أرشيف الكاتب

جحا، بين بَله الطرفة و حنكة المتصوفة

1483439123517

 

يعد الملّا  (نصر الدين) أو (جحا) شخصية كلاسيكية من إبداع الدراويش بغية تجميدهم في لحظة واحدة مواقف بحاجة إلى حالات ذهنية معتمة معينة إلى الضوء، وتشكل حكايات (جحا) إحدى أغرب المآثر في تاريخ الميتافزيقيا، تمر معظمها على أنها  “نُكت” ولكنها غير ذلك منطوية على العديد من مستويات العمق و الحكمة تمضي بوعي المتصوف خطوة أبعد على طريق الإدراك .


يجهل الناس إلى أين يتجهون طلبًا للإستنارة، ونتيجة لذلك فلا غرابة هناك إذا ارتبطوا بأي معتقد أو انغمسوا في كافة أنواع النظريات، و رسخ في يقينهم أنهم يملكون القدرة على التمييز بين الصدق و الزور، و(جحا) عَلم هذا الدرس بطرق عدة منها:

أحد الجيران وجد (جحا) راكعًا على ركبتيه يبحث عن شيء ما
– ماذا ضاع منك يا (ملا)؟
رد (جحا):
– مفتاحي.
بعد عدة دقائق من البحث، سأله الجار:
– أين سقط منك؟
– في البيت.
– إذًا فلماذا – بحق السماء – لا تبحث عنه هناك؟
– النور هنا أكثر!

هذه هي إحدى أشهر حكاياته ويستخدمها كثير من الصوفيين في تعليقهم على أولئك الذين يسعون وراء مصادر غريبة بحثًا عن الإستنارة.


يعد الحشد التدريجي للوعي إحدى خصائص المنهج الصوفي الذي ينتهجه (جحا) فتعد ومضة التنوير الحدسية التي تأتي بها حكاياته ماهي بصفة جزئية إلا استنارة صغرى في حد ذاتها و ليست تجربة ذهنية، لكنها أيضًا حجر عبور نحو إعادة بناء إدراك باطني في ذهن مأسور أخضعته دون رحمة لتشريط أنساق التدريب التي تفرضها الحياة المادية و مع ذلك فما زال طوع المرء أن يتلقى نكت (جحا) بعد فصلها من عباراتها التكنيكية عن قيمتها الفكاهية و في هذه الحالات قد تفقد كثيرًا من تأثيرها، مثالًا على ذلك :

أخذ (جحا) ذات يوم حملًا  مع الملح إلى السوق، فعبر حماره خلال جدول من الماء فذاب الملح و عند وصول الجحش للضفة الأخرى استبد به المرح فالحِمل خف عن ظهره، لكن الغضب ملك فؤاد (جحا) وفي اليوم التالي ملأ ” جحا ” ظهر حماره بالصوف ، فكاد أن يغرق بعدما تشبع الصوف بالماء، و هنا صاح (جحا) بلذة إنتصار:
– هيه! هذا درس لك، عندما تظن أنك سوف تكسب شيئًا في كل مرة تتخذ فيها طريق الماء.

في الحكاية الأصلية نجد أن مصطلحين تكنيكيين تم إستخدامهما: الملح و الصوف
فكلمة “ملح” تعتبر مرادفة لـ“الصالح و الحكمة” و الحمار هنا يرمز للانسان وخلال التخلص من الصالح العام يشعر المرء بالارتياح بعد ان انزاح ماكان يثقل كاهله، لكن ذلك يؤدي لفقدان غذائه فـ(جحا) عجز عن بيع أي ملح وشراء العلف، أما كلمة “صوف” تنطوي بطبيعة الحال على كلمة “صوفي” وفي الرحلة الثانية يجد الحمار كاهله ينوء تحت عبء أثقل، فهكذا يريد المعلم (جحا) وقد زاد الوزن على امتداد الطريق للسوق فكانت النتيجة النهائية أحسن بعد أن باع (جحا) الصوف مبلل وصار أثقل و قبض ثمن أعلى مما كان ليأتيه من بيع الصوف جاف.


تكشف إحدى حكايات (جحا) أيضًا عن كيفية توصل الصوفي للنتائج الصحيحة خلال آلية خصوصية “منهج مغلوط، بالنسبة إلى غير المتأهلين”، وهو الأمر الذي يفسر كثيرًا مما يبدو غرائب من جانب الصوفيين:

مثل رجلان أمام (جحا) عندما كان يعمل قاضيًا. و قال أحدهما:
– هذا الرجل عض أذني، و أطلب منه تعويضًا مناسبًا.
رد الآخر:
– هو الذي قضمها بنفسه!

قام (جحا) بتأجيل القضية و انسحب إلى غرفة المداولة فقضى نصف ساعة يحاول قضم أذنه بنفسه ولم ينجح إلا في السقوط على الأرض مرة تلو سابقتها مما أدى لجرح جبهته، فعاد لقاعة المحكمة و أصدر حكمه:

– افحصوا الرجل الذي قُضمت أذنه، فإذا وجدتم أن جبهته مجروحة أشد من جروحي، يكون هو من فعلها بنفسه، وبذلك تكون القضية مرفوضة وإلا يكون الرجل الآخر هو من فعلها و عندئذ يحصل المعضوض على تعويض قدره ثلاث قطع من الفضة.

توصل هنا (جحا) لقرار صحيح بوسائل غير منطقية، فنجده تبنى دور الأحمق “درب الملامة عند الصوفي” ونجده مصورًا بشكل متطرف طريقة تفكير البشري العادي.


نفت الصوفية الافتراض الذي يقول بأن مجرد كون المرء لا يزال على قيد البقاء فإنه ذلك يُمكنه من الإدراك، فقد يكون المرء حي من الناحية الإكلينيكية و لكنه ميت من الناحية الإدراكية، ولن يُمكّنه المنطق و لا الفلسفة من بلوغ الإدراك، كما تصوره لنا القصة الآتية :

كان (جحا) يفكر بصوت عالِ:
– كيف يتأتى لي أن أعرف ما إذا كنت حيًا أم ميتًا؟
فقالت له زوجته:
– لا تكن مغفلًا ، لو كنت ميتًا لكانت أطرافك باردة.
و بعد ذلك بقليل تصادف أن كان (جحا) يسير في غابة بمنتصف الشتاء، فتذكر أن يديه و قدميه باردة و فكّر:
– أنا الآن بكل تأكيد ميّت، فصار علي أن أتوقف عن العمل لأن الجثث لا تعمل.
و لما لم يكن في وسع الجثث أن تسير فلقد توقف عن المشي و تمدد على العشب، و سرعان ما ظهرت ذئاب شرعت بمهاجمة حماره الذي كان قد قيده في إحدى الأشجار، و هنا قال (جحا) من وضعه المستلقي:
– نعم، واصلوا ما أنتم فيه منتهزين فرصة موت صاحبه! وآه لو كنت على قيد الحياة، لم أكن لأسمح لكم بأخذ راحتكم على هذا النحو مع حماري!


إذا بدت هذه نكتة و حسب لشخص ما ، فإن هذا الشخص يكشف عن حاجته إلى المزيد من العمل الذاتي ، يصوره (جحا) كاريكاتوريًا في الحوار الآتي :

سأل رجل غبي (جحا):
– ماذا يفعلون بالقمر عندما يشيخ؟
جاء الجواب مناسبًا:
– إنهم يقسِّمون كل قمر إلى أربعين نجمة!

فالأشخاص الذين يسعون لتحقيق الوصول الباطني يتوقعون ذلك بشروطهم هم و من هنا يستبعدون أنفسهم من الأمر قبل بدأه.


لما كانت الصوفية هي التناغم مع الحقيقة الحقيقية أي غير المزيفة، فليس في وسع أحد ‏أن يجعلها ‏تشبه شبهًا كبيرًا ما نأخذ على أنه حقيقة، ‏ولكنه في حقيقة الأمر ‏ليس سوى حكم أكثر بدائية و قصير المدى، ‏وعلى سبيل المثال ترانا نميل ‏إلى النظر ‏إلى الأحداث من منظور أحادي الجانب، كما نفترض – دون أي مبرر – ‏إن الأحداث تقع كما لو كانت تقع في فراغ.
‏ولكن الحقيقة الواقعة أن كل الاحداث ترتبط بكل الأحداث الأخرى ولا يحدث إلا عندما نكون على استعداد لمعايشة علاقاتنا المتبادلة ‏مع كل مجمل منظومة الحياة، ‏أن يكون في وسعنا أن نقدر التجربة الباطنية حق قدرها، وإذا ما نظرت إلى أي تصرف يصدر عنك وعن أي شخص آخر فلا سوف تكتشف أن هناك واحدًا ‏من دوافع عديدة ممكن تقف وراءه، ‏وأنه من المستحيل أن يكون عملًا منعزلًا ؛ ‏إذ يترتب عليه عواقب معينة، كثير منها لم تكن لتتوقعه بحال من الأحوال، ولم يكن بالتأكيد ف طوعك ان تضعه ضمن خططك.
‏وتؤكد نكتة أخرى تروً عن (جحا) هذه الدائرية الأساسية إلى الحقيقة و التفاعلات غير المنظورة بصفة عامة التي تحدث:

‏ذات يوم كان (جحا) يمشي في طريق صحراوي مهجور، وبينما كان الليل يرخى سدوله لمح طابورًا من الفرسان قادمًا نحوه، ‏وبدأ خياله ‏في العمل فخاف أن يكونوا قادمين إلى سرقته أو تجنيد في السلك العسكري واستبد به الخوف حتى قفز على سور قريب وسرعان ما وجد نفسه في جبانة، ‏اما المسافرون الآخرون اللذين كانوا خاليي البال من مثل تلك الأفكار التي طرأت على ذهن (جحا) فاستبد بهم حب الاستطلاع وجدّوا في أثره.
وعندما عثروا عليه ممدًا على الأرض بلا حرام، سأله أحدهم:
– ‏هل لنا أن نساعدك؟ من الذي جاء بك إلى هنا؟
رد (جحا) بعد أن أدرك غلطته :
– ‏الأمر أعقد مما تفترضون فأنا هنا بسبببكم و أنتم هنا بسببي!


بينما كان (جحا) يرمم سطح بيته ذات يوم ناداه شخص ما طالبًا منه أن ينزل إليه في عرض الشارع ، فما كان من (جحا) إلا أن استجاب، و سأله عما يريد فقال:
– بعض النقود.
– ‏لماذا لم تقل لي ذلك وأنا على السطح؟
– إنني أخجل أن أشحذ.
– اصعد معي إلى السطح.
و عندما بلغا السطح انخرط (جحا) من فوره في تركيب البلاط مرة أخرى، كح الرجل في يده فما كان (جحا) إلا أن قال، دون أن يرفع عينيه إليه:
– ليس عندي نقود أسلّفها لك.
– كان بوسعك أن تقول لي ذلك دون أن تجعلني اصعد معك إلى هنا.
– إذن، كيف كنت ستعوضني عن إنزالك لي من على السطح إلى الشارع؟

كثيرة كثرة فائقة هي الأشياء التي تتضح للصوفي في نفس اللحظة مما لا يستطيع الشخص المتوسط إدراكها، فهي أعمال تعتمد على القوى فوق الحسية و هذه الأعمال بالنسبة للصوفي ليست أكثر إعجاز من أي أعمال تعتمد على الحواس العادية بالنسبة إلى العوام، أما كيف تعمل على وجه التحديد فليس بوسعنا أن نصفه، و لكن نستطيع أن نسوق قياسًا متناظرًا إلى هذا الحد أو ذاك.

فارابية الموسيقى

image

الفارابي شيخ الفلسفة الحكيم أبو نصر، كما جاءت ترجمته في سير أعلام النبلاء، هو محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلغ التركي الفارابي المنطقي أحد الأذكياء، كان زاهداً، تأثر بـ(أرسطو) وتعددت مجالاته واهتماماته، برع بضرب العود ويذكر أنه قام بالعزف في مجلس الملك سيف الدولة بن حمدان “… فنام كلّ من في المجلس. فتركهم نياما وخرج “.

وقام الأستاذ (سالم العيّادي) في كتابه (الموسيقى و منزلتها في فلسفة الفارابي) بالبحث في المنزلة الإبستمولوجية للموسيقى النظرية في نسق العلوم عند (الفارابي).
يقول (الفارابي):

“إن صناعة الموسيقى النظرية هيئة تنطق عالمة بالألحان ولواحقها عن تصورات صادقة سابقة حاصلة في النفس”

يكون العلم النظري بالموسيقى ممكن دون تجاوز الوجود العملي – الحسي للنغم و الألحان و ذلك أولاً بدلالة “النطق”، والذي يعرفه (الفارابي):

“هيئات الموسيقى و ما بداخله من وجود إنشائي للنغم و الألحان بين ما لنا فعله – و ما ليس لنا فعله”

فنظرية (الفارابي) في الموسيقى لا تنكشف أسسها إلا إذا انكشف بعد النطق. وهناك وجهين لمفهوم النطق لدى (الفارابي) الأول منه:

ابستمولوجي يندرج مفهوم النطق بمقتضاه في مبحث شرائط العلم النظري، الوجه الثاني تواصلي يندرج هذا المفهوم بمقتضاه في مبحث المقومات التعليمية للمعرفة، ولمّا كان (الفارابي) لا يفصل بين المبحثين و لا يجعل البعد التواصلي للمعرفة شيئاً ما مضافاً إلى شرائط العلم إضافة خارجية فإن المعرفة لا تنشأ ولا تكتمل -من حيث هي شأن إنساني- إلا و لها الاستعداد الذاتي للتعميم إنتاجاً و تحصيلاً.
إن التفكير في الموسيقى كثيراً ما ينتهي إلى تعطيل التفكير فيها لتسرب المفاهيم و الفرضيات الميتافيزيقية التي تحولها لضرب من اللغز أو تردها لضرب من العبقرية تقتضي فطرة إلاهية كالتي تُنسب لـ(فيثاغورس) مثلاً، لذلك التصريف (الفارابي) لمفهوم “النطق” يمثل محاولة جذرية لعقلنة الموجود الموسيقي إجرائياً و أنسنته مذهبياً من حيث أن كلا الفعلين شرط ضروري لكمال العلم، واسم “النطق” يتمثل في القوة النفسانية المفطورة في الإنسان التي بها يميز التمييز الخاص بالإنسان دون ما سواه من الحيوان وهي التي بها يحصل للإنسان المعقولات والعلوم والصنائع وبها تكون الروّية وبها يميز الجميل والقبيح من الأفعال.

و يقول (الفارابي) في صناعة الموسيقى:

“أما الصنائع النظرية فإن معارفها كلها ينبغي أن تكون بحيث ينطق عنها”

ولأن هيئة الموسيقى النظرية هيئة “نطق” بالمعنى الذي سبق تحديده، فيصبح الموجود الموسيقي “معقول” يمكن الوقوف على مبادئه و استنباط ما يلزم عنها كما يمكن قوله قولاً تعليمياً تقويمياً يجعل منه شأناً إنسانياً يمكن التواصل فيه.
و لأن الموجود الموسيقي “معقولاً” و كان وجوده حاصلاً بالصناعة وليس بالطبيعة فإن الموسيقى العملية “الصناعة” مستعدة -من جهة ما هي صناعة إنسانية- للعقلنة، أي الاستنباط التحليلي بناء على المفهوم ذاته، فالمعقول من الألحان ليس شيئاً آخراً مغايراً أنطولوجياً للمحسوس منها بالصناعة إذا يقول (الفارابي):

“والألحان وما ينسب إليها هي من الأشياء التي تُحس وتُتَخيل وتُعقَل”

فإذاً الموجود الموسيقي “معقولاً” و كان وجوده صناعيّا فإن الهيئات الموسيقى العلمية “ناطقة” هي الأخرى.
فإذا كانت الألحان تتميز “بمعقوليتها” و بإستعدادها لفعل العقل المتمثل في “قوة التصور” و في “العبارة عنه” فإن هذه المعقولية لا تقتصر فقط على الوجود النظري للألحان وإنما هي قائمة أيضاً في وجودها العملي، بل إن هذه المعقولية النظرية ذاتها ليست إلا “صورة” الوجود العملي للألحان، فالموسيقى “معقولة” وإن كانت “واقعة فنية” تقوم على “الذوق” و “الخيال“.
نصل إلى أن الموسيقى عن (الفارابي) ليست من جنس الصنائع المهنية و لا هي من جنس أحوال السالكين وإنما هي فعل إنساني يمكن تصوره عقلياً على النحو الذي يجعل العلم به و يجعل قوله تعليمياً ممكنين .

هناك تصورات ترى الموجود الموسيقي شيئاً ما متعالياً على الصناعة الإنسانية مثلما يشير (فيثاغورس) الذي جعل من الموسيقى مبدأ كوني لا تمثل الموسيقى الانسانية بالإضافة إليه إلا وجود ناقص و ما الطابع الصوفي الذي تلبست به المفردات الرياضية الفيثاغورية إلا علامة على عجز أدوات التحليل على “تعقل” ما لا يمكن “عقله“، فموسيقى السماء عصية على الحصر المفهومي كما أن الإحساس بها وسماعها يقتضي فطرة فوق إنسانية .
أو هي ترى في الذات المبدعة ضرباً من الحضور اللاإنساني كما يقول أفلاطون فالنص الأفلاطوني لا يخلو من “تجاوز” لحدود ما هو إنساني صرف ، و لا يرى في الموسيقى واقعة إنسانية محضة و إنما يردها إلى قوة غريبة و متعالية، ويؤكد إضافة لذلك على وجمد تناغم محض و سماوي لا تمثل الموسيقى الانسانية بالاضافة إليه إلا محاكاة ينبغي تجاوزها على نحو ما .

ونرى (الغزالي) يصف التلقي الوجدي للألحان فيه غياب تام للبشرية، ويتجلى هذا النفي المزدوج في نمط تلقي “السالك المتصوف” للألحان فللسماع مثلاً لدى (الغزالي) مكانة مهمة في الرياضة الصوفية تعبر عن الحضور الوجدي الذي يكتمل في الدرجة القصوى لمقام “الفهم” – درجة الصديقين – التي يعزب فيها السامع عن نفسه و يصبح “كالمدهوش الغائص في بحر عين الشهود“.
وهكذا ينظر إلى الموسيقى في جميع هذه الحالات كشيء ما يتجاوز “النطق” بالمعنى الفارابي لهذا المفهوم.
ومضة: الفارابي أول من اخترع آلة القانون و الآت موسيقية أخرى، وبذكر العود أعلاه قام بتطويره وإضافة تحسينات عليه ومن ذلك العود الثماني “المثمن” أي بعدد ثمان أوتار و الذي وجده مخططه العواد (نصير شمه) و قام بنقله من الورق للواقع بصناعة (فوزي منشد).

في ذاته و لذاته و اللاتناهي عند هيجل

image

جورج فيلهلم فريدريش هيغل (1770 — 1831)، فيلسوف ألماني وُلد في المنطقة الجنوبية الغربيةِ من ألمانيا. يعتبر (هيغل) أحد أهم الفلاسفة الألمان حيث يعتبر أهم مؤسسي حركة الفلسفة المثالية الألمانية في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي.

(هيجل) وكما سبق التعريف عنه في مقالة سابقة، يتناول مصطلح “في ذاته و لذاته”En soi et pour soi

و الذي هو عنده على خلاف ما جاء به (كانط) لا يرادف “ما هو لذاته” بل يتقابل معه. غير “أن الوجود لذاته” فكرة معقدة و ليس السبب في ذلك أنها تقابل “الوجود في ذاته” فحسب، بل لأنها أيضاً تقابل مصطلح “الوجود للآخر”.

الفكرة التي تقول إذا كان شيء ما وجود لذاته فإن ذلك يعني أنه مدرك لذاته – تؤدي إلى فكرة أبعد هي القول أن للكائن في ذاته خصائص معينة ليست من أجل ذاته. فالطفل عاقل في ذاته. و لكن ليس من أجل ذاته، طالما أنه ليس مدركاً أنه عاقل، والعبد بوصفه إنساناً فهو حر في نفسه، لكنه لا يكون حراً من أجل ذاته. والطور عند (هيجل) يتضمن عودة إلى البداية أو إلى ما هو في ذاته، فالثبات في النهاية ينتج بذوراً من جديد، والشيخوخة هي عودة من صراع خصائص الشباب إلى نسخة راقية من تآلف الطفولة ورضاها عن العالم. 

الوجود في ذاته ولذاته ؛ كثيراً ما يرى على أن المرء في بيته و مع نفسه، أو يعني وصول المرء إلى ذاته في الآخر.

و ذلك شبيه باللاتناهي و بصفة عامة فإن استخدامات (هيجل) لتعبيرات “ذاته” متنوعة ومرنة.


(هيجل) واللاتناهي “L’Infinie

مصطلحات “اللاتناهي” و”اللامتناهي” تقابل “التناهي” و”المتناهي“، وهي تشير إلى غياب النهاية أو الحد “اللامحدود“.

ولقد رأى (شلنج) و(هيجل) مشكلتين أساسيتين في اللامتناهي:

أولاً: إذا كان اللاتناهي متميزاً عن المتناهي فهو بذلك محدود بواسطة المتناهي، هكذا يكون متناهياً وليس لا متناهياً. فإذا كان الله مثلاً متميزاً عن العالم فهو متناه.

و من ثم فقد ذهبا، مثل (فتشه)، إلى أن اللامتناهي ليس متميزاً عن المتناهي، لكنه يتضمن المتناهي كوجه له أو لحظة من لحظاته.

ثانياً: التراجع اللامتناهي أو التقدم اللامتناهي الفاسد فهو غير متماسك من الناحية العقلية ويقضي على نفسه من الناحية العملية.

وهكذا يعترضان على فكرة (كانط) و(فتشه) القائلة:

يأن للبشرية هدفاً ينبغي عليها أن تكافح من أجله، لكنها لا يمكن أن تبلغ متناه.

(هيجل) حاول أن يستعيد، على مستوى أعلى العالم المتناهي المنغلق على ذاته عند (أرسطو) في مقابل العالم ذي النهاية المفتوحة في عصر التنوير و في علم (نيوتن) المليء بالاضداد بين الذات والله والعالم، وبضروب من المتناهي عسرة الهضم، غير أن هذه الضروب من اللاتناهي يصعب اسبعادها:

إذ يذهب (هيجل) إلى أن الزمان و المكان هما ضربان من اللامتناهي “الفاسد“.

ولم يلمح إلى أن المكان دائري حتى أن الحركة في خط مستقيم لا بد في النهاية أن ترتد بنا إلى نقط البداية من جديد . كما أنه لم يعمد مثل (نيتشه) إلى إحياء الفكرة الفيثاغورثية التي تتضمن العود الذي لا نهاية له للشيء نفسه بالضبط، و لا حتى الأحداث الممتدة في هوية واحدة من الناحية الكمية.

ففكرة العود الأبدي تتعارض مع إيمان (هيجل) أن التاريخ يتقدم نحو هدف ما. لكن إهماله لها جعله يتأرجح بالتساوي بين النظرة التي تقول أن التاريخ يصل أو أنه وصل إلى نهاية، وبين النظرة التي تقول أنه يسير نحو لا متناه، حتى لو استطعنا أن نعرف كيف سيواصل سيره وأننا لا بد أن نحضر أنفسنا في اللامتناهي الحقيقي الخاص بالحاضر.

هيجل و التصوف الاسلامي

هيجل

جورج فيلهلم فريدريش هيغل (1770 — 1831)، فيلسوف ألماني وُلد في المنطقة الجنوبية الغربيةِ من ألمانيا. يعتبر (هيغل) أحد أهم الفلاسفة الألمان حيث يعتبر أهم مؤسسي حركة الفلسفة المثالية الألمانية في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي.

يستعرض لنا  الدكتورة (محمدي رياحي رشيدة)  في كتاب (هيجل و الشرق) نظرة (هيجل) عن التصوف الإسلامي الذي يراه مختلفًا عن التصوف المسيحي، بل متناقضاً معه من خلال المبدأ الجوهري .
فالتصوف يعرف بأنه:

حيوية داخلية للشعور العميق للروح التي تقتصر أساساً على إبطال المرئي.

(هيجل) يرفض بصورة واضحة مفهوم الوحدة الخاصة الصوفية، مسيحية كانت أم إسلامية، وهي وجهة نظر تكون فيها وحدة الله والعالم اللامتناهي والمتناهي موجودة إلا في الفكر لأنه بصفته ظاهرة، فالعالم لا يمتلك أية حقيقة فعلية ولا أي تحديد .
ولهذا السبب، فالفكر الصوفي الإسلامي، يتمثل لـ(هيجل) كنوع من الحلولية الروحية للانعكاس الذي هو:

إنتاج الفكر المتبصر الذي يمتد في كل الاشياء الطبيعية، والذي سيصور وجود الله ليس كشمولية حقيقية للفكر، وإنما ككلية بمعنى في كل الموجودات الخاصة.

هذه الكلية تتمثل في جوهرها كنفي للمتناهي؛

فكل ماهو متناهي محدد و منفي.

الفلسفة الصوفية الاسلامية بالنسبة لـ(هيجل) تتميز ككونية مشابهة لفلسفة الإيليين او السبينوزوية.
فهذه الفلسفات كما يقول:

تطابق لله مع العالم، أساليب للتصورات الشرقية، أستطيع أن أقول بأن المطلق يبرز كنوع محض كلي، الذي يسكن لا في الأجناس و لا في الموجودات، لكن بالطريقة التي يدركن فيها أية حقيقة فعلية.

ويقول أيضًا:

إن الخطأ المشترك لهذه الأساليب، التصورات والأنساق، هو عدم بلوغها مرحلة تحديد الجوهر كموضوع و كروح.

الفهم المتأمل الذي هو أسلوب الفكر الصوفي، يرتقي اتجاه التحديد الحقيقي الخاص بالفلسفة.
فبالنسبة لـ(هيجل):

صعوبة القضية، تكمن في الشكل الذي يأخذه التأمل، لأن هذا التأمل الذي يسمونه غير مدرك،

بالنسبة للذين لا يريدون معرفة أي شيء عن الله.

الفلسفة الصوفية هي محددة من طرف (هيجل) كفلسفة جوهرية، فلسفة لا تستطيع التعبير عن وحدة اللامتناهي والمتناهي لله وللعالم إلا من خلال النفي، أو الإلغاء المطلق للمتناهي و للعالم، مثل هكذا فلسفة تعد سلبية مطلقًا في نظر (هيجل) الذي لم يتعرف على الفلسفة الصوفية الا تحت شكل صوفية شعرية.

النسخة الداخلية متكافئة مع الحضور الإلهي إذن الانسان هو الكلي مطلقًا، إنه الحقيقة، مجمع كل الكائنات الازلية و الفانية.

إشكالية المفهوم الهيجلي لا تكمن فقط في توثيقه، و لكن بنسقه الفلسفي أيضًا. وخاصة ما تعلق منها بمفهومه للصوفية لتأسيس برهنته الميتافيزيقية الصوفية، لا سيما تلك المرتبطة بـ(جلال الدين الرومي).
أما بالنسبة لـ(جلال الدين الرومي) وللصوفية عامة:

الإنسان هو في نفس الوقت كائن، حي وتاريخي، وهو جزء من الكائن الإلهي هو شعاع من نوره.

فالحياة الحقيقية هي الحركة التي من خلالها، وحسب (الرومي):

الجزء ينضم إلى الكل الشعاع، النور.

هذا ما قاله (الرومي) في هذا النص الذي يؤرخ له بستة قرون قبل (هيجل):

الخالق يخرج الانسان من الوضع الحيواني ليدخله في الوضع الانساني، وهكذا يمر الانسان من نظام للطبيعة إلى آخره، إلى أن يصبح حكيمًا، عالمًا وقويًا مثلما هو عليه الآن.

هناك أكثر من فكرة استوقفت (هيجل) طويلاً في أشعار (الرومي)، منها:

هذا الوعي للواحد في أجمل صفاته و سموه […] وحدة النفس مع الواحد،

هذه الوحدة الروحية التي هي الحب في وقت واحد، هذه الوحدة الروحية،

تسمو فوق كل ماهو محدود ومألوف ترتقي بالطبيعي، إلى مستوى الروحي،

حيث ينتفي ويذوب كل ما هو خارجي، كل ما هو خارجي،

كل ما هو عابر في المعطي الطبيعي المباشر،

و كل ما هو حسي أو روحي بالمعنى الدنيوي.

ويتساءل (هيجل) في ملاحظته عن (جلال الدين الرومي):

من ذا الذي يرى في هذا الشعر المتعالي عن كل ما هو خارجي و حسي، التصور السطحي عما يسمونه بالحلولية، ومن ذا الذي بالأحرى، يقصر الإلهي على ما هو خارجي و حسي.

فالحلولية الحقة التي يدافع عنها (هيجل) تتلخص “في أن الإلهي، كوحدة و ككل، لا يدركه الوعي إلا بعد اختفاء جميع الأشياء الجزئية التي يتجلى فيها حضوره”.

يذكر (هيجل) كلا من (جلال الدين الرومي)، و(حافظ الشيرازي) بأجمل العبارات:

إن الحب الإلهي الذي يستغرق الانسان بكليته، بحيث لا يرى في أي جهة من الجهات الا الواحد الذي يرد إليه كل ما يقع تحت الحواس، إن هذا الحب يشكل المركز الذي لا يكف عن أن يتسع و يشع في كل الاتجاهات.

و أخيرًا لا يجد (هيجل) بُدًا من المقارنة بين شعر الشرقيين و شعر الغربيين فيقول:

لا شك ان الحياة الرومانتيكية للعواطف عند العرب تتضمن مطابقة مماثلة “مع الحياة الخارجية“، ولكنها حزينة كئيبة تنقصها الحرية، وتبقى متقوقعة على نفسها، مغرقة في الذاتية، مما يجعلها أنانية ضعيفة .. أما عند الشرقيين، وخاصة الفرس المسلمين، فهذه الداخلية هي داخلية حرة و سعيدة.

من ضحكة جاء العالم

يكاد العالم بأجمعه وبمختلف أزمنته يتفق على خفة دم المصريين، والنكتة لا تغيب شمسها عن مصر وتحضر على الدوام، شعاعها يتوهج بالظروف الصعبة قبل الأيام المستتبة يجسد ذلك المشهد ما رأيناه ولا زلنا في ثورة يناير سنة 2011 وعن الكم الهائل من الشعارات التي تحلت بالطابع الفكاهي، أو مواقف طريفة انتشرت في الاعلام عموماً من قبل الشعب الرحيب الصدر، ويسبق ذلك (أحمد فؤاد نجم) و(الشيخ إمام) الذي استعمل النكتة السياسية في غنائه.

بعد هزيمة حرب يونيو سنة 1967 والذي تم استلهامها من الشاعر (بديع خيري) و(سيد درويش) الذي قام بتوظيف فنه للقضية السياسية وحال الشعب المصري آنذاك بسلاح الدعابة أيضاً، لتأتي (موسوعة الفكر السياسي عبر العصور) تؤرخ لنا تأصيل هذه الميزة لدى الشعب المصري فيستوقفنا منها:

ولعل سخرية المصريين من السلطة الحاكمة واستهزائهم بها , أقوى وأوضح وسائل تعبيرهم عن معارضتهم لها وموقفهم السلبي منها، وهي وسيلة تبدو متجذرة تاريخياً في الروح المصرية ومنطقها الحضاري الاجتماعي، بل والديني أيضاً ويعلل بعض الباحثين ذلك باعتقاد المصريين القدماء، أن الضحك هو الذي خلق العالم. فحين أراد الإله الأكبر خلق العالم، أطلق ضحكة قوية فخلق أرجاء العالم السبع، وبضحكة أخرى خلق النور، وبالثالثة خلق الماء، وهكذا حتى خلق الروح بضحكته السابعة، فالضحك إذاً، ووفقاً لهذا المنطق، فعل خلق إيجابي، أي أنه قادر على الفعل، فلعل المصريين القدماء اعتقدوا ان سخريتهم من الحاكم وضحكهم عليه يمكن أن يكون له نفس مفعول الخلق الذي كان لضحكات الإله، فيخلعونه بسخريتهم، ويغيرونه ويتخلصون من شره بالضحك منه وعليه، فعارضوا السلطة بالتشهير الخفي الساخر والنكتة المبطنة ذات المضمون السياسي، واتقوا شرها وتجنبوا أذاها في ذات الوقت. وإذا كان المصريون القدماء قد ترددوا في تسجيل سخريتهم من فراعنتهم الذين كانوا بالنسبة لهم ملوكاً وآلهة مقدسين في آن واحد، فإنهم تجاوزا ذلك التردد في معارضتهم لحكامهم الأجانب، الذين سخروا منهم كلما أتيحت لهم فرصة لذلك، وقد لاحظ الرومان الأثر السلبي لسخرية المصريين من سلطتهم ومؤسساتهم، فمنعوا المحاميين المصريين من دخول محاكم الإسكندرية لسخريتهم من القضاء الروماني، وضمت البرديات المصرية القديمة بعض الرسوم الساخرة المنطوية على نقد للأوضاع السياسية والاجتماعية، حيث أظهرت تلك الرسوم الحيوانات وهي تتصرف نيابة عن البشر، فصورة الفئران وهي تهاجم قلعة القطط، ترميز لغزو الهكسوس “الفئران” لمصر “القطط” حيث كان القط حيواناً مصرياً مقدساً، وأحد رموز آلهتها وفراعنتها، وعبرت رسوم أخرى عن فساد الأوضاع عندما صورت الأشياء معكوسة كصورة القط وهو يرعى قطيع الإوز، والذئب يحرس الأغنام، والمعنى الساخر والمقلوب واضح في هذه الرسوم، وبذلك استبدل العقل والسلوك المصريين، المعارضة العملية المباشرة للسلطة والنشاط الفعلي الهادف إلى تغييرها وكل تفكير صريح بهذا الخصوص، بسلوك معارض غير مباشر، كان له وجهان إيجابي وسلبي، بما يتفق والحاجة لأحداث التغيير السياسي والمساهمة فيه من جهة، وتجنب أذى السلطة وعقابها من جهة ثاني.

وهذه إحدى أغاني (سيد درويش) التي جاءت بالنسق الفكاهي: