أرشيف الكاتب

رؤية كولن ويلسون في الكتابة الإبداعية

كولن هنري ولسون (1931-2013) كاتب إنجليزي ولد في ليسستر في إنجلترا. من أشهر كتبه كتابي (اللامنتمي) و(ما بعد اللامنتمي).

في كتاب (حلم غاية ما)، والذي نقلته إلى العربية الأستاذة (لطفية الدليمي)، أدرجت المترجمة مقالًا في بداية الكتاب بعنوان “صنعة الإبداع”، والذي نُشر في كتاب (فن الرواية).

يقول (كولن) في افتتاحية مقالته:

حصل في ربيع العام ١٩٧٤ أن تعاقدتُ مع جامعة روتغرز الأمريكية في نيوجيرسي على تدريس منهج الكتابة الإبداعية، وكان ذلك نقطة مفصلية حاسمة في حياتي، إذ سبق لي قبل ثماني سنوات من ذلك التاريخ أن حاولت تدريس الكتابة الإبداعية في إحدى الكليات بولاية فيرجينيا وانتهيت إلى قناعة حاسمة أن هذه المادة عصية على التدريس، ولا يقتصر الأمر على هذا وحسب، بل ويتعين عدم تريسها بأي شكل من الأشكال!

فقد شعرت أن المبدأ الأساسي للإبداع هو القانون الدارويني التطويري القائل ببقاء الأصلح ؛ إذ لطالما رأيت الكتابة الإبداعية عملية شاقة كارتقاء تلة عالية، حيث يتساقط الضعفاء على جانبي التلة بينما يواصل الأقوياء الارتقاء بتمهل حتى يصبحوا كتّابًا جيدين. إن تشجيع هؤلاء الذين يمكن لهم أن يكونوا كتّاب المستقبل عملية شبيهة بوضع السماد في مزرعة تمتلئ بالأعشاب الضارة.

يكمل بعد ذلك (كولن) حديثه عمّا يفتقده التدريس الإبداعي، فيقول:

ولدهشتي اكتشفت أن معظم الطلاب شارك في دورات للكتابة الإبداعية من قبل، ولما بدأت التدقيق في النظر بماهية ما يعانونه بدأت أدرك جوهر الخطأ الذي انزلقوا إليه من غير تحسب ؛ تعلّم هؤلاء كيف يكتبون مثل (جيمس جويس) و(إرنست همنغواي) و(وليم فوكنز) و(فيرجينيا وولف)، إلا أنهم لم يعلموا شيئًا عمّا سيكتبون، وقد حصلوا على نتائج مسهبة تشير لهم بالكتابة عن أنفسهم، وكانت المسودات الأولى للقصص التي سلّموها لي عبارة عن سير ذاتية أقرب إلى أدب الاعترافات، في حين وصف بعضهم مقاطع زمنية مرّت بحياتهم.

[…] أعاد كل هذا إلى ذهني تعليقًا رائعًا كان (فوكنز) قد ذكره عندما سئِل مرّة عمّا يراه في جيل (نورمان ميلّر) من الكتّاب، حيث قال بوضوح: “هم يكتبون بطريقة جيّدة، لكن ليس لديهم ما يقولونه!”.

يستكمل بعد ذلك (كولن) حديثه قائلًا:

كان السؤال الأول الذي طرحته على نفسي يتناول إمكانية تدريس منهج في الكتابة الإبداعية يعيّن طلابي على معرفة ما يكتبون، فعندما يجلس كاتب أمام صفحة بيضاء موضوعة أمامه فهذا لا يعني أن ليس لديه ما يقوله، بل العكس هو ما يحصل على الأغلب إذ يكون لديه حشد من الأمور الكثيرة الجاهزة التي تغريه بكتاية رواية – هي سيرة ذاتية أيضًا في الغالب – تشبه رواية (الحرب والسلام) لكن المشكلة الممضة هي أن كل تلك الأمور تفور في أعماق الكاتب، وليس أمامها سوى منفذ ضيق وحيد يسمح بخروجها إلى العلن، وربّما يبدأ الكاتب بتقليد بعض الكتّاب الآخرين ؛ (همنغواي) أو (جويس) أو (سالينغر)، لا يسبب أنه يشعر بغياب صوته الخاص، بل لشعوره أن نمطًا مجربًا وناجحًا من أنماط الكتابة قد يساعده على التدفق الحر في الكتابة ثم يكتشف بعد أيام أو أسابيع من بدء محاولته تلك أن تدفقه الموعود لم يبدأ أو قد يكون في أفضل الحالات رذاذًا شاحبًا يبعث على أشد حالات الأسى والإشفاق، وعندها يبدأ الكاتب بفهم ما كان يعنيه (همنغواي) بعبارته النبوئية: “تبدو الكتابة عملًا سهلًا للوهلة الأولى، غير أنها في واقع الأمر أشق الأعمال في العالم“.

إن مشكلة هذا الكاتب ونظرائه من الكتاب الناشئين هي أنه غير قادر أن يكون بمثابة (سقراط) معاصر يطرح الأسئلة المناسبة مثلما كان يفعل (سقراط) من قبل، وتبينت آنذاك أن الحيلة الأساسية للإبداع هي في معرفة الكاتب كيف يطرح الأسئلة المناسبة وكيف يجيب عليها بنفسه، وقد قلت مفردة “حيلة” لأن الإبداع ليس سرًا مقدسًا أو أحجية طلسمية تكتنفها الألغاز، بل هو في جوهره موهبة حل المشكلات ؛ فالكاتب لحظة بدء الكتابة يضع أمامه مشكلة – وهنا أؤكد أن تكون المشكلة أمرًا يهمه على الصعيد الشخصي-، وقد يحصل أن لا يهدف الكاتب إلى إيجاد حل لتلك المشكلة غير أنه يتحتم عليه إذا ما أراد التعبير عنها تعبيرًا واضحًا أن يجد الحلول لعدد من المشكلات التكتيكية الخالصة: من أين يبدأ؟ وما الذي يتوجب عليه أن يدرجه أو يهمله؟

التحولات الثلاثة للعقل، كما يذكرها نيتشه

فريدريش فيلهيلم نيتشه (1844-1900) فيلسوف وشاعر ألماني. كان من أبرز الممهّدين لعلم النفس وكان عالم لغويات متميزاً. كتب نصوصاً وكتباً نقدية حول المبادئ الأخلاقية والنفعية والفلسفة المعاصرة المادية منها والمثالية الألمانية. وكتب عن الرومانسية الألمانية والحداثة أيضاً. عموماً بلغة ألمانية بارعة. يُعدّ من بين الفلاسفة الأكثر شيوعاً وتداولاً بين القراء.

في كتابه الشهير (هكذا تكلم زرادشت)، والذي نقله إلى العربية الأستاذ (علي مصباح)، تحدث (نيتشه) عن ثلاثة تحولات للعقل، في أحد خطب شخصيته الأشهر (زرادشت). فيقول مستفتحًا حديثه:

أذكر لكم ثلاث تحولات للعقل: كيف يتحول العقل إلى جمل، والجمل إلى أسد، والأسد إلى طفل بالنهاية.

فيبدأ حديثه عن التحول إلى الجمل فيقول:

أثقال كثيرة هناك بالنسبة للعقل القوي المكابد، العقل الممتلئ احترامًا ؛ إلى الثقيل والأكثر ثقلًا ترنو قوته.

ما الثقيل؟ هكذا يسأل العقل المكابد، وهكذا يجثو على ركبتيه مثل الجمل ويطلب حملًا جيدًا.

ما هو الأكثر ثقلًا أيها الأبطال؟ يسأل العقل المكابد، كي أحمله وأغبط لقوتي.

أيس هذا ما يعني أن يحط الواحد من نفسه كي يكسر شوكة غروره؟ وأن يدع حمقه يشع كي يسخر من حكمته؟

أم ترى: أن نتخلى عن قضيتنا في اللحظة التي نحتفل فيها بانتصارها؟ أن نتسلق جبالًا شاهقة من أجل أن نجرب المجرَّب؟

أم هو هذا: أن نتغذى من عروق وأعشاب المعرفة، ونجعل الروح تكابد الجوع من أجل الحقيقة؟

أم هو هذا: أن تكون مريضًا تصد المواسين وتعقد صداقة مع الصم الذين لن يسمعوا أبدًا ما الذي تريده؟

أم هو هذا: أن يلج الواحد المياه القذرةإن كانت تلك ماء الحقيقة، وأن لا يدفع عنه الضفادع الباردة والعلاجيم السامة؟

أم هو هذا: أن تحب أولئك الذين يحتقروننا، وأن نمد يدنا إلى الشبح عندما يريد أن يرعبنا؟

بكل هذه الأثقال يأخذ العقل المكابد على عاتقه، وكما الجمل الذي يسعى حثيثًا بأثقاله عبر الصحراء، كذلك يسعى هو حثيثًا في صحرائه.

ينتقل بعد ذلك (نيتشه) من وصف “العقل المكابد”، أو ما شبهه بالجمل، إلى التحول التالي للعقل، فيقول:

لكن في الصحراء الأكثر خلاء ووحدة يحدث التحول الثاني: أسدًا يستحيل العقل، يريد انتزاع الحرية، وسيدًا يريد أن يكون في صحرائه الخاصة. 

هنا يبحث عن آخر أسياده: عدوًا يريد أن يصير لآخر أسياده ولآخر آلهته، ومن أجل النصر يريد الاشتباك مع أعظم تنين.

ما هو هذا التنين الأكبر الذي لم يعد يرغب فيه العقل سيدًا وإلهًا؟

“ينبغي عليك” يُدعى التنين الأكبر. لكن عقل الأسد يقول: “أريد”.

“ينبغي عليك” تسد عليه الطريق ملتمعة ببريق الذهب؛ حيوان حرشفي، وفوق كل حرشفة تلتمع مق،لة “ينبغي عليك” ببريق ذهبي.

قيم آلاف السنين تلتمع فوق تلك الحراشف، وهكذا يتكلم التنين الأشد قوة: “قيمة الأشياء بكليتها تلتمع فوق جسدي”.

كل القيم التي قد تم خلقها، وكل القيم التي تم خلقها هي: أنا. حقًا، لم يعد هناك من مكان لأي “أريد”! هكذا يتكلم التنين.

لكن ما ضرورة الأسد للعقل يا إخوتي؟ ما الذي ينقص دابة الحمل والمكابدة المتبتلة والمفعمة احترامًا؟

خلق قيم جديدة، ذلك ما لا يقدر عليه الأسد بعد ؛ أما اكتساب الحرية من أجل إبداع جديد، فلذلك ما تقدر عليه قوة الأسد.

اكتساب الحرية وإعلان الـ”لا” المقدسة تجاه الواجب أيضًا، ذلك هو ما يحتاج إليه الأسد.

اكتساب حرية ابتداع قيم جديدة، إنه الكسب الأكثر فظاظة بالنسبة لعقل مكابد ومفعم بالاحترام. لكنه في الحقيقة مجرد صيد وعمل حيوان مفترس.

في ما مضى كان العقل يحب “ينبغي عليك” ويجلها كأرقى مقدساته؛ أما الآن فلا بد أنه واجدٌ جنونًا واستبدادًا في أكبر المقدسات أيضًا، كي ينزع إلى افتكاك حريته من حبه هذا؛ إنه بحاجة إلى الأسد من أجل هذه الغنيمة المنتزعة.

فالعقل المكابد كما يقول (نيتشه) هو العقل الذي يحمل المعلومات والأفكار. أما ما يحتاجه الأسد فهو الحرية للإبداع، ضد جميع الموروثات وواجبات الإنسان.

ينتقل بعد ذلك (نيتشه) إلى التحول الأخير من العقل، فيقول:

لكن قولوا لي يا إخوتي، ما الذي يقدر عليه الطفل مما لا يقدر عليه حتى الأسد؟ ولمَ ينبغي على الأسد المفترس أن يتحول أيضًا إلى طفل؟

براءةٌ هو الطفل ونسيان. بدء جديد، لعب، دولاب يدفع نفسه بنفسه، حركة أولى، “نعم” مقدسة.

أجل، إن لعبة الابتكار يا إخوتي تتطلب “نعم” مقدسة: إرادته الخاصة، يريد العقل الآن؛ والذي يكون غريبًا في العالم يكسب عالمه الخاص.

فالمرحلة الأخيرة للعقل هي “العقل المريد”، ذلك الذي يزيح “التنين” والمقدسات الموروثة عن معادلته، في سبيل أن يصنع طريقه الخاصة، بعيدًا عن الخصام مع ما يختاره العالم والمجتمع.

ثلاث تحولات للعقل ذكرت لكم: كيف تحول العقل إلى جمل، والجمل إلى أسد، والأسد إلى طفل بالنهاية.

هكذا تكلم (زرادشت). وكان آنذاك مقيمًا في المدينة التي تدعى “البقرة المرقطة”.

كولن ويلسون: كم عدد الكتب التي ينبغي امتلاكها؟

كولن هنري ولسون (1931-2013) كاتب إنجليزي ولد في ليسستر في إنجلترا. من أشهر كتبه كتابي (اللامنتمي) و(ما بعد اللامنتمي).

في كتاب (حلم غاية ما)، والذي نقلته إلى العربية الأستاذة (لطفية الدليمي)، أدرجت المترجمة مقالًا في بداية الكتاب بعنوان ” كم عدد الكتب التي ينبغي امتلاكها؟”، والذي نُشر في كتاب (الكتب في حياتي).

يقول (كولن) في افتتاحية مقالته:

في عام ١٩٥٠م، وبدفع من نصيحة مكتبيّ يعمل في لوس أنجلوس، انطلق (هنري ميلّر) في إعداد قائمة بمائة كتاب من الكتب التي عدّها الأكثر تأثيرًا في حياته، وكما يحصل في العادة اشتطّ (ميلّر) كثيرًا واندفع بعيدًا عن مخططه الأولي، وكتب مجلدًا بثلاثمائة صفحة عنوانه (الكتب في حياتي). سجّل (ميلّر) ملاحظة في مقدمة كتابه هذا يقول فيها أن كتابه سيتطور إلى مجلدات عديدة في خضم السنوات القليلة اللاحقة، ولكن الحقيقة أن المجلد ظلّ يُطبع بحجمه الأصلي ولم تحصل أي إضافات عليه كما لم تظهر أي مجلدات لاحقة تُكمل ما ابتدأه (ميلّر) في عمله الأصلي، وأرى أن بإمكاني أنا ذاتي بعمل قائمة لأكثر الكتب تأثيرًا في حياتي كنت توقعت في البدء أن تكون في حدود العشرين كتابًا وعزمت أن أرفق مع كل كتاب مقالة وافية لا تتجاوز دزينة من الصفحات، وبعدما انطلقت في وضع قائمة أولية بالكتب المطلوبة رأيت نفسي أدوّن خمسين عنوانًا من الكتب دفعة واحدة، وبدون أن أتوقف ولو لبرهة قصيرة، وتبينت أن بالإمكان بكل بساطة أن أضيف خمسين عنوانًا آخر من غير كثير جهد أو إعمال نظر طويل وكان هذا يعني أن كتابي الموعود عن حياتي مع الكتب سيكون مجلدًا بألف ومائتي صفحة في أقل تقدير، ولك أن تعلم بعد كل هذا كم كان ينبغي أن أمارس من جهد وانضباط لكي أقلل عدد العناوين بغية جعل الكتاب في حجم مقبول وقابل للتداول السهل.

يتطرق (كولن) بعد ذلك في حديثه إلى هوسه بالكتب، فيقول:

لطالما كنت طوال حياتي شخصًا مهووسًا بالكتب وهو الأمر الذي يجيب عن سبب امتلاكي لرفوف كثيرة للكتب في بيتي تحتوي على ما بين عشرين إلى ثلاثين ألف كتاب، ويمكن لك أن تتصور الحال إذا عرفت أن كل غرفة في بيتي تحتوي رفوفًا متخمة بالكتب – غرف النوم ليست مستثناة من هذا الوصف – حتى بات من المستحيل من الناحية الواقعية إيجاد فسحة لإضافة أية كتب جديدة، يوجد بضعة آلاف من الأسطوانات والشرائط الفديوية وهي كلها صارت تمثل مشكلة تخزينية جدية بالنسبة لي، ومن الطبيعي للغاية أن الزائرين يسألوني في كل مرة يرون فيها هذه الأرفف من الكتب “(كولن) هل قرأت هذه الكتب كلها؟”، ويتوجب عليّ أن أوضح الأمركل مرة: العديد من هذه الكتب تخدمني كمراجع أعود إليها عند الحاجة طالما أن المكتبة العامة بعيدة عن منزلي ولا أستطيع الوصول إليها متى كنت في حاجة للنظر إلى أحد الكتب المرجعية، وأن البعض الآخر من الكتب اقتنيته على أمل قراءته لاحقًا عند تيسّر الوقت، مثل مجموعة كتب السير (والتر سكوت) التي لم أقرأها لليوم، ولكن إذا كان يتوجب عليّ قول الحقيقة فإنني قرأت فعلًا معظم تلك الكتب وهذا يعني بالضرورة أنني لو أردت الحديث عن الكتب الأكثر تأثيرًا في حياتي لتوجب عليّ فعلًا المضي في كتابة بضع مجلدات عنها، وليس أقل من ذلك أبدًا.

ينتقل (كولن) في موضع آخر إلى الكتب التي يفضلها، فيقول: 

قد يتساءل البعض: أي نوع من الكتب كنت أحب اقتناؤه؟ أقول: كنت أقتني كل الكتب التي تتناول الموضوعات الممتعة لي، وكمثال على هذه الموضوعات: الجريمة، وأذكر أنني قرأت كتابًا عن الجريمة عنوانه (الجرائم الخمسون الأكثر إثارة للدهشة في المائة عام المنصرمة) وأحببت كتب الشعر واقتنيت المئات منها بدءًا من أعمال (شوسر) مرورًا بـ(ملتون) وحتى (تي. إس. إليوت). اقتنيت آلاف الكتب في الموسيقى، والفلسفة، والسيرة، والتاريخ، والنقد الأدبي، والعلوم، وحتى الرياضيات، وبالطبع في الرواية أيضًا، وكانت لديّ مجاميع كاملة لكل أعمال كتابي المفضلين: (ديستويفسكي)، (تيلستوي)، (برنارد شو)، (جي. إج. ويلز)، ولا زالت لديّ بعض من المجموعات التي تنتظر القراءة مثل أعمال (كارلايل) و(راسكين).

منذ أن كنت طفلًا أحببت كثيرًا شراء الكتب المستعملة وهكذا وجدت نفسي في منزلي الجديد الملآن كتبًا كمن حقق أحلامه باقتناء ما يحب من الكتب التي لطالما حلم بقراءتها، وقد اقتنيت الكتب بلا هوادة كمن يطلب الخلود لأجل أن يتوفر له الوقت الكافي لقراءة كل هذه الكتب، كما اقتنيت الكثير من الأسطوانات الموسيقية والغنائية ابتداءً من كلاسيكيات (بيتهوفن) وحتى آخر إصدارات الجاز، وعندما بلغت منتصف الأربعينات من عمري أدركت أنني لست بقادر على قراءة كل تلك الآلاف من الكتب أو سماع تلك الأعداد الهائلة من الأسطوانات وحسبت أنني لو أدمنت سماع الأسطوانات التي لديّ بمعدل عشر ساعات يوميًا فسأحتاج ما لا يقل عن عشر سنوات لسماعها كلها! ولا زلت حتى اليوم عندما أسمع تقريضًا حسنًا لسمفونية (بيتهوفن) التاسعة مثلًا أو لعمل (شتراوس) المسمى Rosenkavalier لا أستطيع مقاومة الرغبة الجامحة في إضافة هذا الإطراء إلى مجموعتي من الأسطوانات وأحسب أن هذه الشهوة الجامحة والمنفلتة تجاه الكتب والأسطوانات هي شكل مخفف من أشكال الجنون في أقل تقدير.

هذا ما حصل في نهاية الأمر إذن: أن أرى نفسي ساكنًا في منزل يعج بالكتب والأسطوانات الموسيقية في كل الأمكنة ؛ في المطبخ وغرف النوم ومدخل البيت حتى بات يحلو لزوجتي أن تسمي هذه الأكوام “مصيدة الشمس”! وبلغ بي الأمر حد أنني لم أعد أقرأ أية مراجعات حديثة للكتب خشية أن لا أكون قادرًا على مقاومة الإغراء العنيف في إضافة المزيد من الكتب إلى منزلنا المتخم بالآلاف منها.

في معنى الفلسفة الوجودية

كراش كورس (Crash Course) هي قناة يوتيوب تعليمية أنشأت من قبل الأخوين غرين (green brothers)، وهما (هانك جرين) و(جون غرين)، وهما معروفين بقناتهماVlogbrothers قدَّم الأخوان جون وهانك في الأساس دورات للمشاهدين في عدة مجالات من العلوم والعلوم الإنسانية، وتوسع البرنامج منذ ذاك الحين، ليشمل حلقات مشتركة تقدم من قبل ضيوف إضافيين.

في أحد الحلقات، تحدثت حلقة كراش كورس عن الفلسفة الوجودية بطريقة مبسطة جدًا. فكانت الافتتاحية التالية:

ما الذي يعطي حياتك معنى؟ الآلهة؟ الحب؟ المال؟ الوظيفة؟ أدب المعجبين؟ كرة القدم؟ التسوق؟ (شيرلوك

ربما لديك مفهومك الشخصي عن هدفك في الحياة،أو ربما نأمل من مشاهدتك لهذه الحلقة أن تساعدك على إيجاده.

أو ربما تعتقد أنك خُلقت بجوهر Eseesnce خاص كإنسان، وأن هدفك في الحياة مكتوب عليك بواسطة الإله.

أيًا ما كان الموضوع، فلن يلومك أحد، فقط لأنك تبحث لحياتك عن معنى. فالمعنى هو شيء كلنا نرغب به بشدة، بل وربما نحتاج إليه.

[…]

ربما تجد المعنى عبر التدين، أو الدفاع عن العدالة الاجتماعية، أو تثقيف الآخرين، أو البحث عن الجمال بطريقة فنية

لا يهم كيف تقوم بالأمر، فهناك مجموعة من الفلاسفة “الوجوديين” The Existentialists يقولون أن أي، أو جميع، هذه الأشياء يمكن أن تعطي لحياتك معنى. لكن في نفس الوقت يقولون أن أيًا منها لا تستطيع ذلك.

يبدأ المقطع بشرح الفلسفة الماهوية، والتي تقرر بأن المعنى لحياتنا، وُجد قبلنا. فيقول:

كما تعرفون الآن، الفلسفة عبارة عن جدل ؛ يقوم شخص ما بطرح فكرة، ثم يقوم شخص آخر بالرد عليها. أحيانًا يكون الرد مباشرًا، وفي بعض الحالات قد يستغرق آلاف السنين.

في اليونان القديمة (أفلاطون) و(أرسطو) أكدا بشكل قاطع بأن لكل شيء جوهر، وسبب للوجود ؛ مجموعة من الخصائص الأساسية الضرورية أو اللازمة لشيء ليكون على ما هو عليه. إذا كانت هذه الخصائص مفقودة، فسيكون ذلك الشيء شيئًا مختلفًا.

على سبيل المثال: قد يكون للسكين مقبض من خشب أو مقبض من معدن، هذا لا يهم. لكن إذا لم تمتلك نصلًا (شفرة السكين) فلن تكون سكينًا. النصل هو خاصية أساسية Essential Property في السكين، لأنه هو ما يحدد وظيفة السكين.

(أفلاطون) و(أرسطو) اعتقدا بأن لكل شيء جوهره الخاص، بما في ذلك البشر. واعتقدا بأن جوهرنا يكمن فينا قبل أن نوجد. وفقًا لهذا التفكير، جزء من معنى أن تكون إنسانًا جيدًا هو تمسكك بجوهرك. ربما تعلم أو لا تعلم ما هو جوهرك، وقد تكون جيدًا في العيش وفقًا لجوهرك، أو سيئًا فيه، لكن الأهم هو أن جوهرك هو ما يعطيك غاية، لأنك ولدت لتكون شيئًا ما.

هذا التفكير المعروف بـ”الماهوية” Essentialism والذي انتشر عالميًا حتى أواخر القرن ١٩ وما زال مقبولًا من قِبل البعض حتى الآن.

يمكن القول بأن نقطة التحول في هذه الفلسفة الماهوية، عندما جاء الرد من أشخاص آخرين بعد آلاف السنين. فيقول:

لكن في أواخر ١٨٠٠م، بعض المفكرين بدؤوا في تحدي في فكرة أننا نمتلك جوهرًا أو غاية. الفيلسوف الألماني (فريدريتش نيتشه) على سبيل المثال، تبنى فكرة “العدمية” Nihilism أو الاعتقاد باللامعنى المطلق للحياة. 

لكن في أواسط القرن العشرين، عُبِّد الطريق للفيلسوف الفرنسي (جان-بول سارتر) ليعيد سؤال الجوهر، ويسأل: ماذا لو وُجِدنا أولًا؟ ماذا لو وُلدنا من دون أي غاية، ومن ثم يعود الأمر إلينا في إيجاد جوهرنا الخاص؟ أصبح هذا هيكل ما يُعرف الآن بـ”الوجودية” Existentialism ونقطتها الأساسية هي أن الوجود يسبق الجوهر. بمعنى آخر، وجودنا يحدث أولًا، ومن ثم يعود الأمر إلى كل واحد منا لتحديد من يكون، وما هي غاياته، علينا أن نكتب جوهرنا الخاص عن طريق الحياة التي نختارها. لكن ليس لدينا فعليًا غاية أو هدف مسبق، ليس هناك طريق معبّد يجب اتباعه.

يمكنكم متابعة بقية التفاصيل حول الفلسفة الوجودية، وعدد من الأسئلة المرتبطة بهذه الفلسفة، في المقطع التالي، إذ يطرح المقطع عددًا من الأسئلة المهمة، مثل أسباب نشوء الفلسفة الوجودية، وعن ارتباطها بالإلحاد أو عده، وغيرها من النقاط المهمة.

 

 

نصائح للروائي الشاب، من أمبيرتو إيكو

أمبيرتو إيكو (1932-2016)، فيلسوف إيطالي، وروائي وباحث في القرون الوسطى، ويُعرف بروايته الشهيرة (اسم الوردة)، ومقالاته العديدة. وهو أحد أهم النقاد الدلاليين في العالم.

في أحد اللقاءات الصحفية، سُئل (إيكو) عن نصائحٍ للكاتب الشاب. فكان الرد الأول:

بألا يغتر بنفسه، بأنه قد أصبح فنانًا.

وألا يأخذ نفسه على محمل الجد.

بألا يظن بأنه تعرض للإلهام، فكما تعلم بأن العبقرية هي ١٠٪ من الإلهام، و٩٠٪ من الجهد.

ثم تحدث (إيكو) عن الروائيين الذين يغرقون العالم برواياتهم، فقال:

ثمة أمرٌ آخر أعجز عن استيعابه؛ أولئك الروائيين الذين ينشرون كتابًا في كل عام.

إنهم يبددون تلك المتعة في قضاء ستة أع،ام، أو سبعة أو ثمانية، في الإعداد، في إعداد القصة.

تطرق (أمبيرتو) بعد ذلك إلى نقطة أخرى، فيقول:

دائمًا ما أنزعج ممن يرغب بنشر كتاباته في شبابه.

أذكر بأن شابًا طلب مني نصائحًا في كيفية الكتابة، فأجبته بأنه لا يمكن أن يكون جنرالًا، ما لم يكن قبلها عريفًا، قم رقيبًا، ثم ملازمًا.

امضِ في طريقك خطوة فخطوة. إياك بالتظاهر فورًاباستحقاقك لجائزة نوبل للآداب، لأن هذا ما يقتل كل مستقبل أدبي.