أرشيف الكاتب

حليم بركات، عن العلاقة بين الغربة والإبداع

حليم بركات

حليم بركات (مواليد 1933) عالم اجتماع واستاذ جامعي وروائي سوري. له العديد من الدراسات والروايات والمقالات المنشورة.

في كتابه (غربة الكاتب العربي)، نشر فصلًا يتحدث عن العلاقة بين الغربة والإبداع، فيقول مستفتحًا:

أتساءل في هذه الدراسة عن طبيعة العلاقة بين الإبداع الأدبي وذلك النوع الخاص من الهجرة الذي أسمّيه “الغربة” – وهو ذلك النوع الذي يصاحبه إحساس عميق بالنفي نتيجة لاستمرار الانتماء إلى المجتمع الأصلي والحنين إليه، على العكس من تلك الهجرة الطوعية التي تنتهي بالاندماج في المجتمع الجديد وتبنّي هويته.

يبتدئ بعد ذلك في تعريف الإبداع، فيقول:

نعرّف الإبداع بأنه إنتاج أعمال جديدة لا شبيه لها في السابق بسبب حصول رؤية متفردة للعلاقات بين الأشياء أو الكائنات لم يرها أحد من قبل. إنه التخيّل الخلاق الذي يمكّن المبدع من أن يرى علاقات جديدة هي غير تلك العلاقات التي اعتدنا أن نراها ونتعامل معها. […] توصل (جورج لوكاش) إلى أن “الفنانين العظماء كانوا دائمًا روادًا في تقدّم الإنسانية .. بأعمالهم الإبداعية”. وربط (فرويد) بين الإبداع والأحلام حين تخف الرقابة الصارمة على اللاوعي بفعل الوعي التقليدي. ويرى (لورانس هاتيرر) أن “المبدع يملك قدرة عقلية خاصة على الاستفادة من تجاربه الواعية وغير الواعية باختيار مشاعره وأفكاره وتنظيمها وتكثيفها وصياغتها أفكارًا ونتاجًا جيدًا”. 

ينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن طبيعة العلاقة بين الإبداع والغربة، قائلًا:

نعرف من الدراسات الاجتماعية النفسية ومن التجارب الخاصة والعامة أن المبدعين في مختلف المجالات أميل إلى النزوع الداخلي أو الانطواء والتأمل الباطني منهم إلى النزوع أو التوجه الخارجي، فالخلق لا يتم بالعمل الجماعي، بل بالعمل التأملي لوقت طويل وباستمراره. وبين النتائج التي توصل رليها الباحثون في هذا المجال أن المبدعين عاشوا نوعًا من العزلة أو الانطواء الذاتي في الطفولة واستمدوا اكتفاءً ذاتيًا من أفكارهم وانشغالاتهم نشاطاتهم الخاصة، ومقابل هذا، وجد الباحثون أن الاتباعيين أو المقلدين عاشوا حياة اجتماعية مكثفة ونزوعًا ظاهرًا للخارج تسوده الطقوسية ورموز العضوية بدلًا من رموز التفرد، واستمدوا اكتفاءهم الذاتي من العلاقات الخارجية فحسب ومن نشاطاتهم العملية الخالية من التأمل.

ويقول في العزلة، بعد ذلك:

إن العزلة التي أراها ملازمة للإبداع هي ذلك التأمل الباطني المنتظم المستمر لا الانفصال والانغلاق والقطيعة. ما أقول به هو ضرورة إيجاد الفسحة الزمانية والمكانية للتأمل وتجاوز الطقوسية والمحدودية المفروضة علينا منذ الصغر.

وعن علاقة ذلك الإبداع بالمجتمع، يقول:

بين الاستنتاجات التي توصّل إليها علم اجتماع الأدب والفن عمومًا أن هناك علاقة بين الإبداع والأزمات المجتمعية. وفي ما يتعلق بتجارب الإبداع الأدبي العربي في هذا المجال، وهذا هو الذي يهمنا في هذه الدراسة، يمكننا أن نناقش بأنه ازدهر في تلك الفترات الزمنية التي اختبر فيها المجتمع أزمات عامة حادة، ورافق ذلك أو نشأ عنه وعي واقتناع بضرورة النقد التحليلي والمواجهة في سبيل تجاوز الأوضاع السائدة في حينه فظهرت في ما ظهر حركات شعبية مناضلة وحركات فكرية وكتابات ثورية.

وأخيرًا، يتحدث عن سبب تلك العلاقة:

بكل بساطة، تؤمن الهجرة بالنسبة إلى الإنسان الملتزم بقضايا مجتمعه تلك المسافة الضرورية التي يرى منها مجتمعه الأصلي بشموليته فيتأمله متحررًا من أشكال الرقابة المباشرة. هذه المسافة أو هذا البعد هو بمثابة التأمل الباطني بعد زمن طويل من الاندماج الكلي والغرق في متاهات التفاصيل والجزئيات والمخاوف التي يستبطنها الإنسان فتتحول إلى رقابة محبطة. بكلام أدق، بقدر ما توفر الهجرة للإنسان مجالات العزلة والتحرر بالمعاني […] تساهم في خلق المناخ الضروري لحصول الإبداع.

ويختتم حديثه بإيضاع معنى السلطة:

وحين نتكلم على السلطة المركزية لا نقصد بذلك مجرد السلطة السياسية. إننا نشمل أيضًا السلطة الاجتماعية – الاقتصادية – الثقافية. بهذا المعنى الأخير، تتميز السلطة في المجتمع العربي بأنها تستمد قوة خاصة من البنى العائلية الأبوية والدينية التي تضفي عليها طابع القداسة فلا تعود قابلة للنقاش.

ويتسع نطاق القداسة ليشمل اللغة لا مجرد الرسالة التي تحملها مما يفسر شدة تقليدية اللغة في الثقافة العربية السائدة وعدم التسامح تجاه الخروج على القوالب والصيغ المتوارثة.

العلاقات الممكنة بين الكاتب والسلطة، برأي حليم بركات

حليم بركات

حليم بركات (مواليد 1933) عالم اجتماع واستاذ جامعي وروائي سوري. له العديد من الدراسات والروايات والمقالات المنشورة.

في كتابه (غربة الكاتب العربي)، تطرّق إلى أنواع العلاقات الممكنة بين الكاتب والسلطة، أو المثقف والسلطة. فيقول مبتدئًا حديثه:

يمكننا، كما أرى، أن نميز العلاقات والمواقف التالية على الأقل:

(1) علاقة اللامبالاة: قد تسود في مجتمع ما علاقة اللا علاقة بين الكاتب والسلطة. في هذه الحالة لا تهتم السلطة بالكاتب، ولا يبدو أن الكاتب يقوم بمحاولات جادة لردم الهوة الفاصلة بينه وبين السلطة أو حتى لإقامة جسر بينه وبينها، فتقتصر علاقتهما على النواحي الثانوية وبطريقة غير مباشرة.

[…] يتمثل هذا النوع من العلاقة إلى حد بعيد بموقف الدولة اللبنانية من الكتابة ويتجاوب الكاتب اللبناني مع هذا الموقف. لا تهتم السلطات اللبنانية بشؤون الكتابة وقضاياها ولا تتأثد بها، ولا تتدخل بشؤونها. ويشعر الكاتب نتيجة ذلك أن بإمكانه أن يعبر عن آرائه بحرية ودون أي ضغط مصطنع. المجال فسيح أمامه للتحدث حول القضايا التي يريد. وإذا ما تدخلت السلطة بشؤونه يكون ذلك بضغط من إرادة خارج إرادتها. في الحالات القليلة التي تعرضت فيها الدولة اللبنانية للمفكرين أو لإنتاجهم، كما حدث تجاه (عبدالله القصيمي) و(صادق العظم) و(ليلى بعلبكي)، لم تكن الدولة هي المبتدئة بل إنها فعلت ذلك بضغط من فئات داخلية وخارجية يصعب على الدولة أن تغضبها.

بعد ذلك ينتقل (حليم بركات) إلى النوع الثاني من العلاقة:

(2) علاقة الاضطهاد: هذه العلاقة هي عكس علاقة اللامبالاة في كثير من اتجاهاتها ومناحي تصرفها. إنها علاقة تصادم بين الكتّاب والسلطة تجعل هذه الأخيرة تلجأ إلى ممارسة الاضطهاد عن طريق السجن والنفي ومراقبة الكتاب والمجلات والصحف ومنع الأفكار التي تتعرض مع أفكار الدولة.

[…] وإنني أميل إلى الاعتقاد أن الاضطهاد، ولا سيما ذلك النوع العنيف المباشر، يمارس في الدول العربية الرجعية أكثر مما يمارس في الدول العربية التقدمية التي تلجأ إلى الاضطهاد غير المباشر وإلى الوصاية كما سنرى في القسم اللاحق من هذه الدراسة. إن الدول الرجعية أكثر ميلًا إلى استعمال الاضطهاد المباشر لأسباب عديدة من أهمها أن هذه الدول أقل قدرة على كسب تأييد المفكرين من الدول التقدمية. والسبب الأهم هو كون المفكرين أكثر الفئات إمكانية على التحرر من مصالح الطبقات التي ينتمون إليها وأشدها رغبة في تغيير المجتمع ومساندة الحركات اليسارية.

وفي حديثه عن هذا الشكل من العلاقة، ذكر نقطة مهمة:

من مميزات الكتابة في الدول العربية المحافظة، وخاصة في العراق في الخمسينات، أن الكتّاب يلجؤون إلى الرمز في التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم، ويميلون إلى تأليه الشعب والكتابة عن آلامه وحرمانه. لذلك بلغ أدب العراق في تلك الفترة درجة فنية رفيعة، وليس صدفة أن الشعر العربي الحديث انطلق بزخم من أرض العراق على أيدي أدباء عانوا الاضطهاد كـ(بدر شاكر السياب) و(عبدالوهاب البياتي) و(بلند الحيدري).

ثم ينتقل إلى النوع الثالث من العلاقات، والذي تمت الإشارة إليه مسبقًا:

(3) علاقة الوصاية: فيما تمارس الدول العربية الرجعية الاضطهاد، تمارس الدول العربية التقدمية الوصاية إزاء معظم الكتّاب وخاصة أولئك الذين يؤيدونها أو يشاركونها في أهدافها كما تمارس الاضطهاد في حالات نادرة إزاء الكتّاب الذين يناهضونها والذين ينتمون إلى أحزاب تعمل سرًا لتعديل الحكم أو تقويضه. لكن الطابع العام للعلاقة القائمة في الدول العربية التقدمية كمصر وسوريا والجزائر والعراق، هو طابع الوصاية.

[…] طبعًا، لم تتمكن الدول العربية التقدمية من أن تقيم وصايتها على جميع الكتّاب فيها. هناك الذين اختاروا النفي إلى الخارج، والذين اختاروا العزلة في الداخل ناذرين أنفسهم لفنّهم، والذين اختاروا الصمت والموت البطيء، والذين اختاروا أن يناهضوا السلطة والاتجاهات السائدة سرًا فكان مصير بعضهم الاضطهاد المباشر العنيف واللامباشر النفسي.

وأخيرًا، يتحدث عن الشكل الأخير للعلاقة، فيقول:

(4) علاقة المشاركة: هناك أخيرًا علاقة المشاركة الحرة التي يمارس فيها الكاتب دوره الفعال في تقرير مصير المجتمع وفي إنماء طاقاته الفنية دون رهبة من قصاص أو اعتداء على حقوقه المدنية. قد يتعاون الكاتب مع الدولة دونما إلزام خارجي، وقد ينقدها ويكشف تناقضاتها دون أن يتعرض للاضطهاد. هناك، بكلام آخر، مناخ عام يساعد على قيام حوار حر دائم بين السلطة والكاتب. والدولة ليست لا مبالية تجاه الثقافة والفكر، بل ترى من مهماتها الأساسية رفع مستوى الثقافة العامة ونشر العلم ومساعدته عن طريق توفير المدارس والجامعات ومؤسسات الأبحاث وتسهيل التبادل الثقافي مع المجتمعات الأخرى. كذلك ترى من واجباتها توفير مجالات الاتصال الدائم بالتيارات الفكرية والاستفادة من آرائها، والمحافظة على حقوق المفكرين وحريتهم أكانوا مؤيدين أم معارضين.

تودوروف تساءل؛ كيف نتعامل مع المختلفين؟

تودوروف

تزفيتان تودوروف (1939-2017)، فيلسوف ومنظِّر أدبي  بلغاري – فرنسي، طلب اللجوء السياسي في فرنسا أثناء دراسته فيها وأقام ولا زال ، له كتب مهمة مشهورة في النظرية الأدبية والنظرية الثقافية و مثل (مقدمة الشاعرية) و(الأدب في خطر) و (روح الأنوار) و(الخوف من البرابرة).

في كتابه (نحن والآخرون) والذي ترجمته الأستاذة (ربى حمود) إلى اللغة العربية، يتساءل (تودوروف) في خاتمة كتابه؛ “كيف يمكن، كيف ينبغي أن نتصرف تجاه أولئك الذين لا ينتمون إلى الجماعة التي ننتمي إليها؟”

يعتمد الدرس الأول الذي تعلمناه على التخلي عن تأسيس استدلالاتنا على تمييز من هذا النوع. على أن الكائنات الإنسانية قامت باستدلالات من هذا النوع، منذ أبد الدهر، واكتفت بتغيير موضوع المديح، […] حكم البشر على أنفسهم بأنهم أفضل مَن في العالم، وقدّروا أن الآخرين سيئون أو خيّرون تبعًا لبعدهم أو قربهم منهم؛ وعلى العكس من ذلك، […] وجدت الكائنات الإنسانية أن الشعوب الأبعد هي الشعوب الأسعد والأكثر إثارة للإعجاب. في حين أنها لم تجد في تجمعاتنا الخاصة إلا الانحطاط، وفي الحالتين، نحن أمام وهم بصري؛ “نحن” لسنا بالضرورة صالحين، ولا “الآخرون” كذلك.

يلخّص حديثه قائلًا:

كل ما يمكن قوله بهذا الخصوص هو أنه في الانفتاح على الآخرين وفي رفض إقصاءهم دون دراسة، حسنة يمتاز بها الإنسان عن غيره.

ثم يتساءل بعد ذلك: “ما معنى انتماءنا إلى تجمّع ما؟ وكيف نبرر أحكامنا؟”. ويجيب قائلًا:

ليست الكائنات الإنسانية مجرد أفراد منتمين إلى نوع واحد بحد ذاته، بل إنها تنتمي أيضًا إلى تجمعات خاصة ومتنوعة، تولد هذه الكائنات فيها وتتصرف. التجمّع الأقوى حاليًا هو ما يُسمى بالأمة، ونعني بهذا التطابق الكامل تقريبًا بين الدولة والثقافة. الانتماء إلى الإنسانية مختلف تمامًا عن الانتماء إلى الأمة، كان (روسو) يقول: “الإنسان ليس المواطن”، حتى أنه يوجد بين الاثنين نزاع كامن، قد يصبح علنيًا في اليوم الذي نجد فيه أنفسنا مجبرين على الاختيار بين قيم الإنسانية وقيم الأمة. يُحكم على الإنسان ضمن هذا المعنى للكلمة، انطلاقًا من مبادئ أخلاقية، بينما ينشأ سلوك المواطن من وجهة نظر سياسية.

لا يمكن إقصاء أي من وجهي الحياة الإنسانية هذين، ولا يمكن اختزال الواحدة في الأخرى، من الأفضل أن نعي دومًا هذه الثنائية المأساوية أحيانًا. وفي الوقت نفسه، فإن الفصل الجذري بين عناصرها ووضعها في أفلاك لا تتواصل في ما بينها أبدًا، قد يكون وخيم العواقب أيضًا. […] لا تنطبق الأخلاق على السياسة، لكنها تستطيع وضع حواجز لا يحق للسياسة أن تتخطاها. إذ لا يعفينا الانتماء إلى الإنسانية من الانتماء إلى الأمة، ولا يمكن أن يحل محله، لكن على الأحاسيس الإنسانية أن تتمكن من احتواء منطق الدولة.

يتابع حديثه بعد ذلك، فيقول:

وجود شيء ما، لا يعني أنه يجب أن يكون. على كل حال، يعمد الفرد وبشكل جيد جدًا إلى التصحيح بنفسه، فلا يخلط بين الحب والعدالة، إنه يحب ابنه أكثر من ابن جاره، لكن عندما يوجد الاثنان في بيته، فهو يعطيهم حصصًا متساوية من الحلوى. ثم أن الشفقة ليست أقل طبيعية من الأنانية، ومن خصوص الكائن الإنساني أن يرى ما هو أبعد من مصلحته، ولهذا فإن الشعور الأخلاقي موجود.

ويكمل حديثه في موضع آخر، قائلًا:

لا يتحدد ما هو إنساني، حقًا، بهذه السمة الثقافية أو تلك حتمًا. فالكائنات الإنسانية تتأثر بالسياق الذي تأتي من خلاله إلى العالم، ويتغير هذا السياق تبعًا للزمان والمكان. العنصر المشترك بين مجمل الكائنات الإنسانية هو القدرة على رفض هذه التحديات، وبتعبير فيه أقل قدر من الرسمية، سنقول أن الحرية هي السمة المميزة للنوع الإنساني.

في السخرية عند محمود درويش

محمود درويش

محمود درويش (1941 – 2008)، أحد أهم الشعراء الفلسطينيين والعرب والعالميين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن. يعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه. في شعر درويش يمتزج الحب بالوطن بالحبيبة الأنثى. قام بكتابة وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني [2] التي تم إعلانها في الجزائر.

في كتاب حمل اسم (الرسائل)، جُمعت تلك الرسائل التي تبادلها كلًا من (درويش) وصديقه (سميح القاسم) (1939-2014)، وأحد أهم وأشهر الشعراء العرب والفلسطينيين المعاصرين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والمقاومة من داخل أراضي العام 48، رئيس التحرير الفخري لصحيفة كل العرب، عضو سابق في الحزب الشيوعي. 

في رسالة أرسلها (درويش) إلى (سميح) بالخامس من أغسطس، عام 1986 من العاصمة الفرنسية (باريس)، تحدث (درويش) عن السخرية، فقال في رسالته:

هل أسخر؟ أسخر كثيرًا. فالسخرية وهي البكاء المُبطن خير من دموع الاستعطاف، لأن الرجل قد امتد بنا إلى ما دون أرذل العمر، إلى يوم نهبُّ فيه لمواساة القاتل بما حلّ به من مصاب. هو تأنيب الضمير، حين أتقن لعبة البكاء الإلكتروني على ضحايانا، فكدنا نقول له: “اغفر لنا موتنا على يديك .. اغفر لنا أننا سببنا لك بعض الإزعاج!”.

اضحك، يا ولدي، اضحك. فليس في وسعنا أن ننساق في لغة الحزن أكثر مما انسقنا، فلنوقفها بالسخرية، لا لأن السخرية هي “اليأس وقد تهذّب” كما يقولون، بل لأنها لا تثير الشفقة، ولأنها تنزل القاتل من منزلة الفكرة المجردة، السلطة المطلقة، إلى “إنسانية” تتعارض مع إنسانية البشر ومع الطبيعة الإنسانية، إلى “إنسانية” مضحكة بقدر ما هي مرعبة.

عمرو منير دهب، وحديث عن الروائي الجبان

عمرو منير دهب

عمرو منير دهب كاتب سوداني ولد في الخرطوم، كتب بالعديد من الصحف السودانية منذ منتصف التسعينيات متنقلاً من صحيفة الإنقاذ إلى صحيفة الأنباء، ثم جريدة الصحافة وصحيفة الأحداث، وبعدها إلى جريدة السوداني، ثم صحيفة الصيحة. وله العديد من الكتابات، آخرها كتابه (تبًا للرواية؛ عن حظوة فنون الكتابة)، والذي تحدث فيه عن “الروائي الجبان”، كما أسماه. فقال:unnamed

مقولة “المترجم خائن” تهمة مفتراة إذا أُخِذت على إطلاقها، لكنها لا تخلو من الدلالة العميقة ببعض التقييد، فالمترجم خائن بغير قصد منه لأنه لا يستطيع نقل المعنى من لغة إلى أخرى بأمانة كاملة وإن سعى إلى ذلك بصدق كامل، وهو خائن عمداً حينما ينهمك في نقل المعنى بتصرّف مراعاةً لمقتضيات كل لغة وثقافتها، ذلك أن التطابق الحرفي بين لغتين أو ثقافتين مستحيل بطبيعة الحال. كل هذا باعتبار توافر النية الحسنة في المترجم، ولكن بغيابها تصبح تهمة الخيانة ثابتة في حق المترجم جملةً وبتفاصيل متراوحة من حالة إلى حالة.

على ذات القياس يمكن افتراع تعبير “الروائي جبان” كمشروع مقولة، ربما بما يحتمل استفاضة أوسع في التأويل ولا يقتضي حرجاً كبيراً بالتالي عند القذف بالتعبير المفترَع إلى أسواق الأدب. 

الروائي جبان لأنه يستتر خلف قصة مختلقة للتعبير عن رأيه، وهو في هذا يقف على مسافة بعيدة خلف الشاعر الذي يصدع بما يرى على لسانه وليس على أي لسان مستعار. وعندما يكون المقصود هو الشاعر العربي الغنائي تحديداً فإن المسافة التي تفصل ما بين الاثنين، الشاعر والروائي، في جرأة التعبير  كلٍّ على لسانه  تبلغ أقصى مدى ممكن.

المدهش أن الروائي لا يستتر خلف شخصية واحدة ليقول ما لا يجرؤ على قوله بلسانه، بل يحشد ما يشاء من الشخصيات ليقول على ألسنتها ليس فقط ما يعجز عن الجهر به على لسانه الخاص وإنما ما يشتهيه من الأقوال (والأفعال) المتناقضة.

ليس مطلوباً من الروائي بطبيعة الحال أن يضمِّن روايته ملحقاً يبيِّن فيه تعقيبه على كل كلمة نبست بها شفتا كل شخصية في الرواية بما يعكس رأيه الشخصي في هذا الموقف وذاك، ولكن في المقابل لا يمكن تجاهل السعادة التي تغمر الروائي للطبيعة الفنية لعمله التي تغدق عليه متسعاً للتعبير عمّا يجيش في صدره دون الحاجة إلى أن ينسب أيّاً مما قال (وفعل) لنفسه سوى بعد أن يأمن العاقبة فيغدو كل ذلك مدعاة إلى الفخر بالسبق إلى جراءة التعبير واقتحام الأماكن المحظورة من مسلّمات أفكار المجتمع.

على هذا الصعيد يحق للشاعر الغنائي العربي أن يهنأ بمكانة منقطعة النظير، فقد تحمّل من سياط النقد الحديث ما تحمّل لجريرة أنه ظل عاجزاً عن مغادرة متردَّم المدح والهجاء والرثاء والفخر والغزل، وربما آن له أن يعتدّ بأنه جاهر في كل تلك الأغراض بآرائه الصريحة، إذا كان مقام التفاخر الأدبي هو السبق إلى الجهر بالصريح من الرأي دون مواربة. 

وإذا كانت المواربة مما يقوم عليه الفن، فلا ريب أن المقصود المواربة في التعبير سعياً وراء القيمة الأدبية والمتعة الجمالية وليس خوفاً من الوقوع في براثن سلطة قضائية من أي قبيل. والأمر كذاك، بإمكاننا أن نرى بوضوح أن المواربة في التعبير عن المعاني بما يخدم القيمة الأدبية والمتعة الجمالية لم تكن مسألة تنقص الشعر الغنائي العربي بحال ولا مما تعيب محترفيه من الشعراء تبعاً لذلك، بل هم فوق ما سبق جديرون بأن يفاخروا بأنهم خاتلوا فنيّاً وجمالياً في الوقت الذي صدعوا فيه بالقول في مقام المواجهة بالرأي على ألسنتهم وليس نسبةً إلى ألسنة غيرهم من الحيوانات أو بني آدم كما ظل يصنع أندادهم من محترفي فنون السرد قديماً وحديثاً.

والشاعر الغنائي العربي إذا كان قد وقع على مدى تاريخه في جملة من الأخطاء الأخلاقية في المقابل، إذْ كذب مراراً ونافق تكراراً، فإنه قد تحمّل شجاعة أن ينسب كل ذلك لنفسه لا أن يُجرِيَه على لسان غيره أيّاً كان ويجلس بعدها في مقابلة احتفائية يخاتل في التعبير عن موقفه الشخصي من جملة آراء تضمّنها عمله الخاص، بحجة أن التعبير الصريح عن الموقف الشخصي للكاتب مما يفسد بهجة العمل ويغلق في وجوه الآخرين الأبواب المشرعة أمام كل تأويل ممكن للعمل بخلاف ما قاله صاحبه.    

في المقابل، لم يخلُ محترفو الفن القصصي من الشجاعة في التعبير عن الرأي الخاص أمام الملأ، ولكن يجب الانتباه إلى أن ذلك كان يحدث باستمرار بعيداً عن أعمالهم الفنية أو على هوامشها (في محفل عام أو ندوة تتناول واحداً من أعمالهم على سبيل المثال) وليس في متن أيٍّ من تلك الأعمال كما أسلفنا مراراً، وذلك صنيع لا يمكن إغفاله على صعيد المقارنة بإزاء الشعراء، والشعراء الغنائيين تحديداً.

والحال كما نرى أعلاه، يبدو أن إقحام الرأي الشخصي في ثنايا العمل الفني سمة/مقدرة فريدة لن نقول بأنه لا يجرؤ عليها كل أديب وفنان وإنما لا يتحمّل استيعابها الجنسُ الأدبي نفسه في أغلب الحالات، وعليه فإنها سِمة جديرة بتقدير أكبر مما حظيت به، بل  بالتعبير الأدق  جديرة بالتقدير على نقيض ما حظيت به.

يصح أن نؤكِّد أن تقريراً جنائياً على سبيل المثال ينبغي ألّا تكتنفه الآراء الشخصية لكاتبه، لكن لا أعلم كيف يمكن أن يصح ذلك التعميم في وصف قطعة أدبية، فللقصة والمسرحية والرواية جماليّاتها الخاصة لجملة من الأسباب الفنية ليس من بينها خلوّها الكامل من أراء مبدعيها الخاصة، فآراء مبدعيها متضمّنة على كل حال ولكن بمخاتَلة كما ألمحنا من قبل. غير أن الأهم هنا أن اشتمال العمل الأدبي على الرأي الخاص لمبدعه يسوقه صراحةً ليشمل كافة أبياته (في حال القصيدة العمودية مثلاً) ليس مما يعيب ذلك العمل، كما لا يُعدّ في المقابل عيباً يصِم غيره من الأعمال الأدبية إذا خلا منه إلّا عندما يكون مقام المقابلة هو الشجاعة في التعبير عن رأي المبدع صراحةً في متن العمل وليس مخاتلةً في ثناياه وتقلُّباً بين الصراحة والمخاتلة على هوامشه في الصحف والمنتديات الأدبية.

والأمر كذلك، يبدو الحديث عن الروائي الجريء قولاً تنقصه الدقة بشكل واضح إذا كان مناط الجرأة المقصودة اقتحام مسلّمات المجتمع وليس إقحام أشكال جديدة للتعبير في بنية العمل الأدبي، فالأجدر إذا تضمّنت الرواية عرضاً لمحظور مجتمعي أن يقال “رواية جريئة” وليس “روائي جريء”

وإذا جاز للشاعر الغنائي كما أسهبنا أن يتفوّق على الكاتب الروائي (وكاتب القصة والمسرحية والدراما التلفزيونية وهلم جرّا) في باب الجرأة الشخصية، فإن الأحق بالانفراد ببطولة مسابقات الجرأة الأدبية بلا منازع هو كاتب السيرة الذاتية عندما يتحدّث عن نفسه بلا قيود. 

ولكن لأن الجرأة وحدها لا تكفي لصنع أدب جيد وجميل، فإن الأوْلى بالنظر على صعيد تقفِّي الأعمال الأدبية الجديرة بالتقدير هو التناول مجرّداً من أية ادّعاءات (دعائية كانت أم غير ذلك) بالجراءة في اقتحام المسلّمات، حتى إذا كانت مقتضيات سوق الأدب تغري باللهاث خلف تلك الادعاءات في هذا الزمان وذاك.