أرشيف الكاتب

معضلة الكتابة للمجتمعات كما يصفها بيسوا

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب.

كتب (بيسوا) في مذكراته، والتي ترجمها الأستاذ (المهدي أخريف)، ونشرتها دار توبقال بعنوان (اليوميات)، نصًا يصف فيه معضلة الكتابة للمجتمعات، يقول فيه:

لا أملك، لأمارس التأثير في المجتمع، سوى تلك المزايا السلبية الحيادية. إنني في المقام الأول رجلٌ استدلاليٌ عقلاني، والأسوأ من ذلك استدلاليٌ مدقّق وتحليلي. غير أن الجمهور ليس قادرًا على اتباع أمثالي، ولا هو قادر على الاهتمام بالتحليل.

ثم إنني في المقام الثاني، تحليليٌ يبحث، في حدود الممكن، عن اكتشاف الحقيقة، لكن الجمهور لا يريد الحقيقة بل تعجبه الأكذوبة. الحقيقة في كل الأوجه ولا سيما في المسائل الاجتماعية معقدة دائما. والجمهور لا يفهم الأفكار المعقدة. يجب أن نمنحه فقط الأفكار البسيطة، العموميات الملتبسة، أي الأكاذيب وإن كانت على صلة بالحقائق؛ ذلك أن تقديم ما هو معقد بصفته بسيطا وعرض ما يحتاج إلى تمييز بدونما تمييز، واللجوء إلى التعميم حيث ينبغي التخصيص للوصول إلى التحديد وتفادي الدقة في مسائل تستوجب الدقة؛ كل ذلك والكذب سواء.

وأنا في المقام الثالث، ولهذا أبحث عن الحقيقة، ميّال إلى التجرد ما استطعت؛ لكن الجمهور الذي تحركه الأهواء وليس الأفكار متحيّز عضويا وهذا لا ينفّره فحسب ويجعله لا مباليا خارج طبيعته وبعيدا عن نبرة التجرد ذاتها، بل إن هذا كله، علاوة، يتفاقم بسبب الالتزامات والتمييزات والتحديدات الواجب التقيّد بها لنكون غير متحيزين. عندنا نحن في أوروبا مثلًا وفي أغلب شعوب جنوب أوروبا، إما أن تكون كاثوليكيا أو ضد الكاثوليكية أو غير معنيّ بالكاثوليكية كما بكل ما عداها.

يكمل بعد ذلك قائلًا:

المجتمعات يسيرها مهيجو المشاعر والأهواء، لا الأفكار. ما من فيلسوف فُتح له طريقا بدون أن يضع نفسه جزئيا أو كليا في خدمة دين أو سياسة أو أي نمط اجتماعي آخر من التفكير.

إذا كان البحث في الموضوع الاجتماعي إذن عديم الفائدة اجتماعيا باستثناء الجانب الفني، إن كان يتوافر على مقومات فنيّة، حينئذ سيكون من الأجدى لنا استخدام جهدنا في صناعة الفن، وليس نصف فن.

يشرح فكرته أكثر قائلًا:

بمعرفتنا أن جميع المعتقدات يمكن تبريرها أو الدفاع عنها وأن قيمتها ليست في ذاتها وإنما في قيمة من يدافع عنها، علينا أن نقصر أنفسنا على أدب الدفاع أكثر مما على قضية الأدب ذاتها. لنصنع حكايات ذهنية نتّبع فيها دافعا فوريا ومتهورا، دراسات علمية أيضًا. حقيقة الفكرة نفسها عليها أن تكون زائدة، ليست بأكثر من دليل جميل مشتق من حيل البصيرة النفاذة.

سوف نتفرغ، متخذين حركة متطابقة في اتجاه معاكس، لإظهار لا معنى الأفكارر السائدة، خسّة الأفكار الأكثر نبالة، الوهم الملازم لجميع ما تقبله الإنسانية أو يمكن أن تقبل به وجميع ما يؤمن به الشعب أو يمكن أن يؤمن به. هكذا سنُخلّص المبدأ الارستقراطي الذي أُسس فوق النظام الاجتماعي، تاركًا وراءه عبودية كونية ورتيبة.

بيسوا يكتب عن حساسيته من الحياة

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب.

كتب (بيسوا) في مذكراته، والتي ترجمها الأستاذ (المهدي أخريف)، ونشرتها دار توبقال بعنوان (اليوميات)، نصًا في الحساسية من الحياة، يقول فيه:

كلما ازداد تعمقنا مع الحياة، في حساسيتنا الخاصة ازدادت، يا للمفارقة الساخرة! درجة معرفتنا. في سن العشرين كنت مؤمنا بقدري المشؤوم واليوم أنا على معرفة بقدري المبتذل؛ في سن العشرين كنت معجبًا وطامحا إلى مبادئ الشرق؛ واليوم ترضيني بلا تفاصيل ولا أسئلة نهاية هادئة لحياتي، بصفتي صاحب دكان تبغ.

الأسوأ في الحساسية هو تفكيرنا فيها، وليس بها. لمّا كنت على جهل بسخافتي استطعت الاستمتاع بأحلام رائعة. الآن بمعرفتي من أكون أنا تبقى لديّ الأحلام التي أقرر امتلاكها.

السخف هو الصدمة التي تعيد الذكاء إلينا. ثمة جزء مهم من الذكاء لا أعرف منه إلا الذكاء.

 

بين المحب والمحبوب، برأي كارسن ماكلرز

كارسن ماكالرز

كارسن ماكلرز (1917-1967)، روائية أمريكية، وكاتبة مقالات وشاعرة. لديها العديد من الأعمال، منها (أنشودة المقهى الحزين)، والتي ترجمها إلى العربية الأستاذ (علي المجنوني).

تقول في أحد أجزاء سردها:

بادئ ذي بدء، الحب تجربة مشتركة بين شخصين – لكن حقيقة أنها تجربة مشتركة لا تعني أنها متشابهة بالنسبة إلى الفردين المعنيين. فهناك المحب والمحبوب، ولكن ذينيك الاثنين من مقاطعتين مختلفتين، غالبا ما يكون المحبوب مجرد محفز لكل الحب المخزون الموجود بهدوء داخل المحب حتى تلك اللحظة. وبطريقة ما يعرف هذا الأمر كل محب. إنه يشعر في روحه أنه حبه شيء فردي. إنه يهتدي إلى معرفة وحدة جديدة وغريبة، وهذه المعرفة أصل مكابدته. إذن ليس هناك سوى شيء واحد يفعله المحب. يتعين عليه أن يُسكن حبه في جوفه ما استطاع، يتعين عليه أن يخلق لنفسه عالمًا داخليا جديدا كليًا – عالما حادًا وغريبا ومكتملا في ذاته. تجدر الإضافة هنا أن هذا المحب الذي نتحدث عنه ليس بالضرورة أن يكون شابًا يدخر المال من أجل خاتم زواج – هذا المحب قد يكون رجلا أو امرأة أو طفلا أو أي مخلوق بشري على وجه هذه الأرض.

تتحدث بعد ذلك عن الفرد الآخر في تجربة الحب، ألا وهو المحبوب، فتقول:

أما المحبوب فقد يكون له أي وصف أيضًا. أغرب الناس قد يكون باعثًا على الحب محفزا له. قد يكون رجلٌ جدَّا خَرِفًا ومع ذلك لا يحب إلا فتاة غريبة رآها في شوارع تشيساو ذات ظهيرة قبل عقدين من الزمن. قد يحب الواعظ امرأة منحطة. قد يكون المحبوب خائنًا أحمق ميّالًا إلى أردى الطباع. أجل، وقد يرى المحب هذا الشيء بكل وضوح كما يراه أي شخص آخر، غير أن ذلك لا يؤثر مثقال ذرّة على نموّ حبّه. إن شخصًا عاديًا جدًا قد يكون هدفًا لحبّ جامح ومتهور وجميل مثل زنابق المستنقع السامة. وقد يكون رجلٌ خيّرٌ محفزًا لحبّ عنيف ومُهين، أو قد يبعث مخبولٌ ثرثارٌ في روح أحدهم أنشودة رقيقة وبريئة، وهذا فإن قيمة أي حب وطبيعته يحددهما المحب وحده.

تستكمل بعد ذلك حديثها قائلة:

لهذا يُفضل أكثرنا أن يُحبّ عوضًا علي يُحَب. يرغب كل إنسان تقريبا في أن يكون المُحب. والحقيقة الفجّة أن كثيرين لا يطيقون، بطريقة عميقة وغامضة، أن يكونوا محبوبين. إن المحبوب يخشى المحب ويكرهه، ولأكثر الأسباب وجاهة. لأن المحب على الدوام يحاول أن يجرّد محبوبه. يتوق المحب إلى أي علاقة ممكنة مع المحبوب، حتى ولو كان حريًا ألا تجلب له هذه التجربة سوى الألم.

كيف يكتب بورخيس؟

بورخيس

خورخي لويس بورخيس (1899-1986)، هو كاتب أرجنتيني. يُعد عَلمًا من كتاب القرن العشرين، وبرز أيضًا في الشعر والنقد.

في كتاب (بورخيس؛ صانع المتاهات)، والذي قدّمه وترجمه الأستاذ (محمد ايت لعميم) ينقل حوارًا أجراه مع (ماريا كوداما)، زوجة (بورخيس)، سألها فيه عن عملية الكتابة عند (بورخيس)، فأجابته:

أما فيما يتعلّق بالكتابة، فإنه دائمًا ينتظر أن تجود عليه الآلهة بالإلهام، فلا يعتريه القلقإن تأخرت عليه الكتابة، فهو لا يضخّم المسألة، إذ كل شيء بسيط، إن أتت الكتابة يكتب، إن لم تأت لا يقلق.

كما ينقل (محمد ايت لعميم) أيضًا حوارًا أجراه (أوزفالدو فيراري) مع (بورخيس)، فيسأل (فيراري): “أود أن أتناول معك اليوم ظاهرة يرغب الكثير في معرفتها، أريد أن أتحدث معكم عن الطريقة التي تنتج لديكم عملية الكتابة، بمعنى آخر، كيف تنشأ فيكم قصيدة أو قصة وانطلاقًا من اللحظة التي يبدأ فيها كل شيء كيف تتابع العملية، لنقل صنعة هذه القصيدة أو القصة؟”، فيجيبه (بورخيس):

تبدأ الكتابة بنوع من الوحي، غير أنني أستعمل هذه الكلمة بتواضع ومن دون تطلع، هذا يعني أنني أعرف أن شيئًا ما سيقع فجأة، وأن ما يأتيني غالبًا بالنسبة إلى قصة هو البداية والنهاية، أما في حالة القصيدة فالأمر ليس كذلك، إنها فكرة عامة جدًا، أحيانًا يأتيني البيت الأول، فإذن شيء ما يُمنح لي ثم أتدخل، ومن الممكن أن أفسد كل شيء (يضحك). بالنسبة إلى القصة مثلًا، أعرف البداية، أي نقطة الانطلاق، وأعرف النهاية، أي الهدف، لكن بعد ذلك عليّ أن أكتشف بوسائلي المحدودة جدًا ما يحصل بين البداية والنهاية. بعد ذلك تأتي مشاكل أخرًا، مثلًا: هل من الملائم أن أحكي بضمير المتكلم أم بضمير الغائب، بعد ذلك ينبغي أن أبحث عن الفترة، بالنسبة إليّ، وهذه ثورة شخصية، فالفترة التي تلائمني أكثر هي العشر سنوات الأخيرة للقارن التاسع عشر. أختار إذا تعلق الأمر بإحدى حكايات Porteno وأماكن قريبة من بالرمو وباراكاس أو تورديرا، أما بالنسبة إلى التاريخ لنقل سنة 1899، السنة التي وُلدت فيها، لماذا؟ فمن الذي يستطيع أن يعرف كيف كان يتكلم في هذه الفترة سكان هذه الأحياء، لا أحد. أريد أن أشتغل وأنا مرتاح، فعلى العكس إذا اختار كاتب موضوعة معاصرة فالقارئ يتحول إلى مفتش ويقرر أن: الأمر ليس كذلك إذ في مثل هذا الحي لا نتكلم بهذه الطريقة، الناس الذين ينتمون إلى طبقة ما لا يستعملون مثل هذا التعبير، أما أنا فبالعكس، عندما أختار فترة بعيدة شيئًا ما، ومكانًا بعيدًا شيئًا ما أحافظ على حريتي، أستطيع أن أتخيل .. أو حتى أن أزيّف، يمكنني أن أكذب دون أن يعلم أحد، من دون أن أعلم حتى أنا. بما أنه من الضروري لكاتب الحكاية، حتى لو كانت فنتازية، أن يعتقد في الوقت نفسه في حقيقتها.

المضمون الظاهر والكامن في الرواية

0703_writing_cog

برنار فاليت. حامل شهادة في الأدب الحديث، ودكتوراه في الأدب الفرنسي، ومحاضر في جامعة باريس 7 (Paris VII).

في كتابه (الرواية؛ مدخل إلى مناهة التحليل الأدبي وتقنياته)، والذي ترجمته الأستاذة (سمية الجراح) إلى اللغة العربية، تحدث عن الرواية بوصفها “عملًا مفتوحًا”. فيقول:

يمكننا القول، إذا استندنا إلى جمالية إعلامية، إن العمل الروائية هو رسالة منجزة بشكل صوري إلا أنها جزئية. ليس للرواية أي بنية محددة مسبقًا، وهي قد تخلصت من أي منظورية. إلا أنها، كي تكون مفهومة، عليها أن تحترم عددًا من الزخارف، أو أن تخلق عادات تؤسس معايير جديدة للمقروئية. تدين بحداثتها المستمرة إلى التوازن، المتقلّب دائمًا والمستقر بين ترقب المتلقي وأصالة المرسل.

وفي ذات الفصل، تابع حديثه قائلًا:

إن العمل المغلق هو أحادي الدلالة ويفرض وجود تفسير أدبي. يرتكز كل عمل فقه اللغة على إنشاء فهم أحادي المعنى للنص. أما العمل المفتوح فهو متعدد القيم، ويفلت من كاتبه، ويتخطى العصر وإطار المجتمع الذي تم تأليفه فيه وقد يأخذ على عاتقه دلالات جديدة، غير قابلة للبت، وفي بعض الأحيان معارضة بشكل كلي للتصميم البدائي لمبدعه. وُلد المعنى المتناقض من ازدواجية الإشارات، وهو بذاته خصب.

ثم تحدث عن الرسالة المتضمنة في الروايات، بفصل أسماه “المضمون الظاهر والمضمون الكامن”، والذي يقول فيه:

يمكن اعتبار الملفوظ الروائي، ما تقوله الرواية، مكانًا للخطاب المزدوج؛ الواحد ذو نمط إخباري بحت، مفهومي؛ والآخر الذي يقتبس من الحكاية إغراءات المتخيّل، يكون سرديًا حصرًا. تتوافق دراسة كل من هذه السجلات مع توجه محدد. فبينما يسعى تحليل المضمون إلى الإمساك بالعناصر المناسبة على مستوى الأفكار فقط ولا يمتنع عن القراءة بين السطور كي يكتشف دلالة عميقة، ماذا يريد النص أن يقول، على العكس من ذلك، ما يعتبره التحليل البنيوي أساسًا هو منطق السرد. ما يهم بالنسبة إلى الإثنوغرافيين، كما بالنسبة لأولئك المدعوين بالشكلانيين الروس، بالنسبة إلى أي محاولة تحليل وثائقي، مكنن أو معلّم، لمدونة سردية، هو فقط الأفعال أو وفقًا لمصطلحية (بروب)، الوظائف. من بين الأوائل، أعتقد (ليفي-ستراوس) أنه بالإمكان الملاحظة:

“لا توجد ماهية الأسطورة في الأسلوب ولا في طريقة السرد ولا في علم النحو لكن في القصة المروية”.

كذلك يبدو أن الرواية تقدم خطابًا سطحيًا، أو معنى ظاهريًا، ومضمونًا كامنًا، أو معنى عميقًا، ويمكننا منذ الآن ملاحظة أنها تتطابق بالنسبة للبعض مع نواتها الدلالية؛ قال (لا فونتين): “لا يجب تقديم درس أخلاقي سوى الملل، أما الحكاية فهي تمرر التعليم الأخلاقي معها”. وبالنسبة إلى الآخرين، تتطابق الرواية مع بنيتها السردية، القصصية أو العاملية.