أرشيف الكاتب

اخلق بعنف .. ألبير كامو عن الفنان كصوت للمقاومة وكمحرر للمجتمع

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

“أولئك الذين يقولون لك “لا تضمن الكثير من السياسية في فنك” ليسوا صادقين” كانت هذه ملاحظة (تشينوا أتشيبي) في محادثته الرائعة المنسية مع (جيمس بالدوين). “إذا ما دققت النظر بالأمر سترى أنهم نفس الأشخاص السعيدين بالوضع كما هو … وما يقولونه لا يزعج النظام”. وقبل نصف قرن من ذلك بسط (ويستن هيو أودن) و فصل هذه الفكرة حين أكد “إن عمل الفن المحض هو بذاته فعل سياسي”.

كتب (ألبير كامو) [1913-1960] في نص خالد و عميق جدًا بعنوان “اخلق بعنف” أن مهمة الفنان الجوهرية هي دفع المجتمع للأمام وذلك بإزعاج النظام، وهو نص كُتب في زمن أودن لكنه مرتبط بنا بشدة. وهذا النص هو في الأصل محاضرة أُلقيت في جامعة السويد بتاريخ ديسمبر سنة 1957 بعد أسابيع من حصول (كامو) على جائزة نوبل في الأدب ليكون بذلك ثاني أصغر فائز بها، والتي نالها لعمله الذي “يسلط الضوء ببصيرة نافذة و جدية على مشاكل الوعي الإنساني في زماننا“، والذي أُضيف لاحقًا إلى مجموعة مقالاته المهمة والتي نُشرت بعنوان (المقاومة، التمرد، و الموت).

قبل عقدين من دعوة (أودري لورد) الفنانين للتمسك بمسؤوليتهم تجاه “تحويل الصمت إلى لغة وفعل” كتب (كامو):

اعتاد الرجل الشرقي الحكيم دومًا أن يطلب من الآلهة في صلواته أن تكون عطوفة جدًا لتنقذه من العيش في عصر مشوق، ولأننا لسنا حكماء لم تحمنا الآلهة ونحنُ نعيش في عصر مشوق. على أية حال يفرض علينا عصرنا أن نهتم به ونقبل عليه. يعرف كتاب اليوم هذا: فإن تكلموا هوجموا وانتقدوا، وإن تواضعوا والتزموا الصمت لُوموا بشدة على صمتهم. وفي غمرة هذه الضجة والجلبة لا يمكن للكاتب أن يتأمل أن يبقى نائيًا بنفسه ليحث التأملات والصور العزيزة عليه. وحتى اللحظة الحالية ظل النأي بالنفس والانعزال ممكنًا في التاريخ. فحين لا يوافق أحدهم على شيء يمكنه أن يبقى صامتًا أو يتحدث عن أمر آخر، ولكن كل شيء تغير اليوم بل وحتى للصمت آثار خطيرة. فاللحظة التي ينظر فيها للامتناع عن الاختيار ذاته كخيار ويُعاقب على مثله أو يُشاد به بصبح فيها الكاتب طوعًا أو كراهيةً مُدموغًا في الخدمة. وتبدو لي “مدموغ” كلمة أدق في هذا الصلة من “ملتزم”. فبدلًا من التسجيل والانضمام ببساطة للخدمة التطوعية يؤدي الفنان الخدمة الإلزامية.

[…] من السهل رؤية كل ما يمكن للفن أن يخسره من هذه الالتزامات الدائمة: الطمأنينة كبداية وتلك الحرية المقدسة الجلية في أعمال (موزارت). من الأسهل أن نفهم لِم لأعمالنا الفنية جاذبية تسترعي النظر ولِم تنهار فجأة. ومن الواضح لِم لدينا صحافيون أكثر من كتاب المحتوى الإبداعي، وهواة في الرسم أكثر من (بول سيزان)، ولِم احتلت الحكايا العاطفية أو الروايات البوليسية محل (الحرب والسلام) أو (صومعة بارما).

ومع ذلك قبل خمس سنوات من تأكيد (بالدوين): “على المجتمع أن يفترض أنه مستقر، لكن على أن الفنان أن يعرف وعليه أن يُعرفنّا أنه لا وجود لشيء مستقر وثابت خارج الجنة” أصر (كامو) على وجود كسب أكثر من الخسارة في التزام الفنان بالعدالة الاجتماعية:

أن تخلق اليوم يعني أن تخلق بعنف. فأي منشور هو فعلٌ، وهذا الفعل يعرض الواحد لعواطف عصر لا يغفر شيئًا. لكن السؤال ليس ما إذا كان هذا ضارًا بالفن أم لا، السؤال لكل هؤلاء الذين لا يقدرون على العيش دون الفن ودون ما يمثله هو مجرد اكتشاف كيف تكون حرية الخلق الغريبة ممكنة بين كل أجهزة الأمن  هذه التابعة لكل هذه الأيدولوجيات؛ كم كنيسة يا للعزلة!.

بعد قرن من سخرية (رالف إمرسون) التي قال فيها أن “الحشود وقحة، سخيفة، لا يُمكن التحكم بها، مؤذية في مطالبها وتأثيرها، ويجب على الواحد ألا، يتنازل لها عن أي شيء، ولكن موجودة لتروضها، لتشق صفوفها، لتفرقها، ولتفككها، ولتسحب الأفراد منها ولتخرجهم” اعتبر (كامو) القوى أنها التي تشوه العمل الإبداعي وتتسبب بـ”استسلام الفنان“. عن إحساس الفصل والتمزق المرتبط بعصرنا بما يُسمى “مواقع التواصل الاجتماعي“، حيث يوجد تعسف الحشود، كتب يقول:

ما يميز عصرنا بالفعل هو الطريقة التي تنفجر فيها الحشود و حالتها البائسة في الحساسية الراهنة الحديثة. نحن نعلم الآن أنها موجودة بينما كانت لدينا القابلية لنسيانها. و إذا كنا أكثر إدراكًا فإنها أصبحت أفضل ولا تخاف ولا تخشى لا بسبب الأرستقراطية، الحركة الفنية أو غيرها، ولكن لأن الحشود أصبحت أقوى وأصبحت تمنع الناس من نسيانها.

بالإضافة إلى عوامل اجتماعية أخرى تعمل تعسفية الرأي العام هذه على: “تثبيط الخلق الحر بتقويض المبدأ الأساسي و هو إيمان الفنان بنفسه“. كتب (إدوارد إستلين كامينجز) في نفس الحقبة راصدًا أهمية حماية ذلك العنصر الأساسي في نصيحته الرائعة للفنان: “أن تكون لا أحد سوى نفسك في عالم يحاول جاهدًا ليل نهار أن يجعلك كل أحد آخر عداك يعني أن تخوض غمار المعركة الأقسى الأصعب التي يمكن لأي إنسان أن يخوضها“. بعيدًا عن هذا الامتصاص لفكرة الحرية الإبداعية والشجاعة يجادل (كامو) حول نشأة الكذبة الخطيرة أن الفن ما هو إلا ترف ورفاه. فبعد حوالي عقدين من إصرار (ريبيكا ويست) في غمار الحرب العالمية الثانية على أن:” الفن ليس ألعوبة بل ضرورة… ليس قطعة زخرفية بل كوبٌ تُسكب فيه الحياة ويُقرب من الشفاه ويُذاق طعمها” اعتبر (كامو) أن ما أوصل المجتمع الحديث إلى مثل هذه الإساءة العميقة في الفهم هو جوهر الفن وغرضه:

إذا ما كيف الفن نفسه مع ما يرغب به أغلبية مجتمعنا سيصبح ترفيهًا فارغًا بلا معنى. وإذا رفض المجتمع دون تبصر، إذا ما قرر الفنان أن يلجأ إلى حلمه لن يعبر الفن عن شيء سوى الإنكار. و هكذا علينا أن نملك نتاج الترفيهين أو نتاج النحويين النظامي وفي كلتا الحالتين سيؤدي هذا إلى اجتثاث الفن عن الواقع المعاش. لحوالي قرن كنا نعيش في مجتمع ليس حتى مجتمع المال، كان يمكن أن يثير الذهب الشهوة الجسدية، ولكن مجتمع الأفكار التجريدية للمال. إذ يمكن تعريف مجتمع التجار على أنه مجتمع تختفي فيه الأشياء لصالح الدلائل. فحين تقدر وتزن الطبقة الحاكمة ثرواتها لا بفدان من الأرض ولا بسبيكة من الذهب ولكن بعدد الشخصيات التي تناسب مثاليًا عدد من عمليات التبادل، وهي بالتالي تدين نفسها لتحديدها نوعًا من الأوهام في عمق تجربتها ومحيطها. إن المجتمع المبني على الدلائل هو في جوهره مجتمع صناعي حيث تلبى فيه حاجة الرجل الجسدية الحقيقة كأنها شيء صناعي. و لا داعي للتفاجئ بأن مجتمع كهذا يختار كدين له قانونًا أخلاقيًا لمبدأ رسمي نظامي وأنه يخط الكلمات “الحرية” و”المساواة” على جدران سجونه وكذلك على معابده المالية. ولكن لا يمكنك تلطيخ شرف الكلمات دون عقاب، إذ أن أكثر قيمة شوهت وحرف معناها اليوم هي بالطبع قيمة الحرية.

مرددًا أفكار الفيلسوفة والناشطة السياسية (سيمون فايل)، التي اعتبرها (كامو) “الروح العظيمة الوحيدة في زماننا“، حول الفرق الحسم الهام بين حقوقنا ومسؤولياتنا رثى (كامو) تبعات هذا التسليع للفن والحرية:

استخدم مجتمع التجار لمئة سنة الحرية استخدامًا حصريًا و فردانيًا معتبرًا إياها حقًا لا واجبًا، ولم يخشى أن يستخدم الحرية المثالية كما يمكن غالبًا أن تكون لتبرير اضطهادات حقيقية جدًا. ونتيجةً لذلك هل من مدعاة للدهشة في حقيقة أن مجتمعًا كهذا يطلب من الفن ألا يكون أداةً لتحرير ولكن ممارسة طفيفة عديمة العواقب و ترفيهًا محضًا؟

ثم يبحث في التمثيلية الاجتماعية التي تبتلع العمل الإبداعي التي تنفخ الأنا وتقلص الفن:

إن الفن لغاية الفن أي تسلية الفنان المنعزل هو الفن الصناعي لمجتمع كاذب متصنع و أناني. والنتيجة المنطقية لنظرية كهذه هو فن الزمر أو الفن الرسمي النظامي الذي يقتات على التكلف والأفكار التجريدية و ينتهي بتدمير وإتلاف كل ما في الواقع. وعلى هذه الحال ستجذب بضعة أعمال بضع أفراد بينما تفسد عدة ابتكارات الفظة عددًا آخر، وأخيرًا سيتشكل الفن خارج المجتمع وسيجتث نفسه من جذروه الحية. وشيئًا فشيئًا سيكون الفنان وحتى ول عرف وقدر وحيدًا أو على الأقل معروفًا في بلده على محطات الإذاعة أو الصحافة متوسطة الانتشار والتي ستعرض فكرة مبسطة ومناسبة عنه. كلما تخصص الفن في الحقيقة كلما أصبح الترويج له ونشره ضرورة. وهكذا سيراود ملايين الأشخاص الإحساس بمعرفتهم لهذا الفنان العظيم في زماننا أو ذاك لأنهم عرفوا من الصحف أنه يربي طيور الكناري أو أن زواجه لم يدم أكثر من ستة أشهر. يتمثل الأكثر شهرة اليوم و ذكرًا في ما يعجب به أو يبغض دون حتى قراءته. يجب على أي فنان ينوي الشهرة في مجتمعنا أن يعرف أنه ليس هو من سيشهر ولكن شخصٌ آخر باسمه، آخر سيهرب منه في نهاية المطاف وسيقتل على الأرجح يومًا ما الفنان الحقيقي بداخله.

ومع ذلك يدين (كامو) الفصل الساذج بين الأصالة الفنية و ما يمكن أن نسميه اليوم “البيع” لمجتمع رافض تمامًا، بما في ذلك عملات المشاهير، ما هو إلا ارتكاب لنوعٍ آخر من الغطرسة التي تفصل الفن عن مواده الأولية. بشعور سيردده (بالدوين) لاحقًا بعد سنوات في تذكيره لنا بما جعل (شكسبير) أعظم شاعر في اللغة الإنجليزية وهو أنه “وجد شعره حيث يوجد الشعر: في حيوات الناس” يكتب (كامو):

نتيجة لرفض كل شيء حتى تراث فنه يتوهم الفنان المعاصر أنه يخلق قانونه الذاتي و يعد نفسه في النهاية الرب، و يظن في نفس الوقت أنه قادرٌ على خلق واقعه بنفسه. لكنه وبمنأى عن مجتمعه لن يخلق سوى أعمالٍ رسمية أو تجريدية ستكون ممتعة كتجارب لكنها مجردة من الخصوبة التي نقرنها بالفن الحقيقي المطلوب للوحدة والتضافر.

بل إن (كامو) يقول بأن على الفنان أن يتصل بواقع زمانه أو زمانها منتزعًا منه شيئًا خالدًا وعالميًا:

على الفنان فقط أن يترجم معاناة وسعادة الكل إلى لغة يفهمها الكل وسيُفهم عالميًا. وكمكافأة على إيمانه التام المؤكد بالواقع سيحقق التواصل الكامل من بين الجميع.

إن فكرة التواصل العالمي هذه مثل أعلى لأي فنان عظيم. وخلافًا للفرضية الحالية إذا كان هناك من لا حق لها بالعزلة فهو الفنان، فالفن لا يمكن أن يكون حوارًا داخليًا. حين يحتكم أشد الفنانين عزلة وأقلهم شهرة للجيل الجديد فإنه بالكاد يعيد تأكيد رسالته الأساسية. باعتبار أن الحوار مع الصم والغافلين المعاصرين مستحيل فإنه يحتكم إلى حوار أوسع نطاقًا مع الأجيال القادمة.

ولكن للحديث عن الجميع مع الجميع على الواحد أن يتحدث عما يعرفه الجميع وعن الواقع المشترك بيننا جميعًا. البحر، الأمطار، الحتمية، الرغبة، الصراع مع الموت هذه كلها أشياء موحدة بالنسبة لنا جميعًا. نحن نشبه بعضنا البعض فيما نراه معًا، وفيما نعانيه معًا. الأحلام تختلف من فرد لآخر، لكن واقع العالم مشترك بيننا جميعًا. لذلك فإن السعي للواقعية مشروع، لأنه بالأساس مرتبط بمغامرة الفنان.

على خطى زميله الموسوعي (هنري بوانكاريه) وجزمه : “أن تخلق يعني أن تختار” و تأكيدًا لقناعة (أورسولا لي جوين): “لن نكون أحرارًا إن لم نتخيل الحرية” يجادل (كامو) حول مسؤولية الفنان لتخيل بدائل أسمى وأرفع للوضع الراهن، للنظام، للواقع الحاضر:

لا يُمكن إعادة إنتاج الواقع دون ممارسة الاصطفاء… ولذا فإن الشيء الوحيد الضروري هو إيجاد مبدأ للاختيار سيمنح العالم شكلًا. ومبدأ كهذا موجود لا في الواقع الذي نعرفه لكن في الواقع الذي سيكون ببساطة المستقبل. ولإعادة الإنتاج كما ينبغي على الواحد أن يصور أيضًا ما سيكون.

[…] يختار الفنان هدفه بقدر ما يختاره هدفه. إن الفن بمعنى من معانيه هو التمرد على كل ما هو عابر وغير مكتمل في العالم. وبالتالي فإن هدفه الوحيد هو منح الواقع شكلًا آخر مع أنه غير مضطر لحفظه كمصدر لشعوره. وفي هذا الصدد جميعنا واقعيون ولا أحد منا كذلك. فالفن ليس رفضًا كاملًا ولا قبولًا تامًا لما هو عليه، إنه قبول ورفض في آن واحد، ولذلك يجب أن يكون ألمًا منفصلًا ومتجددًا على الدوام. ويعيش الفنان دومًا في حالة من الغموض، غير قادرٍ على نفي الواقع وإنكاره ومع ذلك مقيد إلى الأبد بالسؤال في جوانب أبديته غير المكتملة.

[…] سيكون العمل الأسمى دومًا هو العمل الذي يصم توازنًا بين الواقع ورفص الواحد لهذا الواقع، كل منهما يرغم الآخر على أن يطغى عليه في تدفق دؤوب، والتي هي ميزة الحياة أصلًا في أقصى حالاتها الأكثر إبهاجًا وفطرًا للقلوب. ثم وبين الفينة والأخرى يظهر عالم جديد مختلفٌ عن العالم اليومي ومع ذلك يشابهه، خاصٌ ولكن عالمي، طافحٌ بالأبرياء منعدمي الأمان مُستحدثٌ وجودهم لساعات قليلة بقوة العبقرية و حنينها. إنه كذلك وليس كذلك أيضًا هذا العالم لا شيء وهو كل شيء أيضًا، وهذا هو أيضًا تناقض كل فنان حقيقي وصرخته الدؤوبة، الصرخة التي تبقيه واقفًا على قدميه بعنين مفتوحتين و بيقظة بين الفينة والأخرى عن كل هؤلاء الغافلين عن الزوال في هذا العالم ومصرين على الصورة التي نسلم بها عن العالم دون حتى معرفته.

إن هذا التعرض بين الحاضر والمستقبل، بين ما هو كائن وبين ما يمكن أن يكون، بين المعاناة وبين تجاوز المعاناة هو التربة الخصبة للفن يكتب (كامو) فيقول:

لا يقدر الفنان على أن يشيح بنظره عن زمانه ولا أن يغوص فيه.. والرسول -دينيًا كان أو سياسيًا- يمكن أن يحكم حتمًا ولن يتورع عن ذلك كما هو معروف، لكن الفنان لا يقدر على ذلك. فإذا حكم حكمًا حتميًا سيقسم الواقع تعسفًا إلى خير وشر ومن ثم سينغمس في الميلودراما. والفن على النقيض من ذلك لا لسن التشريعات أو ليسود بسمو ولكنه للفهم قبل كل شيء، و أحيانًا يسود بسمو كنتيجة للفهم. ولكن لم يبنَ أي عمل عبقري أبدًا على الكراهية والازدراء. ولذلك فالفنان في نهاية تقدمه البطيء يغفر بدلًا من أن يدين، وبدلًا من كونه حكمًا هو مبررٌ. ودفاعه ودعوته الأزلية هي عن المخلوق الحي لأنه حي.

[…] ربما تكمن عظمة الفن في التعارض بين الجمال والألم، حب البشر و جنون الخلق، العزلة التي لا تُحتمل و الوجود المرهق بين الجموع، بين الرفض و الموافقة… على الحافة التي يسير الفنان فيها متقدمًا كل خطوة من خطواته هي مغامرة، مخاطرة شديدة. ولكن وفي تلك المخاطرة وتحديدًا في تلك المخاطرة تكمن حرية الفن.

قبل ست سنوات من تأكيد (جون كيندي) في واحد من أعظم الخطابات على أن الفنان هو صوت المجتمع الأولي لمقاومة الظلم يضيف (كامو):

حاولتُ تعريف الفن بمقتضى جوهره الحر وتوحيده حيث ينتشر الاستبداد. وبالتالي ليس مفاجئٍ أن على الفن أن يكون العدو المحدد بكل شكلٍ من أشكال القمع. ولا غرابة أنه على الفنانين والمثقفين ان يكونوا الضحية الأولى للاستبداد الحديث … يعرف الاستبداد أن في العمل الفني قوة تحريرية غامضة فقط لأولئك الذين لا يقدسونها. كل عمل عظيم يجعل وجه الإنسان أكثر تقديرًا وأغنى وهذا هو سره الكامل. ولا تكفي آلاف معسكرات الاعتقال و لا الزنازين على إخفاء شهادات الكرامة المذهلة. ولذلك ليس صحيحًا أنه يمكن اعتقال وتوقيف الثقافة ولو مؤقتًا لإفساح المجال لأخرى جديدة… لا وجود لثقافة دون إرث مهما ستكون أعمال المستقبل لأنها ستحمل كلها نفس السر: مكونة من الشجاعة والحرية، متغذية على جرأة وجسارة آلاف الفنانين من كل الأزمنة وكل الدول.


[المصدر]

الحب عند حنة أردنت وكيفية العيش بخوف متأصل من الخسارة

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

“أحب لكن حذارِ مما ستحبه” كانت هذه النصيحة التي كتبها الفيلسوف الروماني الأفريقي القديس (أوغسطينوس) في السنوات الأخيرة من القرن الرابع. وإذا نظرنا للأمر بعمق فإننا ما نحب -نصبح هو بقدر ما يصبح هو نحن، فهو يستدعي عددًا من بواعثنا الواعية واللاواعية من شوقٍ ويأسٍ ورغبةٍ منقوشة فينا. ولكن يظل هناك تناقضٌ عميقٌ يشوب هذا النداء للتفكير بهذا المفهوم لكوننا نمارس الحذر والحيطة في الحب- لتحب يعني أن تعرف حدود اللاعقلانية التي تهوي وتنزلق حتى من بين يدي أصلب العقول وأعندها حين يمسك القلب بزمام الأمور بتلك اللامبالاة اللذيذة التي هي صفته.

كانت فكرة كيفية إتباع نصيحة (أوغسطينوس) لا بالخضوع بل بفهم أعمق لتجربتنا في الحب هو ما بحثت فيه (حنة أردنت) في عمله الأقل شهرة ولكن الأجمل (الحب والقديس أوغسطينوس)، وهي أول مخطوطة بحجم كتاب لـ(حنة أردنت) وآخر ما نُشر بالإنجليزية، والذي أنقذته العالمة السياسية (جوانّا فيكشيارلي سكوت) والفيلسوفة (جوديث شيلس ستارك) من أوراقها بعد وفاتها.

يتضح أنها و بعد نصف قرن من كتابتها لهذا العمل كأطروحة لدرجة الدكتوراة سنة 1929 -في الوقت الذي سيصبح فيه هذا العقل حواريّ المنطق والذي سيصبح أحد أعمق عقول القرن العشرين التحليلية والتي كان أثناءها تؤلف رسائلها المتقدة المتبادلة مع (مارتن هيدجر)- راجعت المخطوط و شرحته. وعلى النقيض من تخلي (أوغسطينوس) عن أفكاره الفلسفية شحذت (أردنت) جوهر فلسفتها وعلى رأسها القطيعة المقلقة التي رأتها بين الفلسفة والسياسة كما يتجلى ذلك في ظهور أيدولوجيات من قبيل الشمولية والتي بحثت فيها بجهود واضحة لا تخفى. وكانت استعارت من (أوغسطينوس) العبارة “ amor mundiأي حب العالم والتي ستصبح سمة مميزة لفلسفتها. يأسرها سؤال لِم نخضع للشر و نطبعه حددت (حنة) جذور الطغيان بأنها فعل تحويل البشر الآخرين لكائنات لا أهمية لها، ومرارًا وتكرارًا رجعت إلى ترياق (أوغسطينوس): الحب.

لكن بينما كان مفهوم حب الجوار القديم والذي كان ملهمًا لـ(لوثر كنج) محور اهتمام (حنة) الفلسفي الأساسي وسبب اهتمامها بـ(أوغسطينوس) فإن أهمية السياسية لا تنفصل عن النبع الأعمق الذي لا بنضب للحب: الحب الشخصي. فكل الحكمة السياسية والفلسفية التي استقتها من أفكاره كانت (اعترافات أوغسطينوس) فيها يحركها تجربته الشخصية في الحب- القوة الأبدية التي تحكم الشمس والقمر ونجوم حيواتنا الداخلية- والتي انعكست ودونت في بنيتنا الثقافية والإجتماعية.

واضعة نصب عينيها تصور (أوغسطينوس) عن الحب كـ “نوعٍ من الشهوة” (appetitus) وهي الكلمة اللاتينية التي اُشتقت منها كلمة شهية، وتأكيده على “أن الحب ما هو إلا اشتهاءٌ لشيء لذاته ورغبة به” اعتبرت حنة هذه الرغبة الموجهة بدافع حبًا:

“كل شهوة مرتبطة بكيان محدد، وهذا الكيان هو كل ما مطلوب لإثارة هذه الرغبة وبالتالي ابتكار هدفٍ لها. إن الشهوة تتحدد بإعطائها ما تسعى إليه بالضبط كحركة يحددها الهدف الذي تتحرك باتجاهه”. لذا فالحب كما كتب (أوغسطينوس) “شكلٌ من أشكال الحركة وكل حركة هي باتجاه شيءٍ ما”. أما ما يحدد حركة الرغبة فهو معروف دومًا مُسبقًا، فرغبتنا بشيء تهدف إلى عالمٍ نعرفه و لا تكتشف شيئًا جديدًا لا نعرفه. إن الشيء الذي نعرفه ونرغب به هو “جيد” وإلا لما كنّا نسعى إليه شوقًا، كل الأشياء الحسنة التي نرغب بها في حبنا الذي نسعى إليه هي كيانات مستقلة غير مرتبطة بكيانات أخرى، وكل كيان منها لا يمثل إلا حسنه هو المنفرد. أما السمة التي تميز هذا الشيء الحسن الذي نرغب به هي أننا لا نملكه. ومتى ما نلنا هذا المرغوب تنضب رغبتنا ما لم نكن مهددين بفقده، وحينها تتحول الرغبة التي كانت تعترينا إلى خوف من الفقد. كمسعى للحصول على ذلك الشيء الحسن تحديدًا لا الحصول على أشياء كثيرة عشوائيًا تكون الرغبة خليطًا بين “استهداف” و“الإشارة إلى”. إنها الإشارة إلى الفرد الذي يعرف خير العالم وشره ويسعى إلى العيش بسعادة، ذلك لأننا نعرف السعادة التي نريدها لنكون سعداء، ونظرًا لأنه لا شيء مؤكد وثابت كرغبتنا بأن نكون سعداء فإن مفهومنا للسعادة يرشدنا في تحديد الأشياء الحسنة المعنية التي ستصبح بعدها رغباتنا. الشهوة أو الحب هو إمكانية الظفر بامتلاك الإنسان للحسن الذي سيجعله سعيدًا، هو الظفر بحيازة ما هو على الأرجح يخصه.

لهذا السبب يبدو الحب الكريم غير المتملك -الحب الذي لا يُنقصه الفشل ببلوغ الحسين الذي يرغب به- كإنجاز لا يقدر عليه إلا إنسان خارق. (“إذا لم تكن العاطفة متساوية/ فلأكن أنا الأكثر حبًا” كان هذا ما كتبه صديقه الطيب لـ(حنة) وأشد معجبيها (ويستن هيو أودن) في قصيدته السامية الموجهة “انتصار قلب الإنسان الخارق” لكن الحب المبني على التملك تحذر (حنة) من تحوله إلى خوفٍ حتمي، الخوف من خسارة ما كسبت. بعد ألفي سنة من تقديم (إبكتيتوس) وصفته لعلاج القلب المكسور قبولٍ لفكرة أن كل الأشياء فانية وكذلك الحب الذي يجب التمسك به بأصابع الانفصال الطليقة كتبت (حنة) -التي لاحظت دين (أوغسطينوس) للفلسفة الرُّواقية- تقول:

طالما أننا نرغب بأشياء زائلة لزمن طويل نحن مهددون دومًا، ويماثل خوفنا هذا من الخسارة والفقد رغبتنا بالامتلاك. تنبع الأشياء الحسنة المؤقتة و تهلك منفصلةً عن ذلك المربوط بها برغبته. مقيدين دومًا بالرغبة والخوف من مستقبل تملؤه الشكوك نجرد كل لحظة من لحظات المستقبل من سكينتها وقيمتها الجوهرية تلك التي لا نقدر على الاستمتاع بها. وهكذا يدمر المستقبل الحاضر.  

أضافت (حنة) بعد نصف قرن من تحذير (تولستوي) بأن “الحب في المستقبل غير موجود لأن الحب فعل حاضر فقط“:

ليس الحاضر محددًا بالمستقبل على هذا الأساس.. ولكن بسبب أحداث معينة نتمناها أو نخاف المستقبل بسببها، والتي تبعًا لها نشتهي ونسعى، أو نتحاشى ونتجنب. تتمثل السعادة في التملك، في حيازة الحسن الذي يخصنا والاحتفاظ به، بل وحتى في الثقة بعد خسارته وفقده. لكن سعادة الامتلاك بالنسبة لـ(أوغسطينوس) لا يناقضها الحون ولكن الخوف من الفقد. إن مشكلة سعادة البشر أنها مثقلة دومًا، ليست المشكلة في انعدام الامتلاك بل سلامة الامتلاك واستمراريتها هي التي على المحك.

والموت طبعًا هو الخسارة العظمى – في الحب وكذلك في الحياة- و هو لذلك العنصر الأقوى في مستقبلنا الذي يحكمه الفزع. ورغم ذلك فإن الهرب من الحضور من بوابة القلق -الذي هو ربما الداء الأكثر عرضة للإصابة به- هو ذاته موت على قيد الحياة عن ذلك كتبت (حنة):

خوفًا من الموت يعيش هؤلاء حياة الخوف، حياة مآلها الموت.. المزاج الذي تُعرف فيه الحياة وتصور على أنها قلق، وحينها يصبح موضع الخوف خوفًا بذاته. وحتى لو علينا أن نفترض عدم وجود ما يتطلب خوفنا، وأن الموت ليس شريرًا، ستظل فكرة الخوف من أن كل الأشياء ستتلاشى وتفنى.

وبعيدًا عن هذه الخلفية السلبية تشكل (أردنت) وتمثل شكل هدف الحب الأسمة حسب (أوغسطينوس):

إن الجسارة والشجاعة هي ما سعى إليه الحب. فالحب كرغبة يحدده هدفه وغرضه، وهذا الهدف متحررٌ من الخوف.

وعن العاطفة توضح الآلية الجوهرية التي يخدع فيها الإحباط الرضى (المؤقت) في الحب الرومنسي تضيف:

الحب الذي يسعى إلى أي شيء آمن ومتاح على الأرض دومًا ما يكون حبًا محبطًا يتحول ويصبح هدفه وغرضه باطلًا، وحينها لا يعود أي شيء مرغوبًا سوى الحرية من الخوف. وشجاعة كهذه لا توجد إلا في السكينة التامة التي لا تعود أحداث المستقبل قادرة على زعزعتها.

إذا كان الحاضر – طارد التوقعات- شرطًا أساسيًا لتجربة حب حقيقة، فإن الزمن هو العنصر الأساسي الهيكلي للحب. بعد قرابة نصف قرن وبعد ما أصبحت أول امرأة تتحدث في محاضرات (جيفورد) الشهيرة في الذكرى الخامسة والثمانين للسلسلة، ستجعل أردنت هذا المفهوم عن الزمن كانطلاقة للأنا المفكرة محورًا لمحاضرتها الهامة حياة العقل. والآن وبالاقتباس من كتابات (أوغسطينوس) تأخذ بعين الاعتبار مفارقة الحب خارج حدود الزمن للمخلوقات الزائلة مثلنا:

حتى لو كان يفترض بالأشياء ألا تزول فإن حياة الإنسان ليست كذلك. نحنُ نخسرها يوميًا. فبعيشنا تمرنا السنون وتبلينا نحو العدم. ويبدو أن الحاضر هو الحقيقي فقط بالنسبة “لأشياء مضت وأشياء لن تأتي“، ولكن كيف يمكن للحاضر -الذي لا أقدر على قياسه- أن يكون حقيقيًا وهو لا يملك أي “حيزًا”؟ إن الحياة دومًا هي إما لا مزيد أو ليس بعد، وكالزمن تنبع الحياة من “ما ليس بعد مارةً بما لا يملك حيزًا ومختفية في ما عاد موجودًا“. هل يمكن قول أن الحياة موجودة أصلًا؟ تظل حقيقة أن الإنسان يقيس الزمن، ربما يتملك “الحيز” حيث يمكن حفظ الزمن كفاية لقياسه وليس هذا “الحيز” والذي يحمله الإنسان معه متخطيًا الحياة والزمن؟

يوجد الزمن بقدر ما يُمكن قياسه والمعيار الذي نقيسه به هو الحيز.

بالنسبة لـ(أوغسطينوس) كما لاحظت الذاكرة هي الحيز الذي يُقاس فيه الزمن ويخبأ:

الذاكرة هي مستودع الزمن، هي حضور “لا أكثر من ذلك” كاستثناء لحضور “ليس بعد”. لذلك لا أقيس لا أكثر من ذلك، ولكني بعض الأحيان أفعل ذلك في ذاكرتي التي يظل ثابتًا فيها. لا يوجد الزمن أبدًا إلا باستدعاء الماضي والمستقبل إلى حاضر التذكر والتوقع. و من ثم فالزمن الصحيح الوحيد هو الحاضر، الآن.

أحد أهم الثيمات التي بحثت فيها خلال الاكتشاف هو سؤال الزوال هذا حتى لأكثر تجاربنا خصوبةً. كتبت (مارجريت فولِّر) -إحدى كتابي المفضلين- مرةً: “اتحاد طبيعتين معًا لزمنٍ أمر عظيم“. هل علينا أن نيأس أو نبتهج بخصوص حقيقة أن حتى أعظم حب يوجد فقط “لزمن”؟ إن ميزان الزمن مرن، ينكمش ويتمدد بعمق و جسامة كل حب، لكن له دومًا نهاية وحدود كالكتب، كالحيوات، كالكون نفسه. إن نصر انتصار الحب هو في الشجاعة والنزاهة التي نُسكن فيها التجربة الفائقة الزائلة التي تجمع شخصين لمدة من الزمن قبل أن تحررهم بنسبة متساوية من الشجاعة والنزاهة. غلب تعجب فولِّر من رؤية لوحات كورديجو لأول مرة على الجمال الذي عرفته قبلًا، الجمال الذي يشع حقيقة ضخمة عن قلب الإنسان: “يا روح الحب الحلوة! عليّ أن أقلق منك أيضًا لكنها كانت جميلة ذاك اليوم“.

حددت (أردنت) مكان هذه الحقيقية الجوهرية عن القلب في كتابات (أوغسطينوس). فبعد قرن من تأكيد (كيركغورد) أن “أن اللحظة على الأرجح ليست ذرة من الزمن ولكنها ذرة من الخلود” لاحظت:

الآن هو ما يقيس الزمن جيئةً وذهابًا؛لأن الآن بالمعنى الدقيق لكلمة ليس الزمن ولكنه خارج الزمان. في الآن يتقابل الماضي والحاضر، لأجل لحظة عابرة هما متزامنين ليحفظا في الذاكرة التي تتذكر الأشياء الماضية وتحمل توقعات ما سيأتي مستقبلًا. لأجل لحظة عابرة (الآن الزائل) كأنما يبقى الزمن ثابتًا، و الآن هو ما أصبح نموذج (أوغسطينوس) للأبدية.

و(أوغسطينوس) نفسه رصد هذا الزوال المهم:

من سيمسك القلب و يعالجه ليبقى ثابتًا لبرهة ويلتقط للحظة روعة الأبدية التي تبقى ثابتة للأبد، ويقارنها باللحظات العابرة الزائلة التي لا تثبت ولا تبقى، ويرى أنها لا تُقارن.. لكن و لأن كل هذا في الأبدية لا شيء يمضي ولا يمر لكن الحاضر هو الكامل.

اتجهت (أردنت) إلى قلب المفارقة:

ما يمنع الإنسان من “العيش” في الحاضر الأزلي هو الحياة نفسها والتي لا “تثبت” إطلاقًا. الشيء الحسن الذي يشتهيه الحب ويرغب به موجود بعيدًا عن كل الرغبات المجردة. فإذا كان محض سؤالٍ وبحثٍ عن الرغبة فإن كل الرغبات ستنتهي بالخوف. ولأن أي شيء يواجه الحياة من الخارج كيكان لما يرغب به هو ما يُسعى إليه لأجل الحياة (الحياة التي سنفقدها) فإن الكيان والشيء الأقصى الذي نرغب به هو الحياة ذاتها. الحياة هي الشيء الحسن الذي علينا أن نسعى إليه وتحديدًا الحياة الحقيقية.

ثم تعود إلى الرغبة التي تأخذنا في الوقت نفسه خارج الحياة و تغرقنا فيها:

تتوسط الرغبة بين الموضوع والهدف وتبيد المسافة بينهما بتحويل الموضوع إلى حبيب والهدف إلى محب. وبالنسبة للحبيب فهو لا ينفصل أبدًا عن ما يحبه، هو ينتمي له.. لكون الإنسان كائن غير مكتفٍ بذاته ولذلك دومًا ما يرغب بشيء خارج نفسه، وسؤال من هو يمكن إجابته فقط بالحصول على ما يرغب به وليس بكبت دوافع الرغبة نفسها -كما تعتقد الفلسفة الرُّواقية -: “كل أحد هو ما يحب” كما كتب (أوغسطينوس) بدقيق العبارة: من لا يحب ولا يرغب هو لا أحد إطلاقًا.

هذا الشخص لا يمكن تحديد جوهره؛ لأنه دومًا يرغب بالانتماء لشيء خارج نفسه ويتغير تبعًا لذلك… وإذا ما أمكن قول أن له طبيعة واحدة جوهرية فهي انعدام اكتفائه الذاتي. وبالتالي فهو منقاد للهرب من عزلته بوسائل الحب لبلوغ السعادة، التي هي نقيض الوحدة والعزلة، وما هو مطلوب أكثر من الانتماء المحض. لا تحقق السعادة إلا عندما يصبح المحبوب عنصرًا أصيلًا دائمًا في وجود الواحد الذاتي.


[المصدر]


		

عن قوة الموسيقى عند كافكا وهدف الفن

كافكا

فإن أقوى العواطف و أكثرها عمقًا هي القدرة على التمتع بالعقلانية.

“بدون الموسيقى كانت الحياة لتكون غلطة” كما صرح (نيتشه)، أحد المُفكرين القدماء المشهورين و الذي كان في تأملاته نصيب لقوة الموسيقى الفريدة. و بعد جيلين لاحقين التفت (فرانز كافكا) (1883-1924)، و هو كاتب آخر سوداوي عبقري و موهوب بالتنوير بتصريحات شديدة السوداوية، إلى هذا الموضوع خلال محادثاته الجوالة مع رفيق مراهقته و المُحاور الفكري (غوستاف جانوش) والمجموعة في كتابه المعنون بـ(حوارات مع كافكا)، الذي أعطانا نظرة عن رأي الكاتب المكتئب حول الطاوية، المظهر مقابل الواقعية، والحب وقوة الصبر.

خلال إحدى جولات صيف سنة 1922 تحولت دفة الحوار إلى الموسيقى، و هو التخصص الذي أراد (غوستاف) ذو السبع عشرة عامًا بشغف شديد أن يدرسه إلا أن والده حرم عليه هذا المسعى. أخبر (كافكا) رفيقه الشاب:

إن الموسيقى هي صوت الروح،صوت العالم الذاتي المباشر.

في محادثة في أعقاب هذه حين شارك (غوستاف) مرشده قصة قصيرة كتبها بعنوان موسيقى الصمت علق (كافكا) بإسهاب عن كيف تسكب الموسيقى سحرها و فتنتها على الروح:

كل ما هو حي هو في تبدل و تدفق،و يصدر صوتًا و لكننا لا نحتفظ إلا بجزء منها. فنحن لا نسمع تدفق الدم و دورانه، و لا تزايد التلف في أنسجة أجسامنا،و لا صوت عملياتنا الكيميائية، و لكن خلايا أعضائنا الرقيقة، ألياف أدمغتنا و أعصابنا و بشرتنا مُشربة في هذه الأصوات الخافتة، فهي تهتز استجابةً لبيئتها. هذا هو أساس قوة الموسيقى، حيث يمكننا أن نحرر هذه الاهتزازت الشعورية العميقة، و لتنفيذ ذلك نوظيف الآلات الموسيقية ليكون العامل الحاسم هو أصواتها المحتملة الداخلية. بعبارة أخرى: ما هو حاسم ليس قوة الصوت أو اللون الإيقاعي و لكن الميزة الخفية، الحدة التي بها تؤثر القوة الموسيقية على الأعصاب. يجب على الموسيقى أن ترتقي إلى اهتزازت وعي الانسان و إلا ستكون خافتة و  غير محسوسة. اجلب الصمت إلى الحياة، اكشف الغطاء عن الصوت المخفي للصمت.

في محادثة أخرى تناول (كافكا) التشابه والاختلاف بين الموسيقى والشعر، قال (كافكا) مخاطبًا (غوستاف):

تخلق الموسيقى متعةً جديدة غير ملحوظة و أكثر تعقيدًا بل و أكثر خطرًا، لكن الشعر  يهدف إلى تصنيف جموح المتع بمنحها صفة العقلانية و الثقافية،بتنقيتاه و بتحوليها إلى شيء انساني. إن الموسيقى تُضاعف شهوات الحياة بينما الشعر من ناحية أخرى يهذبها و يسمو بها.

بالرغم من ذلك فقد كان (كافكا) رشيقًا في محاولة حماية نفسه من سطوة الموسيقى:

إن الموسيقى بالنسبة لي تُشبه إلى حد ما البحر .. فأنا في حضورها مهزوم، يراودني شعور بالهيبة المفاجئة،مسحور و مفتون، و لني بالرغم من ذلك خائف، خائف بشدة من بلوغها النهاية. في الحقيقة أنا بحار سيء.

تبقى جسامة شعور (كافكا) بالإنغمار، ربما المقياس الوحيد المباشر لشدة حبه، فقد كتب مرة في أحد رسائله الجميلة و الموجعة للقلب: “لا أريد أن أعرف ما تلبسينه”، “يشتتني كثيرًا أنني لا أجيد التعاطي مع الحياة”.

عندما انتحب (غوستاف) على احتجاج والده واعتراضه على الموسيقى وتسائل إذا ما كان امتلاكه لعقله الخاص يمنحه الحق لعصيان رغبات والده و ملاحقة شغفه بدلًا عن ذلك، وسع (كافكا) تساؤله إلى تأمل أعمق عن السبب الذي يدفع الفنانين لصناعة فنهم:

إن استخدام الواحد لعقله هو عادةً الطريقة الأسهل لخسارته، طبعًا لا أعني بهذا دراستك للموسيقى أو أنني أعارضها. بالمقابل فإن أقوى العواطف و أكثرها عمقًا هي القدرة على التمتع بالعقلانية. هناك شغف يدفع كل فن، ولذلك فأنت تجاد و تعاني لأجل الموسيقى و لكن الأمر يسير هكذا دومًا في الفنون، يجب على الشخص أن يُلقي بحياته ليكسبها.

في محادثة أخرى تطرق مرة أخرى للموضوع و شبه التضحيات التي تُقدم في الفنون بتلك التي تُقدم في العبادة الدينية.  في إحدى الأفكار الوجدانية التي تُذكر بتأكيد (سيمون فايل) الثابت: “الإنصات و الاهتمام هو أشد أشكال الكرم نقاوةً و ندرةً و التمتع بأعلى درجاته يشابه الصلاة”، وما الفن إن لم يكن أعلى درجات الكرم؟ يقول (كافكا) لـ(غوستاف):

الصلاة و الفن هي أعمال شغوفة تتعلق بالقدرة،فالواحد يرغب بتخطي هذه القدرة و تحسين احتمالاتها العادية. يُماثل الفن الصلاة فكلاهما كيد ممتدة في الظلام باحثةً عن لمسة من الرحمة لتتحول إلى يدٍ تمنح الهدايا. تعني الصلاة أن يذيب الواحد ذاته في قوس قزح الأعجوبي الممتد بين التكون و الموت، ليستهلكها فيه لجلب بريقه اللانهائي و ألقه إلى سرير الواحد في أرجوحة وجوده الذاتي الواهن.


[المصدر]

معاني الفن، عند فريدا كاهلو

Frida Kahlo

بعد مرور أكثر من قرن على تساؤل (غوته) النظري حول الأشكال العاطفية للألوان تأملت (فريدا كاهلو) (1907-1954) في هذا التساؤل من ناحية بديهية أكثر في شذرات من مذكراتها المعنونة بـ(مذكرات فريدا كاهلو: بورتريه حميمي)، و هو الكنز الذي كشف لنا عن وصفة الفنانة المكسيكية الأسطورة للأعمال اليدوية الفنية، حوارتها السياسية الشرسة، ورسائل حبها المكتوبة بخط اليد الموجهة إلى (دييغو ريفيرا).

في بداية مذكراتها نحتت (فريدا) الشابة جدولًا غنائيًا من التأمل الواعي حول رمزية الألوان المختلفة ملهمها في ذلك تشكيلة من الأقلام الملونة الموضوعة على مكتبها، مُلتقطةً واحدًا تلو الآخر “مددبة حتى نقطة اللانهائية”، و قد دونت تلك الرابطة الرمزية بين اللون و القلم تباعًا في صفحة دفترها.

سأجرب هذه الأقلام،

المدببة حتى نقطة اللانهائية.

و التي دومًا ما تتطلع إلى الأمام:

الأخضر؛ ضوء جيد دافىء.

الأرجواني؛ الأزتكي،

دم الصبير،

الأطول عمرًا و الأشد إشراقًا.

البُني: لون الشامة،

لون الأوراق تندمج مع الأرض.

الأصفر: الجنون، المرض، الخوف،

جزء من الشمس و السعادة.

الأزرق: الحب النقي و الكهربائي.

الأسود: لا شيء أسود، لا شيء بحق.

الزيتوني: الأوراق،الحزن، العلم، كل ألمانيا هي هذا اللون.

الأصفر: أكثر جنونًا و غموضًا،

ترتديه كل الأشباح،

كملابسها أو،

على الأقل ملابس تحتية.

الأزرق القاتم: لون الإعلانات السيئة،

و الأعمال الجيدة.

الأزرق: المسافة، الرقة،

هل يمكن أن يكون أيضًا هذا الدم الأزرق؟

 

 


[المصدر]

كيف تحفز نفسك للنهوض من سريرك وتتوجه إلى العمل

Prisoners-9420081718850

إذا صممنا أماكن العمل بطريقة تسمح للأشخاص بالوصول إلى معنى في أعمالهم، فإننا سنصنع طبيعة بشرية تقدر العمل ومنحه قيمته، هذا ماكتبه عالم النفس (بيري شوارتز) في تحقيقه المعنون بـ(ما الذي يحفزنا للعمل). ولكن الطبيعة البشرية نفسها ما هي إلا طبيعة بهيمية مزاجية. وجود أصغر عذر سيوقف الشخص عن العمل على الإطلاق“، هذا ما أسف عليه (جون ستينبيك) في مذكراته عن العملية الإبداعية و عن جهاده وكدحه في كتابة الرواية التي لم تلبث إلا وأوصلته إلى نيل جائزة بولتيزر، كما أصبحت حجر الأساس في ربحه لجائزة نوبل بعد عقدين. من المؤكد أن للعمل معنى مختلف تمام الإختلاف في العمق عند الفنان عن ما يعنيه لذلك الشخص المجبور على العمل في مكان عمل لمدة تترواح بين التسع والخمس سنوات،بالرغم من كون هؤلاء محظوظين بما فيه الكفاية حيث يدفعهم شعور عميق بهدف النداء الداخلي للعمل الذي يؤكد أن مهنهم ومعاشهم يمكن أن تخضع لفترة موسمية أو ربما حتى متكررة من الشلل المتعلق باحتمالية وجود يوم عمل آخر.

إذًا كيف يمكننا أن نتصرف في مثل هذه الأيام عندما نفشل ببساطة بإيجاد حافز يدفعنا للنهوض من أسرتنا؟

منذ حوالي ألفين عام و في عصر كان معظم الأشخاص يعملون في مهن ليست مصدرًا للأهداف أو المعنى سوى كونها معنى أساسيًا للرزق المُكتسب من عمل صعب، قدم الإمبراطور الروماني العظيم والفيلسوف الرواقي ماركوس أوريليوس جوابًا ثابتًا في مذكراته الأولية التي كانت ترافقه المعروفة بـ(التأملات)، تلك المفعمة بحكم ثابتة في مواضيع مثل: كيف يمكن أن نبدأ كل يوم بسلامة عقلية متفائلة و مفتاح عيش الحياة بكل ما للكلمة من معنى.

الإمبراطور الروماني السادس عشر ماركوس اوريليوس انطونيوس (١٢١-١٨٠)، حكم الإمبراطورية الرومانية بين الأعوام ١٦١م حتى ١٨٠م، إلا أن شهرته كفيلسوف فاقت شهرته كإمبراطور يحكم امبراطورية مترامية الأطراف. عُرف (اوريليوس) رجلا وفيلسوفا دمثا وودودا، ومع أن منهجه الفلسفي وسم قناعاته التي مالت نحو التسامح والتعاطف، إلا أن واجباته كإمبراطور قادته لطريق مغاير مال نحو الحزم والشدة. بهذا يمثل (اوريليوس) مفارقة الفيلسوف-الملك الذي يطبق القانون ويدير النظام، لكنه في الوقت ذاته يرنو نحو نظرة كونية للعالم تستصغر البلابل السياسية التافهة.

كتب (أوريليوس):

عند بزوغ الشمس وعندما تواجه صعوبة في النهوض من السرير أخبر نفسك: يجب علي أن أذهب على العمل ككائن بشري. لماذا يجب علي أن أتبرم شاكيًا إذا كنت سأتبع ما ولدت لأجله، الأشياء التي وُجدت في هذا العالم لأجلها؟ أم أنني خُلقت لهذا؟ التكوم تحت البطانية والإبقاء على الشعور بالدفىء؟

ولطبيعة العقل المحتجة بكون التكوم تحت البطانية هو ببساطة ألطف يرد (أوريليوس) بحجة معاكسة:

إذًا هل ولدنا لنشعر بـ“ما هو لطيف؟” عوضًا عن فعل الأشياء وتجربتها؟ ألا ترى النباتات، الطيور، النمل والعناكب والنحل متجهة إلى مهامها الشخصية لتجعل العالم منتظمًا قد ما تستطيع؟ وأنت غير قادر على تأدية عملك ككائن بشري؟ لماذا لا تركض لتلبية حاجاتك الطبيعية؟

كما يؤكد على أن طبيعتنا هي عيش حياة الخدمة في مساعدة الآخرين والمساهمة في العالم،وأي مقاومة لهذا الغرض الفطري ما هو إلا معارضة لطبيعتنا وفشل في حبنا لذواتنا. كتب أيضًا:

أنت لن تحب نفسك كفاية ما لم تحب طبيعتك أيضًا وما تطلبه منك.

قبل قرون عديدة من تعريف علماء النفس لتجربة “التيار” في العمل الإبداعي،أخذ (ماركوس) بعين الاعتبار الميزة الأساسية للأشخاص الذين يحبون ما يعملون:

عندما يتملكهم شغف ما يقومون به فعلًا  فإنهم سيفضلون الامتناع عن الأكل والنوم عن التوقف عن ممارسة فنونهم.

هل مساعدة الآخرين أقل قيمة ونفع لك؟ لا يستحق الأمر مجهودك؟

يعاود الحديث عن هذا الأمر في إحدى تأملاته الأخرى فيقول:

عندما تواجه صعوبة في النهوض من سريرك في الصباح تذكر ميزتك الشخصية،ما عرف هويتك ككائن بشري إنه العمل مع الآخرين، حتى الحيوانات تعرف كيف تنام، إنه النشاط المميز الأكثر طبيعية والأكثر قربًا من الفطرة والأكثر منحًا للشعور بالرضا.


[المصدر]