أرشيف الكاتب

ملخص عام ٢٠٢٠ .. أبرز خمسة مقالات منشورة في ساقية؛ للشعر وللفلسفة وللتأمل

في كل عام، نقوم بنشر العديد من المقالات المختلفة سواءً المترجمة أو المقتبسة من شتى مصادر المعرفة، والتي تنال الكثير من تفاعل القراء في مختلف العالم العربي، والتي نستمتع بكتابتها كفريق في رحلاتنا الشخصية للبحث عن الحكمة والمعرفة.

نتفق جميعًا أن هذا العام كان مختلفًا عن جميع الأعوام السبع الماضيات، كان من المثير جدًا البحث عن مختلف المقالات المعرفية والأدبية، وسط كل تلك الأفكار والصفحات والكتب، في مواجهة تحديات الحياة حتى النهاية، وفي كل الخواطر التي نقلبها حين صفاء، والتأمل في السنوات الماضيات، وفي استغلال أوقاتنا بالشكل الذي نأمله من ذواتنا. أو كما يقول (سارتر):

إذا شعرت بالوحدة وأنت وحدك، فأنت في صحبة سيئة.

نتمنى لكم سنة سعيدة، في عامنا الثامن معكم في رحلتنا في أنهار المعرفة لانتقاء جواهر الأدب وعيون الحكمة والمزيد من الإلهام


١. مهما بدت مشاهد حيواتنا مشوشة، ومهما كنا، نحن الذين نعيشها، منهكين، بإمكاننا مواجهة تلك المشاهد والسير حتى النهاية

تقدّم الأستاذة (دلال الرمضان) ترجمتها عن اللغة الإنجليزية لمقالة الكاتبة (ماريا پوپوڤا) عمّا يفعله بنا الشعر، وما الذي يتشاركه مع العلوم التطبيقية، ولماذا يقاومه البعض. من كتاب (حياة الشعر) للشاعرة الأمريكية (موريل روكيسر).


٢. يظهر من ثمة أن الإنسانوي الثاني موصول بما يمكن أن أسميه ثورة الحب. أي اختراع العائلة والزاوج الثابت والاختياري. لوك فيري في مقالة بعنوان: غسق العبقري

في ترجمة حصرية أخرى عن اللغة الفرنسية، يقدم الأستاذ (ماهر الفضلي) ترجمة لمقالة الفيلسوف الفرنسي المعاصر (لوك فيري) في مجلة (LE Point)، والتي حملت عنوان “غسق العبقري”.


٣. سيكون بولص .. وحديثه عن التحولات الثلاث للوعي البشري، ودورها في تشكيل رحلة الفنان المعاصر

كما نشرنا سابقًا عن التحولات الثلاث للوعي البشري كما يصفها الفيلسوف الألماني (فريدريش نيتشه)، يعود الشاعر العراقي الآشوري (سركون بولص) للكتابة عن انعكاس هذه التحولات الثلاث على مسيرة الفنان أو الشاعر. في مقالة من كتابه (الهاجس الأقوى عن الشعر والحياة).


٤. الحياة عقد إيجار .. من المدرسة الهيلينية؛ ورسالة (سينيكا) إلى الفيلسوف الراقي (بولينيوس)

من الفلسفة اليونانية القديمة، يكتب (خالد آل تركي) مقالته “الحياة عقد إيجار”، أو كما عيقول (سينيكا): “حياتنا ليست قصيرة ولكننا نجعلها كذلك لأننا نضيع الوقت فيما لايفيد ولكنها طويلة لمن يرتب أولوياته بشكل صحيح”.


٥. عن (نيوتن)، والطاعون، وكيف حرض الحَجر الصحي على القفزة الأعظم في تاريخ العلم

في مقالة مترجمة أخرى من الأستاذة (دلال الرمضان) عن الكاتبة (ماريا پوپوڤا) عن دور الحجر الصحي في عام ١٦٦٤م إثر انتشار الطاعون في أجزاء المملكة المتحدة، على نظريات (نيوتن) الفيزيائية واكتشافها، وكما يكشفها الكاتب الأمريكي (جيمس جليك) في كتابه.

سركون بولص، وحديثه عن التحولات الثلاث في فكر نيتشه

سركون بولص (1944 – 2007) شاعر عراقي، قدّم العديد من الدواوين الشعرية، بالإضافة إلى ترجماته للعديد القصائد إلى اللغة العربية لعدد من الشعراء، مثل (تيد هيوز). 

في كتابه (الهاجس الأقوى عن الشعر والحياة)، تطرّق (بولص) إلى “التحولات الثلاث” التي ذكرها الفيلسوف (فريدريك نيتشه) في كتابه الأشهر (هكذا تكلم زرادشت)، وقام بشرحها بشكل لطيف، ضمن مقالة حملت عنوان “ملاحظات على الشعر والتحولات الثلاث”. يقول (بولص):

“هناك مثال يصف علاقة المبدع بالعالم في “التحولات الثلاثة”، وهي أول خطبة يفتتح بها (نيتشه) كتابه (هكذا تكلم زرادشت)، يقول فيها كيف ينبغي للروح أن تصير جَملًا في المرة الأولى، ثم يصبح أسدًا، وفي النهاية يتحول الأسد إلى طفل.”

[سركون بولص] – الهاجس الأقوى عن الشعر والحياة

يبدأ (بولص) في شرح الحالة الأولى، وهي حالة الجَمل، فيقول:

“ويرمز الجمل إلى مهمة القيام بحمل أعباء العالم والمعيشة فيه، بينما يقتات على الشوك والعاقول ليشبع جوعه إلى الحقيقة. إن مشيئة الإنسان الخلّاق، يقول (نيتشه)، ترضخ لضرورة التعلم من الظواهر والوقائع والأشياء بأن تصير جزءًا من مسار العالم، وأن تتفاعل مع قضايا العالم الحديّة، هذه هي الخطوة الأولى.”

[…]

ومن ثم، يبدأ في شرح الحالة الثانية، وهي حالة الأسد، قائلًا:

“لكن الروح، بعد ذلك، تحتاج إلى الاستئساد في صراعها مع العالم لكي تنحر تنين القيم الخارجية، […] بهذا الفعل تتخذ الروح كينونة قادرة على الحرية والخلق من جديد. هذه هي المرحلة التي ينبذ فيها الشاعر جميع الآراء السابقة ليجد منابعه ومراجعه الخاصة.”

[…]

وأخيرًا تكون حالة الطفل، هي ختام التحولات الثلاث. فيقول (بولص):

“وأخيرًا على الأسد أن يصبح طفلًا، لأن الروح الجديدة لن تدخل إلى العالم سوى عن طريق الطفل الذي يملك البراءة والقدرة العفوية على النسيان. وهذه هي لحظة الخلق الأصيل؛ يستدير الشاعر بكامل وجوده إلى لحظة كتابة بعقل البدايات، حرًا من جميع الدوافع الأخرى، ما عدا رغبته في أن يقول ما يريد، كما ينبغي أن يُقال.”

[…]

يعقب على ذلك (بولص)، فيقول عن الفنانين عمومًا، مخصصًا حديثه عن الشعراء منهم:

الشعر بلا رؤيا، لا يمكن أن يحمل أية قيمة جوهرية من حيث كونه شعرًا، وليس لعبة ذهنية أو لفظية. وبالرؤيا، لا أعني هنا شطحة الخيال المغمضة العينين […] ذلك أن رؤيا الشاعر ليست واسطة، ليست جسرًا إلى مدى آخر، بل هدف بحدّ ذاته من حيث أنها تجسيد للعالم بوجهيه، الظاهر والكامن.”

[…]

وربما يصدق على ذلك قوله، في أحد اللقاءات الصحفية، والتي نُشرت في مجلة (السفير) عام 2000م، إذ قال:

طبيعي أن الشاعر الحقيقي يعيش الشعر دائمًا في كل لحظة في حياته.

[…]

سركون بولص ناصحًا كل شاعر أن يعرف لغة أخرى بشكل جيد وممتاز، إذا أمكن. وعن دور الترجمة في الشعر

سركون بولص (1944 – 2007) شاعر وفنّان عراقيّ، ولد في الحبّانية في العراق وهاجر إلى بيروت
وعمل كصحفيّ ومُترجم، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية واستقر في سان فرانسسكو حيث درس الأدب المقارن وفنّ النّحت، عاش حياة حافلة بالأدب (الشعر تحديدًا) والفن، قدّم عدة دواوين شعريّة وقصص قصيرة للمراهقين، بالإضافة إلى ترجماته للعديد القصائد إلى اللغة العربية لعدد من الشعراء مثل (تيد هيوز، غيري سنايدر، جاك كيروك، ويليام ميروين) وآخرون.

في أحد اللقاءات الصحفية مع (بولص)، والتي أدارها الأستاذ (صلاح عواد)، ونُشرت في مجلة (نزوى) العمانية عام 1996م، تحدث (بولص) عن دور الترجمة في كتاباته الأدبية الخاصة. الجدير بالذكر، أن هذا اللقاء الصحفي، وغيره من اللقاءات، قد جُمعت ونُشرت في كتاب حمل عنوان (سافرت ملاحقًا خيالاتي).

في هذا اللقاء الصحفي، سأل (عواد): “أنت تقول إنك تكاد تمارس الترجمة يوميًا، وترجمت العديد من النصوص، فما هو أثر الترجمة على نصّك الشعري؟”. فكان جواب (بولص):

التأثير كان كبيرًا جدًا. والترجمة فن قائم بذاته، وأنا عندما أترجم -خصوصًا الشعر- أقوم بكتابة النص من جديد باللغة العربية، محاولًا أن أجد الصوت الكافل كما ينبغي أن يكون بالعربية لذلك الشاعر المتَرجم. وهذا امتحان قاس جدًا، والترجمة اليومية المستمرة هي نوع من التمرين بالنسبة لي. وهذا التمرين هو ممارسة اللغة لكي أجد البدائل في العربية لأقصى وأدق التعابير في اللغة الإنجليزية. والتحدي هو أن تجد في اللغة العربية التعابير الدقيقة والتراكيب المعقدة التي تجدها أحيانًا عند كبار الشعراء. فمثلًا؛ أحيانًا أقوم بترجمة أبيات من جحيم (دانتي) لأني أحب أن أترجم لنفسي المقاطع الصعبة، لأمتحن اللغة العربية، وأتساءل هل يمكن لهذه اللغة أن تعبّر عن هذا الشيء أو ذاك كما أجده باللغة الإنجليزية، لأحد أعظم شعراء اللغة الإيطالية؟ ويقود هذا التمرين أحيانًا إلى تجاوز نفسك واللغة لاختراع نوع جديد من التراكيب الشعرية، وكل هذا طبعًا يؤثر في النهاية عليّ كشاعر عندما أكتب.

سأل بعد ذلك (عواد)، فقال: “الشاعر الأمريكي (ميروين) مهووس بالترجمة، وقد تلقى نصيحة من الشاعر (عزرا باوند) في بداياته الشعرية الذي حثه على الترجمة، واكتشف الشاعر (ميروين) أن لغته قبل القيام بالترجمة كانت فقيرة وخالية من الدلالات، فهل توفر لديك نفس الإحساس بعد ممارسة الترجمة؟”. فأجاب (بولص) على ذلك:

عندما ترجم (عزرا باوند) للشعر الصيني أحدث أكبر ثورة في اللغة الإنجليزية على الإطلاق، وما زالت أصداؤها تتردد حتى الآن. وفي كتابه (Cathay)، الذي ترجم فيه لأربع عشرة قصيدة صينية معزوفة، عن الحرب، وظهر في عام 1915م، حين كانت الحرب العالمية الأولى جارية. وأثّر في الشعر الإنجليزي بعمق، لأنه قدّم التراكيب أو “Ideographs” الصينية، أي وحدات الفكر والتعبير بها في اللغة الصينية. وعندما وجد لها (باوند) البديل باللغة الإنجليزية أحدث ثورة، ومن هذه الثورة خرج شعراء مثل (غيري سايندر)، الذي لولا تأثره بالشعر الصيني والياباني لما كتب كما يكتب الآن، وغيره من الشعراء، من بينهم (ميروين) الذي هو مترجم عظيم، وعاش طوال حياته على الترجمة. وقدّم العديد من شعراء الاسبانية والفرنسية والبروفانسية إلى قراء اللغة الإنجليزية. فالترجمة هي نوع من التلقيح، وهي نوع من الجسور التي تمتد عبر اللغات، وتجعل من جميع اللغات والكتابات، في النهاية، تتشارك وتتداخل وتتلاحم، لتخلق شيئًا جديدًا.

اختتم (عواد) اللقاء الصحفي بعد ذلك، بأن سأل: “هل تنصح الشعراء الشباب بالترجمة؟”، وكان الجواب على ذلك:

أنا أنصح كل شاعر أن يعرف لغة أخرى بشكل جيد وممتاز، إذا أمكن. وأن يحاول الترجمة، حتى لو كان ذلك من أجل لذته الخاصة، كتمرين.

لماذا نتدارس الرياضيات؟ (راسل) يجيب

برتراند راسل (1872-1970) فيلسوف وعالم منطق ورياضي وأيضاً هو مؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني.

في كتابه (عبادة الإنسان الحر)، والذي نقله إلى العربية الأستاذ (محمد عمارة)، تحدث (راسل) عن أحد الأسئلة التي لطالما التقطتها آذاننا حول أهمية علم الرياضيات، والفوائد العائدة على تعلمها. فيتحدث (راسل) مجيبًا في مطلع حديثه عن أحد أهم أهداف الرياضيات:

أحد الأهداف الرئيسية التي تهدف إليها الرياضيات، عندما تدرس بطريقة سليمة، هو إيقاظ إيمان المتعلم بالعقل، وتنمية ثقته في حقيقة ما تم إيضاحه وفي قيمة هذا الإيضاح. هذا الهدف لا يخدمه التدريس القائم حاليًا، ولكن من السهل رؤية الطرق التي يجب أن تخدمه.

ولفهم كيفية تعاملنا مع الرياضيات كأحد تجليات علم المنطق وأساليب الترميز، يقول (راسل):

في بدايات علم الجبر، كان أكثر الأطفال ذكاء يجدون، كقاعدة عامة، صعوبات كبيرة في فهمه، حيث كان استخدام الحروف يمثل لغزًا، ويبدو كما لو أن ليس له من هدف إلا الغموض. وربما كان يستحيل في البداية ألا يُعتقد أن كل حرف يمثل رقمًا بعينه لو كان المدرس يكشف عن الرقم الذي يمثله.

الحقيقة أنه في علم الجبر يتم تعليم العقل في البداية النظر إلى الحقائق العامة، الحقائق التي لا يُقال إنها تنطبق فقط على هذا الشيء أو ذاك، بل على كل شيء فرد من مجموعة من الأشياء. إن القدرة على فهم واكتشاف تلك الحقائق يكمن فيها تمكن العقل من عالم الأشياء الفعلية والممكنة. ومقدرته على التعامل مع ما هو عام يعد إحدى المواهب التي يجب أن يتمتع بها دارس الرياضيات.

ومن ثم يبدأ الجزء الأشد صعوبة في الرياضيات، وهي علم الجبر، والمعادلات غير النهائية. فيتابع (راسل):

عندما يتم تعليم الجبر، تسير الأمور بيسر إلى أن نصل إلى الدراسات التي توجد بها مفاهيم اللانهائية، والمعادلات اللانهائية، وكل الرياضيات العليا. وحل الصعوبات التي كانت تحيط اللانهائية الرياضية ربما كان أعظم الإنجازات التي يفاخر بها عصرنا؛ فمنذ بداية الفكر الإغريقي، كانت تلك الصعوبات معروفة، وفي كل عصر حاولت أعظم العقول الإجابة على السؤال الذي بدا أنه لا إجابة له، والذي سأله (زينو الإلياتي). أخيرًا وجد (جورج كانتور) الإجابة، وتمكن من جعل العقل يقهر مجالًا جديدًا وواسعًا كانت تسيطر عليه الفوضى.

بعيدًا عن آليات تدريس الرياضيات، وعودة إليها ذاتها، وإلى أهميتها، يقول (راسل):

الآن حان الوقت لاكتساح كل ذلك بعيدًا، ولندع الذين يودون الولوج إلى عالم الرياضيات، يتعلمون في نفس اللحظة النظرية الصحيحة، بكل نقائها المنطقي، وبكل التركيز الذي يوفره جوهر مكوناتها.

إذا نظرنا إلى الرياضيات على أنها غاية في ذاتها، وليس تدريبًا تقنيًا للمهندسين -فمن المرغوب فيه بشدة الحفاظ على نقاء وقطيعة تسبيبها- وبالتالي فإن من وصلوا إلى التمرس الكافي بأجزائها الأسهل، يجب أن يوجهوا للخلف قليلًا. فمن الفروض التي قبلوها على أنها ذاتية الدليل إلى الأسس الأصولية التي كان ما يبدو منها في السابق يعد فرضًا يمكن استنتاجه.

يجب أن يتعلموا -وهو ما تظهره نظرية اللانهائية- أن الكثير من المقدمات يبدو ذاتي الدليل للعقل غير المدرب، وأنها بالتمحيص الدقيق تصبح خطأً. بهذه الطريقة يتم توجيههم إلى البحث التحليلي للقواعد الرئيسية، وإلى اختبار الأسس التي ينبني عليها صرح التسبيب المنطقي بكامله، أو باستخدام عبارة أدق؛ يتأسس الجذع الأعظم الذي تخرج منه الفروع الأخرى.

في هذه المرحلة يكون من الأفضل أن تتم دراسة الأجزاء الرئيسية للرياضيات من جديد، دون السؤال عن صحة فرض من الفروض ولكن بالإجابة على السؤال؛ “كيف أمكن إثباته من القواعد المركزية للمنطق؟” الأسئلة من هذا النوع يمكن الآن إجابتها بدقة وتأكد كانا مستحيلين سابقًا، وفي سلسلة التسبيب التي تتطلبها الإجابة، فإن وحدة كل الدراسات الرياضية تفصح عن نفسها.

فالرياضيات هي البحث في المسببات للنتائج المشهودة لكل الأشياء الفعلية والممكنة، كما يقول (راسل) في موضع آخر من حديثه:

عادة ما يصر الفلاسفة على أن قوانين المنطق، التي تتميز بها الرياضيات، هي قوانين للفكر وأنها قوانين تنظم عمليات عقولنا. بهذا الرأي تم الحط من كرامة التسبيب بدرجة كبيرة؛ فلم يعد بحثًا في قلب الجوهر غير المتغير لكل الأشياء الفعلية والممكنة، وإنما أصبح بدلًا من ذلك بحثًا في شيء إنساني بدرجة أو بأخرى، وعرضة لمحدداتنا.

إن تدبر ما ليس إنسانيًا، واكتشاف أن عقولنا قادرة على التعامل مع مواد دامدة وليست من ابتكارات عقولنا، فوق كل ذلك، إدراكٌ بأن الجمال هو شيء ينتمي للعالم الخارجي كما ينتمي للعالم الداخلي.

يختتم (راسل) حديثه عن الرياضيات، وتأثيرها على حياتنا اليومية، بقوله:

تعد الوسائل الرئيسية للتغلب على الإحساس بالمؤلم بالعجز والضعف تجاه قوى معادية، والتي من المؤكد أنه ينتج عن الاعتراف بالقدرة الغامرة لقوى غريبة، وإن تصالحنا باستعراض جمالها الطاغي وبسيطرة القدر -والذي يعد تجسيدًا لهذه القوى- يكون ذلك هو مهمة التراجيديا.

ولكن الرياضيات تأخذنا إلى أبعد مما هو إنساني؛ إلى منطقة الضرورة المطلقة التي يجب أن ينسجم معها، ليس العالم الفعلي فحسب، وإنما كل عالم آخر ممكن. وحتى هنا فإنها تشكل اعتيادًا، أو نجد اعتيادًا مستمرًا، حيث تتحقق مثلنا العليا، ولا تخيب أعظم آمالنا. فقط عندما نفهم بعمق استقلاليتنا الكاملة التي تنتمي للعالم الذي يجده عقلنا، يمكننا أن ندرك الأهمية الشاملة لجمال هذا العالم.

سركون بولص، وحديثه عن الشعر والذاكرة

سركون بولص (1944 – 2007) شاعر وفنّان عراقيّ، ولد في الحبّانية في العراق وهاجر إلى بيروت وعمل كصحفيّ ومُترجم، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية واستقر في سان فرانسسكو حيث درس الأدب المقارن وفنّ النّحت، عاش حياة حافلة بالأدب (الشعر تحديدًا) والفن، قدّم عدة دواوين شعريّة وقصص قصيرة للمراهقين، بالإضافة إلى ترجماته للعديد القصائد إلى اللغة العربية لعدد من الشعراء مثل (تيد هيوز، غيري سنايدر، جاك كيروك، ويليام ميروين) وآخرون.

في كتابه (الهاجس الأقوى عن الشعر والحياة)، والذي يضم عدة مقالات ممتعة، يجمعها موضوع الشعر والكتابة، أفرد مقالة عن الشعر والذاكرة. افتتح (بولص) مقالته:

يتناول الشاعر الزمنَ وهو ينسل من بين أصابعه قطرة فقطرة، ثم يتبخر حتى يصبح عدمًا.

في إحدى قصائده الغزلية، يقول (غالب): “إن القطرة التي لا تصير نهرًا تتشربها الرمال”.

ومرة تلو المرة، عندما أكتب، أكتشف أنني لا أتذكر الماضي ذاته، كما لا أتذكر شخصًا أو مكانًا أو مشهدًا أو صوتًا أو أغنية بعينها، إنما أتذكر أولًا وقبل وقبل كل شيء، كلمات. الكلمات وصداها الذي يتردد في ذاكرتي.

الكلمات التي تقبع في ذاكرة معينة، تحمل أصداء زمن ومكان محددين. لكن المشكلة بالنسبة للشاعر، ليست في الأساس مشكلة مفردات، إنما كيف يستطيع الشاعر تناول المفردات القديمة وصوغها في سياقات جديدة، في تراكيب مبتدعة تتحدث عن حاضرنا وتلقي الضوء على ما يجري حاليًا.

لذلك فإن وظيفة الذاكرة ليست بسيطة؛ إذ لا يتعين على الشاعر أن يعرف الكلمات ومعانيها فحسب، إنما عليه أن ينسى السياقات الكامنة فيها.

ثم يتابع (بولص) حديثه، فيلقي على طفولته الضوء، وعلى أثرها في كتاباته الشعرية، فيقول:

بمحض إرادتي أم رغمًا عني، فأنا لا أتوقف عن الذهاب إلى الماضي والعودة منه.

إن الشعر وسيلة عظيمة للتنقيب في المناطق المخفية عن الحياة التي عاشها الشاعر، وفي المناطق الظليلة التي تقبع فيها اكتشافات لا حصر لها بانتظارك، كل تلك الأشياء التي كوّنتك وجعلتك من أنت، والأماكن والأزمنة والظروف التي عشت فيها؛ جميع الأشياء التي شكّلتك.

فإن عملية العودة إلى الذاكرة أمرٌ في غاية الأهمية بالنسبة لي، العودة إلى تلك التفاصيل التي لا تقبع في رأس أحد سواي. إذًا، فإن الطفولة تشكْل مصدرًا سحريًا يكمن بين الظل والضوء، يثوي عميقًا في الماضي، يمكن استدعاؤه دائمًا وإلباسه ظلالًا جديدة قد لا تكون موجودة إلا في عالم الأحلام.

يتطرق (سركون بولص) بعد ذلك، إلى أهمية الكتابة، مع تركيزه على مجاله في الكتابة؛ الشعرية:

إن الكاتب شاهد على عصره، وعليه أن يكون واعيًا، في خضم كل هذه الفوضى والجنون، والحروب والمذابح، وأن يكون مدركًا لتلك الأصوات الباهتة التي تحدّثنا عن الزمن الماضي، عن حيوات أخرى مدفونة في بطن الحوت الذي يُطلق عليه التاريخ.

[…] لقد أصابت (جيرترود ستاين) عندما قالت: “يجب أن يكون لدى الكاتب بلدان اثنان، بلد ينتمي إليه، وبلد يعيش فيه فعلًا. ويكون البلد الثاني رومانسيًا، منفصلًا عنه، ليس حقيقيًا، لكنه موجود حقًا .. وبالطبع يكتشف الناس أحيانًا بلدهم كأنه هو البلد الآخر”.

لو كان هناك تعريف حقيقي للمنفى، فهذا هو. وأنا أقصد المنفى الأبدي، من دون عاطفة الحنين إلى العودة؛ لأنه لا توجد عودة في واقع الحال، “لا يمكنك أن تخوض في النهر نفسه مرتين”. فعندما تصبح مهاجرًا، مهاجرًا أبديًا، لا يمكن عندها استعادة الجنة مطلقًا.

آدم كيرش مدافعًا عن الرواية العالمية

آدم كيرش (مواليد 1976) هو صحفي أمريكي، وناقد أدبي.

نشر (آدم كيرش) مقالة بعنوان (دفاعًا عن الروائي العالمي)، في صحيفة (فاينانشال تايمز) في ٧ أبريل ٢٠١٧. وقد قامت الأستاذة (لطفية الدليمي) بترجمتها، ونشرها في كتاب (اكتمال العالم) مع عدة مقالات أخرى.

يقوم (آدم) معرفًا للرواية العالمية:

إن الرواية العالمية هي الثورة الأحدث التي لا محيد عنها في النوع الأدبي الذي لطالما سعى دومًا للتعامل السردي الخلاق مع الطريقة التي نحيا بها اليوم، وإذا ما بلغت الرواية العالمية أفضل مرتقياتها الإبداعية فستكون حينئذ قادرة على الارتقاء بالخيال الخلاق الذي يتطلبه التعامل مع عالم معولم بالغ الاختلاف كالعالم الذي نعيش فيه.

ثم يشرح أفكاره بشكل أكبر، متخذًا من أحد روايات (أورهان باموك) أنموذجًا:

لكن الرواية يمكن أن تكون عالمية في مخيالها السردي حتى لو كان مجالها مقيدًا في حدود بلدة محلية، وهذا هو ما يحصل مع رواية (أورهان باموك) المسماة (ثلج) المنشورة عام 2002 والتي تجري وقائعها خلال بضعة أيام وحسب في بلدة تركية حدودية تدعى (كارس). تروي رواية (ثلج) حكاية شاعر تركي يدعى (كا) عاد للتو من منفاه السياسي في ألمانيا ليستقر في بلدة (كارس) التي انقطعت بها السبل عن العالم الخارجي بعد وصوله بفعل عاصفة ثلجية.

“لا بد من التنويه هنا أن مفردة ثلج بالتركية هي (كار)؛ الأمر الذي لن يخفى على القارئ ويجعله يستشعر منذ البداية أن هذه الرواية هي ملعبة كلمات “كار”، “كا”، “كارس”، وتحيل موضوعة عدم إمكانية الترجمة الحرفية لهذه المفردات الثلاث إلى الملامة الشديدة التي يختص بها (باموك) فكرة الروائي العالمي الذي يعتقد بضرورة تطهير لغته من كل المفردات ذات الدلالات الخصوصية غير القابلة للنقل أو الترحيل إلى ثقافات جديدة.”

يكمل (آدم) بعد ذلك في مقالته:

يحصل في هذه الفترة الفاصلة من حياة البلدة أن يشهد الناس فيها انقلابًا مدبرًا من قِبل جماعة علمانية لا تتورع عن ممارسة قمع دموي تجاه السكان المسلمين، وهذا ما يشير بوضوح بأن هذه الرواية تدور في مدار السياسات المحلية، وبالكاد ستكون ذات مغزى مقبول لكل قارئ غير ملمّ بشيء من المعرفة المسبقة بالمجتمع والتاريخ التركيين؛ لكن برغم ذلك فإن واحدة من الموضوعات الأثيرة في هذه الرواية والتي تشكل مصدرًا من مصادر الكوميديا “الملهاة” فيها هي الطريقة التي يتلهف بها كل من الفرقاء المتصارعين في بلدة (كارس) لسرد حكايته الخاصة عن مجريات الوقائع التي حصلت في البلدة للعالم الخارجي الواسع وبخاصة الغرب منه.

إن هذه الحاجة الملحة للفوز بفهم الغربيين يتم وصفه من قبل (باموك) على أنه جزء مركّب الشعور بالدونية المتأصلة في الروح القومية التركية: “ليس الأوروبيون هم من يسعون للتقليل من شأننا معظم الوقت”، هذا ما يقوله (بلو) وهو قائد إسلامي، ثم يردف: “إن ما يحصل عندما ندقق في سلوك الأوروبيين هو أننا نحن من نقلل من قدرنا ونستصغر شأننا”، وبهذا تتمكن رواية (ثلج) من أن تكون حكاية رمزية بشأن العلاقة بين أوروبا والعالم الإسلامي من جهة، وبين الحداثة والدين من جهة أخرى، وهي الموضوعات الأكثر أهمية وراهنية في اللحظة العالمية السائدة من غير الاضطرار لمغادرة السياق المحلي لوقائع الحكاية.

بين اللغة والفكر والتربية، جون ديوي يتأمل

جون ديوي (1859-1952) هو مربٍ وفيلسوف وعالم نفس أمريكي وزعيم من زعماء الفلسفة البراغماتية.

في أحد أبرز كتبه والمعنون بـ(كيف نفكر؟)، والذي نقله إلى العربية د. (محمد علي حرفوش)، تحدث عن علاقة اللغة بالفكر، فابتدأ حديثه قائلًا:

لقد تم الحفاظ على ثلاث وجهات نظر نمطية فيما يتعلق بعلاقة الفكر واللغة:

  • أولًا؛ هما متطابقان

  • ثانيًا؛ الكلمات تقوم مقام زي الفكر أو لباسه، الضروريين ليس من أجل الفكر بل من أجل إيصاله فحسب

  • وثالثًا، وهي وجهة النظر التي سوف ندافع عنها هنا؛ القائلة في حين أن اللغة ليست فكرًا فهي ضرورية من أجل التفكير ومن أجل إيصاله في آن واحد.

يتابع بعد ذلك، موضحًا ما تحتويه مفردة “اللغة” من معانٍ، فيقول: 

وعند القول، من جانب آخر، إن الفكر مستحيل دون لغة، فعلينا أن نتذكر أن اللغة تتضمن أكثر من الكلام الشفهي والمكتوب بكثير. فالإيماءات، والصور، والنُصب، والصور المتخيلة، وحركات الأصابع، وأي شيء يتم استخدامه بطريقة واعية على أنه إشارة، منطقيًا، هو لغة.

والقول بأن اللغة ضرورية للتفكير يكافئ القول بأن الإشارات ضرورية. لا يتعامل الفكر مع الأشياء الصرفة، لكن مع معانيها، واقتراحاتها؛ ولكي يتم استيعاب المعاني، يجب تجسيدها في وجودات محسوسة وخاصة. ودون معنى، الأشياء ليست سوى محفزات عمياء أو مصادر للفرص المتعلقة بالسرور والألم؛ وطالما أن المعاني ليست بذاتها أشياء ملموسة، يجب تثبيتها بواسطة الربط بوجود مادي ما. فالموجودات الموضوعة جانبًا ولا سيّما لتثبيت المعاني وإبلاغها هي إشارات ورموز.

ثم ينتقل إلى فصل آخر بعنوان “انتهاك المناهج اللغوية في التعليم”، قائلًا:

في حال التسليم حرفيًا بالأمر، فإن الحكمة القائلة، “درّس الأشياء، لا الكلمات“، أو “درّس الأشياء قبل الكلمات” ستكون رفضًا للتعليم؛ وهي تقلّص الحياة الذهنية إلى تعديلات مادية وحسية. والتعليم، بالمعنى الصرف، ليس تعلّم الأشياء، بل معاني الأشياء، وتنطوي هذه العملية على استخدام الإشارات، أو اللغة بمعناها التصنيفي.

[…] الرموز هي ذاتها، كما تم توضيحه، وجودات خاصة، ومادية، وحسية، مثل غيرها من الأشياء. وهي رموز فحسب بمقتضى ما تقترحه وتجسده، أي المعني. وهي تقوم مقام هذه المعاني فحسب بالنسبة إلى أي فرد حينما خضع لتجربة متعلقة بوضعية علاقة المعاني بها. من الممكن أن تنفصل الكلمات وتحفظ معنىً ما عندما يكون المعنى أولًا متضمنًا في اتصالنا المباشر مع الأشياء. إن محاولة منح معنى من خلال كلمة فقط دونما أية تعاملات مع شيء هو حرمان الكلمة من المغزى المفهوم؛ ولقد قام المصلحون بالاحتجاج ضد هذه المحاولة، وهي نزعة سائدة إلى حدٍ كبير في التربية.

علاوة على ذلك، هنالك نزعة لافتراض أنه حينما توجد كلمة أو صيغة محددة من الكلام توجد فكرة محددة؛ بينما، في حقيقة الأمر، الراشدون والأطفال على قدم المساواة قادرون على استخدام صيغ صوتية دقيقة ذات معنى أكثر غموضًا وأكثر تشويشًا عما تعنيه.

الجهل الحقيقي أكثر ربحًا لأنه من المرجح أن يكون مترافقًا مع التواضع، والفضول، والانفتاح الذهني؛ بينما القدرة على تكرار عبارة لازمة، ومصطلحات اللغة الخاصة بالحرفة، وحروف الجر المألوفة، تقدّم وهمًا متعلقًا بالتعليم وتغلّف العقل بغلاف عازل حيال الأفكار الجديدة.

يختصر (ديوي) كلماته السابقة، بعد ذلك، في الجملة التالية:

تغدو الكلمات التي تقوم أصلًا مقام الأفكار، باستخدام متكرر، دلالات بحتة؛ وتصبح أشياء مادية يتم التلاعب بها بموجب قواعد محددة، أو يتم اتخاذ ردة فعل تجاهها بواسطة عمليات محددة دون وعي لمعناها.

وأخيرًا، ينتقل (ديوي) إلى فصل أخر بعنوان “استخدام اللغة في التوجهات التربوية”، فيقول مقدّمًا مقترحاته لاستخدام اللغة في خدمة الفكر والتربية:

تبلغ مقولة إن “اللغة تعبير عن الفكر” نصف الحقيقة فقط، ونصف الحقيقة التي من المرجّح أن يترتب عليها خطأ حقيقي. تعبّر اللغة حقًا عن الفكر، لكن ليس في المقام الأول، وليس، في البداية، حتى على نحو واعٍ. والدافع الأولي للغة هو التأثير؛ من خلال تعبير متعلّق بالرغبة والشعور والفكر، على نشاط الآخرين؛ واستخدامها الثانوي هو الدخول في علاقات اجتماعية أكثر حميمية معهم؛ وتوظيفها بصفتها وسيلة توصيل واعية للفكر والمعرفة هي تشكيل ثلاثي، ومتأخر نسبيًا.

[…] وتكمن الصعوبة في تحويل العادات المتعلقة “بالأمور والتسهيلات العادية” إلى عادات مهتمة بـ”الأفكار الدقيقة”. يتطلب الإنجاز الناجح للتحوّل:

  1. توسيع مفردات التلميذ؛ بواسطة احتكاك فكري أوسع مع الأشياء والأشخاص، وأيضًا على نحو بديل، بواسطة تجميع معاني الكلمات من السياق الذي تُسمع أو تُقرأ فيه
  2. جعل مصطلحاته أكثر تحديدًا ودقة؛ باكتشاف ظلال المعاني وتسميتها، وهذا يعني بواسطة جعل المفردات أدق
  3. تشكيل عادات الخطاب المتعاقب؛ فمثلما يوضع كل معنى في سياق موضع معين، وإلى هذا الحد تنتمي كل كلمة في الاستخدام المادي إلى جملة ما، والجملة بدورها تنتمي إلى قصة أكبر، ووصف، أو عملية استنتاج منطقي.

عن اللحظات الأمهات .. اللحظات حاسمة في توجيه صاحبها وتشكيله، كما يصفها زكي نجيب محمود

زكي نجيب محمود ( 1905-1993م)، فيلسوف وكاتب وأكاديمي وأستاذ فلسفة مصري، من مؤلفاته (المنطق الوضعي) في جزأين، و(موقف من الميتافيزيقا) و(تجديد الفكر العربي). كما تعد أحد أبرز مؤلفاته هي (قصة نفس)، والتي تمثل سيرة ذاتية سيكلوجية له. ضمن الكتاب الأخير، كتب (زكي نجيب محمود):

ليست لحظات الزمن في حياة الإنسان سواسية كلها من حيث قوتها في توجيه الأحداث، وأثرها في تكوين الشخصية وتشكيلها، فمنها ما قد يمضي ولا أثر له، ومنها ما يكون له من بعد الأثر وعمقه ما يظل يؤثر في مجرى الحياة إلى ختامها، ولا عجب أن تجيء حيوات الأفراد متفاوتة الوزن والقيمة، متباينة الخصوبة والثمر. فمنها ما تتابع فيه اللحظات على وتيرة واحدة، حتى لكأنها في نهاية الأمر لحظة واحدة مكررة معادة، فضلًا عما تتصف به هذه اللحظة الواحدة من خواء؛ لذلك فهي حياة تمضي وكأنها لم تكن شيئا. لكن منها كذلك حياة تجيء لحظاتها ثقالا بأحمالها، فتمضي تاركة وراءها أثرًا يبقى على وجه الدهر أمدًا طويلا، وبأمثال هذه اللحظات الحبالى تُصنع الحضارات وتُبنى.

يقول بعدها:

إن النظر إلى حياة بمجموعة أحداثها، كالنظر إلى صورة فنية لا يسير عليها البصر في خط مستقيم بادئا في حافة الإطار إلى حافة الإطار هناك، بل إنه ليقع أول ما يقع على نقطة مركزية فيها، كشجرة فارعة على يمينها، أو قمة شامخة على يسارها، أو بقعة لونية في أي موضع منها تلفت النظر إليها لتكون له نقطة ابتداء، ثم ينساب البصر في مختلف الاتجاهات، عائدًا آنًا بعد آن إلى نقطة البدء، فكأنما هذه النقطة المركزية ينبوع تفجرت منه سائر النقاط، وكذلك قل عند النظر إلى حياة فرد من الأفراد بمجموعة أحداثها، فهناك كذلك يتجه الانتبهاه إلى لحظات أمهات كانت حاسمة في توجيه صاحب تلك الحياة.

ثم تساءل بعدها عن معايير هذه اللحظات المحورية في تشكيل الإنسان، وإذا ما كانت لحظة الميلاد أحداها، فيجيب:

إنه لوهم غريب هذا الوهم الذي يوهم الإنسان باتصال شخصه من لحظة الميلاد إلى لحظته الراهنة! نعم إنها وسيلة نافعة لغيري من الناس أن يعدّوني فردًا واحدًا متصل الحياة، بدأ في اللحظة الفلانية ولبث ينتقل هنا وهناك حتى انتهى إلى ما هو عليه الآن. أقول إنها وسيلة نافعة للناس لكي يسهل عليهم عدّ الأفراد عند الإحصاء، ولكن ما لي أنا وما ينفع الناس عند العدّ والحساب؟ المرجع عندي هو خبرتي كما أحياها واعيًا بها، وليس ذلك الطفل الذي يروون لي عن زمان مولده ومكانه وجزءًا من تلك الخبرة الحية الواعية.

تعرف أيضًا على نظرة (زكي نجيب محمود) إلى الفن، أو وجهة نظره إلى الفارق بين الجوهر والتاريخ.

كانت الليبرالية المبكرة فردية في الأمور العقلية، وكذلك في الاقتصاد، ولكنها لم تكن تفرض ذاتها في الجانب الانفعالي أو الأخلاقي. برتراند راسل يشرح نشأة الحركة الليبرالية الغربية

برتراند راسل (1872-1970) فيلسوف وعالم منطق ورياضي وأيضاً هو مؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني. في سلسلة كتبه (تاريخ الفلسفة الغربية)، والمكوّنة من ثلاث أجزاء، آخرها هو (الفلسفة الحديثة) من ترجمة الأستاذ (محمود الشنيطي)، والذي تحدّث (راسل) عن الحراك الليبرالي، فيقول مستفتحًا:

إن نشأة الليبرالية في السياسة وفي الفلسفة، تزودنا بخامة لدراسة مسألة غاية في العموم والأهمية، وأعني بها: ماذا كان تأثير الملابسات السياسية والاجتماعية في أفكار المفكرين والمبدعين؟ وبالعكس، ماذا كان تأثير هؤلاء الرجال في التطورات السياسية والاجتماعية التالية لهم؟ 

وثمة غلطتان متعارضتان، شائعتان كلتاهما، ينبغي أن نأخذ حذرنا قبلهما. فمن جانب الرجال -الذين هم أكثر إلفًا للكتب منهم إلى الأعمال- خليقون أن يبغالوا في تقدير تأثير الفلاسفة. حين يرون حزبًا سياسيًا ما يعلن أنه قد أُلهم بتعاليم هذا المفكر أو ذاك، فإنهم يظنون أن أفعاله يمكن أن تنسب إلى هذا المفكر أو ذاك، بينما، وليس هذا قليل الحدوث، يهلّل الفيلسوف فقط لأنه يحبذ ما يميل إلى فعله الحزب في أي حالة.

وكتّاب الكتب حتى إلى عهد قريب، يكادون كلهم أن يبغالوا في تأثيرات أسلافهم من أهل صناعتهم. ولكن على العكس من هذا. ثمة غلطة جديدة نشأت كرد ضد الغلطة القديمة، وتتمثل هذه الغلطة الجديدة في اعتبار أصحاب النظريات كنتاجات سلبية إلى حد ما، لظروفهم، ولا يكاد يكون لهم نفوذ بالمرة على مجرى الأحداث، فالأفكار -تبعًا لهذه النظرة- هي الزبد على سطح تيارات عميقة، تحددها علل مادية وتقنية: فالتغيرات الاجتماعية لا تنجم عن الفكر، كما أن تدفق النهر لا ينجم عن فقاعات الزبد التي تكشف اتجاه التدفق للناظر.

ومن جانبي، فأنا أعتقد أن الحقيقة تقع بين هذين الطرفين. فبين الأفكار والحياة العملية، كما هو الشأن في كل مكان، ثمة تفاعل متبادل. والتساؤل عمّا هو علّة وعمّا هو معلول تساؤل غير ذي جدوى شأنه شأن مشكلة الدجاجة والبيضة. وسوف لا أضيع الوقت في مناقشة هذه المسألة في التجريد، وإنما سأنظر نظرة تاريخية في حالة واحدة مهمة من حالات المسألة العامة، أعني بها تطور الليبرالية وفروعها منذ نهاية القرن السابع عشر إلى أيامنا.

يتحدث بعد ذلك (راسل) عن بداية الفكر الليبرالي، فيقول:

كانت الليبرالية المبكرة نتاجًا لإنجلترا وهولندا. وكانت لها خصائص معيّنة تتميز بها تميّزًا جيدًا. وكانت تقف مناضلة من أجل التسامح الديني، وكانت ليبرالية بروتستانتية، ولكن من النوع المتحرر أكثر منها من النوع المتعصب، وكانت تعتبر حروب الدين حروبًا سخيفة.

وكانت تقدّر التجارة والصناعة، وتحبذ نشأة طبقة وسطى بدلًا من تحبيذها للملكية والأرستقراطية، وكانت تكنّ احترامًا كبيرًا لحقوق الملكية، وبخاصة إذا كانت هذه الملكية قد جمعت بكدّ مالك فرد، ومع أن مبدأ الوراثة لم يكن مرفوضًا إلا أنه كان مقيدًا في دائرة أشد إحكامًا من التي كان فيها من قبل. وقد رفض بوجه عام الحق الإلهي للملوك في صالح الرأي القائل بأن لكل جماعة حقًا أوليًا على أي حال في اختيار شكل حكومتها.

وقد كان ميل الليبرالية المبكرة متجهًا ضمنًا نحو ديموقراطية تلطّفها حقوق الملكية. وكان ثمة اعتقاد -ليس صريحًا تمامًا في البدية- بأن كل الناس يولدون متساوين، وأن انعدام المساواة بينهم الذي يعقب ذلك ينتج عن الظروف. وقد أفضى هذا إلى تأكيد عظيم على أهمية التربية كمقابلة للخصائص الفطرية.

وكان ثمة تحامل على الحكومة، لأن الحكومات كانت تقريبًا في كل مكان في أيدي الملوك أو الأرستقراطيين الذي كان يندر أن يفهموا حاجات التجار أو يحترموها. بيد أن هذا التحامل قد كبح جماحة الأمل بأن فهمًا واحترامًا ضروريين قد يكتسبان قبل مضي زمن طويل.

يتحدث بعد ذلك (راسل) عن النمط العام للحركات الليبرالية منذ القرن السابع عشر حتى القرن التاسع عشر، فيقول في موضع آخر:

[…] وهذا النمط بسيط في البداية، ولكنه يغدو بالتدريج أكثر فأكثر تعقيدًا. والطابع المميز للحركة كلها هو، بمعنى واسع بعض السعة، النزعة الفردية. بيد أن هذا مصطلح مبهم حتى يعرف تعريفًا أوضح. ففلاسفة اليونان منذ (أرسطو)، لم يكونوا فرديين بالمعنى الذي أبغي أن أستخدم فيه الكلمة. فقد نظروا إلى الإنسان كعضو بصفة جوهرية في جماعة.

يتابع بعد ذلك قائلًا:

[…] وأول نقض مهم لهذا النسق أقدمت عليه البروتستانيتة، التي جزمت بأن المجالس العامة قد تخطئ، فتحديد الحقيقة لم يعد على ذلك مهمة اجتماعية بل مهمة فردية. وما دام أفراد مختلفون وصلوا إلى نتائج مختلفة، فالنتيجة نزاع، ولم تعد القرارات تلتمس عند جمعيات الأساقفة، بل في ساحة المعركة، وما دام لم يكن في وسع أحد الفريقين أن يمحو الآخر، فقد غدا واضحًا، في النهاية، أن من الواجب إيجاد طريقة للتوفيق بين النزعة الفردية العقلية والأخلاقية وبين الحياة الاجتماعية المنتظمة. وقد كانت هذه إحدى المشكلات الرئيسية التي حاولت الليبرالية المبكرة أن تحلّها.

وفي غضون ذلك نفذت الليبرالية إلى الفلسفة. فقد جعل يقين (ديكارت) الأساسي: “أنا أفكر، وإذًا أنا موجود”، أساس المعدفة مختلفة عند كل شخص، ما دامت نقطة البداية عند كل شخص هي وجوده الخاص، لا وجود الأفراد الآخرين أو الجماعة. ويتجه تأكيده على التعويل على الوضوح والتميز الاتجاه نفسه، ما دمنا نظن أننا بالاستبطان نكتشف ما إذا كانت أفكارنا واضحة ومتميزة. ومعظم الفلسفة منذ (ديكارت) كان لها فكريًا هذا الجانب الفردي بدرجة أكبر أو أقل.

بعد الحديث عن مفهوم الفردية في الفلسفة الليبرالية، ينتقل (راسل) إلى نقطة أخرى، فيقول:

لقد كانت الليبرالية المبكرة فردية في الأمور العقلية، وكذلك في الاقتصاد، ولكنها لم تكن تفرض ذاتها في الجانب الانفعالي أو الأخلاقي. هذا الشكل من الليبرالية ساد إنجلترا في القرن الثامن عشر، وسيطر على مؤسسي الدستور الأمريكي، وعلى الموسوعيين الفرنسيين. […] وكان أعظم نجاح لها في أمريكا، حيث ظلّت، دون أن يعوقها الإقطاع ولا دولة الكنيسة، سائدة من سنة 1776 حتى أيامنا، أو على أي حال، حتى سنة 1933.

ينتقل بعد ذلك إلى ذكر عدد من الفلسفات الفرعية لليبرالية، فيقول:

وثمة حركة جديدة تطورت تدريجيًا في ما هو نقيض الليبرالية، تبدأ مع (روسو) وتكتسب قوة من الحركة الرومانسية ومن مبدأ القومية. وفي هذه الحركة امتدّت الفوضوية للبيرالية وجوها صريحة وواضحة، ونموج هذه الفلسفة، عبادة البطل كما طورها (كارلايل) و(نيتشه).

وقد اجتمعت فيها عناصر متعددة. فكان هناك كره النزعة الصناعية الأولى، ومقت القبح الذي ينشأ عنها، والاشمئزاز من شرورها. وكان ثمة حنين للعصور الوسطى التي أحيطت بهالة مثالية بسبب مقت العالم الحديث.

وكانت هناك محاولة للجمع بين الإشادة بامتيازات الكنيسة والأرستقراطية الخابية، وبين الدفاع عن الإجراء ضد استبداد أصحاب المصانع. وكان ثمة تأييد متحمس لحق الثورة باسم النزعة القومية، ولروعة الحروب دفاعًا عن “الحرية”. وكان (بايرون) شاعر هذه الحركة، وكان (فيتشه) و(كارلاليل) و(نيتشه) فلاسفتها.

ولكن ما دمنا لا نستطيع جميعًا أن تكون لنا سيرة القادة الأبطال، ولا نستطيع أن نجعل إرادتنا الفردية تسود، فإن هذه الفلسفة مثل جميع أشكال النزعة الفوضوية الأخرى، تقود لا محالة، حين اختيارها، إلى الحكومة المستبدة لأنجح “بطل”، وحين يرسخ استبداده يقضي في الآخرين على أخلاق فرض الذات، التي ارتفع بها إلى السلطة. هذه النظرية الشاملة للحياة، هم من ثم، تدحض ذاتها، بمعنى أن اختيارها في العمل يؤدي إلى تحقيق شيء مختلف تمامًا؛ دولة ديكتاتورية يكظم فيها الفرد كظمًا صارمًا.

ولا تزال هناك فلسفة أخرى، هي في الصميم، فرع من الليبرالية، أعني بها فلسفة (ماركس). وسأنظر فيها في ما بعد، على أن يحفظ منذ الآن في الذهن.

“الحرية في صميمها وجوهرها إطلاق العنان للناس يلتمسون مصلحتهم أيّان يبتغون” يقول (ميل)، “ما داموا لا يحاولون حرمان الغير مصالحهم”

جون ستيوارت مل (1806-1873) هو فيلسوف واقتصادي بريطاني. في السابعة عشرة من عمره، بلغ مبلغ الرجال على المستوى العقلي، فقد كان صافي الذهن، صريح، فصيح جدا، بالغ الوقار دونما أثر لخوف أو غرور، وخلال السنين العشر التالية، زاول كتابة المقالات والنقد، وحمل عبء الحركة النفعية على كاهله، وكانت مقالاته مصدر شهرة واسعة له، مما جعله خبير في الشؤون العامة.

تعد مفاهيم الحرية هي الرمز الأول الذي يرتبط بكتابات وفلسفة (جون ستيورات ميل)، فمن آبرز إنتاجاته كان كتابه (الحرية) والذي نقله إلى اللغة العربية الأستاذ (طه السباعي باشا).

يقول (ميل) في أحد فصول كتابه، كان عنوانه “في أن المسوغ الوحيد للتعرض لحياة الفرد هو حماية مصالح الغير”:

… ومضمون هذا المبدأ أن الغاية الوحيدة التي تبيح للناس التعرض، على الانفراد أو الاجتماع، لحرية الفرد هي حماية أنفسهم منه. فمنع الفرد من الإضرار بغيره هو الغاية الوحيدة التي تسوغ استخدام السلطة على أي عضو من أعضاء جماعة متمدينة، أما إذا كانت الغاية المنشودة من إرغام الفرد هي مصلحته الذاتية أدبية كانت أو مادية، فذلك لا يعتبر مسوغًا كافيًا؛ وإذن لا يجوز البتة إجبار الفرد على أداء عمل ما أو الامتناع عن عمل بدعوى أن هذا الأداء أو الامتناع أحفظ لمصلحته وأجلب لمنفعته وأعود عليه بالخير والسعادة ولأنه في نظر سائر الناس هو عين الصواب بل صميم الحق.

ثم يتابع بعد ذلك في الفصل ذاته:

فالإنسان غير مسؤول أمام المجتمع عن شيء من تصرفاته إلا ما كان منها ذا مساس بالغير، فأما التصرفات التي لا تخص غير نفسه ولا تتعلق بغير شخصه فهو فيها كامل الحرية مطلق الإرادة، وذلك لأن الإنسان سلطان في دائرة نفسه وأمير حر التصرف في جسمه وعقله.

يتطرق بعد ذلك (ميل) إلى الأحوال التي يجوز فيها التعرض لحرية الفرد، على حد تعبيره، فيقول:

والواقع أن الفرد قد يؤذي غيره بالكف عن التصرف كما قد يؤذيهم بالتصرف، وفي كلا الحالتين يحق للغير محاسبته عمّا ألحق بهم من الأذى؛ على أن استعمال الإكراه في الحالة الأولى يستوجب من الحذر والاحتراس ما لا يستوجباستعماله في الحالة الثانية؛ لأن القاعدة في هذا الباب هي محاسبة المرء عما وقع بغيره من الضرر، أما محاسبته لإهماله في دفع الشر عن سواه فشذوذ واستثناء، ولا يسوغ ولا يبرر إلا في الأحوال الخطيرة التي ينتفي عنها كل شك وارتياب وكثير ما هي.

وأخيرًا، يضع (ميل) في ذلك قاعدة للمجتمعات الحرة، فيقول:

فأيما مجتمع لا تُحترمك فيه تلك الحريات على وجه عام فهو غير خليق بأن يوصف بالحرية مهما كان شكل حكومته؛ وأيما مجتمع لا تقوم فيه تلك الحريات موفورة غير منقوصة، وخالصة غير مشوبة فهو غير كامل الحرية. ولا بدع فإنما الحرية في صميمها وجوهرها إطلاق العنان للناس يلتمسون مصلحتهم أيّان يبتغون وكيفما يريدون، ما داموا لا يحاولون حرمان الغير مصالحهم، وعرقلة مجهودهم في سبيل مرافقتهم. فالفرد دون سواه هو المسؤول عن نفسه، وهو أحق الناس بأن يكون الولي على أحواله بدنية أو عقلية، مادية أو أدبية.