أرشيف الكاتب

الفرق بين العلم والسحر عند زكي محمود

د.زكي نجيب محمود (1905-1993) الكاتب والأكاديمي وأستاذ الفلسفة يتساءل فيما لو كانت ثقافتنا ثقافة العالِم أم ثقافة الساحر.

السحر والعلم كلاهما محاولة لرد الظواهر إلى عللها أو أسبابها، غير أن الساحر لا يقلقه أن يرد الظاهرة البادية للعين إلى علة غيبية ليس في وسع الإنسان أن يستحدثها أو أن يسيطر عليها، وأما العالِم فهو لا يقر نفسًا إلا إذا رد الظاهرة المحسوسة إلى علة محسوسة كذلك، ليمكن بعد ذلك أن نوجد هذه العلة المحسوسة فتتبعها الظاهرة إذا أردنا.

الساحر والعالم يقفان معًا إلى جانب مريض ليعملا على شفائه، فأما الساحر فيربط الظاهرة المرضية بالجن والعفاريت، وأما العالم فيربطها بجرثومة معينة، فبينما يصبح الطريق مفتوحًا أمام العالم للبحث عن الوسيلة التي يقتل بها تلك الجرثومة ليزول المرض، ترى الطريق مغلقًا أمام الساحر ؛ لأنه لا يدري كيف يغالب هؤلاء الجن والعفاريت لينزاحوا عن المريض فينزاح المرض، لذلك يلجأ إلى وسائل لا علاقة إطلاقًا بينها وبين المرض وشفائه، كأن يدق الطبول أو يحرق البخور أو يكتب الأحجية والتمائم.

فهل أقول إننا في حياتنا الثقافية ما زلنا في مرحلة السحر التي تعالج الأمور بغير أسبابها الطبيعية، وإننا لولا علم الغرب وعلماؤه، لتعرّت حياتنا الفكرية على حقيقتها، فإذا هي لا تختلف كثيرًا عن حياة الإنسان البدائي في بعض مراحلها الأولية ؟!

مغزى الألم عند جبران خليل جبران

Gibran-Khalil-Gibran

في تحفته الفنية “النبي” يصف أديب المهجر اللبناني جبران خليل جبران الألم فيقول:

إن ما تشعرون به من الألم هو انكسار الشرة التي تغلف إدراككم.

وكما أن قشرة النواة الصلدة يجب أن تحطم تحطم الآلام قشوركم قبل أن تعرفوا معنى الحياة.

لأنكم لو استطعتم أن تعيروا عجائب حياتكم اليومية حقها من التأمل والتفكير، لما كنتم ترون آلامكم أقل غرابة من أفراحكم.

بل كنتم تتقبلون فصول قلوبكم، كما قد قبلتم في مدى حياتكم الفصول التي مرت على حقولكم.

وهذا الكثير من آلامكم هو الجرعة الشديدة المرارة التي بواسطتها يشفي الطبيب الحكيم الساهر في أعماقكم أسقام نفوسكم المريضة.

لذلك آمنوا بطبيب نفوسكم وثقوا بما يصفه لكم من الدواء الشافي، وتناولوا جرعته المُرة بسكينة وطمأنينة.

لأن يمينه، وإن بدت لكم ثقيلة قاسية، فهي تتحرك مقودة بيد غير المنظور اللطيفة.

والكأس التي يقدمها إليكم، وإن أحرقت شفاهكم، فهي مصنوعة من الطين الذي جلبته يدا الخزاف الأزلي بدموعه المقدسة.

تكوين الهوية الذاتية لدى الشباب عند مصطفى حجازي

1_201274_26427

الدكتور مصطفى حجازي، أكاديمي ومفكر لبناني. حاصل على الدكتوراه في علم النفس من جامعة ليون بفرنسا، شغل مناصب استشارية مختلفة لعدد من المنظمات التابعة للأمم المتحدة. يتحدث د. مصطفى في هذا الاقتباس عن تكوين الهوية لدى الشباب.

لا يوجد إنسان بدون هوية ذاتية، أو هوية مواطنة أو هوية حضارية. إنها من مكونات الوجود الأساسية. ولذلك فلا مبرر إطلاقًا للخوف من أن يصبح الشاب العربي بلا هوية. تكمن المسألة في نوعية هذه الهوية، وليس في وجودها أو غيابها.

الهوية الإنسانية ذات جذور بيولوجية راسخة تتمثل في التعلق بالأرض والانتماء إلى مجال حيوي. ويتساوى الإنسان في ذلك مع كل الكائنات الحية التي لها مجال حيوي تدافع عنه بضراوة.

الطفل يبحث عن هوية ويبني هوية، بدءًآ من اسمه الشخصي واسم عائلته ومكانته بين الأخوة، ثم توسعًا إلى الأسرة الممتدة والحي والمدرسة والوطن والمنطقة الحضارية. إنها عملية مدفوعة ذاتيًا، لا تفرض أو تخلق من فوق، بل هي توجه على صعيد المحتوى والقيمة. تُطرح الهوية الذاتية بحدة خاصة، تتخذ تسمية “أزمة الأصالة” في المراهقة وأول الشباب.

ينخرط الشباب في بناء الهوية المتماسكة من خلال الشغل على مفهوم الذات (ما هي هذه الذات وما سيرورتها وما خصائصها، وتميّزها ؟) وتنشط في هذه الحالة مسألة الاستبطان والتأمل الذاتي، والوعي الحاد بالذات والكيان الشخصي، التي تشكل أحد خصائص مرحلة الشباب. ولا يتحقق الشباب كتجربة ذاتية، إلا إذا قام كل منهم بقدر أدنى من الاشتغال بالذات، وبناء الموقع والمكانة والدلالة ضمن الجماعات المرجعية. وكلما تبلور مفهوم متماسك ومصدر قيمة عن الذات، عبر الشاب إلى مرحلة النضج والرشد، كما يذهب إليه إريك أريكسون في حديثه عن مراحل العمر الثمانية ومهامها. تتجلى الصحة النفسية للمراهق ومرحلة أوائل الشباب في بزوغ هوية شخصية متماسكة، وصورة عن الذات واضحة ومصدر قيمة، واعتزاز بالكيان الذاتي، مما يشكل مدخل العبور إلى سن الرشد. وفي المقابل يمثل الفشل في بناء هوية متكاملة وطغيان انتشار الأدوار إلى الضياع والتشتت في النظرة إلى الذات، والوقوع في مشاعر الضياع والغربة عن هذه الذات، مما يشكل المدخل إلى الاضطرابات النفسية والسلوكية.

المصدر

فوائد الكتب وأنواعها عند العقّاد

2012-634884834862411267-241_main

عباس محمود العقاد (١٨٨٩-١٩٦٤) هو أديب مصري أثرى المكتبة العربية بأكثر من مئة كتاب. كثيرا مايتحدث العقاد عن تجربته مع الكتب التي يقرؤها، حيث يقسم الكتب إلى ثلاث أقسام هي: العلمية، والأدبية، والفلسفية. ويقول متحدثًا عن فوائد الكتب :

أما تأثير كل من أنواع الكتب الثلاثة : العلمية، والأدبية، والفلسفية فهو أن الكتب العلمية تعلمنا الضبط والدقة، وتفيدنا المعارف المحدودة التي يشترك فيها جميع الناس، والكتب الأدبية توسع دائرة العطف والشعور، وتكشف لنا عن الحياة والجمال، والكتب الفلسفية تنبه لنا البصيرة وملكة الاستقصاء وتتعدى بالقارئ من المعلوم إلى المجهول، وتتنقل به من الفروع إلى الأصول.

وكل هذه الأنواع لازم لتثقيف الإنسان، وتعريفه جوانب هذا العالم الذي يعيش فيه. وأنا أفضلها على هذا الترتيب : الأدبية، فالفلسفية، فالعلمية.

آلام الشيخوخة كما يصفها جلال أمين

Professor of economics, new cairo campus, january 2010, provost lecture speaker

الكاتب المصري جلال أمين يصف في كتابه “ماذا علّمتني الحياة“ وبقلم مؤثر أواخر أيام والده أحمد أمين، مستعرضاً من خلالها مشاهد الشيخوخة وآلامها الدفينة.

لا زلت أشعر ببعض الألم ووخز الضمير حتى الآن، كلما تذكرت منظر أبي وهو جالس في الصالة وحده ليلا، في ضوء خافت، دون أن يبدو مشغولا بشيء على الإطلاق، لا كتابة ولا قراءة، ولا الاستماع إلى راديو، وقد رجعت أنا لتوي من مشاهدة فيلم سينمائي مع بعض الأصدقاء. أحيي أبي فيرد التحية، وأنا متجه بسرعة إلى باب حجرتي وفي نيّتي أن أشرع فورًا في النوم، بينما هو يحاول استبقائي بأي عذر هروبًا من وحدتهو وشوقًا إلى الحديث في أي موضوع. يسألني أين كنت فأجيبه، وعمن كان معي فأخبره، وعن اسم الفيلم فأذكره، كل هذا بإجابات مختصرة أشد الاختصار وهو يأمل في عكس هذا بالضبط. فإذا طلب مني أن أحكي له موضوع الفيلم شعرت بضيق، وكأنه يطلب مني القيام بعمل ثقيل، أو كأن وقتي ثمين جدًا لا يسمح بأن أعطي أبي بضع دقائق.

لا أستطيع حتى الآن أن أفهم هذا التبرم الذي كثيرًا ما يشعر به شاب صغير إزاء أبيه أو أمه، مهما بلغت حاجتهما إليه، بينما يبدي منتهى التسامح وسعة الصدر مع زميل أو صديق له في مثل سنه مهما كانت سخافته وقلة شأنه. هل هو الخوف المستطير من فقدان الحرية والاستقلال، وتصور أي تعليق أو طلب يصدر من أبيه أو أمه وكأنه محاولة للتدخل في شؤونه الخاصة أو تقييد لحريته ؟ لقد لاحظت أحيانًا مثل هذا التبرم من أولادي أنا عندما أكون في موقف مثل موقف أبي الذي وصفته حالا، وإن كنت أحاول أن أتجنب هذا الموقف بقدر الإمكان لما أتذكره من شعوري بالتبرم والتأفف من مطالب أبي. ولكني كنت أقول لنفسي إذا اضطررت إلى ذلك “لا أرغب في أكثر من الاطمئنان على ابني هذا، أو في أن أعبر له عن اهتمامي بأحواله ومشاعره، فلماذا يعتبر هذا السلوك الذي لا باعث له إلا الحب، وكأنه اعتداء على حريته واستقلاله ؟”.

المصدر