أرشيف الكاتب

كيركيجارد: لم يعزّز القلق الإبداع عوضاً عن أن يَعوقه

القلق أعظم قاتلٍ للحبتلك المقولة الشهيرة للكاتبة (أنييس نين). لكن أي شيء هو القلق؟ ماكنهُ تلك المحنة المتفشية والتي لا تزال ذات طبيعة غامضة و متملّصة وكأنما هي جوهر الظلّ؟ ذلك مايفسّره الفيلسوف الدنماركي (سورين كيركيجارد(1813 – 1855م) في كتابة (The Concept of Anxiety) على أنه الدُّوَار الناتج عن كلّ من: الحريّة، تعدّد الإمكانيات الذي يَجبه المرء بالشلل، و كينونة الإنسان اللامحدوده، أي أنه بمعنى ما نوعٌ وجودي من مفارقة حريّة الإختيار. فيقول:

القلق هو مؤهل الروح الحالمة، وبهذه الحيثية يتبوأ مكانه من علم النفس الإنساني. ففي حال اليقظة الفرق بيني وبين الآخرين مُفترض؛ وهو يرتفع أثناء النوم؛ أما في الحلم فلا وجود له. و حقيقة الروح تُجليّ نفسها باستمرار في هيئة تشكّل مُغرٍ بإمكانية تحقّقه بيد أنه يتلاشى بمجرد محاولة إلتقافه، وهذا خواء لايجلب سوى القلق. ولا يستطيع أكثر من ذلك طالما استمرّ بالكاد يظهر. و القلق مختلفٌ تماما عن الخوف والمفاهيم المشابهة التي تحيل إلى أشياء معيّنة، في حين أنه جوهر الحرية كونها إمكانية الإمكانيات.

[…]

نستطيع مقارنة القلق بالدوار. فالمرء الذي ينظر إلى أعماق الهاوية مستشرفاً الفراغ الرهيب يُصاب بالدوار. ولكن مالسبب؟ باعث ذلك كامن في عينيه بقدر ماهو في الهاوية، و حسبنا أن نفترض أنه لم ينظر إلى الأسفل. وبالتالي فإن القلق هو الدوار الناتج عن الحرية و الذي يظهر حين تتطلع الروح إلى افترض التوليفات المختلفة، وتنظر الحرية إلى الأسفل حيث امكانياتها بينما هي متمسكةً بالحدود لتسند نفسها. ثم تستسلم الحريّة للدوار. إلى هنا يقف علم النفس، فلا يمكنهولن يمكنهأن يتجاوز هذه النقطة. في تلك اللحظة عينها تبدّلت كل الأمور، وحين تعلو الحريّة مرة أخرى، تدرك أنها مُذنبة. و بين هاتين اللحظتين تكمن الوثبة، التي لمولنيستطيع العلم تفسيرها. لأن الإنسان المُذنب بالقلق، يكون مذنبا في أكثر الصور إبهاما وإلتباسا.

بحسب (كيركجارد) تتفاوت تعابير القلق في الحدّة:

يمكن أن يعبّر القلق عن نفسه في أي موضع مابين الخَرَس و الصُراخ.

ويضيف أن إِجداب الحياة أو إخصابها مُتوقفٌ على الطريقة التي نتأقلم بها مع القلق:

في الواقع، لم يغرق امرؤ قط إلى دركٍ لا غور بعده، بل من المحتمل أن آخرين قد غرقوا إلى دركٍ أسفل منه. إلا أن الإنسان الذي غرق في الإمكانياتباتت عيناه مشوشتان، ومضطربتانكل من رُبّته الإمكانيات معرّضٌ للخطر، ولا أعني خطر رفقاء السوء و إقتفاء مسالك الظلال كمثل أولئك الذين ربّاهم المحدود، وإنما خطر السقوط؛ أي الإنتحار. إذا ما أساء المرؤ في بداية التعلّم فهم القلق، فلم يَقدهُ إلى الإيمان وإنما نأى به عنه، إذاً فُقد. وعلى صعيد آخر، فإن كل من تتولى الإمكانيات تربيه يرافقه القلق. إلا أنه لا ينخدع بإفتراءاته التي لاحصر لها، ويتذكر الماضي بدقة. وبالتالي فهو يصمد أمام غارات القلق رغم شناعتها. فيصبح القلق خادما روحيا يقوده مرغما إلى حيث يريد الذهاب.

جوهر هذه الفرضية هو الاستيعاب أن القلق قوة مزدوجة قادرة على أن تكون مدمرة وخلّاقة معا، وذلك يعتمد على كيفية مقاربتنا له. ما يراه (كيركجارد) هو أن القلق لازم الإبداع. و يأتي التأويل الأعمق لمعالجته للعلاقة بين الإبداع والقلق من عالم النفس الوجودي الفذّ (رولو مايفي كتابه (The Meaning of Anxiety)، الذي نشر في عام 1950:

لا يُمكن فهم أفكار (كيركيجارد) حول العلاقة بين القلق و الشعور بالذنب إلا عبر التأكيد على أنه دائمًا يتحدث عن القلق في علاقته مع الإبداع. الإنسان يعتريه القلق لأن الإبداع ممكن: سواء في أن ينحت هويّته ويخلقها ويكون نفسه، أو في الإبداع في الأنشطة اليومية التي لا حصر لهاوهما مرحلتان في نفس العملية“. وهو لن يكون قلقا إذا لم تكن هناك أيّة إمكانية إطلاقا. و الآن فإن الخلق و تحقيق الانسان لإمكانيته دائما يتضمن نواحٍ سلبية و أخرى إيجابية. فهو منطو على تدمير الوضع الراهن، وهدم ثوابت بنيوية صلبة داخل النفس، و التقويض التدريجي لما تعلّق به منذ الطفولة، وخلق أساليب مبتكرة وأصيلة للعيش. إذا لم يفعل المرء هذا، فإنه يرفض النمّو، يرفض الإنتفاع بإمكانياته، ويتنصل من مسؤوليته تجاه نفسه.

وبالتالي فإن الإنسان بإحجامه عن تحقيق إمكانيته يجتاحه الشعور بالذنب إزاء ذاته. ولكن الخلق يعني أيضا تحطيم الوضع الراهن، وكسر القوالب القديمة؛ كما أنه يعني ولادة شيء جديد و أصيل في العلاقات الإنسانية، و الأشكال الثقافية، مثل الإبداع عند الفنان. وبالتالي، فإن كل تجربة إبداعية تحمل معها احتمالية العداء أو الإنكار سواء تجاه الآخرين في البيئه المشتركه أو الأنماط المتأصلة في الذات. ولصياغة الأمر في صورة استعارة نقول أنه في كل تجربة إبداعية يُقتل شيء في الماضي لأجل أن يولد شيء في الحاضر. ومن هنا كان الشعور بالذنب دائمًا مصاحباً للقلق عند (كيركجارد): فكلاهما جانبان من معايشة وتحقيق الإمكانيات. و كلما كان الإنسان أكثر إبداعاً، كلما زادت احتمالية شعوره بالذنب والقلق.


[المصدر]

في سُكون العقل: سِنكا عن رباطة الجأش، مصائد السُلطة و الأُبّهه، و كبح جماح الطموح

80af7d46f8ed3c88dd9deb09572f2e29

 

أينما استطاعت الحياة أن تنمو، فعلت. ستنبثق باذِلةً أفضل مالديها“ هذا ما تقوله الشاعرة لأمريكيةالأفريقية (غواندولين بروكس) في أحدى القصائد التي تدور حول المثابرة والصمود. إلا أننا في المسعى الدائب لتحقيق أفضل ما لدينا، قد نُصبح عُرضة للإحباط إذا ما كنّا ندفع ضدّ تيار الحياة يحدونا الطموح الجامح. والشعور الداخلي المستمرّ الملّح لإنجازات أكبر، يقوّض طمأنينة النفس. وفي حين أن إزدهار الإنسانلا مجرد صمودههو غاية الحياة الأسمى، فإن ذلك قد لا يكون بالجري المحموم وراء أهداف لاتنضب تُشعرنا بالسخط ونحن دائمي التطلّع إلى مابعدها، بقدر مايكون في التسليم الحصيف؛ أن نبذل مابوسعنا مع أوراق اللعب التي قسّمت لنا.

هذا مايختبَره الفيلسوف الرواقي الروماني (سِنكافي محاوره بعنوان: ”في سُكون العقل“. والرواقية فلسفة عملية نشأت بعد (أرسطو) تعلمنا كيف نتحلى بالثبات ونتحمل المحن ونخرج من رماد الفشل

نحن جميعا موثّقون بالسلاسل إلى القدر؛ أحدنا وثاقه واسع مصنوع من الذهب، في حين أن وثاق الآخر قصيرٌ وصديء. ما الفرق و السجن نفسه يحيط بنا جميعا. بل وحتى أولئك الذين قيّدو غيرهم هم أنفسهم مقيّدون؛ إلا إذا ما كنت اعتباطاً تظن أن الأغلال على الجانب الآخر أخفّ وزنا. يكبّل الشرف أحد الرجال، وتكبّل الثروة آخر. تُرهق عراقة الأصل البعض، ويُرهق تواضعه آخرين. تعتقل البعض قوة خارجية، في حين يَقبعُ غيرهم تحت حُكم الطُغاة في دواخلهم. يجمع المنفى أحدى الفئات، ويجمع الكهنوت أخرى. الحياة كلّها إستعباد. ولذلك حقيقٌ على كلّ منّا أن يألف ظروفه، ويتذمر منها بأقل قدر ممكن، و يستمسك بكل ماهو خيّر في متناوله.

قبل ألفي عام من توصّل الطبيب النفسي الإنساني (فيكتور فرانكل) –أحد الناجين من المحرقةإلى إعتقاده المُكتسب بشقّ الأنفس في أن: ”كل مايمتلكه المرء قد يُسلب منه عدا أمر واحد؛ قدرته على إختيار مَسلَكه تحت أي ظرف. وتلك هي حريته الأخيرة“. يكتُب (سِنكا):

ليس هناك شيء بائس إلى الحدّ الذي لا يستطيع معه العقل الساكن أن يجد راحة ما كامنة. فالكاتب إذا ماكان فطناً، جعل وريقات معدودة تخدم أغراضا جمّة. والتنظيم الحاذق يجعل قطعة أرض ضيقة صالحة للسُكنى. أعمِل حنكة العقل في الصعوبات وحينها تلين الظروف القاسية، وتتسع الحدود الضيقة. فوزر الأحمال الثقيلة لايَنُوء بمن يحملها بفطنة.

أيضا، يُسلّط (سِنكا) الضوء على الجانب الآخر من مقولته في أنه يجدر بالمرء أن لا يمكّن نوائب الدهر من أن توهن إتقاد الروح، و هو أن لا يجري خلف الطموح الجامح في حلقة مفرغة من السعي الذي لا يروم:

دعونا نُسقط الأمور المتعسّرة التي لا تكتمل، ونتعقبّ تلك القريبة المنال والتي تحضّ تطلّعاتنا. و دعونا أيضا نتذكر إبان ذلك أن كل الأشياء متساوية في اللاأهمية؛ تقدّم مظاهر مختلفة خارجيا، بيد أنها خاوية داخليا على حد سواء. (يطلق الرواقيون على الأشياء الخارجية التي يعتبرها عامة الناس خيرات وشرورالأشياء السواء أو اللافارقة indifferent“. ويعنون بذلك أنها لا تؤثر بذاتها في الحالة الداخلية للمرء، ومن ثم فإنها ليست خيرا ولا شرا.)

وهو يحذّر من حسد متبوئي مناصب السلطة، إذ أن النفوذ سلاح ذو حدّين؛ طموح و مصيدة في آن واحد:

كل منصب عال محفوفٌ بالمخاطر.. أولئك الذين ألقاهم القدر العاثر في مناصب حسّاسة سيكونون أكثر أمانا إذا ما اجتثّو الزهو الصادر عن أحوالهم الباعثة على التباهي، وتواضعوابقدر الإمكانإلى حال بسيطة.

إن الكثيرين يتشبّثون بمناصبهم الرفيعة بفعل الضرورة، ولا يستطيعون الترجّل عنها إلا سقوطاً. وهم يقرّون بأنهم لم يرتقوا إلى تلك المناصب العالية، بل أوثقو إليها. دعهم إذا، بدافع الفضل الإنساني، يعدّوا من الوسائل مايعينهم على هبوط آمن، كَيما يطمئنوا على مستقبلهم. ومع ذلك، لن يحرّرنا من اضطرابات العقل تلك أمر مثل كبح التقدّم دون هواده.

يقف الطموح الجامح، كما يرى (سِنكا)، عقبة أمام تلبية الحياة على شروطها بتسليم هاديء. تسليم هو مطلب أساسي للوصول إلى سكون العقل وراحة البال. فأقصى مانستطيعه هو تقبّل أن كل ورقة لعب تقسمها لنا الحياة، سواء كانت رابحة أم خاسرة، هي عاريّة مؤقته من رزمة أوراق اللعب ستُعاد في نهاية المطاف. فآية الحكمة هي عدم المقاومة و ردّ الأمانة عن طيب خاطر إذ ما حان أجلها:

خليقٌ بالرجل الحكيم أن لا يخطو بحذر أو وجل. فهو يمتلك ثقة بالنفس تجعله لا يتردد في مقابلة مايقسمة القدر دون أن يتنازل أبدا عن موقفه. ولأنه لا يمتلك أي سبب للخوف، فهو لا يعدّ العبيد والممتلكات ومناصب الشرف فحسب، وإنما أيضا جسده وعينيه ويديهوكل مايجعل الحياة عزيزة، حتى ذاته، من الأمور المضمونه. ويعيش كما لو أنه اقترضهم لإستعماله الشخصي وهو مستعد لردّهمدون حزنمتى طلبوا.

وهو لا يرى نفسه عديم القيمة، لأنه يعلم أنه حتى هذه النفس ليست ملكا له. إلا أنه سيفعل كل مايفعل بإتقان مثلما يحرص الرجل التقي على أمانة استودعت عنده.

و متى استُردت الأمانه، فلن يشكو الدهر وإنما يقول لسان حاله :“أشكركم على ماكان في حوزتي. لقد اعتنيت حقا بمااستودعتمونيوإن سبب ذلك لي الأذى. وبما أنكم  تستردونه الآن، فهاأنا أرده عن طيب خاطر…“. إذا كانت الطبيعة الكونية تطالبنا بما سبق أن أوكلته لنا، فسنقول لها: ”استردي عقلا أفضل مما مَنحتِ. أنا لا أسعى إلى الفرار، لقد تعهّدت طوعا بصقل ما أعطيتني دون علمي، فهاك إسترجعيه.

أين العَنَت في أن يعود المرء من حيث جاء؟ ذاك الرجل الذي لا يعرف كيف يموت جيدا، لا يجيد العيش.


[المصدر]

الشجاعة في أن تكون نفسك: كامينجز عن الفن و الحياة

eecummings_edwardweston

كتب الفيلسوف الألماني (نيتشة) عندما كان عمره ثلاثين سنةلا يستطيع أحد سواك أن يبني ذلك الجسر الذي تعبر فوقهأنت ولا أحد غيركنهر الحياة. و يقول الشاعر الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 1995 (شيموس هيني) وهو يوجه المشورة إلى الشباب: الطريق الحقيقي و الأصيل يمرّ عبر التجارب مُشترطاً صدق المرء مع عزلته، و إخلاصه لخِبرته الذاتية.

كُلّ جيلٍ صاعد يعتقد أن عليه أن يُجابه ضغوطاً لم يسبق لها مثيل للأِمتِثال والإنِخراط في السياق الاجتماعي السائد. و أن عليه أن يُكافح أكثر من الأجيال السابقة ليحمي مَصدر نزاهته: خِبرته الذاتية. إلا أن هذا الإعتقاد نابعٌ من الغرور المُعتاد للثقافة التي لا تُبصر تحيّزاتِها الخاصّة، و تجهل نظائِرها في السياقات التاريخية. وفي الواقع فإن أغلب مايحدث حولنا هو إنعكاس للظروف التي خلقناها و نستمِر في تعزيزها عبر النظام الإعلامي الإيكولوجي الحالي؛ نظام بافلوفي من ردود الفعل الشرطيّة، حيث تُكافأ الآراء الشائِعة السطحية، وتُهاجم الأصوات المتفرِّدة مِن قِبل الغوغاء.

وقف قِلّة من الناس في وجه هذا الإكتساح الثقافي للفردية، ومن أكثرهم ثباتا و شجاعة إي. إي. كامينجز (1894 – 1962)؛ الفنان الذي لم يخش كونه متفرداً و لاتقليدياً. والذي وُصف مِن قِبل أحد أكثر كتّاب سيرته الذاتية دقّة بأنه كانيزدري الخوف، ويعيش حياته في تمردٍ على كلّ من يحاول أن يحكُمها.

في عنوان مقارب للكتاب الصغير الذي يضجّ بالحكمة للشاعر الألماني (رينير ماريه ريلكه) (رسائل إلى شاعر شاب)، نشرت صحيفة محليّة تصدر في ولاية ميشيغن نصّاً قصيراً لـ(كامينجز) بُعيد عيد ميلاده التاسع والخمسين تحت عنوان: نصيحة من شاعر إلى الطلاب. يُخاطب فيه أولئك الطامحين في أن يكونوا شعراءوبطبيعة الحال يتّسع المعنى ليضُمّ جميع الفنانين النابهين الذين يمتلكون الشجاعة لِحدس الحقيقة الإنسانية:

إن الشاعر هو امرؤٌ يتعمّق في المشاعر، ويطوّعها ليصوغها في كلمات.

وعلى الرغم من أن ذلك قد يبدو عملاً يسيراً، بيد أنه ليس كذلك.

فالكثير من الناسيُفكرأويعتقدأويعرفأنّه يشعُر، إلا أن ذلك كله ليس “شعوراً” في الحقيقة. وقرضُ الشعر في لبّه وصميمه خبرةٌ عميقة بالمشاعر، و ما أعنيه هو أنه ليس معرفة” و لا اعتقاد” ولا تفكير”.

و أي إنسان يمكنه أن يتعلّمكيف يُفكر، أوكيف يعتقد أوكيف يعرف، ولكن لا يُمكن لأيّ كان أن يتعلّمكيف يشعُر. تسائلني لماذا؟ لأنك حينتفكّرأوتعتقدأوتعرفتستبطِنُ آراء الآخرين: إلا أنه في اللّحظة التي تغمُرك بها المشاعر وتكوّن خبرة ذاتيه عميقة فلستَ أيّاً سوى نفسُك

و أن لا تكون سوى نفسك، في عالم يبذُل قُصارى جُهده ليلاً ونهاراً، لأن يجعل منك نسخةً مكررةً لمن حولك يعنى أن تجاهد أصعب معركة يخوضها -ولا يتوقف عن خوضها- المرء. 

لا يتحدّث (كامنجز) من فراغ، فقبل أربع سنوات و عقِب منحه الزمالة المرموقة لأكاديمية شعراء الولايات المتحدة الأمريكية، كان قد خاض معركة وتحمّل النقد القاسي الذي وجّه له من الشعراء التقليديين الذين طوقوه بالكراهية نظير شجاعته في كسر التقاليد و كونه في فنّه ”لا أحد سوى نفسهوهكذا بنظرة مُتفحّصة لتلك النزاهة الخلّاقة المنيعة، تعززها أخلاقيات عمل صارمة، يُضيف:

أمّا بالنسبة لأن تنظِم كلمات تعبّر بدقّة عن أعماقك – ولا أحد سواك – فإن ذلك يعني أن تبذل جهداً أكبر من أن يمكن تصوّره لأي شخص لا يُمارس قرض الشعر. تُسائلني لِماذا؟ لأنه لا أيسر من استعمال الكلمات المستهلكه. وهذا مانفعله جميعاً معظم الوقت و لا نكون شعراء حينها.

أمّا إذا وَجدت نفسك، بإنتهاء أوّل عشرة أو خمسة عشر عاماً من الكِفاح و العمل و الإستغراق في المشاعر، قد كتبت سطراً من قصيدة وحيدة، فإعلم أنك محظوظ جداً

وهكذا فإن نصيحتي لجميع الشباب الذين يرغبون في أن يُصبحوا شعراء هي: مارِِسوا عملاً أيسر مثلَتعلّم كيفية تفجير العالم، إلا إذا ماكنّتم متطلّعين – لا مجرّد مستعدّين –للإستغراق في المشاعر، و الكفاح والعمل حتى الموت.

هل يَبدو ذلك لكم مُغمّا؟  ليس كذلك.

إنّها أروع حياة على وجه الأرض.

على الأقلّ هذا ما أشعُر به.


[المصدر]

 

الفنّ الإنساني: فيرجينا وولف تكتب عن مقتل فن الرسائل ولمَ يجدر بنا إحياؤه

فيرجينيا وولف

في عام 1876 كُتبت هذه الوصيّة في (دليل إيتيكيت الرسائل) : يجدر بنا أن ننظر إلى الرسالة كعمل فنّي، لا كمجرد وسيلة تواصل وتبادل معلومات. بعد ذلك بنصف قرن، وقبل ظهور الرسائل الإلكترونية كما نعرفها اليوم بنصف قرن أيضاً، إلتفتت إحدى أعظم كاتبات الرسائل بعين قلقة نحو أفول هذا الشكل المتفرد من الفن.

في أبريل من عام 1940، كُلّفت (فرجينيا وولف) بمراجعة السيرة الذاتية للمؤرخ الفنزويلي من القرن الثامن عشر (هوراس والباول)، وهو كاتب غزير الإنتاج نشرت من رسائلة ستة عشر مجلدا. كتبت (وولف) في المراجعة مقالة بعنوانالفن الإنسانيتتطرق فيها قليلاً لـ(والباول) وسيرته، و تسلط الضوء بشكل أكبر على فنّ كتابة الرسائل ذاته: وظيفته، تطوّره الثقافي، ومستقبله الغائم إزاء وسائل الإعلام الجديدة.

في إنتقاد لسارد السيرة السيرة الذاتية الذي يصرّ على أن رسائل (والبول) كانتمستوحاة من حبّ الأجيال القادمة، لا من حب الأصدقاءأي أنها أداة للتأريخ عوضاً عن كونها تمثلاً لعالمه الداخليتتأمل وولف عبقرية كاتب الرسائل:

إذا ما أعتبرنا أن هوراس والباول مؤرخ متنكر، فنحن بذلك ننكر عبقريته المتفردة ككاتب رسائل. فكاتب الرسائل ليس مؤرخا متخفيّا، وإنما هو امرؤ ذو حساسية قصيرة المدى، لأنه يوجّه خطابه للفرد على انفراد، لا للجمهور عامة. وكل كتّاب الرسائل الجيدين يحدسون تفاعل القاريء على الجانب الآخر، وهم يأخذون بقدر مايعطون.

تقترح (وولف) أن صعود الكاتب مدفوع الأجرأي مثلهاهو ماأدى إلى تراجع كتّاب الرسائل رفيعة المستوى. كما أنها برؤية مستبصرة تشير إلى وسائل الإعلام الجديدة على أنها الخنجر في قلب الرسالة الشخصية:

الأخبار والقيل والقالهي أعواد القشّ التي يكوّن منها كاتب الرساله عشه، و قد تم انتزاعها منه حين جاء الهاتف و اللاسلكي. فلم يصبح الآن لدى كاتب الرسائل ما يبني به رسالته ماعدا أموره الشخصية وتلك تصبح رتيبة بعد صفحة أو اثنتان.

عوضاً عن الرسائل، سوف يكون لدى لأجيال القادمة اعترافات، مذكرات، و كتب هجينة يتحدث فيها الكاتب عن نفسه إلى نفسه في الظلام، لجيل لم يولد بعد.

كما أنها تعتبر أن الفن التقليدي للمراسلات الكتابية الحقيقة له دور حيوي في حياتنا كمرساة للهوية الذاتيهفبينما نحن نكافح لنفهم مالذي يربط ذاتنا الماضية و تلك المستقبلية معا في نفس الشخص، تشير (وولف) إلى قوة الرسالة كونها جسر بينهما، فتطمئننا عن ذاتنا المستقرة حيناً و المتجددة في آخر:

فوق كل شيء، كان والباول مباركاً ومحاطا بالدفء في دائرته الخاصه وذلك مكّنه من أن يعيش حياة التغيّر المتواصلة؛ و التي هي  مثل الهواء لوجود كاتب الرسائل.

بالإضافة إلى الأوصاف الرائعه للحفلات التنكرية و احتفالات منتصف الليل و الفطنة و الظرف، استمدّ منه أصدقائه شيء آخر عميق تماما، متغيّر إلا أنه كلّي، لنطلق عليه هذا المسمى…ذاته، تلك التي يحييها الأصدقاء المقربون و يقتلها الجمهور العظيم. ومن ذلك نشأ خلوده. لأن الذات التي تستمرّ بالتغيّر، هي تلك التي تستطيع أن تظلّ ممتلئةً بالحياة.

أما المفارقة في كون (وولف) نفسها قد أنهت حياتها برسالةاستهلكت بقسوة من قبل وسائل الإعلام الطفيلية في عصرهافلاتزال مسألة مفتوحه.


[المصدر]

في الصداقة والصديق من الشرق والغرب

27409858

“مثل الفن والفلسفة: لا تبقينا الصداقة على قيد الحياة، ولكنها تعطي لهذه الحياة معنى”  -سي. اس. لويس

لنتأمل في طبيعة الصداقة واختلاف هذ المفهوم الذي يضيق ويتسع من شخص لآخر. فانتشار العلاقات المشوشة في حياتنا اليوم عبر منصات التواصل الاجتماعي والإفراط في استخدام كلمة “صديق” أدى إلى تآكل المعنى الأرسطي للصداقة وضغط الفسحة الوجودية المتسعة بين المعرفة والصداقة.

(ألكساندر نيهماس) أستاذ العلوم الإنسانية المختص بالفلسفة اليونانية في جامعة برنستون في كتابه “عن الصداقة” يبدأ بالحديث عن المكانة الرفيعة التي خُصَّتْ بها الصداقة “philia” في الفكر اليوناني، فالمؤسسة الأرسطية ترى أن الصديق ذاتٌ أخرى، كما أنها ترتكز على فكرتين رئيستين: الأولى أن الصداقة من أعظم متع الحياة. والثانية تقسيمها إلى:

  1. الصداقة النفعية: تتحدد قيمتها بمقدار ما يمكن أن يجني فيها الفرد مقابل ما يعطي (الفائدة هي الغاية) غالبا هذا النوع يرتبط بعالم السوق، وكلما كان الشخص نافعاً أكثر توسعت دائرة أصدقائه لرغبتهم بالاستنفاع منه، وهذا النوع من الصداقة يموت بانتهاء المنفعة.
  2. الصداقة الممتعة: تتحدد قيمتها بحسب الشعور بالأنس والمرح (المتعة هي الغاية). غالبا ما تسود بين الشباب أو في العلاقات العاطفية. هذه الصداقة تنتهي بانتهاء المتعة.
  3. الصداقة الفاضلة: تعني محبة الانسان الفاضل المتشبع بالقيم الأخلاقية لشبيهه في الفضيلة لذاته. هذه الصداقة التي تقوم على المحبة تتجاوز صداقة المتعة وصداقة المنفعة بالمعنى الفلسفي: أي أنها تحتفظ بالمنفعة والمتعة وتتحرر منهما في نفس الوقت. ورغم أنها الأكثر دواماً إلا أنها أيضاً الأندر. و هنا تتجلى الصياغة الأرسطية الشهيرة في تعريف الصديق: “الصديق إنسان هو أنت، إلاّ أنَّه بالشَّخص غَيرُك”

مقارنة بالخلافات التي تحدث حول مفاهيم الحقيقة أو العدالة أو الجمال، تعتبر الصداقة منطقة هادئة معزولة في البحار الفلسفية الثائرة فقد هيمنت أفكار أرسطو على المناهج الفلسفية. أما بالنسبة للفلاسفة المحدثين فتركيزهم غالبا ما يكون حول تأثير الصداقة على قيم الأخلاق والعدالة.

لا يمكننا الحديث عن الصداقة في الفلسفة دون التطرق لمقالات (ميشيل دي مونتين) الشهيرة “في الصداقة” التي نشرت عام 1580 وكانت تحاول تفسير صداقة مونتين الحميمة مع أتين دي لابويسيه، وهي كما يصفها:

صداقة لا يمكن أن تقارن بغيرها أو أن تمتد إلى ثالث. لأن كلًّا منّا يعطي نفسه بالكامل لصديقه فلا يبقى للآخرين شيء.

أما عند الشاعر (إمرسون) – أحد أبرز دعاة الفلسفة المتعالية والفردانية – فكانت الركيزتان الأساسيتان للصداقة هما الصدق والحنان. فالصديق هو من نستطيع أن نتعامل معه ببساطة دون مجاملات ونفكر أمامه بصوت عال. ويرى أن المحادثة بين الصديقين هي اكتمال الصداقة، لكن ما إن يدخل معهما فرد ثالث إلا وتختفي الكلمات التي تخرج من القلب. نعم قد يتحدّث ثلاثة أصدقاء ولكنها محادثة لا تكون بتكامل وصدق الاثنين. وهكذا تصبح كل صداقة بين اثنين يتشاركان في الآراء والاهتمامات أيضا نوع من الانفصال عن المجموع. يشاركه الرأي (سي. أس. لويس) الكاتب والباحث الإيرلندي، فيكتب:

بينما يبحث العشاق عن الخصوصية، فإن الأصدقاء يجدونها تحيط بهم كحاجز بينهم وبين الآخرين، سواء أرادو ذلك أم لا. […] وفي دائرة الأصدقاء الحقيقيين كل فرد يكون على طبيعته ببساطة. فهي علاقة جرّدت إلى العقل. وكما تحفل الإيروس بالأجساد المجردة، فإن الصداقة تحفل بالشخصيات المجردة. وبالتالي روعة اللامسوؤلية في الصداقة: فليس علي واجب لأن أكون صديقًا لأي شخص.

الكاتبة (ماريا بوبوفا) من موقع brainpicking تصوّرت مفهوماً للصداقة بدوائر متحدة المركز من الترابط البشري:

  • unnamed-1الغرباء: يقطنون معنا العالم ولم نلتقي بهم. 
  • المعارف: في ثقافتنا تقترن بهم كلمة “صديق” تربطنا معهم مصالح أو ظروف مشتركة.
  • أناس نعرفهم و نودّهم.
  • أرواح أليفة: نألفهم بسبب تقارب القيم والمباديء. يربطنا حسن الظن والتعاطف والاحترام المتبادل. ولكننا لا نريهم إلاّ الجزء المثالي المصقول من أنفسنا دون تناقضاتنا الذاتيه و ضعفنا الشخصي.
  • الصداقات الحميمة: اولئك الذين نشاركهم ضعفنا و عيوبنا بحرج ولكن دونما خوف من أن يصدرو علينا أحكاما قيمية، تربطنا بهم حميمية نفسية وعاطفية. الصديق الحقيقي هو من نستطيع تجريد أنفسنا أمامه من مثاليتها المزعومه لنكشف عن ذواتنا الناقصه الحقيقية الحساسة ونحن واثقين بأن ذلك لن يقلل من مودته لنا.

الصداقة الحميمة هي تلك التي تتغلل في عمق نفوسنا وتساهم في بناء تصورنا عن الحياة. ودائرة أصدقائنا المقربين تساهم في تأسيس هويتنا والتعبير عن شخصياتنا وتشكيل فرادتنا. علاقتنا بهم تجعلنا (نحن وهم) مختلفين عن (الآخرين) وهذا مما يشكلّ نفوسنا إلى حد بعيد. نحن عبر هؤلاء الأصدقاء نجد الفسحة والقوة لرفض تشكيل المجتمع لنا. وهكذا نستطيع تفهّم هدف (فوكو):

هذه الأيام ليس الهدف أن نكتشفَ أنفسنا، بل أن نرفضَ ماصرنا إليه. أن نعزز أشكالاً جديدة من الذاتية عبرَ التمرد على ما فُرض علينا لعدة قرون.

و الصداقة كفيلة بتوفير السياق لمثل هذا التمرد. فعلاقة مع صديق جديد هي وسيلة لمقاربة الذات، الآخرين، و كذلك الحياة. كما أن المناقشات مع الأصدقاء هي مساحة للتعبير بصراحة عن أفكارنا وطرقا مختلفة للحد من عشوائيتنا دون خجل.

ما يفرّق الصداقة عن علاقة عابرة، هو أنه في الصداقة لا يمكن أن نحدد بوضوح لماذا نحبّ الصديق لأننا لا نستطع فصل ما يعجبنا فيه عن ذاته. و يرى مونتين أن أي محاولة لشرح أسباب محبتنا لصديق بالاستشهاد بفضائله مآلها الفشل:

لا يكمن الجواب في ميزات صديقي، وإنما في العلاقة بينها وبيني.

أما (كانط) فقال شيئا مشابها عن الأشياء الجميلة: “فنحن لا نستطيع أن نوضّح تماما لم نرى شيئًا ما جميلاً. هناك دائما ما لا نستطع وصفه والتعبير عنه بالكلمات. و كذلك الصداقة لا يمكن التفسير بأسباب واضحة لم نحن أصدقاء مع أصدقائنا. فنحن نحبهم لأنهم هم و أيضاً – كون الذات الإنسانية غير ناجزة – لما نأمل أن نكونه بسبب علاقتنا بهم”. وهكذا كانت إجابة (مونتين):

إذا ألححت علي كي أقول لم أحب صديقي، فلا يمكنني أن أزيد على: لأنه هو و لأني أنا.

و بما أننا لا نزال مع مسيو مونتين، فجدير بالذكر أن الصفات التي نحبها أو نبغضها في صديق ما ليست فقط “لأنه هو” ولكنها أيضا ترتبط بما أنا عليه “لأني أنا” و بالتالي عندما يتخلى عني صديق فإنه لا يرفضني فقط فأفقد معه جزءًا من ذاتي، ولكنه أيضاً يرفض ما أصبح عليه “هو” عبر علاقتنا معاً.

أمّا إذا انتقلنا إلى الشرق فإننا نجد تباينا في آراء حكمائنا العرب في أمر الصداقة والصديق. فمنهم من استشكل وجود الصديق وعدّه “اسم لا حقيقة له” مثل الغول والعنقاء. ومن ثم اعتبر أن أغلب من يعدّون أصدقاء – إن هو حقق أمرهم – وجد أنهم مخاليط ومعارف وما أدركوا منازل الأصدقاء. فقد قيل لأحدهم: ألك صديق؟ فقال: لا، ولكن أليف. وقال (جعفر بن يحيى) لبعض نُدمائه: كم لك من صديق؟ قال: صديقان. فقال: إنك لمثرٍ من الأصدقاء. وكتب رجلٌ إلى صديقٍ له:

أما بعد، فإن كان إخوان الثقة كثيراً، فأنت أوّلُهم، وإن كانوا قليلاً فأنتَ أوثقهم، وإن كانوا واحداً فأنت هُو.

كما تباين الحكماء في ماهيّة الصديق: أهو المؤالف لك أم المخالف؟ أهو تؤام عقلك أم بديله؟ وأغلبهم كان على القول بمبدأ “المؤالفة”. فمثّل الصديق كالرقعة في الثوب. وهذا ما نجده في قول (جعفر الخلدي): “مجالسة الأضداد ذوبان الروح، ومجالسة الأشكال تلقيح العقول”. وقيل كل صاحب يقال له “قم” فيقول “الى أين؟” فليس بصاحب. وسئل حكيم من صديقك؟ فقال:

الذي إذا صرتُ إليه في حاجةٍ وجدته أشدّ مسارعةً إلى قضائها منّي إلى طلبها منه.

أما من المحدثين، فوصف (زكي مبارك) الصديق الحق بقوله:

هو الذي يستطيع أن يغزو قلبك بأشعة روحانية، توحي إليك أنه أنيسك في النعماء وحليفك في الضراء، وأن وداده الصحيح هو القبس الذي تستضيء به عند اعتكار الظلمات.

وقال (الرافعي):

الصديق هو الذي إذا حضر رأيت كيف تظهر لك نفسك لتتأمل فيها، وإذا غاب أحسست أن جزءاً منك ليس فيك.

أما (جبران) بشاعريته الشفافة فيصف الصديق في (النبي) بقوله:

إن صديقك هو كفاية حاجتك. هو مائدتك و موقدك. لأنك تأتي إليه جائعاً، وتسعى وراءه مستدفئا. ولا يكن لكم في الصَّداقة من غاية ترجونها غير أن تزيدوا في عمق نفوسكم.

ومن أجمل ما قيل في الشوق إلى الصديق قول (ابن ثوابة):

“لبثتُ بعدكَ بقلبٍ يودُّ لو كان عيناً فيراكَ، وعينٍ تودُّ لو كانت قلباً فلا تخلو من ذكراك”

وأما في حاجة الإنسان إلى الحفاظ على الصداقة فتقول الرقيقة مي زيادة:

مهما تنكَّر لنا معنى الصداقة الصافي، ومهما غدر بنا الغادرون فعلمونا الحذر، إلا أننا لا نستطيع إنكار احتياجنا العميق إلى الصديق؛ لأن لدينا مرغمين كمية من المودة والوفاء والتسامح والغفران والتضحية لا بد من تصريفها وإنفاقها لتزيد بالعطاء غنًى، وعند من نصرفها وعلى من ننفقها إلا على الأشخاص الذين نراهم قمينين بأنبل ما عندنا من فكر، وأصدق ما لدينا من عاطفة؟ أيها الذين ربطت الحياة بينهم بروابط المودة والإخاء والتآلف الفكري والنبل الخلقي، حافظوا على صداقتكم تلك وقدِّروها قدرها! فالصداقة معين على الآلام ومثار للمسرات. وحسبكم أنتم أنكم بإيمانكم بالصداقة توجدون الصداقة، وبممارستكم أساليب الصداقة إنما تكوِّنون خميرة الصفاء والصلاح والوفاء.

اعتقد بعض القدماء أن الصداقة تربط الكون كله معا. ولكن نحن الأكثر تواضعا، نعتقد أن الصداقة لا تفعل أكثر من أن تربط بعض الأفراد. اولئك الذين يستطيعون أن يقولو لبعضهم: “أحبك لأنك أنت ولأني أنا”.

مصادر أخرى:

  • التوحيدي، أبو حيان: الصداقة والصديق
  • الشيخ، محمد: كتاب الحكمة العربية: دليل التراث العربي إلى العالمية