أرشيف الكاتب

قصة حياتي: كيف يشكل السرد شخصياتنا؟

 

 هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

في رواية (بول مورّاي) (سكيبي يموت) تجيء لحظة يعاني فيها بطل الرواية (هاورد) من أزمة وجودية فيقول: “ليست هذه الصورة التي تخيلتها لحياتي”. 

فيرد صديق: “ما الذي توقعته؟”

يتأمل (هوارد) السؤال: “أعتقد- يبدو هذا أحمقًا- لكني أظن أنني اعتقدتُ بوجود منحنى سردي أكثر في حياتي”.

لكن هذه الفكرة ليست حمقاء على الإطلاق. بالرغم ربما من حقيقة أن حياة الواحد المعروضة منذ بدايتها حتى نهايتها لن تمثل سردًا لمراقبها من الخارج، إذ أن الطريقة التي يختارها الآخرون لقص حكاية حياتهم للآخرين والأهم لأنفسهم لا تتبع دومًا تقريبًا منحنى سردي. فحين تروي قصتك فيما أصبحت وفيما كنت قبلها تصبح القصة بذاتها جزءً من هويتك.

يكتب (دان مكادمز) بروفسور علم النفس في جامعة نورث ويتسرون مشاركًا (إريكا مانزاك) في فصل لدليل الشخصية وعلم النفس الإجتماعي لجمعية علم النفس الأمريكية:

لا تعكس قصص حياة الواحد شخصيته ببساطة. هذه القصص هي الشخصية، أو بدقة أشد هي الأجزاء المهمة من الشخصية بالإضافة إلى الأجزاء الأخرى كالسمات المزاجية، الأهداف، القيم.

في مجال علم النفس السردي ليست قصة حياة الشخص سيرة ذاتية على موقع ويكيبيديا تتضمن الحقائق والأحداث التي حصلت فيها، لكنها الطريقة التي يجمع فيها الشخص بين هذه الحقائق والاحداث في داخله، كيف ينتقيها أجزاءً ثم يعيد نسجها ليكون لها معنى. يصبح هذا السرد شكلًا من أشكال الهوية: فالأشياء التي يختارها ليضمنها في القصة، والطريقة التي يرويها فيها يمكن أن تشكل هويته وتعكسها. ليست قصة حياة الشخص محض إخبارٍ بما حدث، بل هي تطرح سبب أهميته، وما تعنيه لما عليه الشخص الآن، ولما سيصبح عليه، ولما سيحدث بعدها.

يقول (جونثان أدلِر) الأستاذ المشارك في علم النفس في كلية أولين للهندسة:

أحيانًا في حالات التوحد الحادة لا يشكل المصابون بناءً سرديًا لحيواتهم، لكن النمط الافتراضي لإدراك الإنسان هو النمط السردي.

حين يتحدث الأشخاص للآخرين عن أنفسهم عليهم تقريبًا أن يحكوها سردًا، إنها الطريقة التي يتواصل بها البشر. لكنهم حين يفكرون بحيواتهم بينهم وبين أنفسهم فدومًا ما يسلك ذلك منحنى سرديًا، بحبكة تسير من نقطة إلى أخرى. وهناك مثل مأثور يقول بأن داخل كل شخص كتاب. (كريستوفر هيتشنز) قال مرة: الداخل “هو بالضبط أينما أظن يجب أن يظل في معظم الأحيان”. هل هناك أي شخص في هذا العالم بقصة حياة ليست على شكل قصة أبدًا، ولكنها أقرب لكونها تمثيل مفكك غير تقليدي لوجوده؟

تقول (مونيشا باسباثي) برفسورة علم نفس التنموي في جامعة يوتا: “يستحيل تقريبًا التطرق لهذا السؤال من ناحية علمية”. فحتى لو كنا “حيوانات حكاءة” كما أسمانا (جونثان غوتشل) فما الذي يعنيه هذا من شخص لآخر؟ إذ أن الأمر لا يتمحور فقط حول الاختلافات الفردية في الطريقة التي يفكر بها الأشخاص بقصصهم، بل هناك اختلاف شاسع في الدرجة التي ينخرطون فيها في القص السردي أصلًا.

تقول (كايت مكلين) الأستاذ المساعد في علم النفس في جامعة ويسترن واشنطن: “يكتب البعض في مذكراتهم مستبطنين لذواتهم متعمقين فيها، والبعض الآخر ليس كذلك إطلاقًا”. فرغم أن عادة التدوين المستمر هي طريقة لتوثيق قصة الحياة لكنها لا تشكل دومًا سردًا عميق الانفعال. حين أجريتُ منذ عدة شهور مقابلة مع الكاتبة (سارة مونقوسو) والتي داومت على تدوين يومياتها لمدة خمس وعشرين سنة وما زالت أخبرتني: “لم يكن السرد يومًا أسلوبًا تسرب إليّ بيسر”.

بيد أن جميع الباحثين الذين تحدثت معهم كانوا مقتنعين بأنه ولو لم تكن الفكرة عالمية متعارف عليها بنسبة 100% فإنها تظل على الأقل شائعة جدًا.

تقول (باسباثي):

أعتقد أن جميع البالغين الطبيعيين السلميين يشتركون في قدرتهم جميعًا على تكوين قصة حياة. يمكنهم جميعًا جمع الأجزاء وتكوينها… فلنحظى بعلاقات علينا جميعًا أن نحكي أجزاءً من قصتنا. ولذا من الصعب أن تكون إنسانًا وتنخرط في علاقات دون أن يكون لك نسخة من قصة حياتية تطفو حولك.

لكن الحياة نادرًا ما تتبع في سيرها التعاقب والتوالي المنطقي الذي تتبعه معظم القصص -القصص الجيدة- حيث تجتمع القرائن كلها، وحيث تُطلق الأسلحة المتروكة على رف الموقد في اللحظات المناسبة، ولا الذروة التي تظهر في المشهد الثالث. لذا يبدو السرد طريقة تأطير متناقضة للفوضى الحياتية لحين تذكرك لمنبع القصة مصدرها في الأساس. وفي النهاية فإن المادة الوحيدة التي استطعنا يومًا أن نخلق منها قصصًا هي خيالنا والحياة نفسها.

إذًا حكاية القصص خيالية كانت أم لا، واقعية أو تعج بالتنانين هي طريقة لجعل العالم من حولنا منطقيًا ذو معنى.  

يقول (أدلِر):

الحياة معقدة للغاية، يحدث الكثير والكثير طيلة الوقت في محيطنا وفي حيواتنا، ولنشبث لتجربتنا ونحفظها علينا جعلها ذات معنى، والسبيل إلى ذلك هو بهيكلة حيواتنا قصصًا وحكايا.

إنه التزام صعب، فالناس يحوون بين جنباتهم جموعًا وأعني بالجموع مكتبات. فلربما كان لأحدهم سردٌ حياتيٌ جامع شامل لكل حياته، وقصصٌ مختلفة بسرد مختلف لحياته، وظيفته، حياته العاطفية، عائلته، إيمانه. ولربما كان داخل كل قصة قصصٌ أخرى تتقاطع، تتضارب أو تتضاد مع الأخريات، وكلها محشوة بقصصٍ أدق لأحداث معينة. وليكون قصة حياته عليه أن يتبع ما يسميه الباحثون “استخلاص السيرة الذاتية” لكل الأحداث كما كتب (مكادمز) و(مانزاك):

تمييز الدروس المكتسبة والخبرات المكتسبة من الحياة، وتحديد التطور والتحسن خلال تعاقب الأحداث، وإظهار مدى دقة المراحل الحياتية في تصوير الحقائق الدائمة عن الذات.

كما يُضيف (مكادمز):

لا يُفترض بالقصص أن تكون بسيطة جدًا كالقصص الخيالية، يمكنها أن تكون معقدة، يمكنها أن تكون كروايات جيمس جويس هناك على أرض الواقع.

إذا كنت حقًا كـ(جيمس جويس) فلربما هناك العديد مثله. إذ يحصد الناس القصص المحيطة بهم -الحكايات الخيالية، مقالات الصحف، نوادر العائلة الملفقة- ومن ثم يتماهون معها ويقتبسون منها بينما يصوغون مفاهيمهم وتصوراتهم الذاتية الشخصية. يشبه الأمر شريط موبيوس: القصص هي الحياة، الحياة هي القصص.

إلا أن الناس لا يدونون حياتهم منذ ولادتهم، إذ تستغرق القدرة على صياغة السرد الحياتي زمنًا لأن عملية النمو تمنح الأولوية لممارسات أخرى كالسير والتحدث وإدراك وجود الأشياء وملاحظتها. ويمكن للأطفال رواية قصصٍ عن أحداث بعينها بإرشاد ومساعدة، بينما تخصص معظم فترة المراهقة لتعلم:” ما يُضمن في القصة.. وما يجعل القصة جيدة في المقام الأول” وفقًا لـ(باسباثي)، وإذ تتابع: “لا أعلم كم من الوقت قضيتِ بصحبة الأطفال إلا أنهم لا يدركون حقًا هذه الأفكار. عندي طفل يمكنه أن يحدثك لمدة ساعة كاملة عن لعبة ماين كرافت”. إذ يتعلم الأطفال من الأصدقاء والعائلة والأدب ما يعنيه أن تكون حكاءً جيدًا، ولهذه القدرة على حياكة قصصٍ مدهشة وجيدة قيمة اجتماعية.

يبدأ تعلم صياغة القصص الحقيقي في السنوات الأخيرة من المراهقة والسنوات المبكرة من النضج؛ لأن الأدوات الإدراكية التي يحتاجها الأشخاص لخلق قصة حياتية متسقة ومتماسكة تكون حينها نمت وتطورت. وتتضمن هذه الأدوات التناسق والتماسك السببي أي القدرة على وصف كيف أدى حدث إلى آخر، والتناسق والتماسك الموضوعي أي القدرة على تحديد القيم الشاملة والرئيسية و تعزيز التجدد والتكرار خلال القصة. توصلت دراسة تحلل قصص الحياة لأشخاص بعمر الثامنة، الثانية عشر، السادسة عشر، والعشرين إلى أن أشكال التناسق المضمنة في القصة تزيد بتقدم العمر. وباقتراب القصة الحياتية من فصولها الأخيرة لربما أصبحت محددة أكثر لا تتغير، ففي دراسة لـ(مكلين) تمتع البالغون الأكبر سنًا بدرجة أعلى من التناسق الموضوعي، وحكوا قصصًا أكثر عن الاستقرار، بينما نزع البالغون الشباب والأصغر إلى رواية قصص أكثر عن التغيير.

يعتقد (مكادمز) بأن هذا التطور والنمو ناتجٌ عن تقسيمات الجوانب الثلاث للذات. فالبشر منذ الولادة تقريبًا “ممثلون، لهم سمات شخصية، يتفاعلون مع العالم، لهم أدوارٌ محددة عليهم أن يؤدوها: الابنة، الأخت، طفل الجيران المولود حديثًا والذي سيبكي طيلة الليل ويبقيك مستيقظًا. وحين يبلغون العمر المناسب ليحددوا أهدافهم ويختارونها يصبحون مفوضين، وتظل لهم أيضًا أدوارٌ ليؤدوها ويتفاعلون مع العالم، ولكنهم يتخذون قراراتهم على أمل أن يحصلوا على النتائج المرغوبة. أما التقسيم الأخير فهو المؤلف أي حين يبدأ الأشخاص بحزم أفكارهم عن المستقبل وفرزها بخبرتهم من الماضي والحضر وتحويلها إلى سرد ذاتي.

يمكن أن يشرح هذا المسار التطوري السبب لاستمتاع الأشخاص بأنواع مختلفة من القصص الأدبية والخيالية في أعمار مختلفة. يقول (مكادمز): “حين تكون طفلًا يتمحور اهتمامك في مجمله حول الحبكة، سيحدث هذا وسيحدث ذلك. ولا تكون متماشيًا مع فكرة أن الشخصيات ستتطور”. ولذا على الأرجح لا تعتق جاذبية الشخصيات الكرتونية ولا تكبر.

مؤخرًا قرأ نادي قراءة (مكادمز) رواية (إيثان فروم) للروائية (إديث وارتون) يقول عن ذلك:

قرأتُ الرواية في المدرسة الثانوية وكرهتها، كل ما يمكنني أن أتذكره عنها هو تلك المزلجة التي اصطدمت بالشجرة. ومؤخرًا قرأنها في النادي ويا للعجب إنها مذهلة. اصطدمت المزلجة بالشجرة نعم ولا شك أنه مشهد مهم، ولكن كيف غيرت هذه الحادثة حيوات الأشخاص والمأساة الناتجة عن هذا كله فُقدت كلها حين كنتُ في الثامنة عشر من عمري. ما يُفقد في الثامنة من العمر يُسترجع في الأربعين، وما يحس ذو الثامنة من عمره بأنه قهري وممتع سيدفع ذي الأربعين من عمره للبكاء يومًا ما.

وكاختلاف الأذواق في الكتب أو الأفلام فإن القصص التي نخبرها لأنفسنا عن أنفسنا متأثرة بأكثر من ذواتنا في حقيقة الأمر. إذ يبدو أن الطريقة التي يسرد فيها الأشخاص تجاربهم للآخرين تُشكل الطريقة التي ينتهون فيها لتذكر الأحداث. ووفقًا لبحث (باسباثي) يحدث هذا بعدة حالات، إحداها أن الأشخاص يواءمون القصص لتتناسب مع السياق ومع مستمعيهم. فمثلًا أنا أروي الآن قصة الحادث الذي أصبت فيه سيارتي والدتي بالضرر الآن لأصدقائي باختلاف كبير عما قلته لأمي حين الحادث أي ببكاء أقل.

  أما الحالة الأخرى هي أن فعل الرواية هو تدربٌ على القصة كما تقول (باسباثي): “ويقوي التدرب على القصة الروابط بين بضع معلومات موجودة في عقلك عن القصة ويضعف الروابط بين معلومات أخرى. لذا تصبح الأحداث التي أخبرك بها أقرب إليّ وأيسر في تذكرها واسترجاعها. ولربما كان هذا التأثير دائمًا ثابتًا”. لذا حين يلقي أحدهم بطعم الجملة المعسولة ما هي قصتك؟” في الحانة، فإن ذلك يكون لمسًا للوتر الحساس فينا كرجلٍ شق شريانه السباتي بينما كان يحلق لحيته.

لكن وكما لرواية قصصنا عواقب فهناك عواقب لعدم روايتها. فإن خشي أحدهم من الكيفية التي لربما تفاعل بها الناس مع قصته وأبقاها لنفسه، فإنه أقرب لتفويت الإثراء الناتج عن تبادل المحادثات. تعلق باسباثي على هذا فتقول: “لربما منحك السامع جانبًا آخر لما ترويه لتفكر به، أو لربما اعترف بأن ما تعتقد أنه حملٌ ثقيل وهم ما هو إلا أمرٌ يسير في حقيقة الأمر”. وإن أنت لم تتحدث تتابع (باسباثي) قائلة: “فإن ذاكرتك لربما أصبحت أقل مرونة فيما يخص هذا الحدث وضاءلت فرصتك بالنمو والتحسن”، وهذا هو بالضبط الأساس المنطقي للعلاج النفسي بالتحدث.

وهذا لا يضع في الحسبان كل المحادثات التي خططتَ لخوضها، أو التي تخيلت بتفصيل خوضها ولم تخوضها أبدًا. إن الدرب من الخارج إلى الداخل ثم إلى الخارج مرةً أخرى وعرٌ، مظلم، وضاجٌ بالتعرجات.

متى ما ضُمنت قصص معينة في الثقافة فإنها تصبح سرديات أساسية: مخططات للأشخاص ليتبعوها حين صياغة قصصهم للأحسن أو للأسوأ. وإحدى هذه المخططات هي حياتك النمطية: “التحق بالجامعة، تخرج، توظف، تزوج، أنجب أبناءً”.

هذه المخططات لربما كانت سيناريو مفيد يمنح الأطفال منحنى متوقعًا للحياة، ويعرض لهم أمثلة لأحداث مضمونة من المحتمل أنها ستحدث. لكن مساوئ السرد النمطي موثقة جيدًا: إنها تصم أي شخص لا يتبعها وصمًا نهائيًا، وتخلق توقعات غير واقعية عن سعادة أولئك الذين سيتبعونها. وإن كان هذا المخطط لطاولة من إيكيا لا للحياة فإن كل شخص سيحاول تقريبًا اتباعه سينتهي به المطاف بشيء متذبذب ومشوه، ببعضٍ من المسامير الباقية أسفل الأريكة ذات تأثير سيء على السلامة البنيوية لما بنيته.

تقول (باسباثي):

أظن أن هذا الإطار مهلك تحديدًا لأولئك الذين ينجبون أبناءً، ذلك السرد الحياتي الذي تكون ذروته هو الزواج وإنجاب الأبناء و منذ تلك اللحظة سيكون كل شيء سعيدًا سعادة قاطعة.

تتطور هذه السيناريوهات بتطور الثقافة فمثلًا: في القرون الماضية ما كانت قصص المس الشيطاني في غير محلها، لكنها يستبعد الآن في هذا العصر أن يصف معظم الأشخاص تصرفاتهم بمصطلحات كهذه.

أما الصياغة الأخرى للسرد الشائعة في عددٍ من الثقافات اليوم هي متسلسلة الاسترداد والتعويض ومتسلسلة التدنيس. تبدأ قصة التعويض بحدث سيء وتنتهي نهاية حسنة “قربتنا تلك الإجازة الفظيعة في نهاية الأمر من بعضنا البعض كعائلة”، أما قصة التدنيس فعلى العكس تمامًا “كانت الرحلة البحرية رائعة حتى تسممنا”. ترتبط ثيمة الاسترداد في قصة الواحد الحياتية بدرجات عالية من السلامة النفسية والصحة، بينما تميل ثيمة التدنيس للتزامن مع صحة عقلية أضعف.

للعديد من الأشخاص قصصٌ أصغر لكل حدث تناثر في حياتهم بمجملها، رغم أن تصرفات الشخص، ثقافته، ومحيطه يمكن أن تؤثر فيما ينجذب إليه. كما يمكن أيضًا أن يعد الأشخاص منحى حياتهم الكامل كاسترداد أو كتدنيس، ومنحنى الاسترداد هو الشائع تحديدًا، وتحديدًا في السرد الأمريكي. كتب (مكادمز) في بحث استعراضي للقصة الحياتية:

تطورًا وتحولًا منذ التطهيرية إلى رالف والدو إمرسون إلى أوبرا وينفري.. سعى الأمريكان لتوثيق حيواتهم وكتابتها كحكايا تعويضية للتكفير، للانعتاق والتحرر، للتشافي، لتحقيق الذاتي، ولرفع الارتقاء الاجتماعي. تتحدث القصص عن شخصيات رئيسية لأفراد أبطال -المختارون- قدرهم الواضح هو إحداث تغييرٍ إيجابي في عالم خطر، حتى لو لم يرغب العالم بالخلاص.

 إن قصة التعويض هي تمثيل للتفاؤل الأمريكي -سيكون كل شيء على ما يرام!- و الاستثنائية الأمريكية -أنا قادر على تحسين الأشياء!- وهذه موجودة في الماء والهواء، وفي رؤوسنا. وهذا في حقيقة الأمر أمر حسن معظم الوقت، إذ أظهرت الدراسات أن إيجاد معنى إيجابي في الأحداث السيئة مرتبط بإدراك للذات معقد أكثر ورضى أعمق عن الحياة. وحتى فيما يخص التحكم بالتفاؤل العام توصل مكادمز وزملاؤه إلى أن وجود متسلسلة الاسترداد والتعويض أكثر في قصة الحياة ما زال مرتبط بمستويات أعلى من العافية والسلامة النفسية.

تحدث المشكلة حين لا يكون التعويض ممكنًا، فحكاية التعويض الأمريكية امتيازٌ، أما أولئك غير قادرين على التحكم بظروفهم ولا سبب عندهم لاعتقاد بتحسن الوضع، سيكون التعويض خيارًا غير منطقي وصعب المنال. وهناك ما يحدث لأولئك الذين لا ينالون الخلاص ولا التعويض.

يصعب ربما مشاركة قصة تؤول إلى: “هذا ما حدث، وكان فظيعًا. النهاية”. طلبت (مكلين) في بحثٍ أجرته الأشخاص الذين خاضوا تجربة الاقتراب من الموت أن يحكوا قصصهم للناس وتقول في هذا الخصوص:

تعرض الذين حكوا هذه القصص المعلقة لردات فعل سلبية، فإذا لم يكن للقصة نهاية مبهجة، تعويضية (بغض النظر عن نجاتهم من الموت فقط) سيمتعض المستمعون.

وتتابع قولها:

لقصة التعويض والاسترداد والتحرر قيمتها في أمريكا؛ لأنها طريقة رائعة لرواية القصص لعددٍ من الناس، لكن أولئك غير القادرين على ذلك، غير القادرين على تعويض صدماتهم والتحرر منها لأي سبب هم فيما يشبه القيد المزدوج. فعند كلاهما هذه القصة الحمقاء المعلقة لكنهم أيضًا غير قادرين على نيل قبول الناس أو تصديقهم.

وفي حالة كهذه لأولئك الذين خاضوا العديد من الصدمات لربما كان خيرًا لهم ألا يؤرخوا لها كسيرة لحياتهم وألا يبحثوا فيها أبدًا.  

تقول (مكلين): “في المرة الأولى التي اكتشفت فيها هذا الارتباط بين التفكير والتبرير و ضعف الصحة العقلية اعتقدتُ بأني حللتُ البيانات التي بين يدي خطأ”. لكنها وبعد أن حاكت الأبحاث الأخرى نتائجها اقتنعت بوجود رابط، إذ تعتقد أن الأشخاص لربما كبحوا وقمعوا الأحداث الصادمة والمؤذية في دواخلهم بسلوك لربما ليس الاختيار المثالي لكنه يظل “صحيًا“.

وتضيف:

إن الفكرة النمطية هي أنك ستكبح ما يعتمل في داخلك لكنه سيطفو مرة أخرى ويفترسك إن أنت لم تتصالح معه، لكن ذلك يظل في ظل افتراض أن الأشخاص يمتلكون ما يلزم للتصالح مع ما يكبتون.

قابلت (مكلين) في إحدى دراساتها هي وزملاؤها مراهقين يرتادون مدرسة ثانوية للطلاب الأضعف والأكثر هشاشة. كانت إحدى الحالات جوزي ذات السبعة عشر عامًا ابنة لأم عزباء، عانت من إدمان المخدرات والكحول، اضطراب ثنائي القطب، الاغتصاب، ومحاولة الانتحار. أخبرت الباحثين أن ذكراها المحددة لذاتها هي قسم والدتها على عدم إنجاب الأبناء، ومن ثم حنثها به.

قالت (جوزي) حين سردت تلك الذكرى:

أنا الشخص الوحيد الذي أعول عليه في حياتي؛ لأني حاولتُ أن أعول على الآخرين وإما طُعنت في ظهري أو جُرحت وأوذيت، لذا أعرف تمام المعرفة أنني لا أثق سوى بنفسي ولا أعول إلا عليها.

يمكن أيضًا أن تمعن التفكير وتتعمق في أحداث طيبة في حياتك أيضًا تقول (مكلين):

أجريت بعض الأبحاث التجريبية التي أظهرت أنك حين تسأل الناس ليتحدثوا عن تجربة إيجابية تشعرهم بالسوء والتضايق؛ لأنك تدفعهم إلى ما يشبه: “حسنًا لِم تزوجت ذلك الشخص؟”. إن الحكمة والنضج والتعقيد الإدراكي صفات نقدرها لكنها لا تجعلك بالضرورة سعيدًا.

رغم أن البحث المتعمق في سيرة حياة الواحد لربما أوصله إلى أفكار سيئة أو كئيبة، ولكنه لربما أحيانًا أوصل الأشخاص إلى إيجاد معنى فيما حدث. وبينما من المحتمل أن تقدر على تجنب التفكير بحدث معين فمن الصعب أن تترك كل صفحات قصة حياتك غير مكتوبة ولا مدونة.

يعبر (أدلِر) عن رأيه فيقول:

أظن أن فعل صياغة حيواتنا كسرد ما هو فعل إيجابي ولا سلبي، إنه كما هو. غير أن لفعل ذلك سلوكيات سيئة وأخرى جيدة لصحتنا العقلية.

لاحظ (أدلِر) في بحثه طابعين في قصص الناس التي تميل لربطها بصحة وسلامة عقلية أفضل: التمثيل الشخصي، أو الشعور بأنك المتحكم في حياتك، والمشاركة، أو الشعور بأن لك علاقات جيدة في حياتك. والرابط “ضبابي بعض الشيء” كما يصفه (أدلِر)، فهناك علاقة قوية بين المشاركة وبين الصحة العقلية في الوقت ذاته، ولا يتضح كثيرًا إذا ما كان الشعور بالقدرة على المشاركة الآن يتنبأ بصحة عقلية أفضل لاحقًا.

لكن التمثيل الشخصي مرتبطٌ طبعًا وذلك معقول؛ نظرًا لكون الشعور بالعجز واليأس هي الأعراض الأساسية للاكتئاب، ولذلك فإن الشعور بالسيطرة والتحكم مفيدٌ للصحة العقلية. أجرى أدلِر دراسة ممتدة على سبعة وأربعين بالغ يخضعون للعلاج النفسي، طالبًا منهم كتابة سرد شخصي والخضوع لتقييمات للصحة العقلية خلال مدة 12 جلسة علاجية. ولم يكن ما توصل له فقط أن طابع التمثيل الشخصي زاد في قصص المشاركين بمرور الوقت، وأن معدل الصحة العقلية ازداد أيضًا وأن كلاهما كان مرتبط بالآخر، ولكنه أيضًا توصل إلى أن طابع التمثيل الشخصي المتزايد ظهر في القصص قبل أن تتحسن الصحة العقلية للمشاركين.

يقول (أدلِر) عن ذلك:

يبدو الأمر كما لو أنهم خلقوا نسخًا جديدة من ذواتهم وعاشوا وفقًا لذلك.

هناك تحديدًا ما يميز السرد: فصحيح أن التعبير عن أفكار الواحد ومشاعره بخصوص الأحداث السلبية يبدو مفيدًا للسلامة العقلية، أظهرت إحدى الدراسات أن كتابة تلك الأفكار والمشاعر في صياغة السرد أفادت الأشخاص أكثر من إنصات الآخرين لهم.

لكن يستدرك:

لكني لستُ كالسيد الممثل لذاته، التمثيل الشخصي بأي ثمن. لا أعتقد بصحة ذلك. فإذا كنت في المرحلة الرابعة من مرض السرطان لربما كان التمثيل الذاتي حسنًا لك لكن هل هو خيار منطقي؟ ولا أعتقد أن التحرر جيد على الأمد البعيد، لكن في أتون أولئك الذين يعانون حقًا من الأمر لا أعلم إن كان ذلك يفيدهم حقًا.

لكني تساءلتُ: برغم أن التمثيل الذاتي لربما كان نافعًا لك، هل رؤيتك لذاتك كبطل روايتك القوي هو على حساب الشخصيات الأخرى في قصتك؟ هل هناك أثرًا للتعاطف إن نحن عاملنا الآخرين كلاعبين بدلًا من أبطالٍ في قصصهم الشخصية؟

تقول (باسباثي):

تلك حقيقةً فكرة استقرائية مثيرة للاهتمام. لم أعرف أحدًا بحث في الأمر.

كما أظهرت أبحاث (أدلِر) بحتاج الناس لرؤية أنفسهم كممثلين إلى حد معين، وأظهرت أبحاث باسباثي أن للآخرين دورًا كبيرًا في تشكيل القصص الحياتية. أما السؤال الآن على الأرجح ما مدى إدراك الأشخاص لكون تمثيلهم الذاتي غير مطلق.

وفقًا لإحدى الدراسات عادة ما يروي الأشخاص المكترثون -أي الأشخاص الذي يهتمون ويلتزمون بمساعدة الأجيال القادمة- قصة عن أشخاصٍ ساعدوهم في الماضي. ويقترح مكادمز أن النرجسيين عادة أكثر ميلًا للتصرف على النقيض من ذلك “إنهم أشخاص جيدون حقًا في التحدث عن أنفسهم وفي خلق سردٍ عنها، لكنهم غير قادرين على الاستماع لك”.

أما (باسباثي) فتعلق:

إذا كانت قصصنا عن ذواتنا كمنتصرين بها في الحياة وفي تذليل صعابها، وتقلل هذه القصص من دور الآخرين فيها ومن دور الدعم المؤسسية في مساعدتنا على عمل الأشياء، علينا على الأقل أن ننجح في ملاحظة كيف تقييد المؤسسات والآخرين حياة غيرنا. أعتقد أن لذلك إشارات حقيقة لفهمنا للإجحاف والتفاوت في مجتمعنا. فكلما اعتقدت بأن العالم بأكمله مخلوق ليناسبك، كلما قل إدراكك لكونه يناسبك ويسير معك.

إنها مشكلة مُربكة؛ يستخدم الناس القصص لفهم الحياة لكن ما مدى ما تعكسه هذه القصص عن واقع الحياة وحقيقتها؟ وحتى مراعاة حقيقة قدرة الأشخاص المعقدة على رواية القصص كجويس، فإن الانحيازيات، الاختلافات الشخصية، أو العواطف يمكن أن تؤدي بالأشخاص المختلفين لرؤية الحدث نفسه رؤية مختلفة. وباعتبار مدى قابلية تعرض البشر للذكريات الزائفة من سيضمن أن الحبكات في قصة حياة أحدهم حدثت حقًا، أو حدثت بالطريقة التي اعتقد أنها حدثت، أو تسببت بالأثر الذي يعتقد أنها فعلت؟

لا تقتنع (باسباثي) بأهمية دقة القصص الحياتية من عدمها. تتناول العديد من الأبحاث عن الذكريات الزائفة شهادة الشهود، بينما ما يهم حقًا ما إذا كان الشخص يروي القصة كما حدثت بالضبط. لكن ما يهم الباحثين في علم نفس السرد حقًا وفقًا لـ(باسباثي):

ما إذا كان ما يرويه الشخص حقيقيًا في المشهد الجنائي أو القانوني، إن ما يهم حقًا إذا ما كان الشخص قادرًا على صياغة قصة ذات معنى ومتناسقة بناءً على ما حدث. يختلط كل صياغة لسرد ببعضٍ من الكذب، وبعض الكذبات صادقة كفاية.

إن تنظيم الماضي على شكل قصة سردية ليست فقط طريقة لفهم الذات ولكنها أيضًا محاولة لتوقع المستقبل، وهذا مثير للاهتمام؛ لأن رواية القصص تبدو متعارضة جدًا مع وقائع الحياة الحقيقية المنذر بها مجازيًا طبعًا. علمتني الجلسات النقاشية في فصل لمادة الأدب خلال دراستي الجامعية يمكنك أن تعد أي شيء مجازًا إن بذلت أقصى جهدك، عبارة دالة بلا شك. فحتى لو كنتَ تحيا حياتك عشوائيًا قدر الإمكان ستحدث أشياء كافية لتبدأ الأنماط في ولوج حياتك كنظرية القرد اللامحدودة.      

لكن بغض النظر عن مدى محاولاتك الجادة وبغض النظر عن رغبتك الملحة في ذلك لا وجود لطريقة حقيقية صادقة لمعرفة المستقبل، والعالم لم يخلق بذاته ليمنحك إشارات وتلميحات. إن كنت ميالًا للمبالغ في التفكير وتجرب كل سيناريو ممكن في ذهنك مسبقًا سترى تنبؤً في كل ما حولك. فالطريقة التي ينظر والداك لك فيها تعني شجارًا تحلق في الأفق، المديح من رئيسك يعني أنك سائرًا نحو الترقية، وكل تلك الأشياء التي نسيتها بمرور السن تعني أنك ستصاب بالخرف حين تتقدم في السن.

كتب الروائي (إي إم فوستر) مرةً:

تضج الحياة الحقيقة بالإشارات والعلامات المزيفة التي تقود إلى اللامكان”. وأصبح هذا واضحًا في تدوين المذكرات كما كتبت مونقوسو في كتابها (Ongoingness) الذي تحدثت فيه عن كتابتها لمذكراتها لمدة خمسة وعشرين سنة: “تخيل سيرة ذاتية لا تتضمن فقط سردًا ولكن كل الأحداث التي فشلت في توقعها. فمعظم ما تتضمنه المذكرات لا يتنبأ بأي شيء.

إذًا ما تصنع بكل ما لم يُرتب بدقة؟ يشير دليل إلى أن وجود بعض “الأحادية” في هويتك السردية أفضل نفسيًا من انعدام وجودها. وعلى الأرجح أن الأسهل هو الإلقاء بالأشياء التي تسحبها من الفوضى رغم أنها ستتطلب قليلًا من إعادة التكيف.

لكن (باسباثي) ترفض ذلك:

أفضل أن أرى الأشخاص يبذلون جهدهم وينجحون في محاولاتهم لعدم ترك الأشياء معلقة لعدم قدرتهم على ترتيبها والربط بينها. نحن لا نحاول إلغاء وجود أجزاءٍ من حياتك.

وحتى لو بلغ الأشخاص نهاية مسدودة أو مفاجآت غير متوقعة فإنهم لا يستطيعون كبح جماح التوقعات تعلق (باسباثي): “نحنُ نحاول توقع المستقبل طيلة الوقت”. وتفترض أن السبب في وجود تنبؤات في الأعمال الأدبية في المقام الأول هو بسبب هذه النزعة الإنسانية لها. إن حالة انعدام اليقين حول المستقبل والشك به تجعل الأشخاص قلقين والقصص هي طريقة للتعاطي مع ذلك.

يقول (أدلِر): “ليس المستقبل نسخة مباشرة عن الماضي أبدًا، لذا علينا أن نكون قادرين على جمع بعض مما حدث لنا سابقًا و إعادة تشكيله لما يمكن أن يكونه المستقبل”. فمثلًا بالتجربة يتعلم الواحد أن جملة “علينا أن نتحدث” نادرًا ما تتنبأ بأمرٍ حسن. (للحياة نمطيتها الثابتة).

أجريت بعض الأبحاث التي تتناول العقل تدعم هذا الرابط بين الماضي والحاضر، و تُظهر نتائجها أن بعض مناطق الدماغ تنشط حين يُطلب من الأشخاص أن يتذكروا شيئًا ما وحين يُطلب منهم أن يتخيلوا حدثًا لم يحدث بعد. من ناحية أخرى يواجه مريض فقدان الذاكرة صعوبة أيضًا في تخيل المستقبل.

إذًا وعلى نفس المنوال يبدو أن الطريقة التي يتخيل فيها الواحد مستقبله تؤثر في الطريقة التي يرى فيها ماضيه، وفي نفس الوقت يخبر الماضي عن الطريقة التي يتخيل فيها مستقبله.

يقول (مكادمز):

إذا كنتَ تخطط لصبح طبيبًا وأنت في الخامسة والعشرين من عمرك وبدأت دراسة الطب، وفي بالك توقعات عما ستكونه الخمس إلى عشر سنوات القادمة فإنك على الأرجح شكلت سردًا مبني على ماضيك يساعدك على فهم كيفية وصولك إلى تلك النقطة. ولنقل مثلًا أنك التحقت بكلية الطب وكرهتها وانسحبت منها فإنك على الأرجح في نفس تلك اللحظة ستغير الماضي. إنك تعيد كتابة التاريخ.

تُكتب قصة الحياة بالطباشير لا بالحبر، أي أنها قابلة للتغير كما يقول (أدلِر):

أنت القاص والشخصية الرئيسية في حياتك وذلك يمكن أن يكون أحيانًا إلهامًا: “حسنًا، أنا أحيا هذه القصة، أنا المؤول عن هذه القصة حقيقةً.

سواء كان بمساعدة العلاج النفسي في غمرة أزمة الهوية حين تطارد توقعات وتنبؤات بسرعة روودرنر نحو نفق يتضح أنه مرسوم على الحائط فقط، أو ببطء وبمنهجية يومًا تلو الآخر كما يحدث في كل القصص يتمحور الأمر برمته حول إعادة الكتابة والتشكيل.

“الماضي دائمًا في قبضتنا” كما يقول (مكادمز).

 


[المصدر]

 

 

 

 

 

نصيحة (كانط) للقلب المفطور: رسالة لطالبة

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

درس عددٌ من الفلاسفة أعمال (إيمانويل كانط) ومساهماته و أخلاقيته، لكن قلة منهم شكلوا حيواتهم بناءً عليها.

في سنة 1791 تلقى (كانط) رسالة من (ماريا فون هيربيرت) النمساوية وهي إحدى مريدي فلسفته. بعثتُ له تسأله النصح للتعايش مع انفطار قلبها مؤخرًا، مأساة شديدة جدًا دفعتها للتفكير بإنهاء حياتها حتى أدركت أن ذلك سيكون منافٍ لأعمال (كانط) وفلسفته.

كانط العظيم؛

أراسلك طلبًا للمساعدة كما يدعو المؤمن ربه يسأله، طلبًا للراحة، أو لنصيحة تجهزني للموت. تثبت كتاباتك وجود حياة آخرة. لكنّي في هذه الحياة لم أجد أي شيء، أي شيء مطلقًا سيحل بديلًا للخير الذي خسرته، أحببتُ شخصًا كان في عينيّ يتضمن في دواخله كل ما هو جدير بالاهتمام؛ لذلك عشتُ لأجله فقط، وكل شيء مقارنة به كان مجرد توافه رخيصة قميئة. حسنًا، أهنتُ هذا الشخص بسبب كذبة كبيرة طال أمدها وكشفتها له الآن، رغم عدم وجود مصلحة شخصية فيها لي، ولم أرتكب أي خطيئة أو رذيلة في حياتي لأحتاج لإخفائها.

لكن الكذبة كانت كافية، وتلاشى حبه. ولكونه رجل شريف لم يرفض صداقتي. لكن ذاك الشعور في بواطننا الذي انبثق مرة فجأة وقادنا لبعضنا اختفى: آه لقلبي الذي يتشظى لآلاف الشظايا! لو لم أقرأ الكثير من أعمالك كنتُ بلا شك سأنهي حياتي. لكن الخلاصة التي استقيتها من نظريتك أوقفتني: من الخطأ أن أموت؛ لأن حياتي هي عذابي، بل وعليّ أن أعيش لوجودي. ضع نفسك الآن في مكاني وإما ِالعني أو أرحني. قرأتُ كتابك (تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق) وقرأت عن الحتمية القاطعة ولم تساعدني ولو قليلًا. هجرني عقلي فقط حين احتجته. أجبني، أناشدك أو أنك لا تتصرف تبعًا لحتميتك القاطعة.

حدد (كانط) القيمة المتأصلة في الحياة الرشيدة وأدان الانتحار لكونه معارض منطقي لنموذجه الأخلاقي لاختيار القرارات.

وكان رد (كانط) مثيرًا للاهتمام نوعًا ما:

لابد أن رسالتك هذه عميقة الشعور نابعة من قلب خُلق لأجل الفضيلة والصدق؛ لأنه منفتح جدًا على تلقي هذه الخصال. عليّ كما طلبتِ -تحديدًا- أن أضع نفسي في مكانك، وأصف لك مسكنًا أخلاقيًا خالصًا. لا أعلم إن كانت علاقتك هذه علاقة زواج أو صداقة، لكن لا فارق واضح بينهما. فالحب سواءً كان للشريك أم للصديق الافتراض المُسبق لذات الاحترام المتبادل للشخص الآخر ما هو إلا وهم جسدي سريع العطب.

هذا النوع من الحب الذي يريد أن يكشف نفسه بالكلية، ويتوقع من الآخر كشفًا مماثلًا لمكنونات قلبه يُضعفه التكتم المرتاب. وهذا هو النموذج الأمثل لمطالب الصداقة. لكن شيئًا في دواخلنا يُحد من هذه الصراحة، عائقٌ لتدفق ما يعتمل في القلب المتبادل هذا مما يجعل الواحد يحتفظ بجزء من أفكاره حبيسة في باطنه، حتى حين يكون الآخر الأشد حميمة له. اشتكى الحكماء القدماء من الريبة السرية كما قال (أرسطو): “أصدقائي الأعزاء لا وجود للصديق!”.

لا يمكننا أن نتوقع الصراحة من الآخرين؛ لأن خوف كل واحد من تعرية ذاته وكشفها بالكلية سيجعل الآخرين يحتقرونه. لكن يظل غياب الصراحة هذه، هذه المقاومة مختلفٌ كليًا عن الخداع. ما هو الصدق سوى رجلٌ يقول الحقيقة لكن ناقصة. أما المخادع أو فهو من يلفظ ما يعرف أنه كذب. ومثل هذا القول يُسمى في نظرية الفضيلة كذبًا. لربما كان غير مؤذٍ لكنه لا يعد بريئًا. هو انتهاك جسيم لواجب الواحد تجاه نفسه: إنه يقوض كرامة الإنسانية في نفسك، ويهاجم جذور تفكيرنا. كما ترين طلبتِ مشورة طبيب لا يتزلف. أتحدث نيابة عن حبيبك وأعرض موقفه بالحجج التي تبرر تزعزع عاطفته نحوك.

اسألي نفسك هل تلومينها لتهورها بالاعتراف أم للأخلاقية المتأصلة في الكذبة. إذا كان للسبب الأول فأنتِ نادمة على إتمام مهمتك. ولِم؟ لأنها تسببت بخسارتك لثقة صديقك. لا يحرك هذا الندم أي شيء أخلاقي؛ لأنه ناتج عن إدراك ووعي لا بالفعل ذاته بل بعواقبه. لكن إذا كان لومك لذاتك مُستندًا على حكم أخلاقي لسلوكك، فإن الطبيب الذي سينصحك بنبذه من عقلك سيكون فقير أخلاقٍ.

حين يتكشف التغير في موقفك لمحبوبك سيحتاج وقتًا فقط لانطفاء آثار سخطه المبرر رويدًا رويدًا، ولتحول بروده لحب أشد رسوخًا وثباتًا. أما إن لم يحدث ذلك فهذا يعني أن دفء عاطفته المبكر كان حسيًا شهوانيًا أكثر من كونه أخلاقيًا، و قد اختفى على أي حال: سوء حظ يواجهنا في الحياة عادةً، وحين نواجهه علينا أن نتحلى برباطة الجأش. طالما أن قيمة الحياة تتضمن المتعة التي ننالها من الآخرين فستكون مبالغًا بها كثيرًا.

بالتالي يا صديقتي العزيزة تجدين التقسيمات التقليدية للموعظة: التوجيه، الجزاء، والراحة. كرسي نفسك للاثنتين الأولى: حين يظهر أثرهما ستُوجد الراحة من نفسها.

كانت وصفة (كانط) الأخيرة: الزمن. وحده الزمن قادرٌ على شفاء الألم الشعوري الذي تحسه في قلبها، ويسمح لحبهما بالتجدد والإذكاء مرة أخرى. وإن لم يشفي الزمن جرحها فإن حبهما كان في أصله “حسيًا وجسديًا” لا أخلاقيًا”.

ردت (فون هيربيرت) عليه وهنا مقتطف مختصر من ردها:

رؤيتي واضحة الآن. أشعر بخواء شاسع تمدد داخلي، وحولي؛ لذلك أحس نفسي زائدة عن الحاجة، غير ضرورية. لا شيء يجذبني. يعذبني ضجر وسأم يجعل الحياة لا تُطاق. لا تظن أني متعجرفة بقولي هذا لكن متطلبات الأخلاق سهلة جدًا بالنسبة لي. سأتصرف بلهفة ضعفي ما تتطلب مني. تنبع هيبة الأخلاق فقط من جاذبيتها للخطيئة، ولا تكلفني مقاومتها أي جهد… لم أعد أدرس العلوم الطبيعية أو الفنون  بعد الآن؛ لأني لا أشعر أني عبقرية كفاية لتوسيع نطاقها، و عن نفسي لا حاجة لمعرفتها. لا أبالي بكل ما لا يؤثر في الحتمية القطعية، ولا في وعي الفائق بالرغم من أنيّ تخلصت من كل هذه الأفكار أيضًا.

ربما أنت قادرٌ على رؤية رغبتي بشيء واحد فقط تحديدًا لقصر هذه الحياة عديمة الجدوى، التي اقتنعتُ بأنها ما كانت لتسوء أو تتحسن أكثر. إذا كنتَ تعتقد أني ما زلتُ شابة وكل يوم يثير اهتمامي فقط بالقدر الذي يقربني من موتي، يمكنك أن تحكم على مدى إحسانك الذي يمكن أن تبلغه إذا كنتَ تسأل نفسك هذا السؤال عن كثب. أسألك لأن تصوري عن الأخلاق صامت هنا بينما يتحدث بحزم في كل المسائل الأخرى. وإذا كنت غير قادرٍ على منحي الجواب الذي أسعى له. أتوسل إليك أن تمنحني شيئًا ينزع هذا الخواء الذي لا يُحتمل من روحي.

لم يرد (كانط) على هذه الرسالة أبدًا.

في سنة 1803 انتحرت (ماريا فون هيربيرت).


[المصدر]

لِم تصعب الكتابة عن الموسيقى في الأدب؟

آن فالنتي، كاتبة أمريكية فازت مجموعتها القصصية المعنونة بـ (By Light We Knew Our Names) بجائزة دزانك.

نشرت (آن فالنتي) مقالة في موقع (مركز السرد)، ننقلها بترجمة حصرية لدى ساقية.

رغم أنني سمعتُ مرارًا وتكرارًا أن تضمين الثقافة الشعبية في الأدب لن يخدمه سوى بتحديد زمان الرواية أو القصة القصيرة إلا أنني أحب دمغ أعمالي الإبداعية زمانيًا. لِم الادعاء بأن شخصيات قصة تقع أحداثها في الحاضر ليست من رابطة معجبي برنامج (الأعزب) الحالمة؟ لا يُفترض بالعوالم الخيالية أن تنشأ في فراغات خاوية، وبالنسبة لي فإن واحدة من أعظم متع العمل على رواية هو اكتشاف سياق عالم الرواية، والثقافة الشعبية التي لربما تأوي لها كل شخصية وتغوص فيها. لكنني لم ألحظ حتى سُئلت خلال مقابلة عن روايتي الأولى -التي نُشرت في شهر أكتوبر من سنة 2003، عن السبب الذي يجعلني أضمن الأفلام والمسلسلات والبرامج التليفزيونية التي تشاهدها كل شخصية، لكني لم أضمن أبدًا أي تفصيل يتعلق بأغاني وفناني الشخصيات المفضلين.

باغتتني هذه الملاحظة على حين غرة: لطالما كانت الموسيقى الشكل الجوهري الأساسي من أشكال الثقافة الشائعة الموجود في حياتي منذ صغري، لذا لا أعلم أبدًا لِم كانت النوع الوحيد من الثقافة غير الموجود في أعمالي الأدبية. نشأتُ أستمع لمجموعات والداي من أسطوانات ألبومات فرقة (Beach Boys) و فرقة (Sly & The Family Stone)، راسمة لوحات بسيطة لمحتويات الألبومين (Led Zeppelin IV) و (Every Good Boy Deserves Favour) لأعلقها على جدران غرفتي. تعلمتُ العزف على البيانو في عمر الثامنة، لأتقن حين بلوغي المدرسة الثانوية إبداعات باخ ومعزوفات سكوت جوبلين من موسيقى الراجتايم. حين كنتُ في الخامسة من عمري اصطحبني والداي لأول حفل موسيقي أحضره لفرقة (The Who) والذي أدى بي إلى مراهقة امتلأت بعروض الفرقتين (Radiohead) و (10,000 Maniacs)، ولجدران غرفة نوم تغطيها منشورات لعروض مقامة في القبو للفرق (Le Tigre)، (The White Stripes)، (Interpol)، (Built to Spill).

عشقتُ الموسيقى كثيرًا قبل أن أصبح كاتبة أدبية، كنتُ صحفية موسيقية أكتب أسبوعيًا مراجعات عن الألبومات والحفلات الموسيقية. أحببتُ ذلك العمل لكني سرعان ما ألفيتُ نفسي أكتب مراجعات تبدو بعيدة كل البعد عن مقدار ولعي الحقيقي بالموسيقا. لم أعرف كيف لي أن أخبر القارئ أنه لربما هز الاستماع لأغنية ما أعماقه، كيف لي أن أترجم تجربة الوقوف صامتة أسفل أضواء المسرح بين جمع مشدوه مسحور لنص غير كافٍ لإيضاحها. انتقلتُ لصحافة الطعام التي كانت الكتابة فيها أسهل جدًا وأكثر دقة لذكر شطيرة مطعم تحوي الكزبرة وصلصة الثوم، نكهتان لا مثيل لهما. وهكذا لم أكتب عن الموسيقى مرة أخرى أبدًا.

لربما سأظل دومًا قريبة جدًا من الموسيقى، لهذا النوع من الحب، لشعور أنني لا أعدل بحقها أبدًا.

رغم انعدامها في أعمالي إلا أنني أحببتُ الطرق المختلفة التي تناول فيها الكُتاب الموسيقى في كتاباتهم. تصف آجا غابل في روايتها الأولى الصادرة سنة 2018 بعنوان ((The Ensemble بجمالية العالم التنافسي للموسيقا الكلاسيكية من منظور أربعة موسيقيين يؤلفون المقطوعة الرباعية فان نيسّ. بإبحار هؤلاء الأصدقاء الأربعة معًا في النجاحات والإخفاقات في مهنتهم تجمع لغة الرواية بثراء بين نغمة الغليساندو و ستاككاتو لعازفي كمان، سيعرف عازف الكمان وعازف التشيللو بطبيعتهما هذا التناغم. قدرتُ الدقة الموجودة في رواية غابل بينما لم أعرف كذلك كيف أضمن تلك اللغة في أعمالي في ظل غياب أبطال العمل الذين يجيدون المصطلحات الموسيقية. كما أعجبت أيضًا بكتاب حنيف عبد الرقيب الذي يضم عددًا من مقالاته بعنوان (They Can’t Kill Us Until They Kill Us) والذي يستطلع ويتقصى بروعة التقاطع بين الموسيقى والثقافة والسياسة. يضع كتاب عبد الرقيب القارئ مباشرة في قلب تجربة حضور الحفلات الموسيقية متباينة ومختلفة كالحضور لبروس سبرينغستين و كارلي لي جيبسن، وهو يفعل ذلك بطريقة توصل للقارئ الثقل العاطفي لهذه الأصوات. ومع ذلك لم أقدر على معرفة طريقة تطبيق ما تعلمته من هذا الكتاب على تجربة شخصياتي في العالم الخيالي.

يرجع السبب لذلك على الأرجح لكوني وبعيدًا عن أعمال كرواية غابل لا أجد نفسي عادةً متأثرةً باستخدام الموسيقى في الأدب. قرأتُ روايات وقصصًا قصيرة ضمن فيها مؤلفوها أسطرًا من أغاني في مشهد من العمل، نصوصٌ تبدو لي عادةً كاختصارات للوصول إلى العواطف والمشاعر التي يثيرها المشهد. أغنية تصدح من الراديو في سيارة مركونة بينما تنقطع علاقة شخصيتين. بطل رواية يرتدي سماعات الرأس ويتجه لرحلة طويلة سيرًا. في أمثلة كهذه تشق كلمات الأغاني طريقها بين النثر باختصار، مقاطع مطبوعة بخط مائل، تبدو هذه الأسطر مختارة لتكون كتعليق على ما يحدث في المشهد. لطالما بدا هذا بالنسبة لي كتسلسل في الحلم في الأدب حيث علينا كقراء أن نلغي بعضًا من الرمزية دون أن يبذل المؤلف جهدًا إضافيًا لتطوير الشخصية أو لكشف موضوعها.

هذا غير عادلٍ طبعًا لأن أغنية على الراديو أو ألبومًا يصدح من المسجلة عادة ما تعني لي في حياتي أكثر بكثير من فكرة لاحقة. جلستُ في سيارة مركونة أفسخ علاقتي بأحدهم بينما كانت أغنية كات باور (Moon Pix) تصدح من مسجلتها. ارتديتُ سماعاتي ومشيتُ لأميال طويلة أستمع لفرقة (Yo La Tengo) لأنني كنتُ في الناحية الأخرى من العالم بعيدةً عن شخصٍ أحبه. لكن حين حاولتُ دمج هذه اللحظات الصغيرة التي تشكل حياتنا وتبنيها في العوالم الخيالية الأدبية لحيوات الشخصيات فشلتْ. حذفتها. لربما ما كان يُفترض بي أن أُدهش وأتفاجئ بتلك الملاحظة لأن الحال هو هكذا: لا تظهر الموسيقى في رواياتي أو قصصي القصيرة رغم حبها طيلة حياتي. لربما من الأسهل أن أضمن أن شخصية ما تعشق مسلسل (Six Feet Under) أسهل من شخصية أخرى شاهدت كل مباراة في دوري مباريات البيسبول (2012 World Series) لحبها لفريق ديترويت تايجرز. لربما سأكون دومًا قريبة جدًا من الموسيقى، لهذا النوع من الحب، للإحساس بأنني أسديها معروفًا هكذا.

جمعتُ قائمة أغاني لكل كتاب كتبته لأتذكر الأنماط والإيقاعات، وكذلك النغمة الشعورية للأصوات التي أحاطت بكتابة الكلمات.

خلال كتابتي لأحدث رواياتي واجهتُ هذا المأزق مرة أخرى. حوار بين أختين في رحلة على الطريق إحداهن تعتقد أن قائمة أغاني رحلتهن ستذكر في الرواية. بل وحتى لأن الموسيقى تُشكل حيواتنا فإن كلتا الأختين سُميتا تيمنًا بأغانٍ من ألبوم والديهما المفضل. وهذه الألبومات هي من القائمة الموسيقية التي سترافهما في الرحلة والتي أذكر منها باختصار هنا وهناك ألبوم (Heart) لفرقة (Little Queen) أو ألبوم (Highway 61 Revisited) لبوب ديلان، لكن وفي النهاية لم أستطع أن أحث نفسي على الاستشهاد بأبيات معينة أو حتى أغنيات محددة، هذه الألبومات مذكورة عرضيًا لربما كاستشهاد ناقص في أقصاها. وبدلًا من إغراق الرواية بالموسيقا التي تستمع لها الأختان بالتأكيد طيلة رحلتهما أنشأتُ لي وحدي قائمة بالأغاني التي استمعتُ لها خلال كتابتي للرواية: (Lord Huron، Sylvan Esso، Yellow Ostrich، Valerie June).

جمعتُ مجموعة أغاني في قائمة مماثلة لكل كتاب كتبته لأتذكر الأنماط والإيقاعات، وكذلك النغمة الشعورية للأصوات التي أحاطت بكتابة الكلمات حتى لو كانت الأغنية تمسني شخصيًا لم أنقلها أبدًا للصفحات. بعد كتابتي لرواية الأولى سألتني صديقة إن كنتُ استمعتُ لعددٍ من أغاني الهيب هوب خلال كتابتي للرواية. وكنتُ فعلتُ. خلال تلك السنة التي كتبت خلالها الرواية كنتُ أستمع بأكملها لمجموعة من الأغاني تضم (Earl Sweatshirt، Kendrick Lamar، Anderson، Paak، Run the Jewels). قالت بأنها كانت تسمع تلك الموسيقى في تراكيب وإيقاعات الجمل.

حتى لو أنني لم أجد طريقة لكتابة الموسيقى في الأعمال الأدبية، وحتى لو ما كنتُ لأجدها أبدًا فعلى الأرجح وفي الوقت الحالي هذه أفضل طريقة يمكنني فيها أن أذيب حبي للموسيقا وأدمجه في الشغف الذي يغمرني للكتابة. لربما لم تحضر شخصياتي أول حفلة لها واقفة في صمت صاخبٍ لأضواء مسرح مشعة ومكبرات صوت متفجرة. لربما فسخت علاقاتها في غرفة نوم ساكنة معتمة بعد منتصف الليل بينما كان الراديو مطفئ. لكن إذا كنتُ دومًا أستمع للموسيقا كما كنتُ دومًا منذ عرفتُ أول مرة ما تعينه كلمة مشغل أسطوانات فلربما كانت الموسيقى هناك في اللغة بغض النظر عن غياب الكتابة عنها. أنا متصالحة في الوقت الراهن مع حالة عادلة كهذه: ما زالت الموسيقى موجودة خلف كل إيقاع لمقطع لفظي، خلف كل كلمة.  


[المصدر]

لقاء صحفي بعنوان “فن الفكاهة والظرف” مع (وودي آلن)

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

كما يعرف سكان نيويورك (وودي آلن) هو أحد أكثر مواطنيها طاغي الحضور وكلي الوجود: في مقعد الأمامي في ملعب ماديسون سكوير غاردن يشاهد مبارة لنيويورك نيكس، في حانة مايكل في مساءات الإثنين يعزف الكلارنيت، وفي المناسبات في مطعم إيلاين جالسًا على طاولته المعتادة. يصعب بالرغم من ذلك اعتباره شخصًا ودودًا منفتحًا: خجلٌ حين لقاء المعارف، مرةً عبر عن رغبة ملحة شديدة بالعودة إلى الرحم “رحم أي أحد”. ومسيرته في حقيقة الأمر جهد استثنائي ومدهش في عددٍ من المجالات: الأدب، المسرح، الأفلام السينمائية. “أعمل مُكرهًا ومُلزمًا” قال مرة، “ما أحب عمله فعلًا بأفضل إمكانياتي هو ما ألا أفعله الآن”.

بدأت مسيرة (آلن) في الكوميديا كمراهق حين قدم بضع نكات لشركة إعلانات. في سنة 1953 بعد ما أسماه “سنة قصيرة مًجهضة في الجامعة” ترك الدراسة ليصبح كاتبًا فكاهيًا لـ(غارّي موور) و(سيد سيزر). في أوائل الستينات أكسبته جولاته الروتينية في النوادي الكوميدية في جيرنويش فيلج اعتبارًا وتقديرًا، ومن ثم أدت إلى الظهور على التلفاز عدة مرات. سنة 1965 مباشرةً بعد إنتاجه لثلاثة أسطوانات كوميدية ناجحة شق طريقه وظهر لأول مرة ككمثل وكاتب نص في فلم (What’s New, Pussycat)، أما فيلمه الصادر سنة 1969 (Take the Money and Run) كان المشروع الأول الذي لم يكتبه فقط و يمثل دور البطولة فيه بل وحتى أخرجه أيضًا. رغم أن عددًا من أفلامه المبكرة (Bananasو(Sleeper) و(Love and Death) اُنتقدت نقدًا لاذعًا، إلا أنه وحتى سنة 1977 وصدور فلم (Annie Hall) الذي ربح أربع جوائز أوسكار حينها حظي (آلن) بالتقدير والاعتراف به كقوة استثنائية في السينما الأمريكية. منذئذٍ بلغت أفلامه الخمسين فيلمًا والتي نجح بجعلها فيلمًا كل سنة. كما كتب أيضًا عدة مسرحيات لمسرح برودواي: الأنجح من بينها (Don’t Drink the Waterو(Play It Again, Sam) والتي حُولت أيضًا إلى أفلام.

كتب آلن ثلاثة مجموعات قصصية ظهر معظمها في مجلة النيويوركر أولًا وهي: (Getting Even) و(Without Feathers) و(Side Effects).

أُنجز القسم الأكبر من هذه المقابلة، معظمها أجرته (ميتشكو كاكوتاني)[1] خلال عشاء في مطعم إلاين، واكتملت سنة 1985. ومنذ ذلك الحين استكملها المراجعون وعدلوها بالمراسلات والمكالمات مع السيد (آلن) لتظهر بهذه الصياغة الحديثة الآن:


هل تعتقد أن الفنان الهزلي يرى العالم رؤية مختلفة بعض الشيء؟

نعم. أعتقد بإنك إن امتلكت منظورًا فكاهيًا، فأي شيء تقريبًا سيحدث سيخضع لمصفاة الفكاهة. هي طريقة للتكيف على الأمد القصير، ولا أثر لها على الأمد الطويل، وتتطلب تجديدًا ونهضةً ثابتة أبدية. ولذلك فالناس تتحدث عن الفكاهيين أو الهزليين أنهم دومًا “ضاحكون ظريفون”. يشبه الأمر أن تخدر حواسك باستمرار لتعيش بقدر أقل من الألم.

هذا نادرٌ جدًا ألا تظن ذلك؟

إنها الطريقة الوحيدة للتعاطي مع الحياة. يعتقد الناس بأنه من الصعب جدًا أن تكون ظرفٍ خفيف الدم لكنه شيءٌ ممتع. إذا كنتَ قادرًا على فعله فهو أمرٌ غير صعب أبدًا. يشبه الأمر كما لو أنني قلت لأحدٍ بارع بالرسم يا إلهي لو أنني أمسكتُ قلم رصاص و ورقة طيلة اليوم لما استطعتُ رسم ذلك الحصان. أنا لا أقدر على فعل ذلك وأنتَ فعلته بإتقان شديد جدًا. ويشعر الآخر بأنه لا شيء.

أنا أفعل هذا منذ كنتُ في الرابعة من عمري. هذا ما أشعر به نحو الكوميديا: إذا كنتَ قادرًا على فعله، فأنت تعرف حقًا بأنه ليس شيئًا مميزًا. لا أعني أن النتيجة النهائية لا شيء وليس مميزة، أعني أن العملية بسيطة. طبعًا هناك بضع أشخاصًا هم ظرافٌ فعلًا، وبضعٌ آخر ليسوا. إنها غرابة الطبيعة.

من هم الكُتاب الذين جعلوك راغبًا في الكتابة؟

أتذكر أن أول شخصٍ ضحكت على كتاباته هو (ماكس شولمان). كنتُ في الخامسة عشر من عمري. أملكُ مجموعة قديمة من كتبه. أكثر كتبه فكاهةً بالنسبة لي كان (The Zebra Derby) .. مضحكٌ بمعنى أشمل، رغم أن عليك أن تقدر السياق الذي كتب فيه، بما إنه يتناول عودة جندي عريق إلى هنا بعد الحرب العالمية الثانية، عودته إلى الأرض الموعودة. ثم اكتشفتُ (روبرت بنشلي) و(سيدني جوزيف بيرلمان)، الكاتبان الآخران الظريفان جدًا واللذان كانا حقًا معلمين عظيمين. التقيتُ (بيرلمان) في مطعم إلاين في إحدى الليالي. كنتُ بصحبة (مارشال بريكمان) وأحضر لي النادل بطاقة. كان على الجزء الخلفي منها جملة من قبيل أتود أن تشاركني شرب تونيك الكرفس. اعتقدتُ -أوه- إنه محض سائح من خارج المدينة وألقيتُ بالبطاقة بعيدًا. لاحقًا بعد مرور ساعة ونصف قال أحدهم أتعلم أنها من (س. ج. بيرلمان)، لذا استعدتُ البطاقة من على الأرض. كان مكتوبًا عليها “س. ج. بيرلمان”، وركضتُ نحو المكان الذي كان فيه في الزاوية وجلسنا برفقته. قابلته قبلًا و كان دومًا بالنسبة لي ودودًا و لطيفًا. قرأتُ أنه يمكن أن يكون عسيرًا، لكني لم أرَ ذلك الجانب منه أبدًا.

متى بدأتَ الكتابة؟

قبل أن أجيد القراءة. كنتُ أرغب دومًا بالكتابة. قبل ذلك كنتُ أخلق الحكايات. كنتُ دومًا أخلق الحكايات لتلاميذ فصلي. لم أكن في الغالب معجبًا أبدًا بكتاب الكوميديا كما كنتُ بالكتاب الجادين. لكني وجدتُ نفسي قادرًا على الكتابة بالمزاج الفكاهي، مقلدًا مباشرةً (شولمان) في بادئ الأمر وأحيانًا (بيرلمان). في سنتي الدراسية القصيرة المجهضة في الجامعة كنتُ أسلم أعمالي كلها مشتقةً اشتقاقًا متقنًا أو سيئًا من أعمال (شولمان). لم أملك أي إحساسٍ بنفسي أو معنى لها مطلقًا.

كيف اكتشفت ذاتك؟ هل حصل ذلك خطوة بخطوة؟

لا، حدث ذلك صدفة نوعًا ما. كنتُ يئستُ من كتابة النثر كليًا واتجهتُ للكتابة التلفزيونية. كنتُ أريد أن أكتب نصوصًا مسرحيًا وكنتُ في ذات الوقت أمثل ككوميدي في ملهى. يومًا ما راسلتني مجلة (بلاي بوي) وطلبتني مني كتابة شيءٍ ما؛ لأني كنتُ كوميديًا صاعدًا وكتبتُ ذلك النص عن الشطرنج.

كنتُ حينها متزوجًا تقريبًا، لكن ليس بعد، بـ(لوزين لاسّر)، قرأتها وقالت: “يا إلهي أظن أن هذا النص جيد”. أيفترض بك أن ترسله للـ(نيويوركر). بالنسبة لي كما بالنسبة لأي أحدٍ من جيلي كانت (النيويوركر) أرضًا مقدسة. بأية حال فعلتُ ذلك كمزحة. صدمتُ حين تلقيتُ ذلك الاتصال الذي يسألني عن إمكانية إجراء بعض التعديلات، وسيطبعونها بعد ذلك. لذا ذهبتُ هناك وعدلت المطلوب، وطبعوها. كانت تلك دفعة كبيرة معززة لثقتي.

لذا اعتقدتُ، حسنًا، أظن أنني سأكتب نصًا آخر لهم. النص الثاني أو الثالث الذي أرسلته للـ(نيويوركر) كان مشابهًا لأسلوب (بيرلمان). طبعوها لكن التعليقات كانت تقول بأنها محاكاة خطرة و واوفقت. لذا تطلع كلانا أنا و(النيويوركر) لتبعات تلك النصوص التي أرسلتها. أخيرًا ابتعدتُ أكثر وأكثر عنه. كان (بيرلمان) طبعًا معقدًا كما يمكن لظرافته الغنية جدًا أن تكون. باستمراري حاولتُ أن أبسطها.

هل كان هذا تطورًا موازٍ لما كنتَ تحاول فعله في أفلامه؟

لا أعدها موازية. كانت تجربتي بالكتابة لمحتوى مختلف منفصلة جدًا عن التزاماتي ومشاريعي. فالكتابة للمسرح مختلفة اختلافًا كليًا عن كتابة فلم وكلاهما مختلف اختلافًا كليًا عن كتابة النثر. والكتابة الأكثر تطلبًا واحتياجًا بينها هي كتابة النثر، كما أعتقد، لأنك حين تنهي الكتابة فإنها هي الناتج النهائي.

أما السيناريو فهو بمثابة الوسيلة والأداة للممثلين والمخرج لتطوير الشخصية. فحين كتابتي لفلم كل ما أفعله هو خربشت بضعة ملاحظات حول المشهد. ليس عليك أن تكتب أي شيء على الإطلاق، أنت تملك فقط ملاحظاتك عن المشهد، المكتوبة بوجود الممثلين والكاميرا في عقلك. الحاجة الحقيقة للسيناريو هي لاختيار الممثلين ووضع الميزانية، لكن الناتج النهائي لا يحمل عادة ذاك التشابه مع السيناريو، على الأقل في حالتي.


إذًا ستتمتع بسيطرة أكبر وأعمق على نص؛ كرواية مثلًا

تلك إحدى مواضع جاذبيتها: أن لك سلطة عليها. أما الموضع الآخر فهو أنك حين انتهائك من كتابتها يمكنك أن تمزقها وتلقي بها بعيدًا. بينما حين تصنع فلمًا فإنك لا تملك هذا الخيار. عليك أن تعرضه للعلن حتى لو لم يعجبك. قد أضيف أيضًا أن الساعات تمضي أفضل حين تكون كاتب نثر.

فحالك حينها سيكون ممتعًا أكثر حين تستيقظ صباحًا وتنحرف مندفعًا إلى الغرفة المجاورة وتكتب وحيدًا، ممتعٌ أكثر من استيقاظك صباحًا والتوجه لتصوير فلم. إذ أن للأفلام متطلبات كبيرة. فهي مهنة جسمانية. عليك أن تكون في مكان محدد، وفقًا لموعد محدد، في وقت محدد. وأنت متكل معتمد على الآخرين. أعلم أن (نورمان ميلر) قال بأنه لو بدأ مسيرته اليوم لاختار أن يكون في مجال صناعة الأفلام لا روائيًا.

أعتقد أن الأفلام مغامرات ومشاريع الأصغر سنًا. فهي في معظمها شاقة مجهدة. ومن بعد حد معين لا أظن أنني أرغب بهذا الشكل من الكد والجهد: أعني أنني لا أود أن أحس أن عليّ طيلة حياتي الاستيقاظ في الساعة السادسة صباحًا، خارج منزلي في السابعة لأكون في شارع متجمد أو مرجة غائمة ومعتمة لأصور مشهدًا. ليس الوضع مشوقًا و لا محمسًا إلى هذا الحد. من الممتع أن تتجول حول البيت، أن تظل في البيت.

قال (تينيسي وليامز) مرةً أن كتابة المسرحيات مزعجة لأن عليك أن تنتجها، فأنت لا تستطيع أن تكتبها وتتركها في الدرج. لأنك حين تكتب سيناريو تكون قد تجاوزته وترغب بالاستمرار والتقدم. باستطاعتك فعل ذلك حال تأليف كتاب. لذا كما يبدو سيكون الدافع دومًا لأن تكون روائيًا. هو أمرٌ مرغوبٌ جدًا. يفكر الواحد بـ(كوليت)[2] جالسةً في شقتها الباريسية، تطل خارج نافذتها وتكتب. هي حياة جذابة ومغرية جدًا. في الحقيقة كتبت مسودة أولى لرواية حين كنتُ في باريس لتصوير فلم (Love and Death). موجودة في منزلي، مكتوبة بأكملها بخط اليد، مستلقية في درجي مكتوبة على ورق الرسم البياني، وهي على هذا الحال منذ سنوات. أحتفظ بها لحين أصبح بلا طاقة وغير قادرٍ على صنع المزيد من الأفلام. لا أرغب بالعمل عليها بينما ما زالت أملك الحيوية الكافية والطاقة للخروج في باكورة الصباح وتصوير الأفلام.

من الجيد التطلع لرواية. أعلم أنهم يومًا ما سيتوقفون عن دعمي في أفلامي ويقولون: “ما عدنا نرغب بفعل هذا بعد الآن”، أو أنني سأتعب من ممارستي هذه. أتمنى أن تكون الرواية جيدة. أعني أنها لن تحدث تلك الهزة العظيمة، لكنها رواية، قصة لا يمكن أن تُروى إلا على ذلك النحو. فكرتُ مرارٍ أن آخذ الفكرة وأحولها لمسرحية أو فلم، لكن و ياللغرابة لم ينجح ذلك. إذا ما كانت ستنجح فذلك سيكون كرواية. ستنجح في النثر.

كيف وُجدت هذه الرواية؟ هل فكرت بكتابتها منذ زمن بعيد؟

ليس تمامًا. بدأت بكتابة الصفحة الأولى. إنها عادة قديمة أمارسها حين كتابتي المسرحية. لا أتخيل نفسي أكتب الدور الثالث قبل الأول، أو حتى الخروج عن الترتيب وكتابة جزء من الدور الثاني. فالأحداث التي ستحصل لاحقًا، التفاعل بين الشخصيات، تطور الحبكة، معتمدة جدًا على الحدث الحاصل في البدء. لا أستطيع تخيل نفسي أكتب دون تسلسل أو ترتيب.

أحب السرد الكلاسيكي في المسرحية. أحبه في الرواية. لا أستمتع بالروايات التي لا تتضمن قصصًا واضحة. فأن تقرأ لـ(بلزاك) أو (تولستوي) بالإضافة إلى كل الآخرين هي متعة عظيمة. حين تُرفع الستائر في المسرحية ويكون الناس جالسين في حاويات معدنية، أعرف أنني سأقدر الفكرة عقليًا، لكنها لن تعني لي كثيرًا. شاهدت مسرحيات (بيكيت)، بالإضافة لغيره الأقل انتماءً للطلائعية، والعديد من المسرحيات المعاصرة، ويمكنني أن أقول أنها نعم ذكية و عميقة لكني لا أكترث بذلك.

لكن حين أشاهد مسرحية لـ(تشيخوف) أو (أونيل)؛ حيث يكون الرجال والنساء بشرًا يمرون بأزمات تقليدية، هذا ما أفضله. أعرف أن قولًا كهذا رجعي في هذا الزمن، لكن الأشياء المعتمدة مثلًا على “اللغة“، تناغم الكلام الذكي، لا أكترث به حقيقةً. أريد أن أسمع الناس يتحدثون بوضوح ومباشرة وأحيانًا شعريًا.

حين تشاهد مسرحية موت بائع متجول أو عربة اسمها الرغبة تكون مهتمًا بالأشخاص وتريد معرفة ما سيحدث لاحقًا. حين راودتني فكرة لمسرحية (The Floating Lightbulb) كتبتها لمركز لينكولن للفنون، كنتُ مصممًا وعازمًا على الكتابة عن أشخاص اعتيادين في حالة بسيطة. حاولتُ بتأنٍ أن أتجنب أي إطالة وتفصيل أكثر من تلك. في الأفلام، وياللغرابة، لا أشعر بهذا الإحساس. أنا في الأفلام أكثر إذعانًا وانقيادًا لتحوير الزمن وتحريف الأفكار التجريدية.


يعاني العديد من الكُتاب صعوبة البدء بمشروع جديد، صعوبة إيجاد الفكرة التي يودون حقًا العمل عليها..

على الأرجح أنهم يزيحون جانبًا الأفكار الجيدة جودة الأفكار التي أعمل عليها. ستخطر ببالي فكرة وأنا أسير في الطريق، وسأدونها مباشرة. وسأرغب دومًا بتحويلها لشيءٍ ما. لم أعاني أبدًا من حبسة. أتحدث عن ذلك ضمن حدود قدراتي. لكني بطريقتي البسيطة، لطالما كان عندي ثروة ممتدة من الأفكار المحيرة. سيكون عندي خمسة أفكار وأنا أتحرق شوقًا لتنفيذها.

يستغرق مني الأمر أسابيعًا أو شهورًا والأفكار تستبد بي وتعذبني لأختار منها مشروعي التالي. أتمنى أحيانًا لو يختار أحدهم فكرة لي. لو أن أحدًا قال نفذ الفكرة الثالثة سيكون ذلك جيدًا. لكني لم أعاني مطلقًا من جفاف الأفكار أو انعدامها.

يسألني الناس دومًا: “هل تعتقد أنك لربما تستيقظ يومًا ولا تعود ظريفًا؟” لم تخطر تلك الفكرة ببالي أبدًا، إنها فكرة بالية وغير واقعية. لأن الفكاهة وأنا غير منفصلين. نحنُ كيانُ واحد. أفضل أوقاتي حين أكون في خض مشروع وأقرر بخصوص مشروع جديد. ذلك لأنه في فترة لم يحدد فيها بعض ماهية الواقع. 

فالفكرة تبدو في عقلك أخاذة، وأنت تتخيلها وتتصورها كاملة في لحظة، تخيل جميل. لكن حين تقرر تنفيذها لا تكون النتيجة كما تخيلتها. تبدأ المشكلة من الإنتاج، حين يبدأ الواقع بالتشكل. كما قلتُ سابقًا المرة التي اقتربتُ فيها من فهم فكرة اقترابًا شديدًا كان في النثر. شعرتُ في معظم ما كتبتُ ونشرتُ بأني نفذت فكرتي الأصلية تطبيقًا مطابقًا مرضيًا. لكني لم أشعر بذلك أبدًا ولا حتى للحظة في أي نصٍ كتبته لفلم أو مسرحية.

شعرتُ دومًا بأني أملك فكرة مبهرة: لكن أين أخطأتُ في تنفيذها؟ أنتَ تخطأ منذ اليوم الأول. في كل شيء تسوية وتنازل. فمثلًا لن تستطيع الوصول لمارلون براندو ليمثل فلمك، سيكون عندك شخصٌ أدنى. الغرفة التي تراها في عقلك وتتصورها ليست الغرفة التي ستصور فيها. هي دومًا مسألة أهداف أسمى، أحلامٍ مبالغٌ فيها، تبجح وثقة عمياء، وشجاعة فائقة على الآلة الكاتبة، وثم حين أكون في خضم إنهاء التصوير ويتحول كل شيء إلى خطأ فادح وأغير وأنقح و أعيد التصوير وأحاول أن أصلح الخطأ، حينها يكون الأمر محض صراع للنجاة. حينها تكون سعيدًا لأنك فقط ما زلتَ حيًا. تتلاشى كل الأهداف السامية، كل المعاني المتعنتة والعنيدة حول العمل الفني المثالي المتقن، وأنت تصارع لئلا ينقض الناس على الممرات بالقطران والريش.

في معظم أفلامي، جميعها تقريبًا، لو استطعتُ أن أصور ما تخيلته لكانت أفضل بكثير. ولحسن حظي لا يعرف الجمهور مدى روعة الفلم المعروض في عقلي ولذا أنجو بفعلتي.

كيف تكتب حقًا؟ ما هي أدواتك؟

كتبتُ في الدفاتر الصفراء المخططة، في دفاتر الفندق، في أي شيء بلغته يداي. لستُ صعب الإرضاء أو دقيقًا في هذه الأمور. أكتب في غرف الفنادق، في منزلي، والآخرون حولي، على علب الكبريت. لا أمانع ذلك حتى بأقل الإمكانيات المتوفرة عندي.

هناك قصص جلستُ فقط واضعًا الآلة الكاتبة وبدأتُ الكتابة من البداية حتى النهاية. بعض ما كتبته للـ(نيويوركر) أنهيته في أربعين دقيقة. وهناك نصوص أخرى صارعتُ وتعذبت لأسابيع وأسابيع لكتابتها. إنه أمرٌ عشوائيٌ جدًا. فلنأخذ فلمين مثلًا أحدهما لم ينجح نقديًا وهو (A Midsummer Night’s Sex Comedy). كتبتُ ذلك العمل في لمح البصر. خطر في ذهني وانساب في ستة أيام، كل شيء فيه في إطار مثالي. أصدرته ولم يلقى ترحيبًا أو استحسانًا.

بينما كانت التغييرات في فلم (Annie Hall) لا نهائية. كانت هناك الكثير من المواد التي لا تُستخدم في المشاهد كتلك التي كانت في النسخة النهائية من الفلم، أعدتُ خمس مرات التصوير. ولاقى الفلم استحسانًا. بينما وفي المقابل حصل النقيض حين عملتُ على أفكارًا خطرت لي ببساطة وسهولة ولاقت استحسانًا وإشادة شديدة. وفيما عانيتُ حال العمل عليه لم يحدث ذلك. لم أجد أبدًا أي رابط. لكن إذا كنتَ قادرًا على فعل الشيء، فهذا يعني أنه ليس صعبًا، وليس إنجازًا مهولًا وعظيمًا كما يظن غير القادر على فعله.

حين كنتُ في السادسة عشر من عمري مثلًا بدأتُ أول وظيفة لي. كانت كاتب كوميدي لوكالة إعلانات في نيويورك. كنتُ أحضر لهذه الوكالة يوميًا بعد المدرسة وأكتب لهم النكات. كانوا يرسلون هذه النكات لعملائهم وينشرونها في أعمدة الصحف. كنتُ أركب قطار الأنفاق، مزدحم جدًا، وواقفًا وممسكًا بالأحزمة المتدلية من أعلى للتشبث بها أخرج قلمي الرصاص وحين أصلهم أكون قد كتبتُ أربعين أو خمسين نكتة … خمسين نكتة يوميًا لسنوات. سيقول لي الناس: “لا أصدق خمسون نكتة يوميًا وتكتبها في القطار”. صدقوني لم يكن أمرًا صعبًا. بينما حين أنظر لشخص يؤلف مقطوعة موسيقية ولا أعرف كيف يبدؤونها أو ينهونها! لكن لأني أعرف دومًا كيف أكتب، فإن الأمر لا شيء بالنسبة لي. أنا قادرٌ دومًا على فعلها ضمن حدود قدراتي. لذا لم تكن صعبة أبدًا.

أظن أنني لو تلقيتُ تعليمًا أفضل، تنشئة أفضل، وكانت شخصيتي على الأرجح مختلفة لكنت ربما كاتبًا مهمًا. هذا ممكن؛ لأني أعتقد أني أتمتع ببعضٍ من الموهبة، لكني لم أهتم بها أبدًا. نشأتُ بلا أي اهتمام علمي بأي شيء. كنتُ قادرًا على الكتابة، لكني لم أكن مهتمًا بالقراءة. كنتُ فقط أتابع الرياضة وأمارسها، أقرأ الكتب الكوميدية، لم أقرأ أبدًا أي رواية بمعنى رواية حتى سن الجامعة. لم أكترث بها إطلاقًا. ربما لو كنتُ تربيتُ تربية مختلفة لربما كنتُ سلكتُ اتجاهًا آخر. أو لو كانت اهتمامات والدايّ، أصدقائي، والبيئة التي كنتُ فيها كانت موجهة توجهًا مباشرًا نحو الأشياء التي أصبحتُ متجاوبًا معها لاحقًا، لربما كان الوضع مختلفًا. ربما كنتُ سأكون روائيًا جادًا. أو ربما لا. ولكن فات الأوان، وأنا الآن سعيدٌ فقط ولا أعاني من التهاب المفاصل.


هل تتذكر أيًا من النكات التي كتبتها وأنت متشبث بالأحزمة المتدلية في القطار؟

هذه النكتة هي من التفاهة التي اعتدتُ تأليفها: “الولد الجالس بجانبي هو ابن مقامر، لم يستعد أبدًا درجاته في الاختبارات، كان يتركها ليزيد الرهان حتى الاختبار القادم”. يمكنكِ الآن أن تعرفي لم كان من السهل كتابة خمسين نكتة يوميًا.

أوافق. لكنك ذكرت هذه الرواية…

لستُ واثقًا بأني أملك الخلفية والفهم الكافي لكتابة رواية. الكتاب الذي كنتُ أعمل عليه، أو أخطط له، هو كتاب ممتع ولكن جاد، وسأرى ما سيحدث بخصوصه. أنا جاهلٌ بحق، ذاتي التعليم جدًا. هذا أمرٌ شائك؛ لأن المتعلم تعلمًا ذاتيًا يعرف في مجالات محددة لكن يضل هناك أيضًا فجوات صادمة. ذلك بسبب فقدان التعليم الممنهج.

يرسل لي الناس سيناريوهات أفلام أو مقالات أو حتى صفحة تضم نكات ويسألونني: “هل يعتد بهذه، هل هذه قصة قصيرة؟ هل هذا مشهد كوميدي؟” ولا يعرفون إذا ما كانت النصوص كذلك أم لا. أشعر إلى حد ما هكذا في عالم النثر. حين أرسلتُ ما كتبتُ إلى (النيويوركر) ما كنتُ أعرف ما بين يداي وما أنا متمسك به. كان يمكن أن تكون ردة فعلهم: “أوه، هذا لا شيء يذكر”. كتبتَ الكثير من الكلمات، لكن هذا في الحقيقة لا شيء يذكر، أو أيها الشاب ما كتبته رائعٌ جدًا. كنتُ سأسعد بقبول حكمهم عليه. إذ أنهم قالوا لي حين حملتُ النصوص لهم “نحنُ آسفون، لكن هذا لا شيء”. كنتُ سأقبل ذلك. كنتُ سأقول لهم “أوه حقًا؟ لا بأس”. كنتُ سألقي بالنصوص بعيدًا و ما كانت عينايّ لترمش أبدًا.

المرة أو المرتين التي رفضوا فيها ما كتبت خلال السنوات كانوا فيها دومًا مترددين و مهذبين، كانوا يقولون دومًا حسنًا ربما سنشر نصً آخر قريبًا من هذا بعض الشيء، أو شيئًا لبقًا كهذا. وكنتُ أحس دومًا بأنني لا أمانع مزقوها. في هذا المعنى لم أشعر يومًا بأن الكتابة مرهفة أو مقدسة. أشعر أن هذا ما سيحدث لو أنني أنهيتُ الرواية. لو أن الأشخاص الذين سلمتهم الرواية قالوا نعتقد أنها لا تستحق، لن يخطر أبدًا ببالي أن أقول لهم يا حمقى. أنا لا أعلم بالقدر الكافي. لا أملك الأحقية التي تخولني لأتحدث كجيمس جويس الذي قرأ كل شيء ويعرف أكثر مما عرف ناقدوه. هناك فقط مجال أو مجالان حيث شعرت أنني أتمتع بذلك الأمان وتلك الثقة، حيث شعرتُ أن حكمي صائب بل وحتى أشد صوابًا من حكم الآخرين. الكوميديا أحدهما. أشعر بالثقة حين أتعامل مع الأشياء المضحكة، مهما كان الوسيط الموجودة فيه. وأعرف الكثير عن موسيقى جاز نيو أورلينز رغم أنني موسيقار ضعيف. ضعيف ولكن مُتفانٍ.

لم بدأت بالكتابة الكوميدية؟ 

كنتُ أستمتع دومًا بالقراءة للكتاب الفكاهيين. لكن حين بدأتُ بالقراءة لكتاب أكثر جدية، بدأتُ أستمتع بالقراءة للكتاب الجادين أكثر. أصبحتُ حينها أقل اهتمامًا بالكوميديا، رغم أنني اكتشفتُ أنني قادرٌ على كتابتها. لستُ مهتمًا هذه الأيام بالكوميديا والفكاهة للغاية. إذا ما كان عليّ أن أعدد خمسة عشر فلمًا أفضلها فعلى الأرجح لن يكون أيٌ منها كوميديًا. هذا حقيقي، هناك بعض الأفلام الهزلية التي أعتقد بأنها رائعة. أعتقد طبعًا بأن فلم (City Lights) عظيم، بعضٌ من أفلام الممثل (باستر كيتون)، والعديد من أفلام (الإخوة ماركس). لكن هذه الأفلام نوعٌ آخر مختلف من الكوميديا، إذ أن ظرف الممثلين في هذه الأفلام هو تسجيل وتمثيل لأعمال الكوميديين. فلربما كانت الأفلام ضعيفة أو سخيفة لكن الحس الهزلي عبقري. أحب أفلام (كيتون) أكثر من (كيتون) وأستمتع بـ(تشابلن) و(الإخوة ماركس) عادةً أكثر من الأفلام. لكني مشاهد مريح. أنا أضحك بسهولة.

ماذا عن فلم (Bringing Up Baby

لا، لم أحبه أبدًا. لم أشعر أبدًا بأن ذلك مضحك أو فكاهي.

حقًا؟

لا، أعجبني فلم (Born Yesterday) رغم أنه مسرحية حُولت لفلم. كلا الفلمين (The Shop Around the Corner) و (Trouble in Paradise) مذهلان. أما الكوميديا غير الصامتة الرائعة فهي فلم فليني (The White Sheik).

ما الذي يمنع فلم مرحًا أو هزليًا من إدراجه في قائمتك؟

لا شيء سوى ذوقي الشخصي. أحدهم لربما ذكر عشرة أفلام كوميدية. أنا ببساطة أستمتع بالأفلام الجادة. حين يكون لي خيار مشاهدة فلم فسأشاهد (Citizen Kane) و(The Bicycle Thiefو(The Grand Illusionو(The Seventh Seal) وهذا النوع من الأفلام.

حين تذهب لمشاهدة الكلاسيكيات مرة أخرى، هل تذهب لمعرفة كيفية صنعها أو تذهب لمشاهدتها للأثر الذي تخلفه فيك شعوريًا؟

عادةً ما أذهب للمتعة. الآخرون الذين يعملون في أفلامي يرون كل الأشياء التقنية وكيفية عملها، أما أنا فلا أقدر على رؤية ذلك. ما زلتُ غير قادرًا على رؤية ظل الميكروفون، أو الاقتصاص غير المتقن أو غيره. أنا مستغرق متعمقٌ في الفلم بذاته.

لمن من العظماء تأثيرٌ عميق على عملك في الأفلام؟

أظن أن أشد تأثير هو لبرغمان و(الإخوة ماركس). لا أندم أيضًا على السرقة من (ستريندبرغ)، (تشيخوف)، (بيرلمان)، (موس هارت)[3]، (جيمي كانون)، (فليني)، وكُتاب (بوب هوب).


هل كنتَ ظريفًا حين كنتَ طفلًا؟

نعم، كنتُ فتى مسلٍ وظريف. وبالمناسبة كان الناس دومًا يربطون ذلك لكوني نشأت تنشئة يهودية. إنها خرافة. الكثير من الفكاهيين الرائعين لم يكونوا يهودًا: (دبيلو سي فيلز)، (جونثان وينترز)، (بوب هوب)، (باستر كيتون) … لم أرى أبدًا أي رابط بين العرق أو الدين أو الأصل وبين الظَرَف. 

هل طُلب منك أن تؤدي أي عرض في المناسبات والنشاطات المدرسية؟

لم أكن أؤدي كثيرًا، لكني كنتً مسليًا في الفصل بين الأصدقاء والمعلمين.

إذًا لم تكن نكاتك من النوع الذي سيزعج المسؤولين؟

كانت أحيانًا تزعجهم، نعم. استدعيت أمي إلى المدرسة كثيرًا؛ لأنني كنتُ أصرخ قائلًا بعض الأشياء في الفصل، أتهكم في الفصل؛ ولأني كنتُ قادرًا على إثبات أن أفكارهم إما سطحية أو جنسية جدًا. العديد والعديد من المرات استدعيت أمي إلى المدرسة.

لِم برأيك بدأت بالكتابة وأنت صبي؟

أظن أنها كانت بسبب متعتها الخالصة الغامرة. يشبه الأمر العزف مع فرقتي الآن. تأليف الموسيقى ممتع، والكتابة ممتعة. خلق الأشياء وتشكيلها متع. سأقول أنني لو عشت في عصر ما قبل الأفلام السينمائية فكنتُ سأصبح كاتبًا. رأيتُ (ألفريد كازن)[4] على التلفاز. كان يطري الرواية ويمجدها على حساب الفلم. لكني لم أوافقه الرأي. إذ لا يمكن مقارنة الأولى بالثاني. كان يتمتع باحترام عالٍ للكلمات المطبوعة. الأفلام الجيدة أفضل من الكتب السيئة، وحين يكون كلاهما رائعًا، فإن كلاهما رائعٌ و قيم بشكله المختلف.

هل تعتقد أن متع الكتابة مرتبطة بالإحساس بالسيطرة والتحكم الذي يمنحك إياه الفن؟

كانت القدرة على خلق عالمك الخاص متى ما شئت بديعة ومدهشة. فالكتابة ممتعة جدًا وسارة، مغوية جدًا وجذابة، علاجية جدًا ومداوية. يمر الوقت سريعًا حين أكتب، سريعٌ جدًا. أرتبك وأحتار بخصوص نصٍ أو ما فيه ويطير الوقتُ سريعًا. هو شعورٌ مبهج منعشٌ. كم يمكن أن تسوء؟ إنها الجلوس صحبة الشخصيات الخيالية. أنت تهرب من العالم بطريقتك الخاصة و لا بأس بذلك. لِم لا؟

إذا كنت تحب جانب الاختلاء بالنفس في الكتابة هل ستفتقد الجانب التعاوني في الأفلام إذا ما كان عليك التخلي عنه؟

إحدى المظاهر الخادعة للخروج من المنزل والتواجد مع الآخرين هو أنه يجرك بعيدًا عن مهنة الكتابة. هو أقل وحدة. لكني أحب الجلوس في المنزل والكتابة. شعرتُ دومًا بأنهم إن أخبروني غدًا بأني ما عدتُ قادرًا على إخراج المزيد من الأفلام، أنهم ما عادوا ليعطوني المزيد من المال، فسيسعدني أن أكتب للمسرح، وإن لم ينتجوا مسرحياتي فسأكون سعيدًا بالكتابة فقط ولو لم ينشروا لي. سأظل سعيدًا بالكتابة تاركًا ما أكتب للأجيال المستقبلية. لأنها لو كانت تتضمن أي قيمة فيها فستحيا، وإن لم توجد فالأفضل أن تندثر.

هذا جانب من الجوانب الممتعة في الكتابة أو أي فن آخر: إذا ما تضمن شيئًا حقيقًا قيمًا فسيحيا ويظل. ولا تهم حقًا كل الضجة الإثارة المصاحبة له، نجاحه أو رفض النقاد له. في النهاية سينجو العمل أو لا مستحقًا ذلك بامتيازاته وخواصه. ولا يعني أن الخلود بالفن أمرٌ مهم. مات (تروفو)، واعترانا الأسى لذلك، وأقيم التأبين المناسب، وستحيا أفلامه المذهلة وتظل. لكن ذلك لا يفيد تروفو. لذا فكر بينك وبين نفسك: سيحيا عملي. كما قلتُ مرات عدة بدل أن أحيا في قلوب وعقول رفاقي وزملائي أفضل العيش في شقتي.

مع ذلك يبذل بعض الفنانون جهدًا لتنال أعمالهم الاحتفاء، ليبتكروا ما سيظل، ويقدمون ذلك على أي شيء آخر. هناك ذلك الاقتباس الذي قاله فوكنر: “قصيدة عن رفات إغريقي تعادل أي عددٍ من المسنات”.

أكره حين يصبح الفن دينًا مقدسًا. أشعر بالنقيض من ذلك. حين تبدأ بمنح الأعمال الفنية قيمة أعلى من الأشخاص حينها تخسر إنسانيتك وتفقدها. توجد نزعة للشعور بأن للفنان امتيازات خاصة، وأن كل شيء مباحٌ متاحٌ خدمة للفن. حاولتُ أن أوصل ذلك في الفلم (Interiors). أشعر دومًا بأن الفنان أكثر توقيرًا، هذا ظلمٌ وقسوة. هو شعور لطيف لكنه منحة عرضية استحقها صدفة: كأن يكون لك صوت جميل أو أن تكون أعسر. قدرتك على الابتكار والخلق هي صدفة لطيفة. يحدث أن يكون لك قيمة وتوقير في المجتمع، لكنها ليست بنبل صفة كالشجاعة.

أحس بسخافة وغرابة الاحاديث الرنانة حول أهمية الذات التي تتناول الفنانين وأنهم لا يهابون الصعاب. الصعاب والمخاطر الفنية هي كمخاطر الأعمال الترفيهية: مضحكة. كاختيار ممثل التبست أدواره بشخصه وأصبح يعرف بها لعمل جديد ياللهول ما أخطره من وضع! الخطر هو حين تكون حياتك على المحك. الأشخاص الذين وقفوا في وجه النازيين وقاوموا أو بعض الشعراء الروس الذي عارضوا الدولة هؤلاء هم الباسلون والشجعان، وهذا ما يعد حقًا إنجازًا.

أن تكون فنانًا هو إنجاز أيضًا، لكن عليك أن تبقي ذلك في نصابه. لا أحاول بخس الفن قيمته. أعتقد بأن الفن قيم، لكني أعتقد أنه ممجد وموقر بإفراط. هو قيمٌ، لكنه ليس أكثر قيمة من كونك معلمًا جيدًا، أو طبيبًا جيدًا. تكمن المشكلة في أن للإبداع سحرًا وجاذبية. يقول العاملون عادةً في مجال الأفلام أريد أن أصبح منتجًا، لكن منتجًا مبدعًا. أو تقول امرأة كنتُ في الجامعة مع المعني، نعم سأتزوجه. هو سباك لكن مبدع جدًا. من المهم للناس جدًا وجود تلك الصفة المعتمدة. كما لو أنه لو لم يكن مبدعًا فهو ناقص.


حين تكتب هل تفكر بجمهورك؟ جون أبدايك مثلًا قال مرة أنه يحب تخيل طفل في بلدة في الغرب الأوسط وجد أحد كتبه على رف في مكتبة عامة.

لطالما شعرتُ بأنني أحاول الارتقاء بهدفي قدر استطاعتي حينها، لا لأبلغ الجميع؛ لأنني أعلم أنني لا أقدر على ذلك، لكن أحاول دومًا بذل الجهد. أحب أن أشعر حين إنهائي لفلم أن البالغين الأذكياء سواء كانوا علماء أم فلاسفة، سيذهبون لمشاهدة الفلم ولن يخرجوا ويشعروا بأنه محض إضاعة للوقت. ألا يقولوا يا للهول ما الذي أقحمت نفسي فيه؟ إذا ذهبت لمشاهدة فلم (رامبو) فإني سأقول “يا إلهي”، ومن ثم بعد عدة دقائق سأغادر. لا يهمني حجم الجمهور. كلما زاد العدد كان أفضل، لكن ليس إذا كنتُ أنوي تغيير أفكاري لأجذبهم.

الأفلام ليست أسهل أنواع الفنون لصناعتها، فهي تتضمن الكثير من الأشخاص، وتتطلب مبالغ كبيرة من المال.

هناك بقع جغرافية معينة كالسويد حيث تدعمك الدولة جزئيًا. لكن في الولايات المتحدة كل شيء ملعون بالغلاء. لا تشبه الأفلام الرسم أو الكتابة. ففي الأفلام عليّ أن أحصل على ملايين الدولارات لأصنع حتى فلمًا رخيصًا. لذا يرتبط بذلك الشعور بأنك غير قادرٍ على المضي والتقدم دون جمهور ضخم. لذلك هي ضرب من ضروب المعاناة، لكني كنتُ محظوظًا، لطالما كنتُ حرًا. أنا مُبارك. أملك حياة كالأحلام في صناعة الأفلام منذ فلمي الأول. ألا وهي أن تكون حرٌ حرية كاملة تامة أكيدة طوال الطريق. لا تسأليني لِم. إذا قررتُ غدًا أن أخرج فلمًا بالأسود والأبيض كمذهب القرن السادس عشر فبإمكاني. 

طبعًا إذا ذهبت إليهم وقلتُ: “أريد أن أخرج فلمًا عن الكائنات وحيدة الخلية” سيقولون: “حسنًا، سنعطيك هذا القدر من المال لتعمل به”. بينما لو قلتُ: “أريد أن أخرج فلمًا كوميديًا ضخمًا” فإنهم سيعطونني مبالغ أكبر.

ما التغيرات التي تراها في أعمالك بمرور السنين؟

أطمح بالتطور والازدهار طبعًا. إذا اطلعت على أفلامي الأولى ستجد أنها كانت عامة وأحيانًا مضحكة. أصبحتُ إنسانًا أكثر مع القصص وضحيتُ بجانب مهول من الظرافة، الضحك، لأجل القيم الأخرى التي أشعر شخصيًا بأنه تستحق التضحية بها. لذا لن تتضمن الأفلام مثل (The Purple Rose of Cairo) أو (Manhattan) ذلك القدر من الضحكات. لكني أظن أنها ممتعة أكثر. على الأقل هي كذلك بالنسبة لي. أحب أن أستمر هكذا، وما زلتُ أحوال صنع بعض المحتوى الجاد.

هل كان فلم (Interiors) الذي قررت في حال ضحك أي شخص خلال العمل فإنك ستحذف ذلك الجزء؟ أكان ذلك صحيحًا؟

أوه لا، لا، غير صحيح. قصة جيدة لكنها غير صحيحة أبدًا. لا، ليست هناك أي قصص مرحة مرتبطة بأفلامي. أعني أننا نذهب إلى موقع التصوير ونعمل في جو من التجهم، بيئة عمل ونعمل على الأفلام، سواءً كانت كوميديا أم درامية.

انتقد البعض فلم (Interiors) قائلين بأنه يفتقد حس الفكاهة كليًا. شعرتُ بأن ذلك غير مرتبط أبدًا بالنقد. أيًا يكن الخطأ فيه إلا أنه لم يكن افتقداه للفكاهة. ليس هناك ذلك الحس الفكاهي في (Othello) أو في (Persona). لو كنت سأكتب عدة مسرحيات أو أفلام ذات حس جاد، سأفضل طبعًا أن أعمل على ذلك بدلًا من أنال لقب أفضل فلم كوميدي للسنة. لأن ذلك سيمنحني متعة شخصية، هي المتعة نفسها التي أفضل لأجلها عزف موسيقى جاز نيو أورلينز لا عزف (موزارت). أعشق (موزارت) لكني أفضل عزف موسيقى جاز نيو أورلينز. هذا ما أفضله ببساطة.

لكن حين تكتب سيناريو وتطل منه طرفة أو فكاهة فإنك تتمسك بها بمتعة، أوليس كذلك؟

نعم، إنها ممتعة دومًا. ما حدث عادة هو وجود عددٍ من المفاجآت في الأفلام، وعادة ما تكون هذه المفاجآت هي السلبيات. تظن أن ما بين يديك سيكون مضحكًا في نكتة أو مشهد، ثم تكتشف أنه ليس مضحكًا وتتفاجئ.

وتتمسك به وتبقيه.

أو تزيحه بعيدًا. بينما مرة كل حين تطلع لك مفاجأة لطيفة، وجزءٌ لم يخطر ببالك أبدًا أنه سيكون ممتعًا، جزءٌ يضحك عليه الجمهور أو يصيحون ضاحكين، وهذا شعورٌ رائع.

هل لك أن تذكر مثالًا على ذلك؟

حين أخرجتُ فلم (Bananas) أول مرة منذ سنوات، كنتُ ذاهبًا إلى منزل الديكتاتور: كنتُ مدعوًا إلى العشاء في تلك الدولة في أمريكا اللاتينية. أحضرتُ معي علبة كعك، كعك مزين من إحدى مخابز الحلويات. لم أفكر بالأمر كثيرًا، لكنها دومًا ما تضحك الحضور ضحكًا مزمجرًا. أما ما كانوا يضحكون عليه هو أن شخصيتي حمقاء لدرجة أني أحضرتُ بعض المخبوزات معي إلى عشاء دولة. كان الامر بالنسبة لي عرضيًا كما تكون الأشياء المضحكة الحقيقية تلك التي لا يُخطط لها أحد، أما بالنسبة للحضور فكانت الشيء الأكثر ظرفًا وإضحاكًا.


يظهر أن الفنان حين يُعرف يتوقع منه الآخرون: النقاد، محبيه، أن يظل يمارس الشيء نفسه، بدل أن يتطور بطريقته الخاصة.

لذلك عليك أبدًا ألا تأخذ ما يُكتب عنك على محمل الجد. لم أكتب في حياتي أي نص أو أعمل على أي مشروع لم أرغب حينها بالعمل عليه. عليك أن تنسى فكرة ما يسمونه “أفلام المسيرة”. عليك فقط أن تعمل ما تريد عمله لما يعنيه الإبداع لك في حياتك. إذا لم يرغب أي أحد برؤيته فلا بأس. وإلا فإنك في المجال لتسعد الآخرين وترضيهم. حين عملنا على (Stardust Memories) علمنا جميعًا أن دعاية كبيرة ستعمل. لكن ما كان ذلك ليوقفني ولو لثانية. لم أفكر أبدًا بأن من الأفضل عمل هذا أو ذلك لأن هذا سيضايق الناس.

من الأفضل أن تموت ولا تنخرط في مشروع تشعر بأنك ستتجاوزه بمرور الوقت. انظر لشخص مثل ستريندبرغ -شخصٌ آخر أحببته دومًا- وسترى ردة فعله على أمور معينة… وحشية فقط. حين أخرجتُ فلم (Annie Hall) كثرتُ الاقتراحات التي تدعوني لعمل جزء ثانٍ. لم يخطر ببالي ولو بعد مليون سنة أن أفعل ذلك. كنتُ أخطط للعمل على فلم (Interiors) بعد ذلك، وهو ما فعلته. لا أظن أنه بإمكانك أن تنجو سوى بهذه الطريقة. خطتي هي أن أحوال ألا أحتكم ولا أنقاد لعدد كبير من الناس، لكن أن أفعل أفضل عمل محتمل يمكنني تخيله، وأتمنى أن يكون العمل ببساطة حسنًا، وأن يأتي الناس لمشاهدته.

الفنان الذي أحببته حبًا جمًا لم يكن له جمهور كبير. ما يهم هو فعله وتطبيقه. وما سيحدث لاحقًا كل ما ما ين يديك هو أن تتمنى أنك محظوظ. حتى في أشكال الفن الشائعة والمحبوبة كالأفلام، في الولايات المتحدة لم يشاهد معظم الناس الأفلام (The Bicycle Thief) أو (The Grand Illusion) أو (Persona). يمضي معظم الناس حياته دون أن يشاهدهم. معظم الأجيال الأصغر تدعم الأفلام المعروضة الآن بوفرة ولا يكترثون بـبونويل أو بيرغمان. هم جاهلون بأفضل إنجازات هذا الفن. ومرة كل حين يظهر شيءٌ منها بمحض الصدفة الزمانية والمكانية. اشتهر تشارلي تشابلن في الوقت المناسب. لو أنه اشتهر اليوم لعانى من مشاكل عويصة.

ألا تعتقد أن الكتاب الجاديين الناضجين يستمرون ببساطة بتطوير وتوسيع المواضيع والأفكار الموجودة أصلًا؟

لكل شخص هواجسه التي تستحوذ عليه. في أفلام بيرغمان ترى الشيء نفسه مرة تلو المرة، لكنه عادة ما يُعرض بنفس الحداثة الرائعة كما لو أنها المرة الأولى.

ماذا عن عملك أنت؟

تتكرر الأشياء نفسها مرة تلو المرة. إنها الأشياء الموجودة في عقلي، ويبحث الواحد دومًا عن طرق جديدة للتعبير عن ذلك. يصعب أن تفكر بأن بإمكانك الخروج من المنزل وقول يا إلهي عليّ أن أجد شيئًا جديدًا لأعبر عنه. ما الأشياء التي يمكن أن تتكرر؟ بالنسبة لي طبعًا جاذبية الخيال و قسوة الواقع. كشخص مبدع لم أكن يومًا مهتمًا بالسياسة أو أيٍ مما يمكن حله أو تفسيره. ما جذبني دومًا كان المشاكل التي لا تُحل: محدودية الحياة واللامعنى و اليأس و انعدام القدرة على التواصل. صعوبة الوقوع في الحب والحفاظ عليه. هذه هي الأشياء التي تهمني أكثر من .. لا أعلم.. حق التصويت. في الحياة أتبع السياسة إلى حد معين، أجد ذلك ممتعًا كمواطن لكني لم أفكر أبدًا بالكتابة عنها.

كلمة عن هذه المقابلة: كانت المقابلة صعبة لأني لا أحب تبجيل عملي بمناقشة تأثيره أو أفكاري أو ما يشابه ذلك. ينطبق هذا النوع من الأحاديث أكثر على الأعمال ذات المنزلة الرفيعة. أقول ذلك دون أي تواضع زائف، أقوله وأنا أعرف أنني لم أنجز أي عملٍ مميز، أيًا يكن المجال. أشعر بذلك بوضوح يخلو من أي لبس. أشعر أني ما فعلته حتى اللحظة في حياتي هو مجرد حصى يجب أن ترفعه بعملين أو ثلاثة ممتازة التي أرجو أن أعملها. جلسنا وتحدثن عن فلنقل فوكنر و أبدايك وبيرغمان، أعني أنني لا أقدر على التحدث عن نفسي بالطريقة ذاتها كما هو واضح. أشعر أن ما فعلته حتى اللحظة هو … الخس الذي يجب أن يستلقي فيه البرجر. أشعر بأنني لو استطعت فيما ما بقي من حياتي أن أنجز عملين أو ثلاثة ممتازين – ربما فلم مدهش أو كتابة مسرحية ممتازة أو شيء ما – عندها سيكون كل شيء سبق تلك النقطة هو محض عمل تطوري ممتع. أشعر بأن أعمالي جالسةٌ هناك منتظرة جوهرة لتتوجها. لكن لا وجود لأي جوهرة في الوقت الحالي. لذا بدأت أشعر أن مقابلتي رنانة. أحتاج بعض الجواهر الثقيلة هناك. لكن أتمنى أني بلغت مرحلة من حياتي حيث بعد عشر سنوات أو خمسة عشر يمكنني أن أنجز عملين أو ثلاثة تمنح الاعتماد والقبول لكل ما عملته قبلًا … فلنتمنى.


[المصدر]

هوامش المترجمة:

[1]: ناقدة أدبية أمريكية حازت جائزة البوليتزر عن النقد.
[2]: روائية فرنسية.
[3]: مخرج مسرحي أمريكي.
[4]: كاتب وناقد أدبي أمريكي وهو صديق لـ(حنة أردنت).

 

اخلق بعنف .. ألبير كامو عن الفنان كصوت للمقاومة وكمحرر للمجتمع

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

“أولئك الذين يقولون لك “لا تضمن الكثير من السياسية في فنك” ليسوا صادقين” كانت هذه ملاحظة (تشينوا أتشيبي) في محادثته الرائعة المنسية مع (جيمس بالدوين). “إذا ما دققت النظر بالأمر سترى أنهم نفس الأشخاص السعيدين بالوضع كما هو … وما يقولونه لا يزعج النظام”. وقبل نصف قرن من ذلك بسط (ويستن هيو أودن) و فصل هذه الفكرة حين أكد “إن عمل الفن المحض هو بذاته فعل سياسي”.

كتب (ألبير كامو) [1913-1960] في نص خالد و عميق جدًا بعنوان “اخلق بعنف” أن مهمة الفنان الجوهرية هي دفع المجتمع للأمام وذلك بإزعاج النظام، وهو نص كُتب في زمن أودن لكنه مرتبط بنا بشدة. وهذا النص هو في الأصل محاضرة أُلقيت في جامعة السويد بتاريخ ديسمبر سنة 1957 بعد أسابيع من حصول (كامو) على جائزة نوبل في الأدب ليكون بذلك ثاني أصغر فائز بها، والتي نالها لعمله الذي “يسلط الضوء ببصيرة نافذة و جدية على مشاكل الوعي الإنساني في زماننا“، والذي أُضيف لاحقًا إلى مجموعة مقالاته المهمة والتي نُشرت بعنوان (المقاومة، التمرد، و الموت).

قبل عقدين من دعوة (أودري لورد) الفنانين للتمسك بمسؤوليتهم تجاه “تحويل الصمت إلى لغة وفعل” كتب (كامو):

اعتاد الرجل الشرقي الحكيم دومًا أن يطلب من الآلهة في صلواته أن تكون عطوفة جدًا لتنقذه من العيش في عصر مشوق، ولأننا لسنا حكماء لم تحمنا الآلهة ونحنُ نعيش في عصر مشوق. على أية حال يفرض علينا عصرنا أن نهتم به ونقبل عليه. يعرف كتاب اليوم هذا: فإن تكلموا هوجموا وانتقدوا، وإن تواضعوا والتزموا الصمت لُوموا بشدة على صمتهم. وفي غمرة هذه الضجة والجلبة لا يمكن للكاتب أن يتأمل أن يبقى نائيًا بنفسه ليحث التأملات والصور العزيزة عليه. وحتى اللحظة الحالية ظل النأي بالنفس والانعزال ممكنًا في التاريخ. فحين لا يوافق أحدهم على شيء يمكنه أن يبقى صامتًا أو يتحدث عن أمر آخر، ولكن كل شيء تغير اليوم بل وحتى للصمت آثار خطيرة. فاللحظة التي ينظر فيها للامتناع عن الاختيار ذاته كخيار ويُعاقب على مثله أو يُشاد به بصبح فيها الكاتب طوعًا أو كراهيةً مُدموغًا في الخدمة. وتبدو لي “مدموغ” كلمة أدق في هذا الصلة من “ملتزم”. فبدلًا من التسجيل والانضمام ببساطة للخدمة التطوعية يؤدي الفنان الخدمة الإلزامية.

[…] من السهل رؤية كل ما يمكن للفن أن يخسره من هذه الالتزامات الدائمة: الطمأنينة كبداية وتلك الحرية المقدسة الجلية في أعمال (موزارت). من الأسهل أن نفهم لِم لأعمالنا الفنية جاذبية تسترعي النظر ولِم تنهار فجأة. ومن الواضح لِم لدينا صحافيون أكثر من كتاب المحتوى الإبداعي، وهواة في الرسم أكثر من (بول سيزان)، ولِم احتلت الحكايا العاطفية أو الروايات البوليسية محل (الحرب والسلام) أو (صومعة بارما).

ومع ذلك قبل خمس سنوات من تأكيد (بالدوين): “على المجتمع أن يفترض أنه مستقر، لكن على أن الفنان أن يعرف وعليه أن يُعرفنّا أنه لا وجود لشيء مستقر وثابت خارج الجنة” أصر (كامو) على وجود كسب أكثر من الخسارة في التزام الفنان بالعدالة الاجتماعية:

أن تخلق اليوم يعني أن تخلق بعنف. فأي منشور هو فعلٌ، وهذا الفعل يعرض الواحد لعواطف عصر لا يغفر شيئًا. لكن السؤال ليس ما إذا كان هذا ضارًا بالفن أم لا، السؤال لكل هؤلاء الذين لا يقدرون على العيش دون الفن ودون ما يمثله هو مجرد اكتشاف كيف تكون حرية الخلق الغريبة ممكنة بين كل أجهزة الأمن  هذه التابعة لكل هذه الأيدولوجيات؛ كم كنيسة يا للعزلة!.

بعد قرن من سخرية (رالف إمرسون) التي قال فيها أن “الحشود وقحة، سخيفة، لا يُمكن التحكم بها، مؤذية في مطالبها وتأثيرها، ويجب على الواحد ألا، يتنازل لها عن أي شيء، ولكن موجودة لتروضها، لتشق صفوفها، لتفرقها، ولتفككها، ولتسحب الأفراد منها ولتخرجهم” اعتبر (كامو) القوى أنها التي تشوه العمل الإبداعي وتتسبب بـ”استسلام الفنان“. عن إحساس الفصل والتمزق المرتبط بعصرنا بما يُسمى “مواقع التواصل الاجتماعي“، حيث يوجد تعسف الحشود، كتب يقول:

ما يميز عصرنا بالفعل هو الطريقة التي تنفجر فيها الحشود و حالتها البائسة في الحساسية الراهنة الحديثة. نحن نعلم الآن أنها موجودة بينما كانت لدينا القابلية لنسيانها. و إذا كنا أكثر إدراكًا فإنها أصبحت أفضل ولا تخاف ولا تخشى لا بسبب الأرستقراطية، الحركة الفنية أو غيرها، ولكن لأن الحشود أصبحت أقوى وأصبحت تمنع الناس من نسيانها.

بالإضافة إلى عوامل اجتماعية أخرى تعمل تعسفية الرأي العام هذه على: “تثبيط الخلق الحر بتقويض المبدأ الأساسي و هو إيمان الفنان بنفسه“. كتب (إدوارد إستلين كامينجز) في نفس الحقبة راصدًا أهمية حماية ذلك العنصر الأساسي في نصيحته الرائعة للفنان: “أن تكون لا أحد سوى نفسك في عالم يحاول جاهدًا ليل نهار أن يجعلك كل أحد آخر عداك يعني أن تخوض غمار المعركة الأقسى الأصعب التي يمكن لأي إنسان أن يخوضها“. بعيدًا عن هذا الامتصاص لفكرة الحرية الإبداعية والشجاعة يجادل (كامو) حول نشأة الكذبة الخطيرة أن الفن ما هو إلا ترف ورفاه. فبعد حوالي عقدين من إصرار (ريبيكا ويست) في غمار الحرب العالمية الثانية على أن:” الفن ليس ألعوبة بل ضرورة… ليس قطعة زخرفية بل كوبٌ تُسكب فيه الحياة ويُقرب من الشفاه ويُذاق طعمها” اعتبر (كامو) أن ما أوصل المجتمع الحديث إلى مثل هذه الإساءة العميقة في الفهم هو جوهر الفن وغرضه:

إذا ما كيف الفن نفسه مع ما يرغب به أغلبية مجتمعنا سيصبح ترفيهًا فارغًا بلا معنى. وإذا رفض المجتمع دون تبصر، إذا ما قرر الفنان أن يلجأ إلى حلمه لن يعبر الفن عن شيء سوى الإنكار. و هكذا علينا أن نملك نتاج الترفيهين أو نتاج النحويين النظامي وفي كلتا الحالتين سيؤدي هذا إلى اجتثاث الفن عن الواقع المعاش. لحوالي قرن كنا نعيش في مجتمع ليس حتى مجتمع المال، كان يمكن أن يثير الذهب الشهوة الجسدية، ولكن مجتمع الأفكار التجريدية للمال. إذ يمكن تعريف مجتمع التجار على أنه مجتمع تختفي فيه الأشياء لصالح الدلائل. فحين تقدر وتزن الطبقة الحاكمة ثرواتها لا بفدان من الأرض ولا بسبيكة من الذهب ولكن بعدد الشخصيات التي تناسب مثاليًا عدد من عمليات التبادل، وهي بالتالي تدين نفسها لتحديدها نوعًا من الأوهام في عمق تجربتها ومحيطها. إن المجتمع المبني على الدلائل هو في جوهره مجتمع صناعي حيث تلبى فيه حاجة الرجل الجسدية الحقيقة كأنها شيء صناعي. و لا داعي للتفاجئ بأن مجتمع كهذا يختار كدين له قانونًا أخلاقيًا لمبدأ رسمي نظامي وأنه يخط الكلمات “الحرية” و”المساواة” على جدران سجونه وكذلك على معابده المالية. ولكن لا يمكنك تلطيخ شرف الكلمات دون عقاب، إذ أن أكثر قيمة شوهت وحرف معناها اليوم هي بالطبع قيمة الحرية.

مرددًا أفكار الفيلسوفة والناشطة السياسية (سيمون فايل)، التي اعتبرها (كامو) “الروح العظيمة الوحيدة في زماننا“، حول الفرق الحسم الهام بين حقوقنا ومسؤولياتنا رثى (كامو) تبعات هذا التسليع للفن والحرية:

استخدم مجتمع التجار لمئة سنة الحرية استخدامًا حصريًا و فردانيًا معتبرًا إياها حقًا لا واجبًا، ولم يخشى أن يستخدم الحرية المثالية كما يمكن غالبًا أن تكون لتبرير اضطهادات حقيقية جدًا. ونتيجةً لذلك هل من مدعاة للدهشة في حقيقة أن مجتمعًا كهذا يطلب من الفن ألا يكون أداةً لتحرير ولكن ممارسة طفيفة عديمة العواقب و ترفيهًا محضًا؟

ثم يبحث في التمثيلية الاجتماعية التي تبتلع العمل الإبداعي التي تنفخ الأنا وتقلص الفن:

إن الفن لغاية الفن أي تسلية الفنان المنعزل هو الفن الصناعي لمجتمع كاذب متصنع و أناني. والنتيجة المنطقية لنظرية كهذه هو فن الزمر أو الفن الرسمي النظامي الذي يقتات على التكلف والأفكار التجريدية و ينتهي بتدمير وإتلاف كل ما في الواقع. وعلى هذه الحال ستجذب بضعة أعمال بضع أفراد بينما تفسد عدة ابتكارات الفظة عددًا آخر، وأخيرًا سيتشكل الفن خارج المجتمع وسيجتث نفسه من جذروه الحية. وشيئًا فشيئًا سيكون الفنان وحتى ول عرف وقدر وحيدًا أو على الأقل معروفًا في بلده على محطات الإذاعة أو الصحافة متوسطة الانتشار والتي ستعرض فكرة مبسطة ومناسبة عنه. كلما تخصص الفن في الحقيقة كلما أصبح الترويج له ونشره ضرورة. وهكذا سيراود ملايين الأشخاص الإحساس بمعرفتهم لهذا الفنان العظيم في زماننا أو ذاك لأنهم عرفوا من الصحف أنه يربي طيور الكناري أو أن زواجه لم يدم أكثر من ستة أشهر. يتمثل الأكثر شهرة اليوم و ذكرًا في ما يعجب به أو يبغض دون حتى قراءته. يجب على أي فنان ينوي الشهرة في مجتمعنا أن يعرف أنه ليس هو من سيشهر ولكن شخصٌ آخر باسمه، آخر سيهرب منه في نهاية المطاف وسيقتل على الأرجح يومًا ما الفنان الحقيقي بداخله.

ومع ذلك يدين (كامو) الفصل الساذج بين الأصالة الفنية و ما يمكن أن نسميه اليوم “البيع” لمجتمع رافض تمامًا، بما في ذلك عملات المشاهير، ما هو إلا ارتكاب لنوعٍ آخر من الغطرسة التي تفصل الفن عن مواده الأولية. بشعور سيردده (بالدوين) لاحقًا بعد سنوات في تذكيره لنا بما جعل (شكسبير) أعظم شاعر في اللغة الإنجليزية وهو أنه “وجد شعره حيث يوجد الشعر: في حيوات الناس” يكتب (كامو):

نتيجة لرفض كل شيء حتى تراث فنه يتوهم الفنان المعاصر أنه يخلق قانونه الذاتي و يعد نفسه في النهاية الرب، و يظن في نفس الوقت أنه قادرٌ على خلق واقعه بنفسه. لكنه وبمنأى عن مجتمعه لن يخلق سوى أعمالٍ رسمية أو تجريدية ستكون ممتعة كتجارب لكنها مجردة من الخصوبة التي نقرنها بالفن الحقيقي المطلوب للوحدة والتضافر.

بل إن (كامو) يقول بأن على الفنان أن يتصل بواقع زمانه أو زمانها منتزعًا منه شيئًا خالدًا وعالميًا:

على الفنان فقط أن يترجم معاناة وسعادة الكل إلى لغة يفهمها الكل وسيُفهم عالميًا. وكمكافأة على إيمانه التام المؤكد بالواقع سيحقق التواصل الكامل من بين الجميع.

إن فكرة التواصل العالمي هذه مثل أعلى لأي فنان عظيم. وخلافًا للفرضية الحالية إذا كان هناك من لا حق لها بالعزلة فهو الفنان، فالفن لا يمكن أن يكون حوارًا داخليًا. حين يحتكم أشد الفنانين عزلة وأقلهم شهرة للجيل الجديد فإنه بالكاد يعيد تأكيد رسالته الأساسية. باعتبار أن الحوار مع الصم والغافلين المعاصرين مستحيل فإنه يحتكم إلى حوار أوسع نطاقًا مع الأجيال القادمة.

ولكن للحديث عن الجميع مع الجميع على الواحد أن يتحدث عما يعرفه الجميع وعن الواقع المشترك بيننا جميعًا. البحر، الأمطار، الحتمية، الرغبة، الصراع مع الموت هذه كلها أشياء موحدة بالنسبة لنا جميعًا. نحن نشبه بعضنا البعض فيما نراه معًا، وفيما نعانيه معًا. الأحلام تختلف من فرد لآخر، لكن واقع العالم مشترك بيننا جميعًا. لذلك فإن السعي للواقعية مشروع، لأنه بالأساس مرتبط بمغامرة الفنان.

على خطى زميله الموسوعي (هنري بوانكاريه) وجزمه : “أن تخلق يعني أن تختار” و تأكيدًا لقناعة (أورسولا لي جوين): “لن نكون أحرارًا إن لم نتخيل الحرية” يجادل (كامو) حول مسؤولية الفنان لتخيل بدائل أسمى وأرفع للوضع الراهن، للنظام، للواقع الحاضر:

لا يُمكن إعادة إنتاج الواقع دون ممارسة الاصطفاء… ولذا فإن الشيء الوحيد الضروري هو إيجاد مبدأ للاختيار سيمنح العالم شكلًا. ومبدأ كهذا موجود لا في الواقع الذي نعرفه لكن في الواقع الذي سيكون ببساطة المستقبل. ولإعادة الإنتاج كما ينبغي على الواحد أن يصور أيضًا ما سيكون.

[…] يختار الفنان هدفه بقدر ما يختاره هدفه. إن الفن بمعنى من معانيه هو التمرد على كل ما هو عابر وغير مكتمل في العالم. وبالتالي فإن هدفه الوحيد هو منح الواقع شكلًا آخر مع أنه غير مضطر لحفظه كمصدر لشعوره. وفي هذا الصدد جميعنا واقعيون ولا أحد منا كذلك. فالفن ليس رفضًا كاملًا ولا قبولًا تامًا لما هو عليه، إنه قبول ورفض في آن واحد، ولذلك يجب أن يكون ألمًا منفصلًا ومتجددًا على الدوام. ويعيش الفنان دومًا في حالة من الغموض، غير قادرٍ على نفي الواقع وإنكاره ومع ذلك مقيد إلى الأبد بالسؤال في جوانب أبديته غير المكتملة.

[…] سيكون العمل الأسمى دومًا هو العمل الذي يصم توازنًا بين الواقع ورفص الواحد لهذا الواقع، كل منهما يرغم الآخر على أن يطغى عليه في تدفق دؤوب، والتي هي ميزة الحياة أصلًا في أقصى حالاتها الأكثر إبهاجًا وفطرًا للقلوب. ثم وبين الفينة والأخرى يظهر عالم جديد مختلفٌ عن العالم اليومي ومع ذلك يشابهه، خاصٌ ولكن عالمي، طافحٌ بالأبرياء منعدمي الأمان مُستحدثٌ وجودهم لساعات قليلة بقوة العبقرية و حنينها. إنه كذلك وليس كذلك أيضًا هذا العالم لا شيء وهو كل شيء أيضًا، وهذا هو أيضًا تناقض كل فنان حقيقي وصرخته الدؤوبة، الصرخة التي تبقيه واقفًا على قدميه بعنين مفتوحتين و بيقظة بين الفينة والأخرى عن كل هؤلاء الغافلين عن الزوال في هذا العالم ومصرين على الصورة التي نسلم بها عن العالم دون حتى معرفته.

إن هذا التعرض بين الحاضر والمستقبل، بين ما هو كائن وبين ما يمكن أن يكون، بين المعاناة وبين تجاوز المعاناة هو التربة الخصبة للفن يكتب (كامو) فيقول:

لا يقدر الفنان على أن يشيح بنظره عن زمانه ولا أن يغوص فيه.. والرسول -دينيًا كان أو سياسيًا- يمكن أن يحكم حتمًا ولن يتورع عن ذلك كما هو معروف، لكن الفنان لا يقدر على ذلك. فإذا حكم حكمًا حتميًا سيقسم الواقع تعسفًا إلى خير وشر ومن ثم سينغمس في الميلودراما. والفن على النقيض من ذلك لا لسن التشريعات أو ليسود بسمو ولكنه للفهم قبل كل شيء، و أحيانًا يسود بسمو كنتيجة للفهم. ولكن لم يبنَ أي عمل عبقري أبدًا على الكراهية والازدراء. ولذلك فالفنان في نهاية تقدمه البطيء يغفر بدلًا من أن يدين، وبدلًا من كونه حكمًا هو مبررٌ. ودفاعه ودعوته الأزلية هي عن المخلوق الحي لأنه حي.

[…] ربما تكمن عظمة الفن في التعارض بين الجمال والألم، حب البشر و جنون الخلق، العزلة التي لا تُحتمل و الوجود المرهق بين الجموع، بين الرفض و الموافقة… على الحافة التي يسير الفنان فيها متقدمًا كل خطوة من خطواته هي مغامرة، مخاطرة شديدة. ولكن وفي تلك المخاطرة وتحديدًا في تلك المخاطرة تكمن حرية الفن.

قبل ست سنوات من تأكيد (جون كيندي) في واحد من أعظم الخطابات على أن الفنان هو صوت المجتمع الأولي لمقاومة الظلم يضيف (كامو):

حاولتُ تعريف الفن بمقتضى جوهره الحر وتوحيده حيث ينتشر الاستبداد. وبالتالي ليس مفاجئٍ أن على الفن أن يكون العدو المحدد بكل شكلٍ من أشكال القمع. ولا غرابة أنه على الفنانين والمثقفين ان يكونوا الضحية الأولى للاستبداد الحديث … يعرف الاستبداد أن في العمل الفني قوة تحريرية غامضة فقط لأولئك الذين لا يقدسونها. كل عمل عظيم يجعل وجه الإنسان أكثر تقديرًا وأغنى وهذا هو سره الكامل. ولا تكفي آلاف معسكرات الاعتقال و لا الزنازين على إخفاء شهادات الكرامة المذهلة. ولذلك ليس صحيحًا أنه يمكن اعتقال وتوقيف الثقافة ولو مؤقتًا لإفساح المجال لأخرى جديدة… لا وجود لثقافة دون إرث مهما ستكون أعمال المستقبل لأنها ستحمل كلها نفس السر: مكونة من الشجاعة والحرية، متغذية على جرأة وجسارة آلاف الفنانين من كل الأزمنة وكل الدول.


[المصدر]