:

بدا عليك مؤخرا بأنك أعدت تشكيل علاقتك مع كتابة الرواية، أعني أستطيع الحكم على ذلك من خلال عمليك الأخيرين، وكذلك الرواية التي قلت بأنك تعمل عليها حالياً  -وهذا خبر سارٌ لجميع قرائك-

نعم وأعمل عليها بشكل عميق جداً .

أجدني في اتفاق تام معك، عندما تتحدث عن الحصرية التي تحتاجها الرواية، يدفعني ذلك للتساؤل عن السنين التي كنت فيها سعيداً بصناعة الأفلام، هل تعتقد بأنك ستتوجه بعمق نحو ذلك؟

لقد علقت شباكي وسط صناعة الأفلام، كنت دائماً شغوفاً بها، لدرجة أني في شبابي – تقريباً سن التاسعة عشر أو العشرين- ظننت بأنني سأصبح مخرج أفلام! السبب في كوني لم أفلح في ذلك الأمر أو بالأحرى ابتعدت عن التفكير في ذلك هو معرفتي بأنني لا أملك الكاريكتار المناسب  لذلك. في ذلك الوقت من حياتي، كنت خجلاً قليلاً، فلم أكن أستطعِ الحديث على منصة مثلاً أمام الجميع، لذا كنت أفكر، إن كنت سأضل ذات الشخص الصامت المتجهم المكفهر، فلن أستطيع التواصل بشكل مؤثر مع الممثلين وفريق التصوير وما إلى ذلك. لذا عزفت عن تلك الفكرة. ومن المفارقات العجيبة هي أنني وبعد أن قمت بنشر روايتي -التي تم تقديمها كفيلم فيما بعد- بدأ الناس يتحدثون معي حيال حقوق الفيلم المحتملة، وسيناريو الفيلم، ثم بعد ذلك وجدتني مُقحَماً في ذلك.

في رواياتك الأخيرة قد لمست تحولاً متقناً لتوجهك من الأفلام نحو الخيال الروائي، فيمكنني القول بأن الكتابين الأخيرين كانا يتمحوران حول قصة فنان مّا، ففي روايتك (كتَاب الأوهام)، الشخصية الرئيسية كانت لصانع أفلام، والقارئ آنذاك يستطيع أن يرسم في مخيلته صوراً لأفلام بهية ورائعة، أيضا في (ليلة التنبؤ) فالشخصية الرئيسية كذلك كانت تتمحور حول كاتب مّا أو روائي على وجه التحديد، كنا معه في خضم تطور روايته واكتمالها. لذا كنت أتساءل هل لذلك علاقة بتحول توجهاتك؟

دعني أفصّل في ذلك قليلاً. خلال سنوات عملي في صناعة الأفلام، لا أصدق أبداً أنني تخليت عن كتابة الروايات. فلميّ المخرج وايان وانق استغرقا عامين من حياتي، وقد كانت تجربة رهيبة. الخروج من غرفتي والعمل مع الناس كانت متعة خالصة بالنسبة لي آنذاك، تُوسّع مجاري تفكيري وتجددها.

وللحديث عن فيلم “Lulu on The Bridge” كتبتُ السيناريو للمخرج (ويم وندرز) قبل أن يحدث خلاف على ذلك، ولم يصبح قادراً على إخراج الفيلم. وفي وسط إلحاحٍ شديد قررت أن أعمل على ذلك بنفسي، وهكذا فجأةً! فقد استهلكَ من عمري سنتين إضافيتين، لكن مجدداً فإنني أود القول بأنها كانت تجربةً لا مثيل لها. ثم بعد ذلك بدأت الحملة الدعائية، التي كانت مجهدة أكثر من صنع الفيلم نفسه، أنت تظن أن تأليف الكتُب أمرٌ صعبٌ وشاقٌ جداً، لكن صناعة الأفلام أكثر من ذلك. أستطيع إلى الآن تذكّر الأربعين مقابلة التي أجريتها، واحدة تلو الأخرى، حتى تعبت، وكنت منهكاً جداً ثم نُقلت الى المشفى. عندها توصلت إلى قرارٍ حاسمٍ بالتوقف عن صناعة الأفلام إلى الأبد. فبقدر ما استمتعت في صناعة الأفلام وبقدر ماشعرت واعتقدت أنني أمسك زمام الأمر وأعتاد عليه إلا أنني أيقنت بأنها وظيفة بدوام كامل، وليست هواية أبداً، فقد أجبرت على التوقف عن الكتابة وقتها على الرغم من أن ذلك لم يكن وارداً ابداً. لم يكن لدي أدنى شك بأنه كان يجب علي أن أكتب الروايات والروايات فقط، لذلك وبكل رضا تام وبدون ندم فقد اعتزلت صناعة الأفلام.

ولكن للعودة للحديث عن رواية (كتاب الأوهام)، وإلى (هيكتور مان) وأفلامه، فإن شخصية (هيكتور) ولدت داخلي ونمت قبل أن أكون داخل دوامة الأفلام من الأساس، جاء الي يوماً من الأيام ربما في أواخر الثمانينات أو أوائل التسعينات على أقرب تقدير، ببزته البيضاء وشاربه شديد السواد، ولم أعرف ماذا أفعل حينها، ظننت أنه يتوجب علي الجلوس والبدء في كتابة مجموعة قصصية تشرح أفلامه الصامتة. ظل (هيكتور مان) بجانبي طوال سنين قبل أن تلتئم مجموعة القصص لتصبح هذه الرواية الآن، فيقول الناس  بأن هذا نتاج غزو (أوستر) لصناعة الأفلام، لكنها حقاً سبقت كل ذلك بكثير.

آخر ما أود قوله عن هذه المغامرة الصغيرة في صناعة الأفلام، هو أنه من النادر جداً لأحدهم أن يجد الفرصة المناسبة والعمر المناسب ليقحم نفسه في تجربة مّا – أتحدث عني في منتصف الأربعينات- فإنها كانت الفرصة المناسبة لئلّا أمارس كتابة الروايات ولمدة خمس سنوات على التوالي، النص الوحيد الذي كتبته خلال هذه المدة كان مقالاً ذاتياً عن المال.

هذا ما أصارع لأجله الآن، فأنا في منتصف مرحلة كتابة رواية -ليست الأولى بالطبع لأنني بدأت بكتابة الروايات مذ كنت في الثامنة عشر-

وأنا كذلك.

لم تكن بتلك الجودة طبعاً ، لكنني لم أتوقف عن هذا النشاط منذ ذلك الحين، لكن في السنتين الماضيتين، قمت بكميات هائلة من الترويج، وعملت على تجميع مجموعتين كتاباً من القصص وكتاباً من المقالات.

لا تخجل من ذلك أبداً، أعني جودة ماكنت تكتبه في السابق.

شكراً لك. لكن ذلك معناه أن الجسد الذي اعتاد على عشرين عامٍ من الممارسة، كجسد الرياضي مثلاً الذي اعتاد على التواجد في النواد الرياضية يضعُ أربطته ويبدأ الجري، جسدي كتابياً هو…

ضامر قليلا؟

صحيح، ضمور، إنه لأمر مرعب نوعاً ما، لدي صديق، روائي بحس عالٍ من الطموح المبهج الذي لا يخجل منه بصراحة، الأمر كان أشبه بجولة ملاكمة بين (نورمان ميلر) و(تولستوي)، قال لي أمراً ذات مرة: “انظر للسجلات، وستجد بأن أفضل سن للروائي هو من سن الثالثة والخمسين الى الخمسين، انه مفترق الطرق بين الطاقة الشبابية والخبرة“ وها أنذا أودع هاتين السنتين من عمري في طريقي إلى الأربعينات.

فقط لأؤكد لك ، أنا من أشد المؤمنين بأنه لا قاعدة تحكم الفن، فكل مسارٍ يختلف عن الآخر، الناشر الفرنسي الذي أتعاون معه قال لي ذات مرة أن الروائي لا يملك إلا عشرين عاماً، هو ذا عمر الازدهار الروائي، لست بالضرورة أتفق معه على ذلك. المثير في الأمر هو أنه كم يبدو من السهل ألا تقوم بكل أمر الكتابة هذا، لكن، وبالتأكيد فالكتابة هي ضرورة قصوى ومتعة في أغلب الأحيان وفي نفس الوقت قد تكون عبئاً كبيراً وصراعاً رهيباً .

سعيد لأنك قلت ذلك!

في حالتي أنا، فإنني حين أتوجه إلى غرفتي وأجلس على مكتبي أهم بالكتابة، لا أفعل ذلك وكأنني ملاكم مقبلٌ على عشر جولات مع (جو لويس) مثلاً، لا بل على العكس، فإنني أمشي على رؤوس أصابعي، وأماطل وأتأخر، أهتم بكل تلك الأمور التي لا يجب علي الاهتمام بها حينها، أجيء من الجانبين وأنزلق من خلال الأبواب، لا أنفجر وبيدي ستة طلقات جاهزة وإن فعلت فإنني أطلق النار على قدمي أنا.