أرشيف الكاتب

علي عزت بيجوفيتش، والهروب إلى الحرية

Begofitch

علي عزت بيجوفتش (1925-2003) أول رئيس جمهوري لجمهورية البوسنة والهرسك بعد انتهاء حرب البوسنة والهرسك، هو ناشط سياسي بوسني وفيلسوف إسلامي، مؤلف لعدة كتب أهمها (الاسلام بين الشرق والغرب).

حين قضى (علي عزت) فترة حكمة في السجن كان يبدو مميتًا له ان تُحبس افكاره ايضًا وان يستسلم بعد كل السنين التي بقى يناضل فيها الى اخر رمق، لم يدع الامر يضعف رباطة جأشه او ان يحبط من عزيمة رجلٍ مثله، فهرب الى الحرية، الحرية التي لم يكن يعرفها كثيرًا منّا بل حقيقةً هي ما يجهلها أغلب الذين لم يذوقوا حلاوة النضال او لم يقاوموا عبودية الفكر حيث ينسلخ الإنسان من روحه وشخصيته … ويجعل من نفسه شخصًا تائها ضائعا ذليلا قد فرّط في أعظم نعمة وهبها المولى عز وجل له وميزه بها من بين سائر خلقه، انها حرية الفكر حين هرب (علي عزت) بفكرهِ خارج جدران السجن العالية وبعيدًا جداً عن انظار الحراسة المشددة، ورغم قدرته على الهرب الفكري يقول:

مع اسفي، لم يكن هروبًا حقيقًا، وكنت اودُّ لو كان كذلك .

الامر هنا يتعلق بهرب معين، كان ممكنًا في سجن فوتشا ذي الجدران العالية، والقضبان الفولاذية – وهو هروب الروح والفكر .

ولو أتيح لي فعلًا  الهرب لأعطيت الاولوية للهروب الجسدي قبل هذا الثاني.

كان (علي عزت) قد اعتقله الشيوعيون بعد الحرب، وحُكموا عليه بالسجن  لأنه كان معارضاً لنظام (جوزيف) وبقي منخرطاً في السياسة بعد قضاء العقوبة. وفي أبريل من عام 1983 حوكم (بيجوفيتش) مجددًا واثنا عشرة من النشطاء البوسنيين بسبب نشرهم مجموعة متنوعة من المبادئ الإسلامية عُدت على أنها جرائم، ووصفت على أنها نشاط معادٍ مستوحى من القومية الإسلامية، كما اتهم (بيجوفيتش) بمزيد من القضايا ومنها تنظيم زيارة إلى المؤتمر الاسلامي في ايران، وأدين كل الذين حوكموا، وحُكم على بيجوفيتش بالسجن أربعة عشر عاما .

يقول أيضًا في كتابه (هروبي الى الحرية):

لم أستطع الكلام ولكني استطعت التفكير وقررت ان استثمر هذه الامكانية حتى النهاية وأدرت منذ البداية بعض الحوارات داخل ذاتي عن كل شيء, وكل ما يخطر على البال.

وعلقت بذهني على الكتب المقروءة والاحداث في الخارج ,وبدأت بعدها بتدوين بعض الاشياء استراقًا في البداية، ثم تشجعت تمامًا، جلست وقرأت وكتبت.

وهكذا تجمع لدي ثلاثة عشر دفترًا صغيرًا، مكتوب بخط دقيق وغير مقروء قصدًا، حتى ان طابعتي “ميرسادا” تعبت كثيرًا وهي تقوم بنسخها .

وهذه مناسبة لكي اشكرها على الصبر في فك رموز شيفرتي للكلمات الخطرة مثل “الدين، الاسلام، الشيوعية، الحرية، الديموقراطية، السلطة” وما شابه، تم استبدالها في الملاحظات بكلمات اخرى كنت انا وحدي من يعرفها، واصبحت حتى بالنسبة لي خلال الاعوام التي خلت مفهومة بصعوبة وغريبة.

ويقول في موضع اخر عن كتابه هذا :

… اذا كان الادب هو هروبي الثقافي من الحرية، فإني هروبي العاطفي كان في تلك الرسائل، لست متأكدًا بأن اولادي يعرفون او انهم سيعرفون يومًا، ماذا عنت تلك الرسائل بالنسبة لي، كنت اشعر في اللحظات التي اقرؤها فيها انني لست انسانًا حرًا وحسب، وإنما كأنني انسان اهداه الله كل خيرات هذه الدنيا.

ولذا اخذت حريتي بان انشر في الفصل الاخير بعضها. وخُيّل لي أن بعض الكلمات تتحدث بوضوح عن ذلك الزمان، والظروف، وعن التفكيرات والمناخات، في عائلة سجين سياسي وطبعًا عن كاتبها.

عن الأديب محمد رجائي عليش

محمد رجائي عليش ..
أديب مصري لم يسمع عنه الكثير بسبب إستعجاله لإنهاء مسيرته الادبية، ليست فقط الادبية بل لإنهاء حياته كلها، فقد كانت الضغوطات الاجتماعية ووحدته من اسباب انتحاره، عاش (عليش) وحيدًا دون أي قبول من مجتمعه، ودون أن يتزوج طبعًا فقد كان الرفض القاطع يقصم ظهره كلما تقدم للزواج بإحداهن.
يقول (عليش) ساخطًا على دمامته:
إحدى ميزات الوسامة الشديدة .. أن يصدقك كل الناس بينما أنت تكذب، أما الإنسان القبيح المكروه من كل الناس فإن أحدًا لن يصدقه حتى ولو قال الصدق، إنه متهم من كل الناس بالكذب .. مشكوك فيه دائمًا لانه غريب وقبيح.
اختار “رجاء عليش” اسمًا له لأسبابٍ لم تُعرف بعد.
وقد ألف في قبحه كتابين (لاتولد قبيحًا) و(كلهم أعدائي). ورغم صياغته العميقه في تجسيد معاناته وحسن استخدام المفردات في نقل الأسية، لم تلقى مؤلفاته رواجًا، وقد أحال هذا الإحباط إلى قبحه، كما كان يحيل كل فشلٍ في حياته إلى هذا القبح ايضًا.
ذُكر أن (عليش) حين كتب هذا النص الذي يُظهر عذاباته قد تجلت نيته بالانتحار، فإنه حين قال:
ارقد أيها القلب المعذب فوق صدر أمك الحنون واسترح إلى الأبد، دع أحلامك الميتة تتفتح كزهرة تعيش مليونًا من السنين، أنت أيها الملاح التائه في بحار الظلمات البعيدة لقد جئت إلى أمك الأرض لتعيش في حضنها إلى الأبد، ألقيت بمراسيك في المياه الدافئة وأمنت من الخوف، نفضت عن شراعك الثلج والبرودة وأيقظت الشمس في قلبك واسترحت إلى الأبد، نم هانئًا سعيدًا يا من لم تعرف الراحة في حياتك، أحس بالأمن يا من عشت دائمًا بعيون مفتوحة من الخوف.. الموت أبوك والأرض أمك والسلام رفيقك والأبد عمرك.
ولم يكن يقصد بالرقود غير الموت، بطبيعة الحال .. مات رجاء ليترك وراءهُ كتابين يتيمين، ولاشيء آخر. ففي عام 1979 قام (عليش) بإطلاق النار على رأسه، وجاء في تقارير رجال الشرطة أن الكاتب المذكور وجد في سيارته منتحرا على مقربة من شقتين كان يمتلكهما في الحي نفسه، ولم تعرف الأسباب الكامنة وراء الانتحار إلا بعد وصول رسالة منه إلى النائب العام فيها اعتراف صريح بالانتحار، ومن أسبابه قال: “عشت هذه السنين الطويلة وأنا أحلم بالانتقام من أفراد المجتمع الذين أفلحوا في أن يجعلوني أكفر بكل شيء“.