أرشيف الكاتب

فريجينيا وولف؛ عن العلاقة بين العزلة والإبداع

لو كان بوسعي القبض على ذلك الإحساس، لفعلتها؛ ذلك الشعور بترنُّم العالم الحقيقي، بما أن المرء منقاد بالعزلة والصمت عن الانغماس في هذا العالم.

ثمة نوع من الوحدة التي تفرض نفسها على المرء دون أن تتركه. وأكثرها جلباً للمقت هي التي تغزوك  أثناء وجودك بين رفاقك، وعامة الناس، وليست تلك التي تشعر بها في عزلتك. إن كان للعزلة المقدرة على إثراء خيالك، فإن الوحدة من شأنها أن تفرغه من الحيوية، وتكسو الروح بذلك الضجر من التوق الى التواصل، والتشارك، والنجاة. بالرغم من أن هذا الضجر هو الذي ساهم بولادة أعظم الأعمال الأدبية على مرّ الزمان.

كتبت الصحفية الأمريكية (دوروثي داي) يوماً قائلة: “لقد عشنا، جميعًا، شعور الوحدة الطويلة” بيد أن بعض المبدعين يعرفون هذا الشعور حق المعرفة أكثر من غيرهم من البشر. لكن أحدًا منهم لم يتمكن من الوصول إلى ذلك المستوى من الشفافية المذهلة، والوضوح الرائع الذي وصلت إليه (فرجينيا وولف)  في حديثها عن هذه المعرفة. 

لقد تغلغل شعور الوحدة في  كتابها (يوميات كاتبة) ذلك المصدر الذي لا ينضب لحكمة (وولف) المتعلقة بتلك الأبعاد المتنوعة للوجود، كمفارقات التقدم في العمر، ومرونة الوقت، ومفتاح ديمومة العلاقات الإنسانية، ناهيك عن المنافع الخلاّقة لعادة تدوين اليوميات. إن حالة (وولف)، في واقع الأمر، ليست سوى عملية تحويل لتلك الوحدة التي كانت تشعر بها إلى نوع من الارتباط بتجربة الإنسان الشاملة، والتي أضفت، بدورها، على كتابات (فرجينيا) تلك القوة  الأبدية النافذة. 

في أواخر صيف عام 1928 للميلاد, وقبل شهر واحد من نشر رواية (أورلاندو) التي تمكنت من نسف بعض الصور النمطية وأحدثت ثورة فكرية، وجدت (وولف) نفسها تتصارع، من جديد، مع ثنائية العزلة والإبداع. ففي مقدمة يومياتها التي كتبتها في (منزل مونك)، ذاك المنزل الريفي الذي اشترته وزوجها في مقاطعة “ساسكس” الإنكليزية قبل عقد من الزمن، حيث خطت معظم روائعها الأدبية، تكتب (فرجينيا) ما يلي:

غالباً ما أشعر في هذا المكان أنني دخلت إلى حرم مقدس. إذ تنتابني نزعات من الألم مرة، ومن الرعب مرات أُخر. إنه خوف من الوحدة، ومن رؤية ما يختبئ في آخر النفق.

هذه إحدى التجارب التي مررت بها خلال وجودي هنا في بعض أشهر (أغسطس – آب) لأدرك، عندئذٍ، ما أسميه “واقع” هذا الشيء الذي أراه يلوح أمامي. شيء تجريدي لكنه يسكن في الأرض والسماء. لا شيء يضاهيه في الأهمية، وبه يمكنني أن أستريح وأشعر بكينونتي. هو ما أسميته “واقع” ويخيل لي، أحيانًا، أنه أكثر الأشياء ضرورة بالنسبة لي، وجُل ما أسعى إليه. ولكن، من يدري، حالما يأخذ المرء قلمًا ويبدأ بالكتابة؟  ما مدى صعوبة عدم جعل الواقع على هذا النحو أو ذاك، في حين يكون هو، في الأساس، شيء واحد. ربما تكون هذه هي الهبة التي أمتلكها، وهذا ما يميزني عن غيري من البشر. أعتقد أن من النادر امتلاك إحساس ثاقب كهذا، ولكن، من يدري؟ بودي أن أعبر عنه أيضًا.

في الخريف التالي، وبعد ثلاثين يومًا من نشر كتاب (غرفة تخص المرء وحده)، والذي كان بمثابة ترنيمة للعلاقة بين الوحدة والطاقة الإبداعية، تعود (وولف) لذات الموضوع في يومياتها للتفكر في الأساليب الغريبة التي نتبعها في إنكار، أو منح الصلاحية لشعورنا بالوحدة.  

إن الوحدة، في النهاية، ليست سوى قشعريرة داخلية مستقلة تماماً عن  كافة العوامل الخارجية. وغالبًا ما تتفاقم تلك البرودة الداخلية عندما تبدو ظروفنا، التي نغطي بها واقعنا غير المحتمل، مثالية من منظور العالم الخارجي. تكتب (وولف) في هذا الصدد قائلة:

هذه الأيام من شهر (أكتوبر – تشرين الأول) تبدو لي مرهقة و محفوفة بالصمت. ولا أدري ما الذي أعنيه بالكلمة الأخيرة. لأنني لم أتوقف عن التواصل مع البشر .. لا أقصد الصمت بمعناه العام .. بل أعني ذلك الشعور الداخلي بالوحدة. 

وبالرغم من ذلك، فلا يمكن الفصل بين الصمت الناشئ عن الوحدة، والدافع الإبداعي بالنسبة لـ(وولف). فقبل نصف قرن من مقولة الكاتبة الأمريكية (أدريان ريتش)؛ “إن العنصر المحفز للإبداع غالباً ما ينشأ داخل نفق من الصمت “ تمكنت (فرجينيا) من شرح هذا الشعور شديد الالتباس بمثال حي، حيث قالت:

في ظهيرة اليوم، وبينما كنت أسير في شارع (بيدفورد بليس)، ذاك الشارع المستقيم الذي تحيط به النزل من كلا جانبيه، قلت لنفسي بعفوية شديدة: “كيف أعاني؟ و لا أحد يعلم حجم معاناتي؟” أسير في هذا الطريق منهمكة بألمي. وكما كنت بعد وفاة (ثوبي)* وحيدة، لا زلت أصارع شيئًا ما، وحيدة أيضًا. كنت أقاتل الشيطان، وقتها، لكنني الآن بمفردي. 

عندما أعود إلى منزلي، يخيم الصمت على المكان. إذ تهدأ زوبعة الأفكار في رأسي قليلًا. بيد أنني أواصل الكتابة. إنه فصل الخريف. حيث تشتعل الأضواء. وعملي هذا طويل الأمد، لكنني أصبحت أكثر غنى من ذي قبل، إذ قمت بشراء زوج من الأقراط اليوم. وبالرغم من كل هذا، ثمة فراغ وصمت يسود الأجواء. يغطي كل شيء. غير أني لا أبالي كثيرًا بذلك، فكل ما أسعى إليه هو أن انطلق بحيوية من جانب إلى آخر، مدفوعة بما أسميه واقع.  لو أنني لم أشعر بتلك النزعات الاستثنائية الغامرة، من الراحة والتعب، من السعادة و الضيق، لأذعنت مستسلمة. ثمة شيء يستحق أن نحارب من أجله. فكلما استيقظت في الصباح الباكر أقول لنفسي: “فلتقاتلي!” 

لو كان بوسعي القبض على ذلك الإحساس، لفعلتها؛ ذلك الشعور بترنُّم العالم الحقيقي، بما أن المرء منقاد بالعزلة والصمت عن الانغماس في هذا العالم. كل شيء ممكن. وهذه الحياة الغريبة حقيقية. هل نجحت إحدى العبارات التي قلتها في إيصال المعنى الذي أقصد؟


[المصدر]

[*] شقيق (فيريجينيا وولف)

فن الكتابة، وحياة الكتّاب. حوار مع الكاتب البريطاني؛ آيان ماك إيوان

أجرى الحوار: لاين روزن. لصحيفة (ذه انكوايرر)

ترجمة: دلال الرمضان

حوارنا اليوم مع الكاتب البريطاني (آيان ماك إيوان)، الذي تم تصنيفه من قبل صحيفة التايمز البريطانية واحدًا من أفضل خمسين كاتب بريطاني منذ عام 1945. والذي استحوذت رواياته على اهتمام شريحة واسعة من القراء حول العالم. كان من بينها رواية (أمستردام) الحائزة على جائزة مان بوكر لعام 1998، و رواية (الكفارة) الصادرة في عام 2001، والتي تم تحويلها إلى فيلم حاز على جائزة الأوسكار في 2007.

جرى الحوار في مكتبة لندن الأربعاء الماضي. حيث حدثنا (آيان ماك إيوان) عن روايته الجديدة (قشرة الجوزة) المقتبسة عن مسرحية (هاملت) لـ(وليم شكسبير)، والتي تُروى أحداثها من قبل جنين في رحم أمه. عن هذه الرواية، وعن حياته ككاتب، كان لنا معه الحوار التالي:


أظن أن هذا هو كتابك السابع عشر، إن لم أكن مخطئاً؟

إنه عملي القصصي السابع عشر، والروائي الخامس عشر. فأول كتابين لي كانا عبارة عن مجموعة قصصية .

تندرج كتاباتك ضمن العديد من الأجناس الأدبية، بما في ذلك السيناريو السينمائي، والأفلام التلفزيونية، أليس كذلك؟

أجل. لقد وجدت نفسي، مؤخراً، منغمساً في كتابة السيناريو السينمائي بشكل كبير. إذ لدي عملان قيد الإنتاج. وهما مقتبسان من كتابيّ (قانون الطفل) و(على شاطئ تشيسل). حيث ستكون الممثلة الإيرلندية (سيرشا رونان) البطلة في أحدهما .

هل بمقدورك إخبارنا عن الحالة التي تمر بها في غضون ولادة أي عمل أدبي لك؟ كيف تعمل؟ وبأية سرعة تكتب؟ وما هو الأسلوب الذي تتبعه؟

حالما أبدأ في الكتابة فإنها تستحوذ على تفكيري تمامًا. ما يجعلني أصب جُل أفكاري في الموضوع الذي أكتب عنه. وإن حدث أن وصلت حصيلة كتابتي إلى ما يقارب 450 إلى 500 كلمة في اليوم الواحد، حينها سأكون في ذروة سعادتي. يبدأ عملي في التاسعة والنصف صباحاً من كل يوم. و لا أجد أي مبرر للتوقف عن العمل. لأنني أعلم جيداً أنني سأصل إلى تلك اللحظة التي ينتابني فيها التردد، فأتوقف عن العمل ليوم كامل، أو ربما لأسبوع، لأعاود العمل من جديد فيما بعد .

أحياناً، أعمل في وقت متأخر من الليل. وفي أحايين أخرى، إذا سارت الأمور على ما يرام، أعمل في الساعات الأولى من الصباح. غالباً ما أستهل يومي بمراجعة ما كتبته بالأمس. لقد كنت من أوائل من تبنوا فكرة معالجة النصوص في أوائل الثمانينات. إنه لأمر حسن أن يكون الكاتب قادراً على تصحيح ما كتب باستمرار. وفي هذه الحالة، أظن أن عليه أن ينفصل عن النص الخاص به بشكل تام، ليعود للنظر إليه بطريقة حيادية، وكأنه عملٌ لكاتب آخر.

هل سبق لك أن قمت بالتدريس؟

لقد أدرت العديد من النقاشات في عدة حلقات بحثية، مع طلاب عدة، بما في ذلك طلاب كلية الفنون الجميلة، حيث جرت العادة أن أحاورهم بعد إعطائهم الحصة المقررة كل صباح. وحتى قبل أن أقوم بنشر كتابي الأول بمدة طويلة، كنت ألقي محاضرات في ورش تعليم الكتابة في جامعة آيوا. لقد استمتعت كثيراً بعملي. وأظن أن الطالب المجدّ هو من يأتي بفائدة و يغادر بأخرى. إذ لا بد له أن يستفيد من حضوره تلك الورشات. بيد أن أكثر فائدة يمكن أن تجنيها من تلك الورش هي وجود من يترقب أعمالك. أنت بذلك تكسب القارئ. وهذا يعني أنك تكتسب جمهوراً جديداً. إذ ثمة فرق هائل بين وجود ثلة من الناس ممن يقرؤون أعمالك، وبين عدم وجودهم .

ثمة عدد كبير من القراء ممن يستخدمون كلمة واحدة لوصف أعمالك، ألا وهي “محطِّمة” فهل تظن أن بإمكان هذه الكلمة أن تصف القصص التي تكتبها بدقة؟ وهل تحاول، متعمداً، ترك ذلك الأثر العاطفي العميق في نفوس قرائك؟

لا أنوي تحطيم قلوب قرائي بالضرورة. بيد أنني آمل أن يقعوا تحت تأثير ذلك السحر الذي يوقد لديهم فضولاً تجاه النص. ذلك لأن فعل قراءة الرواية التي تخلو من ذلك الإحساس بالترقب، هو فعل باهت يفتقر لأي معنى. يمكن لهذا الإحساس أن يكون ترقباً فكرياً أو عاطفياً، أو مزيجاً منهما معاً. هو شيء يحثك على متابعة القراءة. إذ يرى الكاتب البريطاني (هنري جيمس) أن الوظيفة الأولى للروائي هي أن يحقق المتعة للقارئ. وربما أعي تماماً ما يعنيه بذلك. أما بالنسبة لي، فلا شك أنني سأضع الرواية جانباً، إذا لم تُثر فضولي. أود أن أُحدث شيئاً ما. ولا يجب أن يتعلق ذلك الشيء بتلك الأدوات التي أشتهر بها. آمل، فقط، أن يشعر قرائي بصعوبة ترك الرواية دون الرغبة بالعودة لقراءتها مجدداً.

في روايتك الجديدة (قشرة الجوزة) كيف اخترت صوت الراوي؟ و ما الذي جعلك تحاكي “هاملت“؟ 

لقد أتى ذلك من اتجاهات مختلفة. فبينما كنت أحضر اجتماعاً مملاً، تبادر إلى ذهني السطر الأول من الرواية، والذي يقول: “هأنذا، أقف رأساً على عقب داخل جسد امرأة “ حيث قمت بتدوين بعض الملاحظات. ثم غادرت ذلك الاجتماع .

حين يتعلق الأمر بكتابة الرواية، غالباً ما تتسم البدايات بالبطء. فأية فكرة يمكن أن تبدو فكرة رائعة في يوم بعينه، بيد أنها قد تصبح بخلاف ذلك، بمجرد مضي شهرين من الزمن .

في تلك الأثناء، كنت أشاهد مسرحية (هاملت) إذ بدأت الفكرتان بالتناغم مع أفكاري. وبمجرد أن يأخذ صوت الراوي مكانه المناسب، كما هو حال الخطة التي رسمتها لسير أحداث الرواية، والتي تركز على حث القارئ على التخلي عن شكه، فإن كل الأحداث، بعد ذلك، تسير وفقاً لتسلسلها المنطقي .

تكمن الصعوبة الحقيقية في بداية الرواية. أي في اختيار الأسلوب المتبع في قص الحكاية، على وجه التحديد. وبما أن القصة كانت مرحة، فلا عجب أن أختار أسلوباً مرحاً لسرد أحداثها بلغة شعرية تغلب عليها قافية التفعيلة الخماسية التي كانت بمثابة اعتراف بكون (شكسبير) المصدر الأول لإلهامنا. فلغتنا متشبعة بكلمات ذلك المبدع. فلم يؤثر بنا (شكسبير) بآلاف الأمثلة، والشخوص، والأفكار التي تبناها فقط، بل وصل تأثير كلماته إلى أولئك الذين يرددونها دون معرفتهم به. فحين يرددون العبارة التالية: “كن كل شيء، أو لا شيء” هم يقتبسون عبارة (شكسبير) الشهيرة دون علمهم بذلك. (شكسبير) هو المصدر الذي أعاود اللجوء إليه باستمرار. وهذا نوع من الإجلال للخط الذي سار عليه ذلك المبدع.

كيف يبدو يوم الكاتب (إيان ماك إيوان)؟ وهل بإمكانك الخروج دون أن يتعرف عليك المارة؟ وكيف يتصرف الناس عند معرفة هويتك؟

نعيش أنا وزوجتي في الريف، حيث لا يوجد أحد. إن شهرة الأديب تختلف كل الاختلاف عن شهرة مشاهير الغناء، أو الرياضة، أو التلفاز. فلن تصادف معجباً يحاول أن يشد قميصك، على سبيل المثال. فالقارئ الشغوف بنتاجي الأدبي، إن حدث وتعرف علي، فربما لن يحرك ساكناً. ولعله سيكتفي بالاقتراب مني بكل احترام، وبالقول: “تعجبني تلك الرواية” ومن ثم ينصرف بكل هدوء. حياتي تسير كحياة باقي البشر. قد يختلس المارة النظر إلي في الشارع أحياناً. بيد أن ذلك لا يحدث سوى في الفترات التي أصدر فيها رواية جديدة.

ما الذي تعنيه لك فرصة اللقاء بقرائك، والتفاعل معهم؟

عندما تلتقي بقرائك، فإنك تقابل مجموعة من الناس انتقيتها بنفسك. حذارِ أن يخطر ببالك أن العالم كله يقرأ كتاباتك، وأن الجميع معجب بك. إن لقاء القراء تجربة ممتعة للغاية. لقد صادفت قراءً بأعمار متفاوتة؛ بدءًا من عمر السابعة عشر، وحتى عمر الثمانين سنة، أو حتى التسعين، ممن قرأوا أعمالي طوال حياتهم. حين زرت حديقة ذات يوم، برفقة ابني، في وسط لندن -حيث كنا نسكن – كان الناس يتنزهون في وقت الغداء. جلبت رزمة من الكتب التي كان من بينها كتبي، وأخرى لكتاب آخرين. ثم قمت بتوزيعها على المارة. كانت كل امرأة تطلب مني ثلاث كتب، في حين كان الرجال يردون بالقول: “لا، شكراً لك”

أيقنت حينها صدق شعوري بأن “فن الرواية سيؤول للتلاشي، لولا جمهوره من القارئات” 


[المصدر]

فرجينيا وولف : لماذا نقرأ؟ وماهي أوجه الشبه بين أعظم الأعمال الأدبية؟

تترابط عقولنا، نحن البشر، ببعضها البعض. فكل عقل متقد اليوم، يحاكي عقولاً عظيمة كانت موجودة فيما مضى، أمثال (أفلاطون) و(يوربيديس) إذ يمثل تطوراً واستمرارية للشيء ذاته. إنه ذلك الفكر المشترك الذي يربط العالم بأسره .فالعالم، في جوهره، ليس سوى فكر.

لقد أدرجت (باتي سميث) ضمن قائمة المعايير التي وضعتها لتصنيف الروائع الأدبية، قدرة هذه الأعمال على سحر قارئها إلى الحد الذي يشعره بضرورة إعادة قراءتها مرة أخرى. في حين اعتبرت (سوزان سونتاغ) أن عملية إعادة القراءة، تلك، هي بمثابة ولادة جديدة للنص. وأظنني أُوافقهما  الرأي في ذلك، عن طيب خاطر، لأنني أواظب على قراءة رواية (الأمير الصغير) مرة في كل عام. إذ أجدها تبوح لي، في كل قراءة، بمعان جديدة، ومرممات وجودية لكل ما يمكن أن يعكر صفو حياتي في تلك اللحظة.

قد نلجأ، نحن القراء، إلى إعادة قراءة بعض الأعمال المحببة إلينا، لأننا ندرك عدم استمرارية التجارب الإنسانية، بالإضافة إلى آنية تلاقي الحالات والظروف التي تكوّن الذات البشرية في  أية لحظة من الزمن. ناهيك عن إدراكنا لتطور شخصياتنا في العام المقبل، إذا ما قورنت بها في العام الفائت، لتغدو أكثر نضجاً في مواجهة كافة التحديات، و الآمال، والأولويات. حيث تصبح ذاتاً جديدة، مختلفة كلياً عنها فيما مضى.

كانت (فرجينيا وولف) في الحادية و العشرين من عمرها حين سجلت هذا الاعتراف، بصفاء ذهني لا يضاهى، وألق لغوي فريد. ففي صيف عام 1903، انزوت (وولف) بعيداً عن صخب مدينة لندن، لتذهب في إجازة قضتها بين رحابة، وخضرة الريف  الإنكليزي، لتستمتع بعزلتها، وتقرأ ما يحلو لها.

ربما بلغت قراءتي خلال هذه الأسابيع الثمانية في الريف، ما يفوق ما أقرؤه في ستة أشهر أثناء وجودي في لندن.

في غضون تلك الرحلة الاستجمامية مزدوجة الفائدة، والتي حققت فيها مكسب القراءة والتأمل، وصلت (وولف) إلى اكتشاف السبب الحقيقي الذي يجعلنا نقرأ، بالإضافة إلى ما يمكن للكتب أن تقدمه للروح الإنسانية، وكيف لها أن تمهد لما أسمته (إيريس مردوك): “فرصة للتجرد من الأنانية”، وكيف يمكن للكتب أن تؤدي براعتها المذهلة في كونها تنشأ عن ذهن شخص معين، لتتمكن من الوصول، بهذه الحميمية، إلى آلاف، أو ربما ملايين الأشخاص عبر الزمان والمكان، في عملية تداخل بين مختلف المشاعر، ضمن تجربة تشاركية واسعة.

في الأول من يوليو، كتبت (وولف) في مذكراتها ما يلي:

إضافة إلى الكتابة، فإنني أقرأ الكثير. بيد أن الكتب هي أكثر الأشياء التي أستمتع بها.

في بعض الأحيان، أشعر بأجزاء من دماغي تتسع و تكبر أكثر فاكثر، و كأنها تنبض بدم متجدد، بشكل أسرع من ذي قبل. وليس هنالك شعور أكثر لذة من هذا الشعور. أما حين أقرأ التاريخ، فكل شيء يصبح ,على حين غرة، نابضاً بالحياة. متفرعاً جيئة و ذهاباً، مرتبطاً بكل أشكال الأشياء التي كانت بعيدة في الماضي. وكأنني أشعر، على سبيل المثال، بتأثير (نابليون) على أمسيتنا الهادئة في الحديقة. لأرى كيف ترتبط عقولنا ببعضها البعض، وكيف يمكن لأي عقل متقد أن يحمل التركيبة ذاتها التي كونت عقل (أفلاطون) أو (يوربيديس) إنها عملية تتمة وتطوير لذات الشيء. هو ذلك الفكر المشترك الذي يربط العالم بأسره، فالعالم، في جوهره، ليس سوى فكر.

في وقت لاحق من حياتها، كتبت (وولف) في وصفها الرائع لإدراك معنى أن تكون مبدعاً، ما يلي:

ثمة مثال يكمن خلف كل حالة ضبابية. هذا العالم عبارة عن عمل إبداعي. لا وجود لـ(شكسبير) فنحن الكلمات في أعماله، أو (بيتهوفن) فنحن الألحان في موسيقاه، ولا لإله، فنحن الشيء بعينه.

بعد بلوغها الحادية والعشرين من العمر، تمكنت (فرجينيا) من إدراك آنية هذه اللمحات الجزئية للحقيقة، وكيف يمكن لهذا الشعور بالانتماء الداخلي، أو ذاك الشعور بالكينونة، أن ينزلق من بين أيدينا. تكمل (وولف) تدوين ذات المذكرات التي كتبتها في عام 1903 بلفتة رشيقة من إدراكها أن “العالم بأسره ليس سوى فكر” إلى ذاك الهروب المألوف للمعنى، حينما  تجتاحنا تلك الحالة الضبابية لتحيلنا غرباء، مرة أخرى:

ثم أقرأ قصيدة تقول “ذات الشيء يتكرر”. لأشعر أنني تمكنت من القبض على المعنى الجوهري للعالم، و كأن كل هؤلاء الشعراء والمؤرخين والفلاسفة يتبعون طرقاً تتفرع عن ذاك المركز، حيث أقف. ليعتريني بعض الاضطراب بعدها، فيؤول كل شيء للخطأ من جديد.

وبعد أكثر من عقد من الزمن، كررت (وولف) وجهة النظر ذاتها، في واحدة من مقالاتها الاستثنائية التي كتبتها في غضون عملها كناقدة في الملحق الأدبي لصحيفة التايمز البريطانية، والتي تم جمعها، مؤخراً , في كتاب  تحت عنوان (نبوغ و حبر؛ مقالات  للكاتبة (فرجينيا وولف) حول كيفية القراءة) هذا الكتاب الذي كنت سأدرجه، بكل شغف، ضمن قائمة كتبي المفضلة لهذا العالم، لو كنت من أولئك الذين يفضلون إعادة قراءة الروائع الأدبية المحببة إلى قلوبهم.

كما هو حال الشاعرة البولندية الحائزة على جائزة نوبل للأدب (فيسوانا شيمبورسكا) التي اتسم نقدها التأملي بكونه يوظف الكتب كنقطة انطلاق لتأملات سامية حول الفن والحياة، أكثر من كونها نماذج للمراجعة أو النقد، تعامل (وولف) كل كتاب تقوم بمراجعته كحجرة سقطت من جيب معطفها في نهر الحياة [*]. حيث تقوم برصد الصيغة الأساسية للعمل، ومن ثم تراقب حلقات الإدراك التي تتنامى وتترقرق في نهر الوعي . في أولى مقالاتها من تلك السلسلة التي تناولت فيها روايات الكاتبة (تشارلوت برونتي)، تبنت (وولف) وجهة نظر عميقة حول نشأة الروائع الأدبية، والذي نعاود الرجوع إليه مراراً، وتكراراً :

ثمة ميزة تتشارك بامتلاكها كافة الأعمال الأدبية الحقيقية. ففي كل قراءة لها، يلاحظ القارئ تغييرات طفيفة. كما لو أن نسغ الحياة يجري في أوراقها. أو أنها تمتلك، كما هو حال السماء و النباتات، القدرة على تغيير شكلها ولونها بين فصل و آخر. إن تدوين انطباع القارئ حول مسرحية (هاملت) بعد قراءتها في كل عام، من شأنه أن يصبح أشبه بسيرة افتراضية لكاتبها. فكلما ازدادت معرفتنا للحياة، كان لدى (شكسبير) تعقيباُ على ما عرفناه.


[المصدر]

[*] يقصد بها الإشارة إلى حادثة انتحار (فرجينيا وولف)، حيث ملأت جيوب معطفها بالحجارة وألقت بنفسها في نهر أوز.

مهما بدت مشاهد حيواتنا مشوشة، ومهما كنا، نحن الذين نعيشها، منهكين، بإمكاننا مواجهة تلك المشاهد والسير حتى النهاية

في إحدى ظهيرات مدينة نيويورك الحارة، كنت أجلس مع صديقة لي كانت زميلتي في الدراسة لسنين عدة في أحد المقاهي. وقد كنت، فيحقيقة الأمر، فتاة لا تخلو من بعض الغرور والسذاجة . ولا تلقي بالاً للشعر على الإطلاق. حتى بدأت صديقتي بقراءة بضعة أبيات للشاعر (إدوارد إستالن كانينجز) في مقهى مانهاتن الصاخب ذاك.

في تلك اللحظة، تغير كل شيء. كانت تلك الأبيات هي الشرارة التي أوقدت لدي شغفاً حقيقاً بالشعر.

وبالرغم من وصف الشاعر الروسي (جوزيف بروسكي) للشعر بأنه أداة لتطوير ذائقتنا الأدبية، كما هو حال الشاعر الأمريكي (جيمس ديكي) الذي وصف، بدوره، الشعر قائلاً:

يتيح الشعر للفرد أعمق أنواع التملك للعالم.

إلا أن ردة فعلي، في يوم الثلاثاء الصيفي ذاك، لم تكن مستغربة على الإطلاق. لأن مجتمعنا يضمر نوعاً من المقاومة الغريبة للشعر. بل وربما الرفض المتعنت لفكرة احتواء الشعر على ما وصفه الشاعر الانكليزي (ويليام ووردزوور) بـ”النَفَس والروح المرهفة لكل المعارف” وهذا ماعرضته الشاعرة الأمريكية (موريل روكيسر) في كتابها المعنون بـ(حياة الشعر) والصادر في عام ١٩٤٩، حيث قالت: 

إنه رفض يتسم بالخوف.

إن كتاب (موريل) هذا يعد استكشافًا رائعاً، وبالغ الحكمة لكل الأشكال والأساليب التي نُبعد بها أنفسنا عن تلك الهِبة المتلثمة بذلك الفنالذي الأساسي، المتغلغلة في الروح ، والملم بالحقيقة، والذي لايمكن الاستغناء عنه. تستهل (روكيسر) كتابها قائلة:

إن الشعر هو الطريقة التي تُشعر البشر بتلاقي ضمائرهم مع العالم. وهو الذي يشعرهم بقيمة معاني مشاعرهم وأفكارهم، وبجدوى علاقاتهم مع بعضهم البعض. هو فرصة للإحساس بعذوبة الأشياء واحتمالاتها المتعددة. فالشعر فن ينهبنا كل هذه الأشياء. لكنه، للأسف، فن منبوذ في مجتمعنا. لقد حاولت جاهدة، في كتابي هذا، تتبع أساليب رفض الشعر. بدءً من كل أنواع الملل، ونفاد الصبر، ناهيك عن إطلاق صفات كالنخبوية، والغموض، والاضطراب، و إثارة الشبهات على الشعر.

فهل ثمة ما هو حقيقي من بين تلك الصفات، وهل يمكن أن يفضي ذلك إلى إفساد إدراك الإنسان؟

يمكننا أن نلاحظ أن آراءً كهذه من شأنها أن تؤدي إلى تقييد ملكة الخيال لدى الشاعر وجمهوره، على حد سواء.

أما في سعيها للوقوف على أسباب الرفض للشعر، تعرض (روكيسر) أوجه الشبه بين الشعر والعلم قائلة:

تتشابه روابط الشعر، إلى حد كبير، بروابط العلم. و لا أقصد بذلك النتائج العلمية، بل أعني نقطة التلاقي بين كافة أنواع الخيالات، والتي يمكن للشعر أن يمنحها لقرائه. في الوقت الذي تتكون فيه السيمفونية، مثلاً، من مجموعة من النوتات الموسيقية، والنهر من عدد هائل من قطرات الماء، لا يمكن للقصيدة أن تكون مجرد الصور والكلمات الواردة فيها. فالشعر يعتمد في وجوده على تلك الروابط المتحركة بداخله. هو فن يعيش في زمنه. يعبّر ويستحضر تلك الروابط المتحركة بين إدراك الفرد والعالم. إن آلية عمل القصيدة تقوم على نقل الطاقة الإنسانية . و أظن أن بمقدوري تعريف طاقة الإنسان بكونها قدرته على الإدراك، وعلى إحداث تغيير في ظروف وجوده.

إن تقبل معاني الشعر من شأنه أن يمهد لاستخدام الشعر كتمرين للاستمتاع بإمكانية التعامل مع المعاني الأخرى في العالم وفي حياة الفرد بطريقة مختلف . من الطريف أن نلاحظ أن كافة الأسباب التي عرضتها (روكيسر) في زمن نشر كتابها عام ١٩٤٩ لا زالت موجودة في زمننا الحالي بشكل أكثر وفرة و إلحاحاً من ذي قبل.

في اللحظة التي نواجه فيها آفاقًا وتضادات أكثر اتساعاً مما سبق، غالباً ما نلجأ لمصادرنا الخاصة التي هي مصدر قوتنا. لننظر، مرةأخرى، لأماني الإنسان ومعتقداته. وتلك المصادر هي التي يمكن لخيالنا، من خلالها، أن يقودنا للتفوق على أنفسنا.

إذا حدث وراودنا شعور بفقدان شيء من تلك الوسائل، فربما يكون سبب ذلك الشعور هو عدم استخدام إحداها، أو ضرورة إيجاد الكثير منها والبدء باستخدامها هي الأخرى.

لطالما قيل أنه يتوجب علينا استخدام طاقاتنا البشرية، و بأن ثقافتنا هي التي تحثنا على استخدام كل مافيها من ابتكارات وحقائق. ولكن، ثمة نوع من أنواع المعرفة الثمينة، المتمردة، والتي تفوق الأوابد الأثرية في قدرتها على تحدي الزمن، والتي يجب أن تتناقلها الأجيال فيما بينها بأية طريقة تكن، ألا وهي الشعر.

تعود (روكيسر) هنا للحديث عن الدور الفردي للشعر، وعلاقته بالعلم وباقي الفنون، لتقول:

ولأن من الصعب أن نوقف هذا الكم الهائل من الأحداث والمعاني التي تحدث كل يوم، آن الأوان لنستذكر شكلاً آخر من أشكال المعرفة والمحبة. هذا الشكل الذي لطالما كان وسيلة لبلوغ أقصى أنواع المشاعر والعلاقات تعقيداً. وهذه الوسيلة تشبه غيرها من العلوم والفنون، بيد أنها تمتاز عنها بقدرتها على تأهيل خيالنا للتعامل مع حيواتنا. وأعني بتلك الوسيلة الشعر.

بعد ذلك، تعرض (روكيسر) تعريفًا لا غنى عنه لطبيعة ومغزى الشعر في وجهة نظر عرضها الفيلسوف والكاتب البريطاني (آلان دي بوتون) بعد ما يقارب النصف قرن من الزمن. يقول (بوتون):

يحمل الفن وعداً بالكمال الداخلي.

وفي هذا الصدد تكمل (روكسير) حديثها قائلة:

إن الشعر، فوق كل شيء، هو مقاربة لحقيقة أحاسيسنا، ولكن، ما هي جدوى تلك الحقيقة؟

مهما بدت مشاهد حيواتنا مربكة أو مشوشة، ومهما كنا، نحن الذين نعيش تلك المشاهد، منهكين، بإمكاننا مواجهتها والسير  لبلوغ الكمال.

تذهب (روكيسر) إلى اعتبار الشعر فناً يحضى بأقل قبول بين غيره من الفنون. وتعزو ذلك الى ارتباكنا الأبدي أمام عواطفنا. فضلًا عن تشبثنا الخاطئ بفكرة فصل العاطفة عن الفكر.

أما فيما يتعلق بأصل رفضنا للشعر، والمتمثل بذلك الخوف الذي يعبر عن خلل نفسي، تقول (روكسير):

إن القصيدة الشعرية ليست دعوة فقط، بل هي ضرورة ملحة. فما الذي تدعو إليه القصيدة؟

يمكن للقصيدة أن تحرك فينا العواطف والأحاسيس، بل وربما تتطلب منا استجابة شاملة، وهذه الاستجابة الشاملة لا نصل إليها إلا عن طريق المشاعر. كما أن القصيدة المكتوبة بعناية غالباً ما تستحوذ على خيال قارئها فكرياً. فعندما تدرك القصيدة فكرياً، هي تسلك طريقها إليك عبر المشاعر أو مايمكننا تسميته بالأحاسيس.

ولفهم ذلك، ينبغي عليك، عزيري القارئ، أن تلقي نظرة على النسخة الأصلية من رواية (الأمير الصغير) للكاتب الفرنسي (أنطون سانت إكزوبيري) والصادرة عام ١٩٤٣، والتي تنتمي للأدب الكلاسيكي للطفل، والمكتوبة بلغة شعرية رقيقة تلامس القلب. إذ يقول كاتبها:

سيشرق الأمير الصغير على الأطفال بذلك النور الطاغي الذي سيلمس فيهم شيئاً آخر سوى عقولهم. حتى يأتي للوقت المناسب ليستوعبوا ما حدث.

وفي العودة إلى أولئك الذين لا زالو يستنكرون الشعر، تمعن (روكيسر) النظر في ما أسمته “جذور التواصل” عبر تعريفها للشعر بما يلي:

ينبع الشهر من أعماق ناظمه، إذ يخيل لقارئ الشعر الحقيقي أن مشاعر الشاعر تخاطب مشاعره.

وبما أننا قد حُرمنا تلك الهبة، ألا وهي الشعر، تعيد الشاعرة (روكيسر) صياغة مقولة الرسام الإسباني (بابلو بيكاسو) الشهيرة ” كل طفل فنان” بطريقتها الخاصة. فهي ترى أن كل طفل هو مشروع شاعر، إذ تقول:

إن ذلك الخوف الذي يجعلنا نرفض الشعر هو خوف متعمق في ذواتنا منذ أواخر مرحلة طفولتنا، إذ لم نكن نمتلك ذلك الخوف من قبل. فالطفل الصغير لايعرف هذا الخوف لأنه يثق بمشاعره. بيد أن الحواجز تُبنى على عتبات مرحلة المراهقة. أما في سن الرشد، فغالباً مايرمي الناس الشعر وراء ظهورهم. ولا أعني بذلك المعنى الحرفي للكلمة، أي كما يتخلص الأطفال من ألعابهم القديمة، بل أقصد تلك القناعة الصادمة بكون الشعر يقع خارج نطاق اهتماماتهم.

ولا عجب أن يقوموا بازدراء الشعر أثناء جلوسهم في المقاهي. وهذا الازدراء متأصل فينا جميعاً. لأننا لم نتعلم حب الشعر في مدارسنا البتة. وهذا ما يجعل (روكيسر) تكرر عبارة الكاتب الأمريكي (ريتشارد بوكيمنستر فولر) بشكل شبه حرفي. لتعرض، مرة أخرى، أوجه الشبه بين العلم والشعر، حيث تقول:

إن ثقافتنا في التعليم ثقافة تخصصية. فهي تعمل على تزويدنا بمعلومات وخبرات في مجال محدد دون غيره من المجالات. وهذه الخبرة تؤهلنا للتعامل مع مشكلات محددة هي الأخرى. إذ تسمح لنا بمواجهة الواقع العاطفي والواقع الرمزي بشكل خجول .

يمكن لعالم مبتدئ، أو كاتب محترف أن يتساءل قائلاً: كيف بمكنني الحكم على جودة قصيدة بعينها؟ بإمكاني الجزم بجودة الأشياء الواقعة في مجال تخصصي، بيد أنني أجد نفسي غير قادر على الجزم بكون قصيدة ما جيدة أم لا.

أما في الرد على تساؤل كهذا، فيمكننا القول بأن من قاموا بطرحه هم أناس يفتقرون الثقة بمشاعرهم ورود أفعالهم.

إن فقدان ثقتنا بمشاعرنا هو نوع من أنواع انعدام الشعور بالأمان. ولن نتمكن من التخلص من شعورنا الداخلي بافتقارنا الى الكمال، إذا لم نكن قادرين على دمج كل العناصر المكونة لشخصياتنا من أجل تحقيق التكامل الذي تشكل ملكة تذوق الشعر جزءاً منه.

إن هذا الجمع بين العناصر التي تتحرك سوياً وفق نظام مرئي أصبح واضحاً في كل العلوم، فلا عجب أن يكون حاضراً في كتاباتنا أيضًا. و أينما وجد، فبمقدوره أن يعطينا نوعاً من الخيال الذي يمكننا من التلاقي مع العالم. كما يعزز قدرتنا على التعامل مع أية وحدة مكونة منعناصر متعددة، تعتمد في وجودها على بعضها البعض.


[المصدر]