أرشيف الكاتب

لالمان يتحدث عن الموضة كتعبير عن المفارقة الخاصة بالحداثة

fashion-sketches-col

يقول ميشيل لالمان -أستاذ فرنسي متخصص في علم الاجتماع- عن الموضة:

في تحليل جورج زميل إن مثال الشكل الاجتماعي بالذات هو الموضة، إنها كتعبير عن النزعة الفردية الحديثة ودون أن تتوقف مع ذلك عن فضح الفروقات الطبقية، تكشف ربما بشكل أفضل من أي شكل آخر جوهر دينامية الاجتماعي. تسمح الموضة في الواقع بالتفرد (الحاجة إلى التميز) دون الانفصال عن زمر الانتماء (الحاجة للتماسك). فهي “شكل للحياة، من أشكال أخرى كثيرة، يسمح بان يجتمع في فعل موجد الميل إلى المساواة الاجتماعية والميل إلى التمايز الفردي، أي التنوع”.

أخيراً تعيش الموضة من هذه المفارقة الخاصة بحداثتنا: إنها شكل دائم في حين أن سبب وجودها هو التبدل المستمر. ومن دون ثورة مستمرة في الأفكار والأذواق، لن تكون الموضة سوى شكل اجتماعي عابر.

غيدنز ومورفي بول عن المراحل المتعددة للتنشئة الاجتماعية

Former-LSE-head-Anthony-G-007

أنتوني غيدنز – عالم الاجتماع البريطاني المعاصر – يصف مراحل التنشئة الاجتماعية وتعقيداتها، وكيف أنها أبعد بكثير مما قد نتصوره.

كثيراً ما يتحدث علماء الاجتماع عن التنشئة الاجتماعية باعتبارها تمر في مرحلتين عريضتين، وتشمل عدداً من العوامل الفاعلة المؤثرة في التنشئة. وتشتمل هذه العوامل الفاعلة على الجماعات أو السياقات الاجتماعية التي تجري فيها عمليات التنشئة المهمة. وتجري التنشئة الاجتماعية الأولية في مرحلتي الرضاعة والطفولة، وتعتبر هذه هي الفترة التي يصل فيها التعليم الثقافي أقصى درجات الكثافة. إذ أن الأطفال يتعلمون فيها اللغة وأنماط السلوك الأساسية التي تشكل الأساس لمراحل التعليم والتعلم اللاحقة. وتكون العائلة هي الفاعل المؤثر الأبرز والأكثر أهمية في هذه الفترة. أما التنشئة الثانوية، فتحدث في فترة لاحقة من الطفولة وتستمر حتى سن البلوغ، وتدخل الساحة في هذه المرحلة عوامل فاعلة أخرى تتولى بعض الأدوار والمسؤوليات التي كانت تقوم بها العائلة، ومن جملة هذه العوامل المدارس، وجماعات الأقران، والمؤسسات، ووسائل الاتصال والإعلام إلى أن تنتهي بموقع العمل. وفي هذه السياقات كلها، تسهم التفاعلات الاجتماعية في تعليم الفرد منظومات القيم والمعايير والمعتقدات التي تشكل الأنماط والعناصر الأساسية في الثقافة.

ولكن هل هناك مراحل للتنشئة الاجتماعية قبل هاتين المرحلتين.. أي قبل الولادة؟ آني مورفي بول -كاتبة في العلوم البيولوجية والاجتماعية- تشرح في هذا المقطع بناء على دراسات كيف نتعلم الكثير مبكرا ونحن لازلنا أجنة.. حتى أنه يمكن توقع أطباقنا المفضلة وطريقة استهلاكنا الطعام سواء معتدلة أو شرهة.

إشكالية التحيز عند المسيري

d8a7d984d985d8b3d98ad8b1d98a

من أهم أفكار د. عبد الوهاب المسيري –مفكر مصري- والتي استخدمها في العديد من كتبه وأههمها موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، هي فكرة النموذج. واختصاراً هي تجريد نموذج من الواقع بحيث يربط بين عناصر لأول وهلة تبدو لا صلة لها ببعضها، ثم اختبار هذه العلاقة، بعدها يتم اعتماد النموذج، وهذا النموذج يكون خريطة عن طريقها نركز على المعلومات ذات العلاقة بموضوع الدراسة مباشرة، واستبعاد تلك التي لا تخص للموضوع مباشرة، بحيث لا يتشتت جهدنا، ولا يكون مجرد حشر لمعلومات لا تكون صورة تفسيرية للواقع، يقول :

إحدى الصفات المهمة للنموذج أنه يساعد على الرؤية المتعمقة المركبة كلما ازداد تركيبية، وكلما اتسع نطاقه ليضم معلومات وظواهر كانت مهملة أو مهمشة في الماضي. خذ على سبيل المثال الإمبريالية الغربية، ينظر إليها الكثيرون بحسبانها “انحرافاً” عن مسار الحضارة الغربية الليبرالي الديموقراطي الإنساني ..إلخ، ومن ثم يستبعدون كماً هائلاً من المعلومات. إن غيرنا النموذج بأن نزيده تركيبية ونوسع نطاقه، ورأينا الإمبريالية بحسبانها جزء عضوياً من هذه الحضارة وتعبيراً متعيناً عن شيء أساسي وجوهري فيها، فإن عدداً كبيراً من المعلومات الجديدة سيدخل في نطاق النموذج التحليلي، وتصبح ذات أهمية محورية تفسيرية. سنكتشف -على سبيل المثال- أن إبادة الشعوب الأخرى ليست مسألة إنحراف، وإنما نمط عام متكرر: ملايين الهنود في الأمريكيتين- السكان الأصليون في استراليا- سكان الخانات التركية المجاورة لروسيا على يد الدولة القيصرية- إلقاء القنبلة الذرية على اليابان (دون حاجة عسكرية ماسة لذلك)-  الفلسطينيون (الطرد والإبادة)- الجزائريون- شعب فيتنام. كما سنكتشف مثلاً أن قفزة الولايات المتحدة في الثلاثينيات من القرن الماضي تعود إلى حد كبير إلى العمالة السوداء الرخيصة (التي قدمها ملايين العبيد السود)، وأن مجموع ما سلبته إنجلترا من الهند إبان ثورتها الصناعية يفوق كل ما أنتجته في تلك الفترة. إن حساباتنا ستكون مختلفة، والمعلومات التي نبحث عنها ستكون مختلفة، وستظهر لنا بلاهة التحدث عن “التقدم الغربي” بحسبانه نتيجة عناصر خاصة بالمجتمعات الغربية.

ويتحدث عن ذات الموضوع في مكان آخر، خاصة فيما يتعلق بالتحيز الحضاري –وهو إشكالية شغلته كثيراً- وكيف أن كل ما يأتينا وتشربناه من الحضارة الغربية يكون محملاً بتحيز الغرب، فنستبطن نحن تحيزاتهم ضدنا وضد غيرنا من الشعوب، وننظر للعالم ولأنفسنا بتحيزاتهم هم، فيقول في معرض نقضه لفكرة (تقدم الغرب) التي كان يلهج بها كثير من الكتاب والمثقفين في عصره:

إننا سنكون بشراً من الدرجة الثالثة بشكل دائم، وإذا حثثنا الخطى أصبحنا من الدرجة الثانية، وهذا أقصى ما نطمح إليه، لأن الدرجة الأولى هي الغرب ذاته الذي يتحرك باستمرار في الاتجاه الذي قرره لنفسه، والذي قررته له حركياته التي لا هدف لها، هذا يجعل من الضروري استرداد الإمبريالية كمقولة تحليلية، فلا يمكن دراسة تاريخ الديموقراطية في الغرب وتاريخ المجتمع المدني دون دراسة المشروع الغربي الإمبريالي. فديموقراطية إنجلترا تستند إلى حقيقة أن هذا البلد حقق الأمن الاجتماعي في الداخل، عن طريق تصدير كل مشكلاته إلى الشرق، (وما الصهيونية سوى تصدير المسألة اليهودية إلى الوطن العربي). وهناك إحصائيتين في غاية الدلالة: الأولى بخصوص ما نهبته إنجلترا من الهند وأنه يفوق كل ما أنتجته إبان الثورة الصناعية (فما بالك بحجم ما نهب من الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس؟). والثاني بخصوص الرأسمالية الأمريكية وقفزتها الهائلة التي حققتها في منتصف القرن التاسع عشر من خلال عدة عناصر كان من أهمها صناعة المنسوجات القطنية، والتي تستند على محصولات القطن الرخيصة. هذه المحصولات كان ينتجها آلاف العبيد السود، الذين يشكلون عمالة رخيصة تمت سرقتها من إفريقيا ثم الهيمنة عليها وقسرها على أن تعيش تحت أقسى أنواع الظلم ودون حد الكفاف. إن الإمبريالية ليست غزوة استعمارية ولا مجرد انحراف عن مسار الغرب، وإنما هي من صميم هذه الحضارة، ولذا لا بد من أخذها في الحسبان باعتبارها مقولة تحليلية.

ثم يطرح المسيري موضوع الدولة الصهيونية، والتي يراها جيباً استيطانياً زرعه الغرب لعدة أغراض من بينها التخلص من يهود شرق أوروبا:

هذه الحضارة الغربية الحديثة التي تدافع عن الحرية وحقوق الإنسان والعدل والمساواة والعدالة وكمية أخرى من القيم النبيلة السامية، لماذا لا تصدر لنا هذه القيم فيما تصدره من سلع وأشياء؟ وعبر تاريخ مصر الحديثة والجزائر الحديث وسوريا الحديثة، من كان يقف ضد الديموقراطية والاستنارة؟ ألم تكن جيوش أوربا هي التي تقصف بالمدافع الجماهير العربية التي تطالب بحريتها وحقوقها؟ ألم تكن هذه الجماهير هي التي ترفع لواء القيم الغربية، النبيلة السامية وتموت من أجلها، بينما تقف لهم جيوش أوربا بالمرصاد؟ من الممثل الرئيس للحضارة الغربية في شرقنا العربي؟ أليست هي الدولة الصهيونية؟ دولة قامت على أرض الآخرين، ولا تستمد شرعيتها من العقل أو الاستنارة أو قيم نبيلة أو سامية، وإنما من منطق القوة وشريعة الغاب، دولة تصدر عن فلسفة عنصرية غيبية إرهابية، وتشرع قوانين عنصرية غيبية إرهابية، وتمتلك جهازاً “أمنياً” قوياً لقمع العرب في داخل الأرض المحتلة، وفي ضربهم خارجها؟

كيف يتعلم الأطفال هوياتهم الجنوسية.. ذكوراً أو إناثاً؟ غيدنز وستوكس يشرحون ذلك

Former-LSE-head-Anthony-G-007

هناك عدة نظريات تشرح كيف يتعلم الأولاد والبنات الأدوار المتصلة بجنسهم في المجتمع، وهوياتهم ذكوراً وإناثاً، أنتوني غيدنز -عالم الاجتماع المعاصر- يعقب عليها:

إن نظريات التنشئة تتجاهل قدرة الأفراد على أن يرفضوا أو يعدلوا من التوقعات الاجتماعية المتصلة بأدوار الجنس. إن فواعل التنشئة كما يرى كونل لا تترك آثارها بصورة آلية على الشخص الذي يوشك على البلوغ. وجل ما تفعله هو دعوة الطفل إلى المشاركة في ممارسة اجتماعية بشروط محددة، وكثيراً ما ترتبط هذه الدعوى بمعنى الإرغام، مع ممارسة ضغوط قوية عليه للقبول مع غياب أي خيار بديل. غير أن الأطفال يرفضون الانصياع، أو بصورة أدق، قد يتحركون بحرية أكبر في ميدان الجنوسة، وقد يخلطون ويمزجون بين عناصر الجنوسة من كلا الاتجاهين. فقد تصر البنات في المدرسة على ممارسة الألعاب الرياضية التنافسية، كما أن الأولاد قد يرتدون ثياباً تعتبر “بنّاتية” في نظر البعض. من المهم أن نتذكر أن البشر ليسوا كائنات سلبية تتقبل البرمجة “البرمجة” الجنوسية بلا سؤال. إن الناس فاعلون نشطون يصنعون الأدوار لأنفسهم ويعدلونها. وبينما نميل إلى الشك في التبني الكامل لفرضيات الأدوار الجنسية، فإن كثيراً من الدراسات قد أظهرت أن كثيراً من الهويات الجنوسية هي، إلى حد ما، نتيجة للمؤثرات الاجتماعية.

لكن مع هذا قد لا يستطيع حتى الوالدين تعليم أطفالهم كيف تتصرف الفتاة أو الولد، لوجود مؤثرات أخرى في تعليم الأطفال هويتهم الجنوسية:

إن المؤثرات الاجتماعية على الهوية الجنوسية تتدفق في قنوات متشعبة. فحتى الآباء والأمهات الذين يحرصون على تربية أطفالهم من تمييز بين الجنسين، يصعب عليهم الوقوف في وجه عدد من أنماط التعلم الجنوسي. فقد أظهرت التي أجريت حول تفاعل الوالدين مع الأطفال على سبيل المثال أن هناك اختلافات مميزة بين أسلوبيّ التعامل مع كل من الأولاد والبنات حتى في الحالات التي يعتقد فيها الأبوان أنهما يعاملان الأولاد والبنات بصورة متماثلة. وتميل الدمى والكتب المصورة وبرامج التلفاز التي يتعرض لها الأطفال إلى التشديد على الاختلافات والصفات المميزة للذكور والإناث. ورغم التغيرات الطفيفة التي نلمسها في الآونة الأخيرة، فإن نسبة شخصية الذكور تزيد على شخصيات الإناث في ما يعرفه الأطفال عموماً من الكتب، والحكايات، وبرامج التلفاز والأفلام. وتقوم الشخصيات من الذكور عادة بأدوار أميل إلى النشاط والمغامرة، بينما يجري تصوير البنات باعتبارهن مخلوقات سلبية وساكنة مرتبطة بالبيت. وقد بينت الباحثات النسويات كيف تتمثل في المنتجات الثقافية والإعلامية التي تستهدف جيل الأطفال مواقف تقليدية تجاه الجنوسة وتجاه الأهداف والطموحات التي ينبغي على البنات والأولاد أن يسعوا إليها.

من الواضح أن التنشئة الاجتماعية الجنوسية من القوة بحيث لا يجرؤ جميع الناس على معارضتها. فحيثما تتحدد هوية الفرد الجنوسية، سواء أكان ذكراً أم أنثى، يتوقع المجتمع من هذا الفرد التصرف كما تتصرف النساء أو كما يتصرف الرجال. وهذه التوقعات إنما تتحقق ويعاد إنتاجها في ممارساتنا المعيشية اليومية.

 وهنا من تيد، كولين ستوكس يتحدث من تجربته بوصفه أباً لفتاة وولد عن كيف يتعلم الأولاد مفهوم الرجولة من أفلام الأطفال. 

التنشئة الاجتماعية ليست برمجة كما يرى أنتوني غيدنز

Former-LSE-head-Anthony-G-007

يقول أنتوني غيدنز -عالم الاجتماع البريطاني المعاصر- عن التنشئة الاجتماعية:

إن الحيوانات التي تقع في أدنى درجات سلم التطور الطبيعي تكون فور ولادتها قادرة على حماية نفسها من دون مساعدة تذكر من جانب الحيوانات الأخرى البالغة. غير أن على الحيوانات الأخرى المتقدمة في سلم التطور أن “تتعلم” طرائق السلوك المناسبة، وتكون في المراحل المبكرة من عمرها بعد الولادة عاجزة كل العجز، مما يفرض على الجيل المتقدم في السن على جيل البالغين رعايتها والعناية بها. والأطفال حديثوا الولادة هم الفئة الأكثر عجزاً بين هؤلاء جميعاً، إذا ليس بمقدور المولود البشري أن يظل على قيد الحياة من دون مساعدة خلال السنوات الأربع أو الخمس الأولى على الأقل من عمره. من هنا، فإن التنشئة الاجتماعية هي التي تجعل من هذا الكائن الوليد، بصورة تدريجية، إنساناَ واعياً لذاته وشخصاً ملماً ببعض المعارف والمهارات المتعلقة بمسالك الثقافية التي ولد فيها. وبهذا المعنى، فإن التنشئة الاجتماعية ليست نوعاً من “البرمجة الثقافية” التي يتشرب فيها الوليد أو الوليدة ما يقع عليه من مؤثرات بصورة سلبية. فالطفل كائن نشط منذ ولادته: إذ أن له / لها احتياجات ومتطلبات في سلوك من يتولون رعايته والعناية به.

والتنشئة الاجتماعية هي التي تصل الأجيال بعضها ببعض. ومولد طفل ما يدخل تعديلاً على حياة الأشخاص المسؤولين عن تربيته، وهم بدورهم يدخلون تجربة تعلمهم أشياء جديدة أيضاً. إن علاقة الأبوّة والأمومة تربط أنشطة البالغين بالأطفال طيلة عمرهم. وفي الوقت نفسه فإن الآباء والأمهات البالغين يتحولون إلى أجداد ويمثلون بالتالي حلقة وصل جديدة تربط ثلاثة أجيال، وهكذا دواليك. من هنا ينبغي اعتبار التنشئة الاجتماعية عملية تستمر طول العمر تتمخض في بعض نتائجها عن تشكيل وإعادة تشكيل التفاعلات الاجتماعية. ذلك أنها تتيح المجال للأفراد بأن ينمّوا أنفسهم، ويطوروا طاقاتهم، ويتعلموا، ويتكيفوا مع ظروف الحياة المستجدة حولهم.