أرشيف الكاتب

ماذا تقول الانثربولوجيا عن السحر والشعوذة ؟

800px-Saul_and_the_Witch_of_Endor_(Stom,_1635)

باميلا ستيوارت Pamela Stewart وآندرو ستراذيرن Andrew Strathern أكاديميان من جامعة بيتسبيرغ  متخصصان في الأنثربولوجيا. كـتبا ورقة بحثية تتناول أعمال السحر و الشعوذة من منظور أنثربولوجيّ، سنترجم و نلخص في هذه التدوينة شيئا مما جاء فيها.

يقوم الباحثان بمحاولة لتحديد الفرق بين مفهومي السحر والشعوذة، لكنّهما عقّبا بعدم جدوى محاولتنا لإيجاد تمييز بينهما قائلين:

إنه لمن غير المجدي في هذه المواقف أن نصنع و نتمسك بأي تمييز تعريفي صلب. الأهم هنا هو التعرف على الحدود المعقدة والمتحولة للمفاهيم المحلية و كيف تتغير عبر الوقت..

وعند دراسة الأنثربولوجيين لظواهر السحر والشعوذة فإنهم يتناولون في التحليل جانبين: الأول وظيفي نفعي، والثاني عقلي. يتناول الجانب الوظيفي دور هذه الظواهر “في العملية الاجتماعية وفي الحفاظ على النظام الاجتماعي”. بينما يتناول الجانب العقلي “عملياتها المعرفية و دورها في الحفاظ على النظام العقلي ضمن بناء اجتماعي معين” فمن ناحية التحليل الوظيفي مثلا؛ يعرض الباحثان إسهام فيكتور تيرنر Victor Turner في ما أسماه ” الدراما الاجتماعية” Social Drama :

يُرَى اتهام ممارسة السحر و الشعوذة كمؤشرٍ ظاهري على نزاعات ضمنية على القوة. تكشف هذه النزاعات الضعف والتوترات الكامنة في التنظيم الاجتماعي .

يرى ستيوارت و ستراذيرن أن طريقتي التحليل – الوظيفية و العقلية –  لابد أن يجتمعا سويةً، حيث أنّ:

 العمليات الاجتماعيات تُغذّي الخيال الأخلاقي moral imagination للأشخاص وتغذي بحثهم عن التفسيرات وبحثهم عن النظام. بالمقابل؛ يعكس الخيال الأخلاقي بُنى القوة المحلية المتمثلة بالطبقة الاجتماعية و العرق.

و حينما نتساءل عما إذا كانت مظاهر أو أفكار الشعوذة ستختفي من مجتمع ما بتأثير الحداثة، يجيب المؤلفان :

 افترضت النظريات الأولى عن التغيير الاجتماعي فيما يسمى بمناطق العالم الثالث أن أفكار الشعوذة ستختفي بفعل عملية التحديث modernization  كما حصل سابقا في أوروبا. كانت هذه نظرة سطحية. يلقّم الأشخاص ظروفهم الجديدة بأفكارهم، ولا ينبذون كل الأفكار من ماضيهم ببساطة، حتى وإن قالوا بأنهم يفعلون ذلك. أفكار الشعوذة في أفريقيا المعاصرة مثلا؛ أصبحت طريقة بارزة للتأقلم مع وانتقاد الحداثة نفسها، والتي كان يتوقع أن تُودي بهذه الأفكار.

من الجديد الذي يقدمه الباحثان في أطروحتهما : اعترافهم بالدور الحيوي الذي تلعبه الإشاعة وتناقل القيل والقال rumors and gossip في انتعاش أفكار السحر و الشعوذة.

تتغذى الإشاعة على مواقف الشك في التواصل الإنساني و تساهم فيها، وترتبط مواقف الشك هذه باحتمالية النزاع وسوء الفهم. تنتعش دعاوى ممارسة السحر والشعوذة في الظلال، متتبعةً أنماط العداوات والاستياء المختبئة في خلفية المشهد الاجتماعي، تغذيها الشائعات إلى أن تظهر على الساحة العامة على شكل اتهامات في أوقات التوتر؛ كحالات المرض أو الوفاة أو الأوبئة العامة.

من المثير أيضا أن ستيوارت و ستراذيرن ينفيان عددا من الاتهامات التي تُنسب عادة لتفكير الشعوذة، إذ يقولان:

النقطة الحاسمة هنا هي أن نلاحظ أن استخدام السحر والشعوذة كتفسيرات للفواجع؛ لا يطبق عشوائيا ولا يطبق بشكل لاعقلاني، لأن هذه التفسيرات تنتمي للمنطق المحلي في التفسير، وتطبق تحديدا في الحالات التي تستدعي اهتماما خاصا ضمن المنطق المحلي. كل الوفيات والفواجع تستثير المشاعر، و بالتالي؛ البحث عن تفسير ، لا سيما إن كانت غير متوقعة وغير مواتية.

من المهم أيضا ملاحظة أن هذا النوع من التفسيرات يتشكل عبر الممارسة / التجربة practice  عوضا عن الفكر النظري. بالتالي؛ فإن التناقض النظري لا يهم، طالما أن الأشخاص يهتمون أساسا بتفسير حالة معطاة، وليس ببناء مخطط فكري عام.

ينفي ستيوارت وستراذيرن أيضا عن هذا النوع من التفكير أن يكون “مغلقا” أو توكيديا للنفس، و على العكس فإنهما يريان هذه التفسيرات كتفسيرات مرحلية ومفتوحة open – ended .هنا تلعب الشائعة دورها الحيوي، نظرا لأنها ” تزدهر بفعل الشك و التخمين”.

و بناءً على دراستهما لمحاولات الشعوذة في أوروبا و أفريقيا؛ يقدم الباحثان هيكلا يصف هذه العملية الاجتماعية موضحاً التقاطع بين تأثير الدولة – السلطة السياسية أو السلطة الدينية أو كليهما- والتأثير المحلي على العملية.

يبدأ الهيكل بفاجعة مؤسفة تُصاعِد الشكوك حولها وتنسبها إلى السحر والشعوذة وتنسج الشائعات حولها. قد يحصل أن تتجمع هذه الشكوك وترقى لمستوى الاتهام – كمرحلة ثانية – و من ثم لمحاكمة رسمية و عقوبة – مرحلة ثالثة-. يضيفان:

من المهم أن نميز أن الإطار الإيديولوجي للدولة و الإطار الإيديولوجي المحلي يعملان سوية وبشكل منفصل أيضا. التقنين أو التشريع من جانب الدولة يؤكد على الأفكار و المواقف المحلية، لكن الأفكار المحلية تغذي أجهزة الدولة والأجهزة الدينية أيضا. الإطار الإيديولوجي المحلي هنا يعمل كمحفز ينقل الاتهامات إلى المرحلة التي تستطيع منها السلطة الدينية أو السياسية أن تفرض تعريفاتها الخاصة و قوانينها عليها؛ أن تصمها بالعار أو تعاقبها.

للاستزادة: الاطلاع على الورقة البحثية

سيكولوجيا الإباحية والعلاقات بين الجنسين عند بريدجز

51413622_640

كتبت آنا بريدجز، أستاذة علم النفس بجامعة أركنساس، ورقة بحثية تناولت فيها الأدبيات التي تفسر تأثير المنتوجات الإباحية على العلاقات بين الجنسين. عرضت آنا في بداية ورقتها عددا من النظريات التي تشرح بأي الطرق تُعمل الأفلام الإباحية أثرها على مستهلكيها سنتعرض لثلاث منها باختصار.

تفترض النظرية الأولى نموذج التعلم الاجتماعي Social Learning Model أن الأشخاص يتعلمون من خلال الملاحظة ، ولكنهم لا يحاكون من التصرفات إلا ما ينتهي بمكافأة. و عليه؛ فإنه:

 لما تصور الإباحيات رجلا يُخضِعُ امرأة جنسيا، فإن المتلقي يتعلم أن هذا الإخضاع ينتهي بمكافئة جنسية له و لشريكه، و تصبح محاكاته لهذا الفعل أكثر احتمالا.  توليفة الإثارة الجنسية و العنف معا  – كما أشارت الأبحاث باستمرار- تنتج سلوكا معاديا للنساء أكثر مما ينتجه تصوير العنف ضد النساء أو الفعل الجنسي الصريح وحده.

تدعى النظرية الثانية نموذج الدور/ السيناريو الجنسي Sexual Script Model. السيناريو هنا هو بنية في الذاكرة توفر قواعدا للسلوك. بحسب هذه النظرية؛ تتكون هذه السيناريوهات تدريجيا مع مرور الوقت و مع التعرض المتكرر لمجموعة من المحفزات لهذا السلوك. ما يهمنا هنا هو أن السيناريو الذي تعرضه الإباحيات يشدد على :

 معايير الجمال المقبولة اجتماعيا، فكرة توافر الآخر جنسيا باستمرار و الشهية الجنسية النهمة التي لا تشبع عند الرجال و النساء، و إثارة في التجديد الجنسي. هذا السيناريو الإباحي نادرا ما يتضمن أي عاطفة، علاقة حميمة ، تعبير عن الحب، أو أي مداعبة  .

ثالث النظريات تدعى نموذج المناخ الاجتماعي Cultural Climate Model. تقول  بأن الإباحية تساهم في تكوين بيئةٍ يكون فيها العنف ضد النساء مقبولا. تحوي هذه البيئة ما يسمى بـ ” معايير أو أعراف الإباحية Pornography norms “، و لا يقتصر تأثير هذه الأعراف على إدراك الرجل للمرأة بل على إدراك المرأة لنفسها أيضا. نظرياً، فإن التعرض للإباحية يؤدي إلى :

 خفض احترام الذات و خفض الرضا عن صورة الجسد، و الإحساس بالنقص الدفاعي ؛بالنسبة للنساء. أما بالنسبة للرجال؛ فتحتفي بعرض الذكورة المفرطة، و تبسيط شأن استخدام العنف ضد النساء.

و لتصوير ما ذُكر أعلاه عمليا، أورد شيئا مما عرضته الباحثة في تحليل محتوى لخمسين فيديو للبالغين في قائمة الأكثر مبيعا.

 نصف المشاهد المُحلّلة تحتوي عنفا لفظيا، و يعرض 88% منها عنفا جسديا. استجاب أغلب ضحايا العنف بالاستمتاع بهذا العنف أو الحياد. قوبل أقل من 5% من السلوكيات العنيفة باستجابة سلبية من الضحية كطلب التوقف او الإحجام .

.. و هذا هو “الواقع ” المحرَّف للإباحية، ممثلا بلغة الأرقام بفجاجة.

في  النصف الثاني من ورقتها تناولت آنا بريدجز التأثيرات المحتملة للمواد الإباحية على العلاقات بين الأشخاص. حيث تقول الباحثة بأنه بات من الواضح أن استخدام المواد الإباحية يتصاعد إلى مستوى الإدمان. ذلك الإدمان المتصف بالاستخدام القهري برغم العواقب السلبية على حياة المستهلك الوظيفية أو العاطفية. في إحدى الإحصائيات المرفقة في الدراسة؛ صرح 70% من حوالى التسعة آلاف مستخدم بأنهم يخفون عن شركائهم العاطفيين كمية الوقت الذين يقضونه في متابعة الإباحيات إلكترونيا. و مع كثرة المؤشرات على إمكانية أن يتحول استهلاك هذه المواد إلى استهلاك مُشكل. يبقى من المهم معرفة ما إذا كان المستخدم نفسه مدركا لما إذا كان استهلاكه مُشكِلاً أو لا. في هذا الصدد تكتب آنّا :

هناك اعتبار مهم يجب التنويه عليه عند الحديث عن تأثير المواد الإباحية و هو : النتيجة التجريبية التي توضح بأن الناس يميلون بشكل ملحوظ إلى اعتبار ” الآخرين” أكثر عرضةً للتأثر بالإعلام مع الاعتقاد بأنهم “أنفسهم” محصنون و منيعون عن ذلك في نفس الوقت. و هذا ما يسمى بتأثير الشخص الغائب. تبعا لذلك، يجب أن يشمل التعليم معلومات عن الكيفية التي تؤثر بها الإباحيات و معلومات عن هذا الانحياز الإدراكي لئلا يكون الشخص متسرعا في صرف النظر عن المعلومة التثقيفية.

يمكننا أن نتوقع بأن المادة الإباحية تساهم في تشكيل  موقف سلبي تجاه النساء، خاصة و أنها كثيرا ما تصورهن – حسبما تقول الباحثة- كأشياء أو أجسام متواجدة من أجل متعة الرجل وكـتوابع. و في استعراضها للدراسات التي بحثت تأثير الإباحيات على مواقف الأشخاص من دور الجنسين أو الدور الجندري gender roles  ، وجدت أن:

استخدام الرجال للمواد الإباحية الصريحة المشتملة على قسر أو عنف كان مرتبطا مع اعتقادهم بوجوب أن تشغل النساء أدوارا جندرية تقليدية أكثر، أن تكون أقل استقلالا من الرجال ، و أن تبدي اهتماما أقل من الرجل بالجنس .

في مجمل استعراض بريدجز لعدد من الدراسات التي تبحث تأثير استهلاك المواد الإباحية على موقف الشخص من ضحايا العنف الجنسي أو الاغتصاب؛ وجدت أن استهلاكها مرتبط بنقص التعاطف مع الضحية. يتواجد هذا التأثير خاصةً مع توليفة المواد الصريحة جنسيا و المُحِطّة في ذات الوقت. علاوة على ذلك؛ فهي مرتبطة مع زيادة الإحساس بمسؤولية المرأة عن اغتصابها، و التهاون مع الجاني و دعم العقوبة الأخف. نضيف إلى ذلك قابلية المادة الإباحية لأن تكون ذات تأثير مسبب للتبلّد العاطفي blunted affect ؛ أي أنها ” تفقد قدرتها على استحضار التفاعل القوي مع التعرض المستمر لها” ، فيستجيب المشاهد للمادة المزعجة بقدر أقل من الاستياء و الغضب كل مرة.

أمّا فيما يخص تأثير الإباحيات على العلاقة العاطفية بين الشريكين:

فإن التعرض المتكرر للمواد الإباحية قلّل الرضا الجنسي لكلا الطرفين بشأن تعبير الشريك عن العاطفة، مظهره الخارجي، و حتى أدائه الفعلي.

يمكن إعادة النظر في النصوص أعلاه بعد التفكير في المواد الإباحية المتاحة و السهلة المنال بشكل متزايد، وبعد اعتبار ردود الأفعال المستفزة حول حالات التحرش التي دائماً ما تُلام المرأة عليها.

شباب النازية: بين شباب هتلر و الوردة البيضاء

tumblr_inline_mrm93zOm111rm06gd

قائدي، قائدي الذي منحني إياه الرب. احم و احفظ حياتي مطولاً. لقد خلصت ألمانيا في وقت الشدة. أشكرك على خبزي اليومي. كن معي لوقت طويل، لا تتخل عني. قائدي.. يا قائدي، إيماني، نوري، فليحيا قائدي !

بهذه الصلاة – و المَـصُوغة على غرار صلوات الشكر المسيحية- يبدأ الشاب الألماني وجبته في منظمة ( شباب هتلر)..

شباب هتلر ، رابطة الفتيات الألمانيات و غيرها من المنظمات أنشأت بواسطة النظام النازي منذ العشرينات الميلادية بهدف تجهيز الفتيان للالتحاق بالخدمة العسكرية و تحضير الفتيات لدورهن المستقبلي في الأمة الألمانية. يمكننا فهم المزيد من أدوار هذا التنظيم من رئيسه حينها و الذي يقول: “نحن لا نحتاج قادة فكر يبتكرون أفكار جديدة، لأن أدولف هتلر هو القائد المستعلي فوق كل رغبات الشباب ” ، أو من مبتكر التنظيم – هتلر- و الذي يتحدث عنه قائلا:

هؤلاء الفتيان و الفتيات يلتحقون بتنظيماتنا في سن العاشرة، و بعد أربع سنين يذهبون إلى منظمة شباب هتلر حيث نحظى بهم لأربع سنين أخرى.. و حتى لو لم يكونوا اشتراكيين قوميين تماما بعد، فسيصقلون لستة أشهر بعدها مع خدمات العمال. أي وعي باقٍ بعدها بالطبقة أو المنزلة الاجتماعية فستتكفل به القوات المسلحة الألمانية.

هناك ما يدعو للتفاؤل بشأن محاولات المسخ هذه، فمن شبابها ولدت حركة معارضة يافعة: الوردة البيضاء. الوردة البيضاء حركة معارضة للحرب و للنازية قادها عدد صغير جدا – حوالي ستة أفراد- من شباب جامعة ميونيخ مع أستاذهم. عمل الأعضاء بتخفٍّ لتوزيع منشوراتهم المعارضة، و هذه ترجمات متواضعة لأجزاء منها..

جاء في منشورهم الثاني:

من المستحيل أن تنخرط في حديث فكري مع الاشتراكية القومية لأنها ليست برنامجا يمكن الدفاع عنه فكريا. من الخطأ أن تتكلم عن فلسفة الاشتراكية القومية، لأنه لو كان هناك كيان مماثل لأمكن للشخص أن يحاول إثبات شرعيتها أو مقاومتها بواسطة التحليل و النقاش. لكننا نواجه حالة مختلفة تماما في الواقع. من استهلالتها الأولى؛ اعتمدت هذه الحركة على التضليل و خيانة رفاقها، و حتى في ذاك الوقت؛ كانت فاسدة داخليا و ساندت نفسها بالكذب المستمر فقط.

كانت الوردة البيضاء تفهم جيدا ما تخاطر به في سبيل إيصال رسالتها للشعب، و لهذا السبب.. أي لرفضهم وجود مخاطرةٍ من الأساس؛ كتبت الوردة البيضاء في منشورها السادس: 

الدولة التي تمنع التعبير الحر عن الرأي ، و التي تُخضع أي/ كل انتقادٍ مبرر أخلاقيا و كل مقترحات للتحسين لعقوبات مفزعة؛ بوصفها تحضيرا للخيانة العظمى.. هذه الدولة تخرق قانونا غير مدون، قانونا عاش على الدوام في غزائز الناس السليمة، و الذي يجب أن يبقى دائما.

لكن الخوف يشل، و عدم الاكتراث يقعد.. لذا كتبت الجماعة في منشورها السادس:

انبذوا عنكم عباءة اللامبالاة التي تلحفتموها. اتخذوا القرار قبل أن يصبح الوقت متأخرا جدا على اتخاذ واحدٍ. لا تصدقوا بروباجاندا الاشتراكيين القوميين التي بثت في عظامكم الخوف من البلشفيين.. لا تصدقوا أن رخاء ألمانيا مرتبطٌ بانتصار الحزب في الخير أو الشر. في عاقبة الأمر، سيخصص جزاء فظيع و لكن عادل لأولئك الذين بقوا مختبئين، الذين كانوا جبناء و مترددين.

و لأن القناعة لا تضمن بالضرورة فعلاً، كُتِب في المنشور الثالث:

العديد و ربما الأغلبية من قراء هذه المنشورات لا يرون بوضوح كيف يكون بإمكانهم ممارسة دور معارضةٍ فعّال. إنهم لا يرون أي سبل مفتوحةٍ أمامهم. نود أن نحاول و نريهم أن الجميع في موضعٍ يمكنه من المشاركة في إسقاط النظام. لا يمكن فعل ذلك إلا بتعاون الكثير من الأشخاص المقتنعين و المتّقدين.. أشخاصٍ متفقين بشأن الوسائل التي يتعين عليهم استخدامها. لا يوجد لدينا العديد من الخيارات فيما يخص هذه الوسائل. الوسيلة الوحيدة المتوفرة هي المعارضة السلبية. لا يمكننا أن نزود كل شخص بمسودة لأفعاله، يمكننا فقط اقتراحها في بنود عريضة.

للأسف، فضحت الشرطة السرية صوفي شول و هانس شول – إخوة من أعضاء الجماعة- و تمت محاكمتهما و إعدامهما، ثم إعدام بعض أعضاء الجماعة الآخرين. تقول صوفي صبيحة يوم إعدامها؛ نقلا عن إلسي غيبيل، رفيقة زنزانتها:

يا له من يومٍ مشرقٍ رائع، و عليّ أن أذهب. لكن كم من الأشخاص يتعين عليهم أن يموتوا في ساحات المعركة هذه الأيام؟ .. كم من الحيوات الغضة الواعدة؟ ما الذي يضير في موتي لو تنبه الآلاف بأفعالنا؟

tumblr_inline_mrm9h639T11rm06gd

في اللحظات الآخيرة، لحظات تسجيل المواقف في ظل انعدام الخوف و انعدام الحسابات، خطب كيرت هوبر؛ أستاذ الفلسفة في المحكمة قائلا:

الدولة التي تكبح التعبير الحر عن الرأي و التي تعرض أي/ كل انتقاد مبرر أخلاقيا، و كل الاقتراحات للتحسين لعقوبات فظيعةٍ بوصفها إعدادا لخيانةٍ عظمى.. هذه الدولة تخرق قانونا غير مكتوب، قانون عاش على الدوام في غرائز الناس السليمة، و الذي يجب أن يبقى دائما.

و نقلاً عن موقع بحثي عن الهولوكوست، فإن :

عددا من أعضاء الوردة البيضاء آمنوا أن إعدامهم سيؤلب طلاب الجامعات و المواطنين الآخرين المناهضين للحرب للاحتشاد ضد هتلر و ضد الحرب. لكن التقارير ترجح أن طلاب الجامعة واصلوا دراستهم كالمعتاد، و أن المواطنين لم يقولوا أي ٍ شيء بهذا الصدد، بل اعتبر العديد منهم حركة الوردة البيضاء كحركة غير وطنية. لقد غُض الطرف عن معظم أعمالهم حتى فترة ما بعد الحرب؛ حيث مجّد الضمير الألماني جهودهم حينها.

و بغض النظر عمّا إذا كنا نعتبر ذلك نهاية مجيدة أو مؤسفة أو الاثنين، فإن كلمات صوفي شول هذه ما زالت مدونةً.. أقرأها أنا و أنت و آخرين : 

كان على شخص ما أن يبدأ. ما كتبناه و قلناه يعتقده كثيرون غيرنا أيضا، لكنهم لا يجرؤون على التعبير عن أنفسهم كما فعلنا نحن.

للاستزادة: مصدر الاقتباسات / صفحة ويكيبيديا

العري في الفن: فضيلةٌ أم خطيئة ؟

b20910
تحفل اللوحات الفنية بالأجساد العارية بداية من حضارات ما قبل التاريخ، وصولا إلى الفن المعاصر. بيد أن العري كان ملمحا مهما من ملامح لوحات و منحوتات حضارة اليونان لتصوير الميثولوجيا ثم ازدهر كثيرا في عصر النهضة. لا يقتصر استخدام الجسد العاري على الفن بلوحاته و منحوتاته بل يمتد إلى التصوير الفني و الإعلام و حتى الاحتجاج مؤخرا. سأتناول هنا جانب الفن فقط و لعله يوفر مدخلا بسيطا لفهم مضامين العري في البقية.

هناك بطبيعة الحال رأيٌ يحتفل بالعري و رأي آخر يضيق به.  فهل ننظر إذن إلى الفن العاري باعتباره خطيئة أم فضيلة؟

لنتناول ما يدعمه أولا -باعتباره الأبعد عن ثقافتنا- ملخّصا في نقاط:

قد ينظر إلى الثياب ككونها أحد العناصر الدخيلة على علاقة الإنسان ببيئته. يقول عالم الأنثروبولوجيا Ian Gilligan بشأن الملابس:

الملابس هي الشيء الذي يفصلنا عن الطبيعة؛ حرفياً و رمزياً. إنها تؤثر على الطريقة التي ندرك بها أنفسنا و بيئتنا. الملابس حائلٌ بيننا و بين العالم، بيننا و بين نفسنا الفيزيائية، و لها بالتالي انعكاسات على الكيفية التي نرى بها أنفسنا بالمقارنة مع الأشياء الأخرى حولنا ، و الكيفية التي تتفاعل بها أجسادنا مع العالم. لقد لفّــقنا بيئة مصطنعة بالكامل، و هي بشكل ما كالكساء الخارجي. جوانب عديدة من حضارتنا تعزلنا عن العالم الخارجي الطبيعي.

التعري قد يكون شكلا من أشكال التعبير عن الحرية و رفض القيود السلطوية؛ في ذلك يقول الفنان Fred Hatt:

بالنسبة للأصوليين المتعصبين  من كافة الثقافات و الذين يخافون الحرية الفردية، فإن صورة الجسد العاري تهديد للنظام ! لأنها تذكر الناس بالمتعة الحيوانية الخالصة. الجسد الحر يرعب السلطويين. إذا اختبر الناس الحرية على مستوى الجسد، فقد لا يعود بالإمكان السيطرة عليهم. لذا، ينبغي أن يفرض الاحتشام بصرامة.

الفن العاري قد يكون وسيلة للثورة على الفصل الحاد بين الروح و الجسد و الذي يميل إلى جانب الروح بشكل غير عادل. إنها وسيلة للقول بأن هذا التباين ليس حقيقا بالدرجة التي يبدو عليها، يوضح  Fred Hatt:

نحن نصوّر العقل أو الروح كـ سماوي، ملائكي، و نقي، بينما نصور الجسد المادي كشيء يربطنا بالموت، بالرغبات المُـتلِفة، و بالمعاناة. بالتالي: صورة الفن العاري تذكّرنا بأننا أجسادُنا.. أن الجنسانية و الغريزة و الوفاة طبيعتنا الفعلية.. أن جمال الطبيعة الحيوانية فينا لا يمكن فصله عن جمال روحانيتنا.

الجسد و الطبيعة و ما هو حي على الأرض.. تم اختزالهم إلى مجرد أشياء.. أشياء  وجدت لِـتُستغل و تروّض بلا رحمة في سبيل ترقية الروح المفترض بأنها طاهرة.  لقد عانت الأرض كثيرا بسبب هذا الفصل داخل الإنسان، و لكن نحن بدورنا كمخلوقات من هذه الأرض لم نهرب من هذا الألم أيضا.

قد يكون العري وسيلة لضبط المقاييس المقلوبة، أي لإظهار ما هو حقيقي .. ما هو جميلٌ فعلا. في معنىً شبيهٍ يقول مايكل آنجلو :

أيّ روحٍ فارغة و عمياء لدرجة أنها لا تدرك حقيقة أن القدم أنبلُ من الحذاء، و أن الجلد أجمل من الحلل التي تغطيه؟

ما ذكر إلى الآن هو بعض ما يمكن أن يمثله الفن العاري بالنسبة للمتأمل، فمالذي يمكن أن يمثله بالنسبة للفنان نفسه؟  عند الفنان؛ رسم الجسد العاري معقد و بعث الحياة فيه أعقد ، و هذا يمثل تحديا لذيذا. يقول الفنان Jacob Collins:

لقد أردت أن أصب كل طاقتي في أعظم تحد يمكن أن يواجهه رسام. لا شيء أصعب من أن ترسم قواما ببساطة و وضوح، بجمال و قوة. أن ترسم الإنسان داخل الشخص من خلال جسده الخارجي هو الهدف الأصعب و الأسمى. أن ترسم بمهارة خبراء الماضي و تشعر بأنك لا زلت منتعشا رغم ذلك.. أن ترسم قوالبا تشريحية تنبض بالحياة.. أن ترسم رأسا و كأنه مثقل بالأفكار يعني أن تقفز إلى عالم عظماء رسامي العصور الماضية.

بالإضافة إلى ذلك، فالعري يعبر عن انفعالات الجسد:

الجسد العاري يعطي الفنان مساحة أكبر ليعبر عن مشاعر مثل التوتر، الغضب، القوة، و اليأس و للتعبير عن الحركة أيضا: العضلات المتقلصة، الأوردة الممتلئة، الجذع الملتوي، الساق المليئة بالأوتار.. تعطي كلها إحساسا بالحركة.

أما بالنسبة للرأي المخالف؛ فإن نصيبا كبيرا من المعارضة كان بسبب عري المرأة تحديدا. لماذا؟ بعض أقدم اللوحات اليونانية أتت لتصور الأساطير بصريا، فتُظهر الآلهة المذكرة و المؤنثة عارية، و تُسبغ على عريها معاني الطهارة و السمو و البهاء. لما تغيرت مواضيع اللوحة و اتجهت لتصوير مظاهر الحياة، ظهر جليا أنها تميل لتصوير الرجال كمحاربين أشداء أو شهداء. أصبح هناك تمايز كبير بين الدور الفاعل الذي يصور فيه الرجل و بين الدور السلبي الخاضع الذي تصور فيه المرأة، إذ غالبا ما تكون مسترخية، متكئة أو مستلقية.

في السبعينات؛ نشر الكاتب و الناقد الفني John Berger نقده لعري الإناث في الفن في برنامج تلفزيوني و نصوص، ألخص فيما يلي بعض نقاطه للتعرف على وجهة النظر المعارضة:

ترافق المرأة صورتها لنفسها دائما، إلا عندما تكون وحدها – و ربما حينها أيضا- . لقد عُلـِّــمت بأن تفحص و تتقصى شكلها باستمرار. لوحات الفن العاري أيضا تصوّر المرأة كـ “منظر” لِـيُطالع، و نادرا ما تمثل اللوحة شخصيةً أو صفة. إذن؛ على العارية أن تكون غرضا ليعاينها و يقيمها و يحكم عليها مشاهد ذكر.

عريّــها هنا ليس تعبيرا عن مشاعرها الداخلية، و إنما “علامة” على خضوعها للطلب. العري هنا ليس احتفالا بالحب الجنسي الحيوي بين اثنين، و الذي تكون المرأة فاعلةً فيه كما الرجل، و تمتص  فيه أفعال أحدهما الآخر. بل على العكس؛ فإن الشخص الآخر الذي يهم هنا هو الغريب المتفرج الذي يطالع الأنثى العارية. – غالبا ما يُلاحظ في هذه اللوحات (النظرة إلى الرجل) ؛ أي أن اهتمام الأنثى منصب على المشاهد و ليس منسجما مع مشهد اللوحة- . تظهر المرأة غالبا بليدة و خاملة، و كأنها هنا لِتُشبع غريزةً و ليس لتحظى بواحدة لنفسها… إن الجنس ليس داخل المشهد بل أمامه!

لقد أصبح العري نوعا من الأزياء الموحدة الغير قابلة للخلع و التي تقول: أنا مستعدة الآن للإرضاء الجنسي. تبعا لذلك، لا يمكن أن نطابق بين العري و بين الحرية باعتبارهما شيئا واحدا.

يقال: أن تكون عاريا هو أن تكون حاسرا ، و هو أن تكون بلا ملابس ، و هو نوع من الفن.

أنا أضعها بالصورة التالية: أن تكون عاريا هو أن تكون ذاتك. أن تكون حاسرا/ مكشوفا هو أن تُرى عاريا من قبل الآخرين و لا يُتعرَّف على ذاتك بالرغم من ذلك.

أن تكون عاريا يعني أن تكون بلا تنكّــر أو تخــفٍّ. أن تكون معروضا يعني أن يصبح سطح جلدك قناعا لا يمكن التخلص منه.

* اللوحة : Spring All Around by Aleksander Gorbunov

* للمزيد حول العري في الفن من ويكيبيديا

المصادر:

Understanding paintings

Fred Hatt’s Bolg

ways of seeing

Wikipedia

برينيه براون والقوة في أن تكون معرّضاً للجرح

brene_brown

برينيه براون باحثة أمريكية قضت آخر عشر سنوات من حياتها تدرس قضية واحدة: vulnerability. هذه الكلمة يمكن أن تعني في ثقافتنا العامة الضعف، و هذا معنى ترفضه برينيه في طرحها. يمكن لهذه الكلمة أن تعني أيضاً الحساسية، سرعة التأثر، القابلية للجرح، أو التعرُّضيّة. بِتنا نعيش في مجتمعات تنظر للتعرضية كشيء ينبغي التخلص منه، و في سعينا لأن نفعل ذلك؛ نفقد الكثير. تقول براون:

 صحيح أن التعرضية هي في صميم الخوف، القلق، و العار، لكنها أيضا مسقط رأس الفرح، الحب، الانتماء، الإبداع و الإيمان. مشكلة كبرى عندما نفقد -كمجتمع- قدرتنا على أن نكون معرضين. 

كانت براون مهتمة بالذي يجعل بعض الأفراد يشعرون بالحب و الانتماء و بأنهم جديرون بذلك فعلا بينما يعاني آخرون من أجل ذلك:

من الأشياء المشتركة بين هؤلاء؛ تقبلهم لكونهم معرّضين. لم يتحدثوا عن ذلك بوصفه مريحا و لا بوصفه موجعا. لقد تحدثوا عن التعرضية بوصفها ضرورية… تحدثوا عن أشياء مثل: استعدادهم لقول : (أحبك) أولا، استعدادهم لفعل شيء بلا ضمانات للنتائج، استعدادهم للتنفس بينما ينتظرون اتصال الطبيب بعد فحص ماموغرام الثدي، و استعدادهم للاستثمار في علاقة قد تفلح و قد لا تفلح. 

اعترفت براون بمعاناتها هي نفسها في تقبّل النتائج التي توصلت إليها و التي تتعارض مع طبيعة عمل الباحث، أي أن ” مهمتها للتحكم بالبيانات و توقع النتائج ” انتهت بها إلى أن الطريقة الوحيدة للتكيّف مع التعرضية هو ” أن تتوقف عن التحكم و التوقع”.

و ماذا لو خسرنا قدرتنا على أن نكون معرضين؟ متحدّثةً عن تبعات ألا نكون معرضين بعد الآن.. تقول براون: 

أحد أعراض فقداننا لقدرتنا على أن نكون مُعرّضين هو أن يصبح الفرح هاجسا منذرا بالشر: شيء جيد يحدث .. نطالع أحبابنا و نشعر حينها أننا مرغمين على تسديد لكمة لما يجعلنا معرضين للأذى. عرضٌ آخر: خيبة الأمل تغدو أسلوب حياة، لأنه من الأسهل أن (تعيش) الخيبة مقابل أن (تشعر) بها فعليا. لا تعود متحمسا لأي شيء لأنك لست متأكدا تماما من إمكانية حدوثه. الكمال أو المثالية -كأحد الأعراض- هو الدرع ذو المئتي باوند الذي اخترعناه كأداة حماية، فبعد كل شيء، كيف يمكن لأي شيء أن يأخذ منحنى خاطئا فيما لو كانت حياتنا تبدو مثالية كإعلان تجاري؟ التطرف، و التطرف هنا ناتج المعادلة عندما نطرح التعرضية من الإيمان. نحن بهذا نحول ما هو غامض و ملتبس إلى مؤكد و قطعي لنخدّر إحساسنا بالخوف.

 تعترف براون بصعوبة أن نتقبل كليا إحساسنا بالتعرضيّة و تقول:

أن نجعل أنفسنا مكشوفين لأن نُرى، نُرى بعمق، نرى بشكل يجعلنا معرضين للجرح.. أن نحب بصدق على الرغم من عدم وجود أية ضمانات.. أن نتساءل: أبإمكاننا أن نحب بهذا القدر؟ أبإمكاننا أن نؤمن بهذا الشغف؟ أن نكون قادرين على التوقف لنقول: نحن ممتنون، لأن الشعور بأننا معرضين لهذا الحد يعني أننا على قيد الحياة.  

نحن نريد المزيد من الضمانات. ضماناتٍ على أننا لن نتأذّى و أن الحوادث السيئة لن تصيبنا.. لكنها تفعل. هناك شيء واحدٌ مضمون : إن لم نختبر الفرح، فلن يكون لدينا أي ذخيرة مما سنحتاجه حقا عندما تقع الحوادث السيئة. 

ما سبق أجزاء من أحاديثها في ملتقيات تيد و التي بلغت مجموع مشاهدتها حوالي الأربع ملايين مشاهدة، و بالأسفل واحدٌ منها. لعل رسالتها الأساسية هي: توقفوا عن الصد و الهرب، و كونوا بالمقابل ممتنّين لـكونكم معرضين !