أرشيف الكاتب

قواعد إريك فروم الست في فن الإصغاء

“الحب والفهم لاينفصلان عن بعضهما فهما يمثلان عملية عقلية، و انفصالهما يسد الباب أمام الفهم الأساسي”

بحسب ماكتبت (حنة آرندت): “لا يُعطى الرأي في التجارب إلا بعد ذكرها”، عن رأيها  في مدى إضفاء اللغة الواقعية على الوجود بتعبيرها، “ولطالما لم تذكر هذه التجارب فيصح القول بأن لا وجود لها”. ولكن إن ذُكرت التجربة ولم تلق آذاناً صاغية، فسيصبح نصف واقعها مبتور وانسجامها الأساسي مختل توازنه.

عَرف الفيزيائي العظيم (ديفيد بوهم) هذا بقوله: “علينا العيش بإنسجام مع أنفسنا ومع البيئة”، وبإختصار كتب في أطروحته المتميزة بشأن “معضلة التواصل”:

إننا بحاجة إلى أن نكون قادرين على التواصل بحرية في حركة إبداعية حيث لا أحد يتمسك فيها بأفكاره دومًا أو يدافع عنها بصورة أخرى.

أما عن كيفية فعل هذا، هو ما كشفه الفيلسوف والمحلل النفسي المؤثر (إريك فروم)، الذي ولد في 1900 وتوفي في عام 1980، في حلقة دراسية عقدت في سويسرا عام 1974 والتي نشرت بعد وفاته في كتاب يحمل عنوان (فن الإصغاء).

ويناقش في فن الإصغاء قائلًا أنه”فن أشبه بفهم الشعر” وحاله من حال الفنون الأخرى التي لها أصولها وقواعدها الخاصة. واستنادًا إلى ممارسته في المعالجة النفسية على مدار 50 عاماً، يقدم لنا ست إرشادات لإتقان فهم هذا الفن:

  • القاعدة الأساسية لممارسة هذا الفن بالتركيز التام للمستمع.

  • يجب أن يكون خال الذهن، أن يكون متحرراً على النحو الأمثل من القلق وكذلك من الجشع.

  • التمتع بمخيلة تعمل بحرية ملموسة وبدرجة كافية للتعبير عنها بالكلمات.

  • التمتع بقدر كبير وقوي من التعاطف مع الآخرين يكفي للشعور بتجارب الآخرين وكأنها تجربته الشخصية.

  • حالة التعاطف هذه، تعد جانبًا أساسيًا للمقدرة على الحب. إن فهم الآخر يعني محبته، دون أن يكون ذلك نابع من إحساس شهواني.

  • الحب والفهم لا ينفصلان عن بعضهما، يمثلان عملية عقلية، و انفصالهما يسد الباب أمام الفهم الأساسي.


[المصدر]

المثالية وأوهام الحب والسعادة لدى كيركيغارد

“إننا نصف أيقاظ مقارنةً بما يجب أن نكون عليه”، كما كتب (ويليام جيمس) في مفكرته (كيف نكون أشخاص إسثنائيين.)، “إننا  نستخدم جزءًا صغيرًا من مواردنا العقلية والبدنية الممكنة“. قبل قرن ونصف وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، جابه رائد من رواد العقول البشرية النيرة (سورين كيركيجارد) صراعاً مع المشكلة الأزلية المتمثلة في استغلال هذه  الموارد كاملة في تحقيق المثل العليا للفرد.

كتب (سورين كيركيجارد) في مذكرته والتي نشرت لاحقًا بإسم (مذكرات سورين كيركيجارد)، والتي فسر فيها الفيلسوف الدنماركي العظيم سبب كراهية الأعداء وهيمنة الأقليات وعن الخلاص من مرارة الألم الملازمة للإبداع. إذ يعتبر كيركيجارد أن العظمة متجسدة في الأفكار الموازية للطموح والتواضع.

وفي مدخل مقاله (يوميات نوفمبر 1846) كتب مايلي:

أدركت أكثر وأكثر أنني جُبلت لدرجة أنني لن أنجح في تحقيق مُثُلِي العليا، ومن منظور آخر، وتحديداً من منظورٍ إنساني، فإنني سأتخطى

الكثير من مثلي العليا. في حين يهدف معظم الناس عادة إلى تحقيق ُمثُل عليا، إسثنائية وعظيمة لن يبلغوها أبدًا. إذ أنني أشعر بالأسى والحزن الشديد لأن مُثُلي لم تشبعني يوماً. وإنني متأكد من أن الآخرين سيسخرون من مُثُلي تلك. لقد كان أسماها الزواج وتكريس حياتي لها.

وهأنذا، بعدما يئست من بلوغ هذا الهدف وصرت وحيدًا، وصرت مؤلفًا أيضًا، ومن يدري لربما أصير مؤلفًا مرموقًا.

لقد كنت قانعاً بإعتباري نصف مجنون، رغم أن هذا ليس سوى قالب سلبي بإعتباري جزءاً خارجاً عن المألوف، وقد يظل هذا القالب الأساسي يلازمني وبذلك لن أحقق شيئاً لكوني جزءًا ساكنًا وصغير جدًا.

إن ما جعل (كيركيجارد) استثنائيًا، على الرغم من رفضه لهذه الفكرة، هو قدرته على تحويل هذه الاستقلالية إلى قوة إحياء ومنح كلتا اعبائه؛ مثاليته الجامحة، وحزنه القاتل، بالمضي معه قدمًا وباتزان.

في مقال آخر بعنوان “كيف فهمت نشاطي ككاتب“، جسد (كيركيجارد) هذه الحالة بشكل جميل بوصفه:

لقد تصورت نفسي معتزمًا بالدفاع عما هو معتاد، في زمنٍ كهلٍ ومخيبٍ للآمال، وجعل إدراك هذا شيئًا مرغوبًا ومتاحًا لأخوتي في البشرية، ولأن الزمن قد يضلهم بالسعي وراء الأشياء النادرة والإستثنائية. فإنني فهمت أن مهمتي هي أن أكون هذا الشخص التعيس الذي لم يستطع إسعاد نفسه، والذي يحب جميع البشر ويرغب بمساعدتهم على وجه التحديد في تحقيق السعادة.

ويحذر (كيركيجارد) من جعل الجهد المبذول في إسعاد الآخرين مجرد وسيلةً لإرضاء الذات النرجسية:

لقد كنت شديد الحذر من أن تدنس جهودي بالغرور الساعي إلى تحقيق الذات. لقد خدمت الفكر والحقيقةر.. خدمت الحقيقة قبل كل شيء، فلم ابتغِ منها أي مقاصد علمانية أو دنيوية. لذا عملت بما أملاه علي ضميري.

في سيرته الذاتية بعنوان (مسار حياتي) الذي نشر عام 1852، كتب (كيركيجارد):

المثل الفضلى ليست بالفهم فحسب بل بالعمل، وتتضمن هذه تحمل جميع الأعباء المنطوية عليها.


[المصدر]

قصة إختفاء آغاثا كريستي العجيبة

آغاثا كريستي

ولدت (آغاثا ماري كلاريسيا) ملير المعروفة بـ(آغاثا كريستي) في الخامس عشر من سبتمبر عام 1890 بتوركوي ديفون في إنجلترا ، وهي الابنة الصغرى من الأبناء الثلاثة لـ(كلارا) و(فريدريك ملير) ، اشتهرت (آغاثا) بمسرحيتها (مصيدة الفئران) التي صنفت كأفضل وأطول عمل مسرحي في التاريخ، وكتبت مايقارب 66 رواية بوليسية و14 مجموعة من القصص القصيرة.
تعرفت (أغاثا) بعمر الثانية والعشرين بزوجها الطيار الماهر الذي كان يعمل بإكستر (آرتشابيلد) أو (آرتشي كريستي)، والذي حصلت على لقب (كريستي) منه.
في أحد حفلات رقص في سنة 1912 وارتبطا بعلاقة حب وتزوجا في رأس السنة لعام 1914 في فترة عودة (آرتشي) لقضاء الإجازة بعد عودته من عمله من فرنسا أثناء اندلاع الحرب العالمية الأولى.
وفِي فترة انشغال زوجها للقتال في أنحاء أوروبا لسنوات قليلة، عملت (آغاثا) كممرضة متطوعة في مستشفى الصليب الأحمر بتوركاي مسقط رأسها، و قيل بأن من أسباب الإلهام للكتابة وابتكارها لشخصية المحقق البلجيكي المشهورة في رواياتها (هرقل باوارو) أولئك اللاجئون البلجيكيون الذين كانوا يتواجدون بتوركاي، بالإضافة لتحدي شقيقتها الكبرى (مارغريت) واثبات قدرتها على الكتابة فنشرت أول قصصها البوليسية (قضية ستايلز الغامضة) في مجلة (ڤانتي فير) متبعةً أساليب الغموض والإثارة في كتاباتها.آغاثا كريستي في طفولتها
وبعد إنتهاء الحرب وعودة (آرشي) وتوليه منصباً في وزارة الطيران انتقل الزوجان إلى لندن، ووقعت (آغاثا) عقدها مع شركة (بودلي هيد للنشر) في عام 1919 لتنشر أولى رواياتها وانتقلت فيما بعد للتوقيع مع (دار كولنز للنشر) وذلك بعد حصولها على عرض ٍمغري مقابل مائتي جنيه إسترليني إضافية، وحصدت أولى ثمار عملها بشراء منزل جديد في بيركشير بستايلز وانتقلت إليه مع زوجها وابنتهما (روزاليند).
وعلى الرغم من النجاحات والمكاسب التي حققتها (كريستي) إلا انها كانت شديدة الحرص في النفقات وتصر على التحكم بزمام الأمور المالية فكانت تجبر أسرتها بإتخاذ أسلوب معيشي متواضع، وهذا بلا شك كان نتيجة لما حل بعائلة (ملير) من فقر وبعد إصابة والدها، رجل الأعمال الأمريكي، بعدد من النوبات القلبية التي أدت إلى وفاته في تشرين الثاني / نوڤمبر 1901 وهي طفلة بعمر ال 11 عاماً.
وعلق البعض على أن هذه الرقابة الصارمة على موارد الأسرة المالية كانت السبب في توتر العلاقة مع زوجها (آرشي)، للحد الذي دفعه لارتباطه بعلاقة مع مساعدته (نانسي نيل) ابنة الـ25 ربيعاً.
فإكتشاف علاقته معها كانت بمثابة “القشة التي قسمت ظهر البعير” على (كريستي) بطلبها الطلاق منه، وخاصة ان هذا تبع وفاة والدتها الحبيبة جراء اصابتها بمرض الالتهاب الشُعبي.
وبهكذا تبتدأ قصة (اللغز العجيب) الذي لا ينسى أبداً، ففي ليلة الثالث من ديسمبر عام 1926 نشب شجار بين الزوجين وعلى اثره ترك (آرشي) المنزل لقضاء إجازة نهاية الأسبوع بعيداً مع أصدقائه ومعهم عشيقته (نانسي) وبعده خرجت (آغاثا) في نفس الليلة تاركةً ابنتهما مع الخادمة في المنزل .

من اليمين آغاثا وزوجها آرتشي سنة 1922

من اليمين : آغاثا وزوجها آرتشي سنة 1922

وفِي صباح اليوم التالي عثرت شرطة ساري على سيارة (آغاثا) متروكة على بعد أميال، ومغمورة جزئياً داخل شجيرات في غيلدفورد ساري نتيجة لحادث، ومما أثار الغموض بأن السائق في عداد المفقودين وان المصابيح الأمامية مضاءة، وعثر على حقيبة و معطف في المقعد الخلفي.
وفجأة اصبح اختفاء الكاتبة العجيب، يتصدر العناوين الرئيسية للصحف وحددت على أثرها مكافئة هائلة لمن يأتي بأي مشاهدة أو أي دليل جديد.
وفِي أعقاب اختفائها، أشارت أصابع الإتهام الى (آرتشي كريستي) وعشيقته (نانسي نيل) بأن لهم يداً في اختفاء (آغاثا)، وباشر رجال الشرطة مع آلاف من المتطوعين المتحمسين للبحث عنها، فقد تم جرف احدى البحيرات التي كانت تسمى بـ“البركة الصامتة” للعثور عليها، وبهذا يصبح مصير (آغاثا) كمصير أحد شخصياتها البائس.
خاضت شخصيات مشهورة حل هذا اللغز كوزير الداخلية آنذاك (ويليام جوينسون هيكس) للضغط على الشرطة لتستعجل البحث على الكاتبة بالإضافة الى مشاركة زميلها الكاتب (آرثر كونان دويل) فاستعان بعراف باستخدامه لأحد قفازات (آغاثا) كمرشدٍ للعثور عليها.
وبعد مضي عشر أيام على الاختفاء، اتصل رئيس النادليين من أحد الفنادق في هاروغيت بيوركشير على الشرطة، ليخبرهم بالبشرى الساره وانه عثر على الكاتبة متخفية بهوية ضيفة قادمة من جنوب أفريقيا تدعى (تيريسيا نايل) وبدت ودودة وبكامل حيويتها.
سافر (آرتشي) مع الشرطة الى يوركشير وأخذ مقعداً في زاوية غرفة الطعام بالفندق ليشاهد زوجته المبتعدة منذ ايام تتجول، وأخذ مكان على طاولة أخرى وأمسك الصحيفة المتصدرة عنواينها اختفاء الكاتبة وباشر بالقراءة، وأحاطت الحيرة والدهشة الجو العام، فبحسب ما لاحظه الشهود انه عندما تم الإشارة على زوجها الذي تزوجته منذ ما يقارب 12 عاماً لم تتمكن (آغاثا) من تذكره.

الفندق الذي عثر فيه على آغاثا بعد إختفائها

الفندق الذي عثر فيه على آغاثا بعد إختفائها

وأصبح سبب إختفائها العجيب، محل جدل كبير لسنوات وتراوحت الآراء حول ذلك فمنهم رجح انه نتيجة لانهيار عصبي تعرضت له بعد وفاة والدتها والحرج من علاقة زوجها بأخرى، ومنهم من سخر من الموضوع بأنها حيلة ترويجية لأحد كتاباتها.
وفِي ذلك الوقت صرح (آرشي كريستي) بأن اثنين من الأطباء أكدا على ان (آغاثا) تعاني من مرض فقدان الذاكرة واحتمالية إصاباتها بإرتجاج في الدماغ ومما يوافق هذا التفسير هو صعوبة تعرفها على زوجها بعد حادثة الاختفاء.
وبعد فترة وجيزة ، انفصل الزوجان (آغاثا) و(آرشي) ليذهب كلاً منهما الى طريقه المنفصلة وبعد ذلك، تزوجت (آغاثا) من عالم الآثار (ماكس مالوان) وتزوج (آرشي) (نانسي نيل)، وبات موضوع اختفائها أسيراً للصمت فلم يتطرق إليه احد مرة أخرى ولم يذكر حتى في سيرة حياتها التي نشرت بعد رحيلها في نوڤمبر 1977، وهكذا يبقى السر الأكثر إثارة للجدل والإهتمام من أسرار (كريستي) دون حل.


[المصدر]

 

هل ابتكرت النساء آداب “الإتيكيت”؟

IMG_1513

كايت كيرشنير، هي كاتبة حرة، تسكن في مدينة سياتل، بالولايات المتحدة الأمريكية.

نشرت (كايت) في صحيفة HowStuffWorks مقالة قصيرة، بعنوان “هل ابتكرت النساء آداب الإتيكيت؟”، ننقلها لكم هنا بترجمة حصرية لدى ساقية. تقول (كايت) في مقالتها:

قد تواجه النساء الكثير من الضغوطات الاجتماعية مما يجعلهن يسلكن طريقاً معيناً للتعامل مع هذه الضغوط، كابتكار آداب للسلوك، لكن هل فعلياً ان النساء ابتكرت آداب السلوك او ما يسمى “الإتيكيت“؟

بالتأكيد، ستقول نعم بأن النساء ابتكرت ذلك، وقد تضيف أيضاً ان النساء ابتكرت الدردشة والتنزه في الحدائق ومشاهدة حفل توزيع الجوائز التلفزيونية معاً .

فعلينا بالطبع ان نعترف أيضاً، بأن للرجال دور في ابتكار هذا الفن في السلوك.

وكمثل العديد من العادات الاجتماعية التي كان للرجال والنساء دوراً فيها، كذلك في “الإتيكيت” فكلاهما قد ساعدا بتطوير آداب الإتيكيت على مر العصور.

في حين أننا قد نعتبر (إميلي بوست)، مؤلفة أول كتاب في عالم الإتيكيت (الإتيكيت في المجتمع، في العمل، في السياسة، وفِي المنزل)، كدليل لنا لتعلم النقاط الدقيقة لبروتوكل الزفاف أو إعداد وترتيب المائدة في العصر الحديث، فتاريخ فن الإتيكيت يثبت لنا انه لم يكن تحت الهيمنة النسائية فحسب.

ففي الواقع كان فن “الإتيكيت” دارجاً ومُطبقاً بصرامة داخل البلاط الملكي الفرنسي، وتحديداً في عهد (لويس الرابع عشر) ملك فرنسا آنذاك.

فقد كان (لويس الرابع عشر) شغوفاً جداً بالبروتوكول وبدى ذلك في خطاباته وحديثه بالتأكيد. فالتعامل بكثره مع الإتيكيت كان مرتبطاً بواقع البلاط الملكي من الوفود والضيوف من طبقات إجتماعية متفاوتة وبلدان مختلفة، مما ساعد على فرض مجموعة من القوانين والأساليب الصارمة حفظاً للكبرياء والوقار، وضماناً على أن يظهر الإحترام والمراعاة للتسلسل الطبقي الاجتماعي.

ولكن هل هذا يعني أن (لويس الرابع عشر) هو من اخترع بنفسه آداب الإتيكيت؟

قطعاً لا، فبطبيعة الحال لطالما وُجدت المجتمعات الاجتماعية، فقد ابتكرت معها قواعد وأنماط السلوك؛ فالبعض كان يستشهد من الكتاب المقدس عن بعض آداب السلوك، وفِي العصور الوسطى على سبيل المثال، لم تكن هنالك قواعد واضحة كأيهما أنسب استخدام وعاء مخصص للبصق أم البصق على الأرض، أو أياً كانت الأعجوبة! فقد كان هنالك تسلسل يتَّبع للنظافة فهي كانت ولا زالت شيء مرغوب.

وتشير بعض الحقائق إلى ان بعض انواع قواعد الإتيكيت، ابتكرت لحماية النساء نتيجة لتلك القوانين الصارمة المضطهدة للمرأة في القرن التاسع عشر، فكانت هذه القواعد بمثابة حماية للنساء ضد الاضطهاد والمعاملة القاسية اللاتي تعرضن لها. ويشير آخرون ان آداب الإتيكيت صممت للحد من بعض المضايقات؛ كالتحرش الجنسي والتمييز داخل بيئة العمل.

وبطبيعة الحال، لا تشير أي من هذه الحقائق إلى استنتاجٍ مفاده بأن المرأة وحدها ابتكرت هذه القواعد والآداب الاجتماعية، وعوضاً عن ذلك فإن الإتيكيت شيء ابتكره الناس منذ القدم ويتغير بحسب ما تقتضيه الحاجة والضرورة.

وسواءاً كان الدافع لذلك التسلسل الطبقي الاجتماعي الذي فُرض، أم  كحارس للنساء اللاتي لم يستطعن حماية أنفسهن أو مجرد وسيلة جيدة لإضفاء بعض المتعة عند كسر بعض القواعد، فبالتأكيد ان آداب الإتيكيت اختراع مشترك بين النساء والرجال.


[المصدر]

 

لغة العمال والمهاجرين في سبيل الحفاظ على الحياة

man-writing-wall-hobo-code-symbols-migrant

البقاء على قيد الحياة لا يتطلب القدرة الجسدية فحسب، بل أيضاً يتطلب قدرة ً ذهنية للتواصل بشكلٍ جيد مع الآخرين، ففي آواخر القرن التاسع عشر وبعد انتهاء الحرب الأهلية الأميركية (1861-1865)، وازدياد اعداد الفقراء والمهاجرين والمشردين، من المحاربين القدامى، الذين غدوا دون مأوى، يجوبون البلاد سعياً للعمل والملجأ، معرضين لشتى المخاطر، فهم يجتازون السواحل من أجل مأوى يأويهم ولو كان ذلك لأيام ٍمعدودة .

ولهذه الحاجة ابتكر هؤلاء المهاجرون والمشردين، وسيلة للتواصل لتبقيهم على قيد الحياة، عرفت بلغة او رمز (الهوبو).

ولكن كيف كان المهاجرون يجوبون البلاد دون المال في تلك الأيام ؟

لجأ هؤلاء للقفز على القطار، كتذكرة عبور وتنقل من البلاد، وتحديداً كان المهاجر يقفز على أعلى سيارات الشحن من منطقة لأخرى، وقد يكون سعيد الحظ ويحالفه الحظ بأن يعمل بعدها لدى إحدى الشركات بدوامٍ جزئي، مما جعل من هذه المسالك مكاناً مشتركاً للعمال المهاجرين لتلبية احتياجتهم.

وبطبيعة الحال، فإن محاذاة رحلةٍ مجانية على ظهر قطار، يسير في الريف لم يكن مسعى سهل، حيث كان يعد هذا عملاً غير قانوني منذ ذلك الوقت، مما اجبر العمال على الاختباء في الأماكن الضيقة، خوفاً من الوقوع او القبض عليهم ونقلهم للسجن.

واعتماداً على الجزء الأكثر خطراً وتهديداً لحياة المهاجرين، الظروف الجوية القاسية في أشهر الشتاء، حيث يموت الكثير من التجمد لأجل البحث عن عملٍ في الْيَوْمَ التالي.

ومابين التنقل والبحث عن الوظائف، كان المهاجرون يقصدون المبيت في المباني المهجورة و المباني الأخرى الغير عادية، مما كان يعرقل على المسؤولين في الحكومة وسكان المناطق من مواصلة ملاحقتهم، لأنهم كانوا يعتبرونهم خطراً عليهم . 

مما دفع ذلك ، الى ابتكار و تطوير هذه الرموز (الهوبو) وهي تتمثل بسلسلة من الرموز والأحرف والاشكال التي استخدمها المهاجرون للتواصل مع بعضهم البعض لضمان بقاءهم على قيد الحياة. 

وساهمت هذه اللغة او الرموز بتعزيز أهمية روح التضامن والتكافل بين المهاجرين وأقرانهم.

hobo-code-symbols-museum

فاستُخدمت رموزاً باطنية تحذيرية لتفادي بعض المخاطر كـ : الكلاب الضالة، مُلاك البيوت الغير ودودين، القضاة، رجال الشرطة وأي شيء قد يعترض طريقهم ليتجنبوا هذه المخاطر.

بالإضافة الى تبادلهم بواسطة هذه الرموز لمعلوماتِ هامة وقيّمة، تكفل لهم ضيافة كريمة في احد البيوت أو رعاية صحية للمرضى منهم ومؤونةً وغيرها.

وقد ساهمت هذه الرموز بتعلم اكثر اسهل الطرق الاستغلالية، كالإشارة لبعض الكنائس التي من شأنها ان توفر لهم وجبة مجانية مقابل “حديث ديني”.

وقد كان يتم استغلال لطف الراهبة من خلال سرد أحد المهاجرين لقصته بأسلوب يرثى له، ليؤثر على مشاعرها بسهولة.

code-hobo-symbols-warnings-communicate-signs

وعلى الرغم من ان ثقافة الهوبو ممارسة تقليدية للمهاجرين، فقد بدأت تختفي في القرن العشرين، إلا انها مازالت إلى الْيَوْمَ تستخدم رموزها، فيظهر بعضها في المناطق التي عادة ما تقوم بتشغيل العمال المهاجرين، أو العمال النهاريين في الأرصفة ونقاط العبور، كما هو مبين أعلاه في الصورة لأحد الرموز في شارع بميناء لويزيانا بولاية نيو أورليانز.

والجدير بالذكر، ان مصطلح الـ(هوبو) اصبح يُعد نوعاً من الإساءة التي تُطلق على المهاجرين.


[المصدر]