أرشيف الكاتب

نصائح للروائي الشاب، من أمبيرتو إيكو

أمبيرتو إيكو (1932-2016)، فيلسوف إيطالي، وروائي وباحث في القرون الوسطى، ويُعرف بروايته الشهيرة (اسم الوردة)، ومقالاته العديدة. وهو أحد أهم النقاد الدلاليين في العالم.

في أحد اللقاءات الصحفية، سُئل (إيكو) عن نصائحٍ للكاتب الشاب. فكان الرد الأول:

بألا يغتر بنفسه، بأنه قد أصبح فنانًا.

وألا يأخذ نفسه على محمل الجد.

بألا يظن بأنه تعرض للإلهام، فكما تعلم بأن العبقرية هي ١٠٪ من الإلهام، و٩٠٪ من الجهد.

ثم تحدث (إيكو) عن الروائيين الذين يغرقون العالم برواياتهم، فقال:

ثمة أمرٌ آخر أعجز عن استيعابه؛ أولئك الروائيين الذين ينشرون كتابًا في كل عام.

إنهم يبددون تلك المتعة في قضاء ستة أع،ام، أو سبعة أو ثمانية، في الإعداد، في إعداد القصة.

تطرق (أمبيرتو) بعد ذلك إلى نقطة أخرى، فيقول:

دائمًا ما أنزعج ممن يرغب بنشر كتاباته في شبابه.

أذكر بأن شابًا طلب مني نصائحًا في كيفية الكتابة، فأجبته بأنه لا يمكن أن يكون جنرالًا، ما لم يكن قبلها عريفًا، قم رقيبًا، ثم ملازمًا.

امضِ في طريقك خطوة فخطوة. إياك بالتظاهر فورًاباستحقاقك لجائزة نوبل للآداب، لأن هذا ما يقتل كل مستقبل أدبي.

عن علاقة الجنون بالفن، يكتب محمد صادق دياب

محمد صادق دياب (1943-2011) أديب وكاتب سعودي ولد بمدينة جدة، حيث تلقى تعليمه الابتدائي والمتوسط والثانوي فيه، ثم حصل على بكالوريوس التربية وعلم النفس من كلية التربية في جامعة أم القرى عام 1390 هـ، بعدها تحصل دياب على الماجستير في علم النفس التربوي من جامعة ويسكنسن الأمريكية عام 1976 وحصل على شهادة الدكتوراة عام 2009 في علم الاجتماع لكنه لم يود ان يلقب بالدكتور .

في كتابه (عباقرة الفن والأدب، جنونهم وفنونهم)، كتب (محمد صادق دياب) فصلًا عن علاقة الجنون بالفن، فيقول استفتاحًا:

إذا لم يكن الشعر أقدم الفنون في الجزيرة العربية فإنه بالتأكيد أبرزها وبالتالي فإن شخصية الشاعر تبدو وكأنها النموذج الأول للشخصيات الفنية التي احتك بما المجتمع العربي في جاهليته فاستثارت غرابتها لديه كوامن الخيال بحثًا عن تفسير ممكن أو مستحيل يبرر حالة الخروج عن الاعتيادية في شخصية الشاعر أو الفنان.

[…] وحالة الدهشة هذه التي سببتها الشخصية الفنية من خلال غموضها وتميزها لم تقتصر على المجتمع العربي وحده فلقد ظهر في أوروبا في فترات متأخرة من يتشكك حتى في سلامة الفنان العقلية يدعم ذلك آراء مجموعة من علماء التحليل النفسي ترى أن الإبداع الفني عبارة عن ظاهرة بيولوجية نفسية ويفترض النظر إليه على أنه تعويض تصعيدي عن رغبات غريزية أساسية ظلت بلا ارتواء بسبب عوائق في العالم الداخلي أو الخارجي وأن الإبداع الفني لا يصفى دائمًا الصرعات في أكثر الأحيان معرضًا لضروب الإخفاق والعصاب غير أن الإبداع الفني يحرره بمقدار ما يبدع.

يذكر بعد ذلك (محمد دياب) السبب وراء هذه الآراء، فيقول:

ولعل مما أسهم في قبول مثل هذه الآراء ما لوحظ ويلاحظ على سلوكيات مجموعة من عباقرة الفن والأدب مثال (فان كوخ) و(هنريك أبسن) و(ديكينز) و(زولا) و(بلزاك) و(روسو) وغيرهم. 

فلو تأملنا حياة ذلك الرسام العبقري (فان كوخ) لاعترتنا الدهشة ونحن نقرأ كيف قطع أذنه نادما على شجار مع صديق وكيف وضعها بعد ذلك داخل مناديل ليقدمها إلى حبيبته كبرهان على صدق حبه لأنها قد طلبت أذنه ذات مرة وهي تداعبه.

ونمضي في متابعة سيرة هذا العبقري وهو يقضي جزءًا من عمره في المصحات العقلية قبل أن تصل مأساويته إلى ذروتها بإطلاق النار على نفسه ليسدل الستار على حياة حافلة بالفنون والجنون وبالعطاء والشقاء.

[…] وسوف نتاجوز ما يقال عن الروائي (بلزاك) ووقوعه تحت تأثير فكرة التشاؤم والتفاؤل بصورة متطرفة كما سنتجاوز وقوع الفيلسوف والكاتب (جان جاك روسو) تحت هيمنة نزعة الشك في كل من حوله […] ولكننا سنتأمل مجموعة المنتحرين من عباقرة الفن والأدب ونحن نضع في اعتبارنا أن لحظة الانتحار غالبًا ما تنبت في ذرى الجنون فتهزنا وجوه وأسماء كبيرة أمثال الروائي الياباني (ياسوناري كاواباتا) الذي انتحر بطريقة “الهاراكيري” الشهيرة وكذلك (همنجواي) الذي أنهى حياته بطلقة من مسدسه ولن نستطيع تجاوز الحديث في هذا المجال قبل أن تستوقفنا أسماء وشخصيات أخرى كشخصية الرسام المصري الشهير (صلاح جاهين) الذين أنهى حياته بجرعة كبيرة من المهدئات وهو نفس الأسلوب الذي اتبعه القاص الأمريكي (جاك لندن) لإسدال الستار.

كل هذه السلوكيات تضافرت مع آراء علماء التحليل النفسي رافعة أصابع الاتهام بمرض الفنان.

ينتقل بعد ذلك (محمد دياب) إلى المدافعين عن الفنان، فيقول:

هناك مستويان من الدفاع حظي بهما الفنان في هذه القضية .. فالبعض لم يكنر عصابية الفنان ولكن حاول أن يكسب هذا العصاب شيئًا من الإيجابية بينما أنكر البعض هذا الاتهام في مجمله.

يستعرض بعد ذلك عددًا من المدافعين عن الفنان. فيكتب (دياب):

يقول (ترلنج): “إنه ليس من شك في أن ما نسميه مرضًا عقليًا يمكن أن يكون مصدرًا للمعرفة الروحية. فبعض العصابين من الناس قادرين على أن يروا أجزاء معينة من الواقع وأن يروها في قوة أكثر مما يستطيع غيرهم ذلك، إنهم أكثر قدرة على الفهم من الناس العاديين وكثير من مرضى العصاب أو العقل يكونون في أحوال بعينها أقرب صلة بواقع اللاشعور من الناس السويين .. وأكثر من هذا فالمحتمل أن يكون التعبير عن المعنى العصابي أو العقل المرضي للواقع أكثر كثافة وحدة من التعبير العادي”.

[…] كما يحاول الدكتور (سامي الدوروبي) في كتابه القيم (علم النفس والأدب) أن يفرد فصلًا خاصًا بعنوان “التحليل النفسي للأديب” حاول فيه مناقشة بعض آراء علماء التحليل النفسي مؤكدًا أنه ليس من المحتم أن مظاهر العصاب التي نلاحظها على الفنان هي التي تدفع إلى الإبداع الفني ويتساءل أي هذين الأمرين نتيجة وأيهما سبب؟ أيهما علة وأيهما معلول؟ هل أصبح فنانًا لأنه عصابي أم أنه أصبح يتصف بكثير من صفات العصابين لأنه فنان ويستعرض رأي (يونج) الذي يميل إلى الأخذ بالتفسير الثاني والذي يشير إلى أن القوة الإبداعية تمتص شتى الحوافز البشرية.

يختتم (دياب) الفصل، قائلًا:

والخلاصة التي نستخرجها من هذه المناقشة هي أن شخصية الفنان “العبقري” بجنونه وفنونه لا تزال لغزًا يستعصي بل ويتمرد على تفسيرات العلم وعبثًا تسعى السيكولوجية إلى التأطير الإبداع وكشف جوهر العبقرية المبدعة رغم محاولتها إرجاع ذلك إلى ارتفاع نسبة الذكاء كما جاء في دراسة (كوكس) Cox إلى القدرة الخاصة كما وردت في دراسة (سوبر) Super أو الوظائف النفسية كما يشير (جليفورد).

جورج أورويل في قراءات جلال أمين

جلال الدين أحمد أمين (1935-2018) عالم اقتصاد وأكاديمي وكاتب مصري، تعد سلسلة “ماذا حدث للمصريين” من أشهر كتبه وأكثرها انتشارًا. في الكتاب الأول من هذه السلسلة، تناول فيه إلى التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي طرأت على المجتمع المصري بالخصوص، والمجتمع البشري ككل.

يُعد كتاب (تجديد جورج أورويل) من أواخر كتب المفكر العربي (جلال أمين)، وفيه تحدث بإعجاب شديد عن الكاتب البريطاني. فيبتدئ المقالة بقوله:

معظم الكتب يطويها النسيان بعد فترة طويلة أو قصيرة، وقليل جدًا من الكتب ما يظل عالقًا بالأذهان، رغم مرور الزمن، تُطبع ثم يُعاد طبعها، وتظل نسخ منها على رفوف المكتبات لأن أصحاب المكتبات واثقون من أن هناك من سيأتي لطلبها، ولا تتوقف الإشارة إليها في الكتب والمجلات والصحف، دون الحاجة إلى التعريف بها، إذ يفترض أن القراء يعرفونها ولديهم فكرة ما عن مضمونها.

من هذا النوع الأخير من الكتب، بلا شك، رواية (١٩٨٤) للكاتب الإنجليزي (جورج أورويل)، التي مر على صدور أول طبعة منها ثلثا قرن، ولا تزال تُعاد طباعتها المرة بعد المرة، وبمختلف لغات العالم.

ثم يذكر (جلال أمين) بأن (أورويل) قد كتب روايته المذكورة مسبقًا، في وقت قصير، نتيجة لإصابة الأخير بمرض السل حينها، في حين كان يعتبر الانتهاء من الرواية أمرًا بالغ الأهمية. ولهذا يقول (أورويل) عن روايته بأنها “فكرة جيدة ولكنني أفسدتها”. يعلّق (جلال أمين) قائلًا:

وأنا أعتقد أن (أورويل) في هذا الوصف كان يقسو على نفسه في الناحيتين، في زعمه بأنه “أفسدها”، وفي أنه لم يستخدم وصفًا أقوى من “جيدة”.

أما أنه “أفسدها” فأظن أن (أورويل) كان يقصد أنه، في مواضع كثيرة من الرواية، كان “مباشرًا” أكثر من اللازم. ففي تعبيره عن ديكتاتورية النظام، وما يمارسه من قهر كان الوصف، أحيانًا، صريحًا أكثر من اللازم، فيما يبدو لي. وفي وصفه للتعذيب في الفصول الأخيرة كان أيضًا قاسيًا على القارئ أكثر مما ينبغي. كان من الممكن، فيما أظن، أن يحقق غرضه من إثارة اشمئزاز القارئ وسخطه لى النظام الشمولي، دون أن يذهب إلى هذا الحد من الوضوح، إذ كثيرًا ما يكون التلميح في هذه الأمور أقوى أثرًا من التصريح. من الممكن أيضًا أن تُنتقد الرواية لتضمنها فصلين، فصلًا في منتصفها، وملحقًا في نهايتها، هما أقرب إلى التحليل العلمي أو النقد الاجتماعي منهما إلى الرواية.

يصف (جلال أمين) في موضع آخر، هدف (أورويل) من الكتابة، فيقول:

إن (أورويل) شخص ملتزم، وصاحب رسالة منذ كتاباته الأولى. إنه لا يكتب لتسلية القارئ أو لتسلية نفسه. بل ولا يكتب لمجرد الوصول إلى فهم أعمق للحياة أو الطبيعة الإنسانية. إنه يكتب بهدف “الإصلاح” دائمًا.

ويعزو (جلال) هذا السبب وراء تساهل (أورويل) أحيانًا “فيما يتعلق بالشروط المألوفة للرواية الجيدة، ويعطي أولوية لتوصيل رسالته إلى القارئ”. ولهذا السبب، نجد بأن (أورويل) هو كاتب كاره للكذب، كما يصفه (جلال):

ذلك أن للكذب أشكالًا وألوانًا. هناك طبعًا قول عكس الحقيقة، ولكن هناك أيضًا قول الحقيقة ناقصة نقصًا مهمًا، مما يوحي بعكس الحقيقة. وهناك الكلام الغامض أو الأسلوب المعقد في الكلام بغرض إخفاء الحقيقة. وهناك الكلام، ليس هو الموضوع الأجدر بالكلام فيه، لصرف النظر عن الحقيقة. والكذب ليس فقط في الكلام أو الكتابة، بل أيضًا في السلوك، فما أكثر التظاهر بعكس الحقيقة، أو بغرض إخفاء الحقيقة.

ولهذا السبب، برأي (جلال أمين)، نجد أن (أورويل) يفضل حياة الفقر على الترف، إذ أن الفقر أكثر صدقًا، وأضعف رغبة في التظاهر بغير الحقيقة. ومن هذا الدافع، انضم (أورويل) إلى طبقة الفقراء، “عاش عيشتهم، وجاع جوعهم، ودخل معهم السجن”. وكتب عنهم كتابًا شهيرًا بعنوان (حياة التشرد في باريس ولندن).

إن رجلًا لديه هذه الدرجة من كراهية الكذب، لا بد أن يكون لديه أيضًا ميل قوي للنفاذ إلى أعماق الأمور، ولا يكتفي بملاحظة ما يجري على السطح. فما يظهر على السطح قد يكون خادعًا، ولا بد من معرفة ما يجري وراءه. وأظن أن شيئًا كهذا، هو السبب في كراهية (أورويل) للقهر كانت تتجاوز القهر المادي، وترتكز أساسًا في القهر المعنوي أو الروحي. نعم، السجن فظيع إذا كان بغير حق، والتعذيب أفظع، ولكن الأفظع من هذا وذاك القهر الروحي، والإذلال.

وهذا ما نشهده في تفاصيل روايته (١٩٨٤).

البروفيسور روبرت إيغليستون يشرح أنواع الرواية المعاصرة

البروفيسور روبرت إيغلستون (مواليد ١٩٦٨). أكاديمي وكاتب بريطاني، يعمل أستاذًا للأدب والفكر المعاصر في قسم اللغة الإنجليزية بجامعة لندن.

في كتابها (الروايات التي أحب)، ترجمت الأستاذة (لطفية الدليمي) حوارًا معه، ورد فيه شرح لأنواع الرواية الحديثة، يقول فيه:

إنه لأمر غاية الصعوبة أن تحدد نوع الموضوعات التي تتمحور حولها الرواية المعاصرة، أو المواصفات الفنية التي تعتمده هذه الرواية؛ فهي مثل الحياة باتت تتناول أي شيء وكل شيء.

يكمل بعد ذلك بطريقة أكثر تفصيلًا فيقول:

منذ نشأت الرواية كشكل أدبي كانت على الدوام مسكونة بالنزعة الواقعية، وما الواقعية سوى سلسلة من القناعات أو الموضوعات التي حصل اتفاق بشأنها في كيفية تمثيل العالم، ويمكنك التفكير في هذه الموضوعة على السياق التالي: يمكنك تصور أن الرواية هي شيء شبيه بنافذة تطل منها على الناس الماكثين في الطرف الآخر، أو هي لوحة تستطيع النظر فيها فحسب. الواقعية ترمي لتأكيد حقيقة وجود أناس حقيقيين على الجانب الآخر منك، وعنما تقتنصنا شباك رواية مافإننا نقرأ عن شخصيات حقيقية عاشت في زمن (ديكنز) مثلًا.

لطالما كانت الروايات مغرمة بهذه النزعة الواقعية الصارمة ؛ ولكن في الوقت ذاته الذي شاعت فيه هذه الواقعية الصلبة كان ثمة تيار مضاد لها لم يفتأ يسائلها ويضعها على محك التمحيص والتقييم ؛ بل وحصل أن سخر منها في بعض الأحيان! ويمكن للمرء أن يفكر بهذا التيار المضاد للواقعية في سياق المفردات التي جاءت مع تطور الحركات الأدبية المعروفة. على سبيل المثال، في بواكير تأريخ الرواية، نشأت حركة قوطية Gothic مؤثرة، وكثيرًا ما نشهد في الروايات القوطية الكثير من الأشياء والحوادث التي يستحيل وقوعها في الواقع (مثل عمالقة وأشباح وقرود غريبة الشكل، إلى آخره)، ومن المهم ملاحظة أن مثل هذه العناصر الروائية الغريبة قد أدخلت في الرواية في بشكل متزامن مع شيوع الرواية الواقعية التي تحكي عن أشخاص عاديين يعيشون حيوات عادية في زمان ومكان عاديين أيضًا.

ينتقل بعد ذلك في حديثه إلى بواكير القرن العشرين، فيقول:

حلّت الحداثة مع بواكير القرن العشرين، ومن هنا راح كُتاب من أمثال (جيمس جويس) و(فيرجينيا وولف) يحاولون أن يكونوا أكثر واقعية من الواقعية السائدة في الرواية آنذاك ؛ فعلى سبيل المثال عندما نتحدث مع الناس يمكن لعقولنا أن تفكر بطريقة استرجاعية في الماضي أو بطريقة رغائبية في المستقبل، وربما نكون نفكر في ما عسانا سنتناول في الغذاء. حاول الكُتاب الحداثيون عكس هذه الحقيقة في رواياتهم التي بدت -نوعًا ما- عصيّة على الفهم وتحفل بالكثير من الأفكار الاستنبطانية الذاتية.

بعد الحداثة حلّت حقبة ما بعد الحداثة، وساءل فيها كتّاب من أمثال (سلمان رشدي) و(أنجيلا كارتر) النزعة الواقعية -مثلما فعل أسلافهم الحداثيون- ولكن هذه المرة باستخدام المعارضة الأدبية ؛ إعادة سرد الحكايات من زوايا نظر مختلفة مع الاحتفاظ بالمرجعية الذاتية في كل ما يحدث، وقد بدأت هذه النزعة الروائية ما بعد الحداثية تفقد طاقتها في تسعينات القرن العشرين.

يبقى السؤال هنا، عمّا إذا كان هناك حركة أدبية كبرى أعقبت ما بعد الحداثة، يجيب (إيغلستون) بالنفي. فيقول بأن هناك ثلاثة اتجاهات تحدد معالم الرواية الحديثة، لكن لا يمكن أن توصف بالحراك الأدبي:

الاتجاه الأول هو في استخدام الكتاب المعاصرين لبعض الحيل والملاعبات ما بعد الحداثية، غير أنهم يستخدمون هذه الملاعبات بطريقة أخف وطأة في المغامرات التجريبية التي أثقلت بها الروايات ما بعد الحداثية، وهذا النزوع المعاصر يسمى أحيانًا “ما بعد – بعد الحداثة”. رواية (سحابة أطلس) التي كتبها (ديفد ميتشيل)، هي مثال جيد لما أعنيه في هذا الشأن.

أما الاتجاه الثاني فهو العودة لتوظيف بعد التقنيات الحداثية، وثمة روائيون وروائيات مثل (آلي سميث) التي أنتجت بعضًا من أجمل وأعقد الروايات التي نلمح فيها أصوات (فيرجينيا وولف) و(جيمس جويس) بطريقة ذاتية واعية تمامًا.

وأما الاتجاه الثالث، الذي يتعدى نطاق الرواية ليشمل المسرح والسينما والتلفاز، فهو القصدية الواضحة في خلق أعمال تستجيب لمتطلبات الواقع التي باتت تدعى “الجوع إلى الواقع”، وفي الرواية تُرجم هذا الاتجاه بالميل الطاغي نحو كتابة روايات باتت أكثر واقعية بكثير جدًا من الروايات الحداثية وما بعد الحداثية.

عن الشعر والشاعرية، من يوميات بيسوا

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب.

كتب (بيسوا) في مذكراته، والتي ترجمها الأستاذ (المهدي أخريف)، ونشرتها دار توبقال بعنوان (اليوميات)، نصًا يحكي فيه بداية عن تفاهة الإنسان، يقول فيه:

وحينئذ، ما الإنسان في ذاته؟ أليس سوى حشرة تافهة تطنّ مصطدمة بزجاج نافذة؟ ذلك لأنه أعمى، غير قادر على النظر ولا على التحقق مما يوجد بينه وبين الضوء. لذلك يتحمس مجتهدًا في محاولة الدنو أكثر فأكثر، فكيف للعلم أن يساعده؟في إمكانية معرفة متانة الزجاج أو هشاشته معًا، والتأكد من مدى سُمك جزء منه ورهافة جزء آخر؛ واحد أثخن وآخر أرهف. بهذا كله ما مدى دنوّك من الضوء أيها الفيلسوف اللطيف؟ وما مقدار ازدياد إمكانات الرؤية لديك؟ هل بوسعي الإيمان بأن رجل الموهبة، أعني الشاعر، يبلغ على نحو معين حد تهشيم الزجاج باتجاه الضوء، ليشعر بالفرح والفتور الناجمين عن الإنوجاد أبعد فأبعد عن الآخرين جميعًا. لكن أليس هو نفسه أيضًا أعمى؟ هل تمكن أحد، من الدنو من الحقيقة الأبدية؟

يتابع بعد ذلك (بيسوا)، قائلًا:

دعوني أمضي باستعارتي نحو الأبد. بعضهم يبتعدون عن الباب الزجاجي في الاتجاه المعاكس، إلى الخلف، ويصيحون عندما يتأكدون من أنهم لم يصطدموا بالزجاج، لأنه ليس خلفهم. “لقد مررنا”، يقولون.

أنا شاعر محفز بالفلسفة، ولست فيلسوفًا ذا مزايا شعرية؛ مفتتن أنا بملاحظة جمال الأشياء وبرسم اللامرئي والمتناهي الصغر مما يميز الروح الشعرية للكون.

شعرية الأرض لا تموت أبدًا. في وسعنا القول أن عصورًا سالفة معينة كانت شعرية. لكن بوسعنا القول (*)

الشعر موجود في كل شيء، في البر وفي البحر، في البحيرة، وعلى ضفة النهر، وموجودة أيضًا في المدينة، لا تنكر ذلك، يبدو جليًا أمام عينيّ وأنا جالس؛ ثمة شعر في ضوضاء السيارات على قارعة الطريق، في أيّما حركة مبتذلة ومضحكة لصبّاغ في الناحية الأخرى من الشارع وهو يلوّن إعلانًا لدكّان اللحّام.

ثم يقول (بيسوا) عن الحاسة الشعرية:

الحاسة الأعمق لديّ تهيمن على حواي الخمس على نحو يجعلني أرى أشياء الحياة، أنا واثق، بصورة مختلفة عن باقي البشر. لقد وُجد أو يوجد، بالنسبة إليّ ثراء في مدلول شيء مضحك وتافه، في مفتاح، باب، مسمار في جدار، في شاربي هر. بالنسبة إليّ ثمة إيماء روحي تام في دجاجة تعبر الطريق مقوقئة، يوجد بالنسبة إليّ مدلول أعمق من خوف الأشخاص في رائحة الصندل، في علبة أعواد ثقاب منسية، في ورقتين وسختين في يوم عاصف تطوفان الهواء، ثم تتبعان شارعًا سفليًا.

ويوضح بعد ذلك (بيسوا) سبب استشعاره الشعري لهذه اللحظات البسيطة في الحياة، فيقول:

وذلك لأن الشعر دهشة وحيرة، مثل كائن سقط من السماء ثم تأكد أثناء سقوطه، ذاهلًا، من سقطته. مثل مَن عرف أشياء الروح وفي مجاهدته لتذكر تلك المعرفة تحقق من أن تلك الأشياء لم تكن كما عرفها ولا وفق تلك الصورة وتلك الشروط، ثم وجد نفسه عاجزًا عن تذكر المزيد.

على الفنان أن يكون رائعًا ونبيلًا، لأن من يُعجب بالجمال لا يجب أن يفتقر إليه. ولا شك في أن ما يسبب ألمًا رهيبًا للفنان هو ألا يجد في نفسه شيئًا مما يبحث عنه بعناء. من يستطيع وهو يتأمل صورة شيلي، وكيتس، بيرون، وميلتون وإدغاربو ومحل إعجاب كما كانوا يمتلكون حرارة العيش والفرح الإلهي، تمامًا كما يليق بأي شاعر، وأي إنسان.


(*) نص محذوف.