أرشيف الكاتب

البروفيسور روبرت إيغليستون يشرح أنواع الرواية المعاصرة

البروفيسور روبرت إيغلستون (مواليد ١٩٦٨). أكاديمي وكاتب بريطاني، يعمل أستاذًا للأدب والفكر المعاصر في قسم اللغة الإنجليزية بجامعة لندن.

في كتابها (الروايات التي أحب)، ترجمت الأستاذة (لطفية الدليمي) حوارًا معه، ورد فيه شرح لأنواع الرواية الحديثة، يقول فيه:

إنه لأمر غاية الصعوبة أن تحدد نوع الموضوعات التي تتمحور حولها الرواية المعاصرة، أو المواصفات الفنية التي تعتمده هذه الرواية؛ فهي مثل الحياة باتت تتناول أي شيء وكل شيء.

يكمل بعد ذلك بطريقة أكثر تفصيلًا فيقول:

منذ نشأت الرواية كشكل أدبي كانت على الدوام مسكونة بالنزعة الواقعية، وما الواقعية سوى سلسلة من القناعات أو الموضوعات التي حصل اتفاق بشأنها في كيفية تمثيل العالم، ويمكنك التفكير في هذه الموضوعة على السياق التالي: يمكنك تصور أن الرواية هي شيء شبيه بنافذة تطل منها على الناس الماكثين في الطرف الآخر، أو هي لوحة تستطيع النظر فيها فحسب. الواقعية ترمي لتأكيد حقيقة وجود أناس حقيقيين على الجانب الآخر منك، وعنما تقتنصنا شباك رواية مافإننا نقرأ عن شخصيات حقيقية عاشت في زمن (ديكنز) مثلًا.

لطالما كانت الروايات مغرمة بهذه النزعة الواقعية الصارمة ؛ ولكن في الوقت ذاته الذي شاعت فيه هذه الواقعية الصلبة كان ثمة تيار مضاد لها لم يفتأ يسائلها ويضعها على محك التمحيص والتقييم ؛ بل وحصل أن سخر منها في بعض الأحيان! ويمكن للمرء أن يفكر بهذا التيار المضاد للواقعية في سياق المفردات التي جاءت مع تطور الحركات الأدبية المعروفة. على سبيل المثال، في بواكير تأريخ الرواية، نشأت حركة قوطية Gothic مؤثرة، وكثيرًا ما نشهد في الروايات القوطية الكثير من الأشياء والحوادث التي يستحيل وقوعها في الواقع (مثل عمالقة وأشباح وقرود غريبة الشكل، إلى آخره)، ومن المهم ملاحظة أن مثل هذه العناصر الروائية الغريبة قد أدخلت في الرواية في بشكل متزامن مع شيوع الرواية الواقعية التي تحكي عن أشخاص عاديين يعيشون حيوات عادية في زمان ومكان عاديين أيضًا.

ينتقل بعد ذلك في حديثه إلى بواكير القرن العشرين، فيقول:

حلّت الحداثة مع بواكير القرن العشرين، ومن هنا راح كُتاب من أمثال (جيمس جويس) و(فيرجينيا وولف) يحاولون أن يكونوا أكثر واقعية من الواقعية السائدة في الرواية آنذاك ؛ فعلى سبيل المثال عندما نتحدث مع الناس يمكن لعقولنا أن تفكر بطريقة استرجاعية في الماضي أو بطريقة رغائبية في المستقبل، وربما نكون نفكر في ما عسانا سنتناول في الغذاء. حاول الكُتاب الحداثيون عكس هذه الحقيقة في رواياتهم التي بدت -نوعًا ما- عصيّة على الفهم وتحفل بالكثير من الأفكار الاستنبطانية الذاتية.

بعد الحداثة حلّت حقبة ما بعد الحداثة، وساءل فيها كتّاب من أمثال (سلمان رشدي) و(أنجيلا كارتر) النزعة الواقعية -مثلما فعل أسلافهم الحداثيون- ولكن هذه المرة باستخدام المعارضة الأدبية ؛ إعادة سرد الحكايات من زوايا نظر مختلفة مع الاحتفاظ بالمرجعية الذاتية في كل ما يحدث، وقد بدأت هذه النزعة الروائية ما بعد الحداثية تفقد طاقتها في تسعينات القرن العشرين.

يبقى السؤال هنا، عمّا إذا كان هناك حركة أدبية كبرى أعقبت ما بعد الحداثة، يجيب (إيغلستون) بالنفي. فيقول بأن هناك ثلاثة اتجاهات تحدد معالم الرواية الحديثة، لكن لا يمكن أن توصف بالحراك الأدبي:

الاتجاه الأول هو في استخدام الكتاب المعاصرين لبعض الحيل والملاعبات ما بعد الحداثية، غير أنهم يستخدمون هذه الملاعبات بطريقة أخف وطأة في المغامرات التجريبية التي أثقلت بها الروايات ما بعد الحداثية، وهذا النزوع المعاصر يسمى أحيانًا “ما بعد – بعد الحداثة”. رواية (سحابة أطلس) التي كتبها (ديفد ميتشيل)، هي مثال جيد لما أعنيه في هذا الشأن.

أما الاتجاه الثاني فهو العودة لتوظيف بعد التقنيات الحداثية، وثمة روائيون وروائيات مثل (آلي سميث) التي أنتجت بعضًا من أجمل وأعقد الروايات التي نلمح فيها أصوات (فيرجينيا وولف) و(جيمس جويس) بطريقة ذاتية واعية تمامًا.

وأما الاتجاه الثالث، الذي يتعدى نطاق الرواية ليشمل المسرح والسينما والتلفاز، فهو القصدية الواضحة في خلق أعمال تستجيب لمتطلبات الواقع التي باتت تدعى “الجوع إلى الواقع”، وفي الرواية تُرجم هذا الاتجاه بالميل الطاغي نحو كتابة روايات باتت أكثر واقعية بكثير جدًا من الروايات الحداثية وما بعد الحداثية.

عن الشعر والشاعرية، من يوميات بيسوا

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب.

كتب (بيسوا) في مذكراته، والتي ترجمها الأستاذ (المهدي أخريف)، ونشرتها دار توبقال بعنوان (اليوميات)، نصًا يحكي فيه بداية عن تفاهة الإنسان، يقول فيه:

وحينئذ، ما الإنسان في ذاته؟ أليس سوى حشرة تافهة تطنّ مصطدمة بزجاج نافذة؟ ذلك لأنه أعمى، غير قادر على النظر ولا على التحقق مما يوجد بينه وبين الضوء. لذلك يتحمس مجتهدًا في محاولة الدنو أكثر فأكثر، فكيف للعلم أن يساعده؟في إمكانية معرفة متانة الزجاج أو هشاشته معًا، والتأكد من مدى سُمك جزء منه ورهافة جزء آخر؛ واحد أثخن وآخر أرهف. بهذا كله ما مدى دنوّك من الضوء أيها الفيلسوف اللطيف؟ وما مقدار ازدياد إمكانات الرؤية لديك؟ هل بوسعي الإيمان بأن رجل الموهبة، أعني الشاعر، يبلغ على نحو معين حد تهشيم الزجاج باتجاه الضوء، ليشعر بالفرح والفتور الناجمين عن الإنوجاد أبعد فأبعد عن الآخرين جميعًا. لكن أليس هو نفسه أيضًا أعمى؟ هل تمكن أحد، من الدنو من الحقيقة الأبدية؟

يتابع بعد ذلك (بيسوا)، قائلًا:

دعوني أمضي باستعارتي نحو الأبد. بعضهم يبتعدون عن الباب الزجاجي في الاتجاه المعاكس، إلى الخلف، ويصيحون عندما يتأكدون من أنهم لم يصطدموا بالزجاج، لأنه ليس خلفهم. “لقد مررنا”، يقولون.

أنا شاعر محفز بالفلسفة، ولست فيلسوفًا ذا مزايا شعرية؛ مفتتن أنا بملاحظة جمال الأشياء وبرسم اللامرئي والمتناهي الصغر مما يميز الروح الشعرية للكون.

شعرية الأرض لا تموت أبدًا. في وسعنا القول أن عصورًا سالفة معينة كانت شعرية. لكن بوسعنا القول (*)

الشعر موجود في كل شيء، في البر وفي البحر، في البحيرة، وعلى ضفة النهر، وموجودة أيضًا في المدينة، لا تنكر ذلك، يبدو جليًا أمام عينيّ وأنا جالس؛ ثمة شعر في ضوضاء السيارات على قارعة الطريق، في أيّما حركة مبتذلة ومضحكة لصبّاغ في الناحية الأخرى من الشارع وهو يلوّن إعلانًا لدكّان اللحّام.

ثم يقول (بيسوا) عن الحاسة الشعرية:

الحاسة الأعمق لديّ تهيمن على حواي الخمس على نحو يجعلني أرى أشياء الحياة، أنا واثق، بصورة مختلفة عن باقي البشر. لقد وُجد أو يوجد، بالنسبة إليّ ثراء في مدلول شيء مضحك وتافه، في مفتاح، باب، مسمار في جدار، في شاربي هر. بالنسبة إليّ ثمة إيماء روحي تام في دجاجة تعبر الطريق مقوقئة، يوجد بالنسبة إليّ مدلول أعمق من خوف الأشخاص في رائحة الصندل، في علبة أعواد ثقاب منسية، في ورقتين وسختين في يوم عاصف تطوفان الهواء، ثم تتبعان شارعًا سفليًا.

ويوضح بعد ذلك (بيسوا) سبب استشعاره الشعري لهذه اللحظات البسيطة في الحياة، فيقول:

وذلك لأن الشعر دهشة وحيرة، مثل كائن سقط من السماء ثم تأكد أثناء سقوطه، ذاهلًا، من سقطته. مثل مَن عرف أشياء الروح وفي مجاهدته لتذكر تلك المعرفة تحقق من أن تلك الأشياء لم تكن كما عرفها ولا وفق تلك الصورة وتلك الشروط، ثم وجد نفسه عاجزًا عن تذكر المزيد.

على الفنان أن يكون رائعًا ونبيلًا، لأن من يُعجب بالجمال لا يجب أن يفتقر إليه. ولا شك في أن ما يسبب ألمًا رهيبًا للفنان هو ألا يجد في نفسه شيئًا مما يبحث عنه بعناء. من يستطيع وهو يتأمل صورة شيلي، وكيتس، بيرون، وميلتون وإدغاربو ومحل إعجاب كما كانوا يمتلكون حرارة العيش والفرح الإلهي، تمامًا كما يليق بأي شاعر، وأي إنسان.


(*) نص محذوف.

“المقالة ماء الأدب”، كما يقول عمرو منير دهب

 

عمرو منير دهب كاتب سوداني ولد في الخرطوم، كتب بالعديد من الصحف السودانية منذ منتصف التسعينيات متنقلاً من صحيفة الإنقاذ إلى صحيفة الأنباء، ثم جريدة الصحافة وصحيفة الأحداث، وبعدها إلى جريدة السوداني، ثم صحيفة الصيحة.

في مقالة حصرية من الأستاذ (عمرو)، لدى منصة ساقية، حملت عنوان “المقالة ماء الأدب”، يقول الكاتب:

ينطوي تقديرنا لقيمة الماء على مفارقة كبرى نمارس شقّها الشرير كل يوم بضمير مستريح، ففي حين لا نختلف على أنه ليس بوسعنا الاستغناء لبضعة أيام عن الماء الذي جُعل منه كلُّ شيء حيّاً (فضلاً عن دواعي الرفاهية للتمتع بنعيمه كل بضع دقائق)، فإن انتباهنا ينصرف بتقدير أعظم إلى سائر ما هو مشتق من الماء من المشروبات على اختلاف غايات الإنسان منها، وعندما نفطن إلى أننا نجور على الماء في تقديره معنوياً ومادياً – في أعقاب تلذذنا بسواه من العصائر وظمئنا إليه تحديداً – نعود فنتدارك ذلك بإشارة عابرة لتأكيد حاجتنا التي لا تنقطع إلى سبب الحياة الأساس دون أن يدفعنا ذلك إلى الكف عن تبجيل مشتقاته التي لا ننقطع عن ابتداع المزيد منها والدفع بها إلى الأسواق بأثمان مضاعفة مقارنة بما نجود به لقاء قارورة ماء عندما نضطر إلى شراء واحدة منها.

ذلك وجه الشبه الأول بين الماء في الحياة والمقالة في الأدب: الإتاحة للجميع والجحود من قبل الجميع إلا من أفاء الله عليهم بفضله في تقدير مقامات المخلوقات والصنعات البديعة، فأنْ يكون الشيء متاحاً للجميع لا يعني أنه ليس ذا قيمة للجميع، بل العكس هو الصحيح في الغالب. أعز الناس لديك وأنفعهم لك هم الذين يمكثون في مرمى عينيك ولسانك وأحضانك لا أولئك الذين تتطلع إليهم من بعيد وأنت تمنِّي قلبك بنظرة عابرة منهم قد تحظى بها لماماً وقد لا تفعل.

وجه الشبه الآخر ليس بعيداً عن الأول، فالإتاحة للجميع مترافقة مع سهولة التعاطي/التداول، وسوى بمعايير تقدير النجوم الزائفة من أي سماء، فإن تلك السهولة هي مكمن قوةٍ وباعث اكتساحٍ لكلا الماء والمقالة على صعيدَي الحياة والأدب كلٍّ فيما يخصّه. أجناس الأدب كالقصة والشعر والرواية جميلة بحق،لكنها لن تغني متلقِّياً – أو مبدعاً من قبل – عن تعاطي المقالة التي لا تعدم بطبيعة الحال جمالَها الحق أيضاً.

ومثلما أن أيّ عصير مهما يبلغ من العذوبة والندرة المغرية لن يغني شارباً عن الماء، فإن سائر أجناس الأدب مهما تزعم من الفرادة واللذاذة الخاصة ليس في وسعها أن تغني القرّاء عن تعاطي المقالة حتى إذا كان أغلب أولئك القراء ينظر إلى جنس المقالة الأدبي نظرَ المسلّم بوجوده التلقائي في سوح الكتابة بما لا يحتاج إلى انتباه أو تنويه أو إشادة.

وكما أنه لا يمكن صنع أي عصير إلا من الماء مكوِّناً أساساً للمشروب المنتظَر على اختلاف أذواق المحبين، فإنني لن أتردّد في وصف المقالة بالمكوِّن الأساس الذي تُفترَع منه سائرُ أجناس الأدب إذا كان لا غضاضة من تحليلكل جنس أدبي إلى عناصره الأولية. وهكذا فإنه بإضافة مقادير متراوحة من البلاغة (بصفة عامة) وبعض الموسيقى والحبكة والخيال إلى المقالة نحصل على الشعر والقصة والرواية. وغنيّ عن القول – سوى من باب التأكيد لما عرضنا له في مقامات منصرمة – أن المقالة نفسها لا تنقصها موسيقاها ولا حبكاتها ولا خيالاتها إذا نهض بأمرها من الكتّاب مَن يهمّه تبديدُ أوهام الكتابة الأدبية التي تجعل هذه الأداة التعبيرية حكراً على هذا الجنس الأدبي وتلك اللغة أو هذا الأسلوب حكراً على ذلك الصنف من الكتابة.

هكذا تبدو حياة الأدب كما عرضنا مشتقة من روح المقالة، خاصة بتذكّر ما أشرنا إليه في مقامات سابقة من ضرورة التوسّع في مفهوم المقالة ليشمل الخطب والرسائل والأعمال النقدية ومحتويات المناهج التعليمية وكتب تطوير الذات والأبحاث الأكاديمية ونشرات الأخبار والتعبير عبر وسائل التواصلالاجتماعي الإلكترونية المختلفة… ماذا تبقّى؟

المقالة ماء الأدب، لكنها على صعيدها أشد مراوغة من ماء الحياة، إذ في وسع ماء الأدب أن يتضمّن المفيد اللذيذ من سائر عصائر الكتابة الأخرى، وليس في وسع الرواية مثلاً أن تضبط مقالةً متلبسة بحوار ممتع فتستدعي شرطة الأدب وتطلب تحرير محضر/بلاغ بداعي انتحال أداة فنية من أدوات التعبير، والأمر كذلك مع القصة القصيرة إذا طالعتْ كتابَ مقالات موغلاً في استخدام السرد، ومع الشعر إذا ضبط مقالاً مشحوناً بموسيقاه “الداخلية” الخاصة بما يقترب من “ألحان” قصيدة نثر.

صدْرُ المقالة في المقابل رحب وروحُها “رياضية”، فهي تضبط كل تلك الأجناس الأدبية في حالة تلبُّس مستمر بمائها ولا تذهب في ردّة فعلها أبعد من الابتسام والدعاء بالتوفيق لبنيها وبناتها من أجناس الأدب التي يتسم ردّ فعلها مجملاً بالعقوق والتطاول.

معضلة الكتابة للمجتمعات كما يصفها بيسوا

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب.

كتب (بيسوا) في مذكراته، والتي ترجمها الأستاذ (المهدي أخريف)، ونشرتها دار توبقال بعنوان (اليوميات)، نصًا يصف فيه معضلة الكتابة للمجتمعات، يقول فيه:

لا أملك، لأمارس التأثير في المجتمع، سوى تلك المزايا السلبية الحيادية. إنني في المقام الأول رجلٌ استدلاليٌ عقلاني، والأسوأ من ذلك استدلاليٌ مدقّق وتحليلي. غير أن الجمهور ليس قادرًا على اتباع أمثالي، ولا هو قادر على الاهتمام بالتحليل.

ثم إنني في المقام الثاني، تحليليٌ يبحث، في حدود الممكن، عن اكتشاف الحقيقة، لكن الجمهور لا يريد الحقيقة بل تعجبه الأكذوبة. الحقيقة في كل الأوجه ولا سيما في المسائل الاجتماعية معقدة دائما. والجمهور لا يفهم الأفكار المعقدة. يجب أن نمنحه فقط الأفكار البسيطة، العموميات الملتبسة، أي الأكاذيب وإن كانت على صلة بالحقائق؛ ذلك أن تقديم ما هو معقد بصفته بسيطا وعرض ما يحتاج إلى تمييز بدونما تمييز، واللجوء إلى التعميم حيث ينبغي التخصيص للوصول إلى التحديد وتفادي الدقة في مسائل تستوجب الدقة؛ كل ذلك والكذب سواء.

وأنا في المقام الثالث، ولهذا أبحث عن الحقيقة، ميّال إلى التجرد ما استطعت؛ لكن الجمهور الذي تحركه الأهواء وليس الأفكار متحيّز عضويا وهذا لا ينفّره فحسب ويجعله لا مباليا خارج طبيعته وبعيدا عن نبرة التجرد ذاتها، بل إن هذا كله، علاوة، يتفاقم بسبب الالتزامات والتمييزات والتحديدات الواجب التقيّد بها لنكون غير متحيزين. عندنا نحن في أوروبا مثلًا وفي أغلب شعوب جنوب أوروبا، إما أن تكون كاثوليكيا أو ضد الكاثوليكية أو غير معنيّ بالكاثوليكية كما بكل ما عداها.

يكمل بعد ذلك قائلًا:

المجتمعات يسيرها مهيجو المشاعر والأهواء، لا الأفكار. ما من فيلسوف فُتح له طريقا بدون أن يضع نفسه جزئيا أو كليا في خدمة دين أو سياسة أو أي نمط اجتماعي آخر من التفكير.

إذا كان البحث في الموضوع الاجتماعي إذن عديم الفائدة اجتماعيا باستثناء الجانب الفني، إن كان يتوافر على مقومات فنيّة، حينئذ سيكون من الأجدى لنا استخدام جهدنا في صناعة الفن، وليس نصف فن.

يشرح فكرته أكثر قائلًا:

بمعرفتنا أن جميع المعتقدات يمكن تبريرها أو الدفاع عنها وأن قيمتها ليست في ذاتها وإنما في قيمة من يدافع عنها، علينا أن نقصر أنفسنا على أدب الدفاع أكثر مما على قضية الأدب ذاتها. لنصنع حكايات ذهنية نتّبع فيها دافعا فوريا ومتهورا، دراسات علمية أيضًا. حقيقة الفكرة نفسها عليها أن تكون زائدة، ليست بأكثر من دليل جميل مشتق من حيل البصيرة النفاذة.

سوف نتفرغ، متخذين حركة متطابقة في اتجاه معاكس، لإظهار لا معنى الأفكارر السائدة، خسّة الأفكار الأكثر نبالة، الوهم الملازم لجميع ما تقبله الإنسانية أو يمكن أن تقبل به وجميع ما يؤمن به الشعب أو يمكن أن يؤمن به. هكذا سنُخلّص المبدأ الارستقراطي الذي أُسس فوق النظام الاجتماعي، تاركًا وراءه عبودية كونية ورتيبة.

بيسوا يكتب عن حساسيته من الحياة

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب.

كتب (بيسوا) في مذكراته، والتي ترجمها الأستاذ (المهدي أخريف)، ونشرتها دار توبقال بعنوان (اليوميات)، نصًا في الحساسية من الحياة، يقول فيه:

كلما ازداد تعمقنا مع الحياة، في حساسيتنا الخاصة ازدادت، يا للمفارقة الساخرة! درجة معرفتنا. في سن العشرين كنت مؤمنا بقدري المشؤوم واليوم أنا على معرفة بقدري المبتذل؛ في سن العشرين كنت معجبًا وطامحا إلى مبادئ الشرق؛ واليوم ترضيني بلا تفاصيل ولا أسئلة نهاية هادئة لحياتي، بصفتي صاحب دكان تبغ.

الأسوأ في الحساسية هو تفكيرنا فيها، وليس بها. لمّا كنت على جهل بسخافتي استطعت الاستمتاع بأحلام رائعة. الآن بمعرفتي من أكون أنا تبقى لديّ الأحلام التي أقرر امتلاكها.

السخف هو الصدمة التي تعيد الذكاء إلينا. ثمة جزء مهم من الذكاء لا أعرف منه إلا الذكاء.