أرشيف الكاتب

سوزان سونتاغ، حول تدوين اليوميات

سوزان سونتاغ (1933 – 2004) ناقدة ومخرجة وروائية أميركية. في مذكراتها بين عامي 1947-1963، والتي نُشرت باسم (ولادة ثانية)، بترجمة الأستاذ (عباس المفرجي)، كتبت (سونتاغ) مقالة بعنوان “حول تدوين يوميات”. تقول فيها: 

من السطحي فهم اليوميات كمجرّد وعاء لخصوصية المرء، لأفكاره السرية، مثل صديق حميم مؤتمن لكنّه أصم، أبكم، وأمّي. في اليوميات، أنا لا أعبّر فقط نفسي بصراحة أكثر مما يمكن أن أفعله مع أي شخص آخر؛ أنا أبدع نفسي.

تكمل بعد ذلك، فتقول:

اليوميات هي وسيلة لنقل إحساسي عن الشخصية الذاتية. إنها لا تصوّرني شخصًا مستقلًا على نحو عاطفي وروحي. لذلك، وآسفاه، هي لا تسجّل ببساطة حياتي الفعلية، اليومية، لكنها بالأحرى، في حالات كثيرة، تقدّم بديلًا لها.

في الغالب، ثمة تناقض بين معنى أفعالنا تجاه شخص ما وما نعبّر عنه في يومياتنا من مشاعر تجاه هذا الشخص. لكن هذا لا يعني أن ما نفعله هو ضحل، وما نعترف به لأنفسنا هو العميق فقط. الاعترافات، أقصد الاعترافات الصادقة بالطبع، يمكن أن تكون أكثر ضحالة من الأفعال.

تتحدث (سونتاغ) بعد ذلك عن الكتابة بشكل عام، فتقول:

الكتابة. إنه من المفسد الكتابة بقصد التأويل الأخلاقي، رفع المستوى الأخلاقي للناس.

لا شيء يمنعني من أن أكون كاتبة عدا الكسل. كاتبة جيدة.

لماذا الكتابة مهمة؟ في الدرجة الأولى، بدافع الأنانية، كما أفترض. لأنني أريد أن أكون ذلك الشخص؛ الكاتب، لا بسبب أن هناك أشياء يجب أن أقولها. مع ذلك، لم لا يكون لهذا السبب أيضًا؟ مع قليل من بناء الأنا، كما تشهد عليه هذه اليوميات، سأتغلب على المصاعب لتكون لي الثقة كي أكون “أنا” التي تملك شيئًا لتقوله، وبأنه يجب أن يُقال.

أنايَ هي ضئيلة، حذِرة، سليمة العقل جدًا. الكتاب الجيّدون هم أنانيون صاخبون، حتى إلى درجة الحماقة. سلامة عقلي أنا، أيها النقاد، تصححهم، لكن سلامة عقلهم هي طفيلية على القدرات الإبداعية للعبقري.

ما هو الأدب؟ أرنولد بينيت يجيب

أرنولد بينيت (18671931) هو صحفي، وروائي، وكاتب في مختلف مجالات الأدب، وناقد أدبي، من المملكة المتحدة.

في كتابه (الذوق الأدبي؛ كيف يتكون؟)، والذي نقلته إلى اللغة العربية الأستاذة (دلال الرمضان)، تحدث (بينيت) عن هدف الأدب وماهيته، وانعكاساته على الحياة اليومية، يقول مستفتحًا:

في بادئ الأمر، ثمة مفهوم خاطئ فيما يتعلق بالذوق الأدبي علينا توضيحه؛ وهو أن كثيرًا من الناس، بل الغالبية العظمى منهم، يعتقدون أن الذوق الأدبي موهبة راقية تضفي عليهم مزيدًا من الكمال لدى بلوغها، وتجعلهم أكثر توافقًا مع المجتمع الذي ينتمون إليه. فهم يشعرون بالخجل إزاء إهمالهم للجانب الأدبي، بالطريقة ذاتها التي يشعرون فيها بذلك حيال جهلهم بقواعد الإتيكيت والذوق العام، أو على سبيل المثال، تجاه عدم مقدرتهم على ركوب الخيل حين يُطلب منهم ذلك. 

فالفكرة السائدة لدى البعض؛ هي أن هنالك أشياء محددة ينبغي على المرء معرفتها والإلمام بها، وأحد هذه الأشياء هو الأدب.

إذ تعلّموا كيفية الأناقة في الملبس، واللباقة في التصرف في كافة المواقف، وكانوا على حد ما قادرين على تسيير المسائل الحياتية اليومية، وبالمثابرة والجرأة نجحوا أيضًا في حياتهم المهنية، مما يحتم عليهم عندئذ أن يضعوا نصب أعينهم أن الإلمام بالأدب جزء لا يتجزأ من احترام الشخص لذاته. فالاهتمام بالرسم والموسيقى ليس بتلك الأهمية، بينما يتوجب على الجميع الإلمام بالأدب، فهو نوع من أنواع التسلية الراقية. وعليه فإن الذوق الأدبي يؤدي إلى غرضين؛ الأول هو كونه شهادة أو دليل على ثقافة الفرد السليمة، والثاني هو أنه يقدم للقارئ نوعًا من المتعة الخاصة.

يقول (بينيت) في ذلك الفهم للأدب:

إن سلوكًا كهذا في التعاطي مع الأدب، أو أي سلوك آخر مشابه له، هو سلوك خاطئ. وهو ببساطة أمر مضحك جدًا بالنسبة لأولئك الذين يدركون ماهية الأدب، ويعرفون وظيفته تمامًا، ناهيك عن عواقبه الوخيمة في عملية تكوين الذوق الأدبي.

بالنسبة لأولئك الذين يعتبرون أن الذوق الأدبي موهبة، وأن الأدب نوع من أنواع التسلية؛ لن ينجحوا حتمًا في اكتساب هذه الموهبة، أو في استخدامها كنوع من أنواع التسلية والترفيه، بالرغم من كون الأدب التسلية الأمثل، وبالرغم أيضًا من كون الذوق الأدبي الموهبة التي لا نظير لها من حيث الأناقة أو القوة في التأثير على المرائين من أبناء العالم المحتضر. وبرأيي فإن الأدب ليس أمرًا مكملًا كما هو متعارف عليه، بل هو شيء أساسي لا غنى عنه لتحقيق العيش المتكامل لحياة الإنسان.

للإجابة عن سؤال ماهية الأدب، ينتقل (بينيت) في حديثه إلى صانعي الأدب، فيقول:

إن صانعي الأدب هم أولئك الأشخاص الذين شهدوا وشعروا بالمتعة الرائعة لهذا الكون، وأعظمهم هم ذوو الرؤية الأشمل والإحساس الأقوى والأعمق. وحياة هؤلاء هي عبارة عن نشوة طويلة ومستمرة من إنكار لعتمة هذا العالم إذا ما قورنت برؤيتك التي جاءت عرضية ومؤقتة. ألا يعنيك أن تتعلم كيف تشعر بأن هذا العالم ليس مضجرًا؟ ألا يعنيك أيضًا أن تخرج من هذا النفق المظلم إلى العالم الرحب لتتسارع جميع حواسك وتستمتع بالنكهة الحقيقية للحياة، ولتشعر بنبضات قلبك تخفق تحت ربطة عنقك؟ صانعوا الأدب هؤلاء يجعلونك تشعر بكل ذلك، فهم يجعلونك تنظر بأعينهم فترى الأشياء بطريقتهم.

يختتم (بينيت) حديثه، فيقول:

ليس الهف من الدراسة الأدبية ملء أوقات الفراغ، بل إيقاظ النفس البشرية ودب الحياة فيها وتعزيز القدرة على الاستمتاع والعطف والإدراك، فالهدف الأساسي للأدب هو تغيير علاقة الفرد بالعالم بشكل كامل، ليدوم تأثيره هذا على مدى الأربع وعشرين ساعة، وليس لمدة ساعة واحدة فقط. ففهم وتقدير قيمة الأدب ليس سوى فهم وتقدير للعالم بأسره، هو الحياة بأكملها ممزوجة ببعضها البعض ضمن خارطة مركبة وليس بأجزاء مفككة من هذه الحياة. إن روح الأدب روح توحيدية، تشمل ضوء الشمعة وسطوع النجم معًا، وبسحر صورة ما ترينا أن عظمة الجمال تكمن في وجوده في أبسط الأشياء. كما أنها لا تحبذ كشف الجمال وجمع الأشياء المختلفة سويًا، فهي تضفي نوعًا من الحكمة الأخلاقية عبر تتبعها للأسباب والنتائج في كل مكان. إذ تعزز ذلك بطريقتين؛ الأولى عبر إظهار الجمال غير المتوقع. أما الثانية، فهي عن طريق البرهنة أننا نمتلك مصيرًا مشتركًا. إنها الصرخة العظيمة لمكتشفيها الذي يبدي التعاطف ويطلبه في الإيماءة ذاتها.

بيسوا في كتابته عن الفن والحياة المعاصرة

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب.

كتب (بيسوا) في كتابه الأشهر (كتاب اللاطمأنينة)، والتي ترجمه الأستاذ (المهدي أخريف) إلى اللغة العربية، نصًا تحت عنوان “معيار الفن”، يقول فيه مستفتحًا:

منذ منتصف القرن الثامن عشر، أصاب الحضارة الإنسانية تدريجيًا مرض رهيب. سبعة عشر عامًا من طموح مسيحي مخدوع بصفة ثابتة. خمسة قرون من طموح وثني مؤجل بصفة دائمة؛ الكاثوليكية كانت قد تصدعت كمسيحية، النهضة كانت قد تصدعت هي الأخرى كوثنية، الإصلاح كان قد توقف كظاهرة كونية. لقد حلّت الكارثة بكل الأحلام والخزي بكل ما تم تحقيقه من إنجازات، بؤس العيش بدون حياة لائقة بالجميع، …

هذا كله مسّ الأرواح فسممها. الرعب من الفعل، الذي يجبرك أن تكون سافلًا في مجتمع خسيس، أغرق الأرواح كلها. اعتل النشاط الأعلى للروح؛ وحده النشاط الديني حافظ على حيويته؛ …

في هذه الأجواء وُلد الأدب والفن من مقومات ثانوية للفكر .. الرومانطيقية؛ وولدت حياة اجتماعية مصنوعة من مقومات ثانوية للفاعلية الإنسانية، الديموقراطية الحديثة.

الأرواح المخلوقة للقيادة لم تجد بُدًا من الإحجام. الأرواح المخلوقة للإبداع، في مجتمع توقفت فيه القوى الإبداعية، امتَلَكت في العالم التشكيلي الوحيد المريح عالم مجتمع أحلامها، امتلكت العقم الاستنباطي لذواتها هي.

يكمل بعد ذلك (بيسوا) حديثه قائلًا:

نحن نطلق صفة “رومانطيقيون” على الكبار الذين فشلوا وعلى الصغار الذين اشتهروا، على حد سواء. بينما التشابه لا يوجد سوى في العاطفة الظاهرة؛ لدى البعض تُظهر العاطفية غياب الذكاء نفسه. (شاتوبريان) و(هوغو)، و(فيني) و(ميشيليه) هم ثمار للحقبة نفسها، لكن (شاتوبريان) روحٌ كبيرة تصاغرت؛ (هوغو) هو روحٌ صغيرة تمددت مع رياح الوقت؛ (فيني) عبقري) كان عليه أن يلوذ بالفرار؛ (ميشيليه) امرأةٌ أُجبرت على أن تكون رجلًا ذا عبقرية. النزعتان معًا موجودتان متّحدتين معًا (جان جاك روسو) أب الجميع. ذكاؤه كان ذكاء رجل خلّاق، أما الحساسية، فحساسية عبد. وهو يؤكدهما معًا بالدرجة نفسها من التساوي، لكن الحساسية الاجتماعية لديه سمّمت نظرياته، فيما لم يفده الذكاء سوى في خلق بؤس تعايش بحساسية مماثلة.

(ج. ج. روسو) هو الإنسان الحديث، لكنه أكثر كمالًا من أي إنسان آخر. من نقاط الضعف التي تسببت في فشله، آه منه ومنه نحن، استخراج نقاط القوة التي صنعت نجاحاته. ما رحل منه حقق الظفر، لكن في رايات ظفره، عندما دخل المدينة شوهدت مكتوبة […] كلمة “هزيمة”. لقد تبقت منه في الوراء، وقد عجز عن الجهد الضروري لإحراز النصر، التيجان والصولجانات، وعظمة الحكم ومجد الظفر بقدرٍ باطني.

ينتقل بعد ذلك (بيسوا) من حديثه عن الحركة الرومانطيقية ككل، إلى حديثه عن الحياة المعاصرة:

العالم الذي وُلدنا فيه، يعاني من تنازل المتفوقين وعنف الأدنياء.

لا يمكن لأي نوعيةٍ رفيعة أن تثبت نفسها حداثيًا، إن على مستوى الفعل أو على مستوى التفكير، في النطاق السياسي كما في نطاق التأمل النظري.

زوال التأثير الارستقراطي خلق جوًا من الفظاظة واللامبالاة تجاه الفنون، حيث لم يعد بإمكان عيار / الشكل / العثور على ملاذ. اتصال الروح بالحياة أضحى أكثر فأكثر إيلامًا. الجهد الضروري لمواصلة الحياة يتفاقم إيلامه، لأن الشروط الخارجية للمجهود أصبحت مبغضة أكثر من ذي قبل.

انهيار المُثل الكلاسيكية جعل من جميع الفنانين مستحيلين، أي، فنانين رديئين. عندما كان معيار الفن هو البناء المتين، والمحافظة الدقيقة على القواعد، لم يكن بمستطاع القلة القليلة محاولة الانتماء إلى عالم الفن، غير أن الغالبية الكبيرة من هذه القلة كانوا فنانين جيدين بالفعل، لكن عندما أصبح الفن تعبيرًا عن الأحاسيس، بات في مستطاع أي كان أن يصبح فنانًا لأن الأحاسيس يمتلكها الجميع.

في مقالة أخرى بعنوان “الفن”، يقول (بيسوا):

الفن تهرّب من الفعل، أو من العيش. الفن هو التعبير الذهني عن الانفعال، المختلف عن الحياة التي هي التعبير الإرادي عن الانفعال. ما لا نملكه أو ما لا نجرؤ عليه، أو ما لا نحققه، بإمكاننا امتلاكه في الأحلام، التي بها نصنع الفن. أحيانًا يكون الانفعال قويًا إلى حدود معينة بحيث لا ترضيه عملية تحويله إلى فعل؛ من الانفعال، من العاطفة الفائضة عن الحاجة، والتي لم تجد لها تعبيرًا في الحياة؛ بتشكل العمل الفني. بهذا ثمة نمطين من الفنانين: فنان يعبِّر عمّا لا يملك ، وفنان يعبّر عمّا فضل له ممّا امتلك.

وأخيرًا يقول (بيسوا) في مقالة أخرى بعنوان “لغة الروح المثالية”:

الفن يجعل الآخرين يحسون بما نحسّ، يعمل على تحريريهم من ذواتهم نفسها، عارضًا عليهم شخصيتهم كمحرر خاص. ما أحسه، في الجوهر الحقيقي الذي به أحس، غير قابل للتواصل أو التوصيل بصفة مطلقة؛ وكلما ازداد عمق ما أحسه، ازدادت لاتواصليته. لكي أنقل، إذن، ما أحسه إلى الآخر، عليّ أن أترجم أحاسيسي إلى لغته، أي أن أقول أشياء معينة كما لو كانت هي ما أحسه، بحيث عندما يقرؤها هو، يحسّ بالضبط بما أحسسته. ولأن هذا الآخر، وفق فرضية الفن، ليس هذا الشخص أو ذاك، وإنما العالم كله، أي أنه مشترك مع كل الأشخاص، فإن ما ينبغي أن أفعله في النهاية هو أن أحوّل أحاسيسي إلى إحساس إنساني نموذجي بالرغم من أنني بذلك أفسد الطبيعة الحقيقية لما أحسسته.

أمبيرتو إيكو يتساءل: هل الرواية أكذوبة؟

أمبيرتو إيكو (1932-2016)، فيلسوف إيطالي، وروائي وباحث في القرون الوسطى، ويُعرف بروايته الشهيرة (اسم الوردة)، ومقالاته العديدة. وهو أحد أهم النقاد الدلاليين في العالم.

في مقالة نُشرت في صحيفة (إيسبريسو) الإيطالية، ونقلها إلى العربية المترجم القدير (معاوية عبدالمجيد)، عبر مدونته الشخصية، تساءل (إيكو) عما إذا كانت الرواية عبارة عن أكذوبة، فيقول:

غالباً ما يصعب على القرّاء التمييز بين الحقيقة والخيال في رواية ما. ويقوم أكثرهم بنسب أفكار الشخصيات وآرائها إلى كاتب الرواية، دون بذل أدنى جهد في الربط بين عناصر الحبكة. وجدتُ دليلاً على ذلك في موقع إلكتروني ينشر أقوالاً مهمة لعدد من الكتّاب، من بينها مقتطفات تحت اسم (كلمات لأمبرتو إيكو) مثل: “إنّ الإيطاليّ غدار، كذاب، خائن وخسيس، يفضّل الخنجر على السيف والسمّ على الدواء، يراوغ في مواقفه، ويغيّر وجهته دوماً كما تأتي الرياح”. لا أنفي أنّ في ذلك شيء من الصحة. لكن هذه الجملة – في روايتي (مقبرة براغ) – أطلقها رجلٌ كانت قد بدت عليه في الصفحات السابقة نزعة عنصرية تختلف كليّاً عما ورد في هذه الجملة، مستخدماً عبارات اعتيادية وعبثية جدّاً. حسناً، سأحاول ألّا أضع شخصيات تافهة في رواياتي القادمة، فقد تنسب إليّ يوماً ما مقولات مثل: “ليس لدى الإنسان من الأمهات سوى واحدة”!

وكما يتّفق معي الكثيرون على أنّ الحدود بين الحقيقي والمصطنع تتلاشى في التخييل الروائي، وأنّ القرّاء يأخذون الرواية على محمل الجدّ، كأنها تنحصر على سرد أحداث وقعت فعلاً؛ فإنني أتّفق مع الكثيرين على أنّ التخييل الروائي قد يكون أكثر صدقاً من الحقيقة عينها، وأنه يستطيع أن يدخلنا في حالة من المطابقة مع الشخصيات لنجد أنفسنا فيها. فيجعلنا نفهم الظواهر التاريخية، ونكتسب أساليب جديدة من الإدراك الحسي. إضافة إلى أنه يفتح أمامنا أبواباً جمالية: فلا يخفى على أحد منّا أنّ مدام بوفاري مثلاً ليست شخصية حقيقية، ورغم هذا نستمتع بالطريقة التي ألّف بها (فلوبير) تلك الشخصية.

لكنّ البعد الجمالي يحملنا إلى نقيضه: البعد الأخلاقي، المعنيّ ﺒ”مفهوم الحقيقة” الذي يشترك فيه الفلاسفة والعلماء والقضاة على حدٍّ سواء. إذ ليس حريّاً بقاضٍ أن يحرّك مشاعره أحدُ المذنبين عندما يروي أكاذيبه بطريقة جمالية.

هذا هو الفرق إذن بين الخيال والكذب. فالروائي لا يرغب أن يكون كاذباً، بل يتصور أنّ ما يقصّه قد حدث بالفعل، ويطلب منا أن نشاركه التخيّل، تماماً كما نتقبّل طفلاً يمسك عصا ويلعب بها كما لو كانت سيفاً. ويطلب منا الكاتب بعد ذلك أن “نؤجّل شكوكنا” مثلما أوصى الشاعر كولريج. فنحن نتأثر بمصير إيما بوفاري حتى البكاء، مع أننا نعرف أنها من صنع الخيال الذي يدفعنا إلى البحث عن ذاتنا في عمق شخصيتها. وإذا لم يكن لمدام بوفاري أي وجود، فإن الكثير من النساء يشبهنها حقاً، وربما يشبهها بعض الرجال أيضاً. وهكذا نتعلم درساً عن الحياة بشكل عام وعن أنفسنا بشكل خاص.

كان الإغريق القدماء يؤمنون بحقيقة ما جرى لأوديب، لتمنحهم مأساته فرصةً للتأمل في القدر. بينما كان (فرويد) يعلم أنّ (أوديب) ليس إلّا بطلاً خيالياً، فقرأ في أحداث تلك الأسطورة مغزىً عظيماً عن أسرار اللاوعي.

فما الذي ينتاب أولئك القرّاء إذن؟

إنهم ينشغلون بوقائع الرواية دون أن يهتموا بجودتها الفنية. فهم يعانون من عجز في الخيال – على حدّ تعبيري – لأنهم لا يسعون إلى استنتاج العبرة، أو إلى الاندماج في الحكاية وشخصياتها. فتراهم يغفلون في نهاية الأمر عن كل الدلالات والقيم الجمالية… والأخلاقية أيضاً.


[المصدر]

ما هي الفلسفة؟ برتراند راسل يجيب

برتراند راسل (1872-1970) فيلسوف وعالم منطق ورياضي وأيضاً هو مؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني.

في لقاء تلفزيوني، سُئل (راسل) عن مفهوم الفلسفة. فابتدأ جوابه مستفتحًا:

لا أظن أن هناك فيلسوفان سيجيبانك بنفس الإجابة على هذا السؤال.

وجهة نظري هي أن الفلسفة هي فرضيات حول أمور لا يمكن الحسم فيها بطريقة نهائية من الناحية المعرفية، هذا جوابي وليس جواب أحد آخر.

سُئل بعد ذلك (راسل) عن الفارق بين الفلسفة والعلم، فأجاب:

يمكنك القول أن هذا يتلخص في عبارة “العلم هو ما نعلم، والفلسفة هي ما لا نعلم“، هذا التعريف المبسط. لأسئلة تمر باستمرار من الفلسفة إلى العلم، مع تطور العلم.

بعدها سُئل عن الفائدة من الفلسفة، فكان جوابه:

أظن أن للفلسفة فائدتين تقريبًا؛ أحدهما هو الإبقاء على التكهنات المتعلقة بالمسائل التي لا يستطيع العلم الآن أن يتطرق لها. المعرفة العلمية تغطي قسمًا صغيرًا جدًا من المسائل التي يهتم لها الجنس البشري، والتي يجب أن تهمه. هناك العديد من الأشياء التي لها أهمية كبيرة، التي يتكلم عنها العلم تمثيليًا. ولا أريد خيال الناس أن يكون محدودًا ومقتصرًا على ما نستطيع معرفته حاليًا. وأظن أن من فوائد الفلسفة إيساع نظرتكم عن العالم إلى مستوى الافتراض.

هناك فائدة أخرى أظنها على ذات القدر من الأهمية، وهي أن تري الناس أن هنالك أشياء ظننا أننا نعلمها ولكننا لا نعلمها، هي تمكننا من الاستمرار في التفكير في الأشياء التي قد نعلمها يومًا من جهة، ومن جهة أخرى تمكننا من البقاء متواضعين وواعيين بكم الأشياء التي كانت تبدو كمعرفة، وهي ليست كذلك.