أرشيف الكاتب

ما تحاول أن توهمنا إياه الأنا المزيفة

 

واين داير (1940-2015) هو مؤلف أمريكي ومحاضر مشهور، مؤلف كتاب (النقلة) وهي دعوة إلى استكشاف عملية الحركة بعيداُ عن الحياة التي لا هدف لها، والتحول إلى أخرى عامرة بالمعاني والأهداف. يشرح في كتابه أربع نقلات؛ ففي النقلة الثانية، وهي مرحلة الطموح. حيث أن الطموح هي المرحلة التي نتبنى فيها “الأنا المزيفة” التي هي نقيض عالم الروح الذي أتينا منه.

ويرى (داير) أن “الأنا المزيفة” تريد منا أن نؤمن بكذبات ست، أحداهن تقول: “آراء الآخرين تحدد من أكون”. فيقول (داير) بخصوص هذه الكذبة:

تمطرنا الأنا المزيفة طوال حياتنا برسائل تحاول من خلالها إقناعنا لأن قيمتنا تأتي من ملاحظات وآراء الآخرين. مرة أخرى، تعلن هذه الذات أن شيئاً ما أو شخصاً ما خارج عنا هو المسؤول عن صدقيتنا.

لقد تعلمنا منذ نعومة أظافرنا أن نصدق آراء الآخرين أكثر مما نصدق آرائنا نحن. إن تقييم الأبوين، الإخوة، الأصدقاء، المعلمين، وفي بعض الحالات، كل من يظهر في حياتنا كيافعين، يتم تقديره عالياً أكثر مما نقدر تقيمينا نحن.

نحن مقتنعون أنه إذا قام أي شخص من تلك الفئات بانتقادنا، فعلينا أن نحترم، وجهة نظره أكثر من جهة نظرنا نحن. إن هذا الانغماس في تعاليم الأنا المزيفة يضعف تدريجياً إحساسنا بالقيمة، مسبباً لنا الشك في قدسيتنا.

ثم يؤكد (داير) على“أن احترام الذات ينبع من معتقدات داخلية إيجابية عن أنفسنا وليس استحسان الآخرين”.

ثم يقول:

يملى علينا البقاء المادي الأنا المزيفة، أننا كائنات مادية دون روحانية في جوهر. إنها تنتهج فكرة خاطئة تقول قيمتنا تتحدد وفق ما يختار الآخرون أن يكون رأيهم فينا. إذا كنا نعلم حقيقة من نكون، نستطيع أن نتجاهل رسائل الأنا المزيفة تلك، وننظر ببساطة إلى آراء إخواننا في الإنسانية عنا على أنها مجرد آراء.

أن الاعتقاد بأن رأي الآخرين فينا يحدد هويتنا، يعيق العفوية المرحة لذواتنا الحقيقية. إذا كان استحسان الآخرين وآراؤهم يحدد هويتنا، سنحاول أن نكيف أنفسنا أو ننكمش. إن صورتنا عن أنفسنا معتمدة عليهم، وعندما يرفضوننا، فهذا يعني أننا “لن نكون” على الإطلاق. أن أسلوب الأنا المزيفة في التعامل مع هذه المعضلة هي التكيف مع آراء الآخرين. إن كانوا يعتقدون أننا أغبياء، نحاول أن نقنعهم كي يعتقدوا العكس من خلال محاولة أن نكون ما يريدوننا أن نكون. يصبح وجودنا بأكمله انعكاساً لما يعتقد به الآخرون.

الحقيقة كما يتصورها (داير) هي أنه لا علاقة لأفكار الآخرين أو رأي أي أحد فينا في هذا العالم، بتحديد هويتنا. نقطة انتهى. قد يغير الشخص الذي تسعى يائساً خلف استحسانه رأيه غداً، وعوضاً عن أن يظن أنك ذكي، موهوب، رائع. قد يقرر أنك غبي، أبله لا تستحق التواجد بالقرب منه. إذا استمعت إلى ذاتك الحقيقة فلن تتأثر أبداً بمثل هذه الأحكام. وبالتالي، إن كانت ذاتك المزيفة هي المهيمنة على تفكيرك، فستتأثر على نحو بائس. بهذا الطريقة تغويك الأنا المزيفة كي تستخف بذات الحقيقية.

فريدريك لونوار، وكلماته في أن نصبح أحرارًا

فريدريك لونوار

 

فريدريك لونوار (مواليد 1962)، فيلسوف وكاتب وعالم اجتماع فرنسي له، العديد من الكتب والراويات.

في مؤلفه الرائع (فن الحياة) يكتب تحت عنوان “أن نصبح أحرارًا” مفهومه الخاص للحرية والتي استلهم جزء منها من فلاسفة وحكماء يأتي على ذكرهم فيها، فيقول مبتدئًا الحديث:

كلنا مولعون بالحرية، ولكن هل نقدر قيمة الاستقلال الذاتي الذي ننعم به ونستخدمه بمعرفة تامة، وهو شرط ملزم للتعبير عن ذاتيتنا؟

كانت الحرية الفردية، حتى فترة زمنية قريبة نسبياً، تعيقها بشدة قوة الروابط الاجتماعية و العائلية، و وطأة التقاليد والطابع السلطوي للأنظمة الأساسية . أما اليوم فنحن نتمتع في الغرب بحظ خارق يتجلى في القدرة على تحقيق خياراتنا في الوجود. فباستطاعتنا البت في قضية مهنتنا ومكان إقامتنا، تغيير المدينة أو البلد، اختيار شريك حياتنا، وتحمل مسؤولية تأسيس عائلة أو عدم إنجاب أطفال. ويحق لنا بالطريقة ذاتها, وبحرية وصدق أن نتبنى القيم تبدو لنا  أشد صوابية لتوجيه حياتنا. وبإمكاننا اختيار دين نلزم أنفسنا به أو لا نلزمها، وأن نسلك هذا الطريق الروحي أو ذاك. كل ذلك يبدو أمراً مبتذلاً، ولكن لا ننسى مع ذلك أن الدين والمعايير الأخلاقية، في كثير من البلدان، وحتى إلى اليوم، تفرضها السلطات السياسية والدينية عبر توحيد جهودهما. فمن ينتهكها، أو ما هو أسوأ أيضاً، من يرفض تبنيها باسم حرية المعتقد أو قناعاته العقائدية، يعاقبه القانون وقد يتعرض لعقوبة الموت.

على أن حرية الاختيار والمعتقد، أياً كانت أهميتها، لا تكفي وحدها لجعلنا أحراراً تماماً. فثمة في الواقع شكل آخر من الاستلاب (انتقاص الحقوق) يتبدى في العبودية الداخلية، وأقصد به انقيادنا واستسلامنا لأهوائنا، ولرغباتنا الواعية أو اللاواعية، ولروابطنا الداخلية المكبوتة. هذا الاستلاب يجعل منا أسرى ذواتنا، فلنتمهل في مراقبة أنفسنا. فئة قليلة منا ستعترف بكل نزاهة أنها نجحت في حيازة حريتها الباطنية كاملة. إننا جميعاً، متأثرون بأحكام مسبقة وحاجات ورغبات أو حالات نفور غاية في العنف بحيث إنها تجتاح أحياناً فضاء حريتنا. ولنا جميعاً، وبدرجات متفاوتة، عادات سيئة بتنا عبيداً لها، وهي تحول دون تحقيق ذواتنا بصورة تامة وبدون إقامة علاقات طيبة مع الآخرين. هذه العوائق الباطنية هي قيود غليظة أشبه بالقيود التي كانت، في الأنظمة الشمولية، تجعل الناس سجناء بالجسد.

ثم ينتقل بعد ذلك إلى حديث أعمق عن مفهوم “الحرية الداخلية”، التي تطرق إليها قبلًا، فيقول، مستشهدًا بتعاليم (بوذا) و(سقراط) و(يسوع):

أراد معلمو الحكمة الثلاثة هؤلاء تحرير الفرد من قيود الجماعة وعبء التقاليد، فلم يكن ذلك بهدف جعله مستقلاً سياسياً وحسب، بل لتمكينه من شق طريق له قيوده إلى التحرر الباطني. ففي نظر (بوذا)، الحرية الحق هي الحرية التي يتوجب على كل كائن بشري أن ينالها بمقاومة أهوائه ورغباته وشهواته، والتي تشكل في الواقع قيوداً تربطه بعجلة “سمسار” ويقوم كل تعليمه على بضع حقائق حول العطش إلى الشهوات والتعلق بها، توثق الفرد بدورة التجسدات الجهنمية. أما في رأي (سقراط)، فالجهل هو علة كل الشرور؛ علة الخطأ، الظلم، الخبث والحياة الفاسقة، أي علة كل  شيء يسيء إلى الآخرين، وبخاصة إلى الإنسان نفسه. فالناس بجهلهم إجمالاً، يلحقون الأذى بأنفسهم. وبمعرفة أنفسهم وطبيعة الأشياء الحقيقية يتحررون من الرذيلة والشقاء. فمن توصل إلى معرفة الحق والعدل والخير لا يسعه إلا أن يكون إنساناً طيب القلب فاضلاً.

وجاءت رسالة (المسيح) متناغمة مع رسالتي (سقراط) و(بوذا)، وهو الذي وعد مستمعيه قائلاً: “إن ثبتم في كلامي، كنتم تلاميذي حقاً تعرفون الحق، والحق يحرركم”. وأضاف: “كل من يرتكب الخطيئة يكون عبداً للخطيئة”.

إذاً يتفق (بوذا) و(سقراط) و(يسوع) ليؤكدوا أن الإنسان لا يولد حراً بل يصبح كذلك عندما يخرج من الجهل، ويتعلم تميز الحق من الباطل، والخير من الشر، والعدل من الظلم، ويتعلم كذلك أن يعرف نفسه، ويتحكم بها، ويتصرف بحكمة ورحمة.

آلبيرتو مانغويل وحديثه عن المكتبة بوصفها منزلًا

مانغويل

للعلاقة مع الكتاب والمكتبة فنون ومذاهب شتى، كيف تنشئ المكتبة؟ ومتى؟ لكل  قارئ وصاحب مكتبة، سيرته الخاصة مع الكتاب والمكتبة .(ألبرتو مانغويل)، الكاتب، والناشر، والروائي أيضاً، يجيب عن ذلك في كتابه (فن القراءة)، في مقالته المعنونة “المكتبة منزلاً”.

يقول (مانغويل):

انقضت سبع سنين وأنا أقيم في منزل حجري قديم كان صاحبه كاهن كنيسة، في قرية تعداد بيوتها أقل من عشرة، جنوب وادي اللوار في فرنسا. اخترت المكان لأن هناك حظيرة تجاور المنزل نفسه، تداعت أجزاء منها منذ قرون، كبيرة بما فيه الكفاية لتستوعب مكتبتي التي تناهز كتبها ثلاثين ألف كتاب لملمتها على امتداد ستة عقود من الترحلات. كنت أعلم أنني سأعثر على مكاني حالما تجد الكتب مكاناً لها.

ليست مكتبتي (في هذه الحظيرة) بهيمة واحدة بل هي هجين من البهائم أخرى كثيرة، حيوان فانتازي يتركب من المكتبات العديدة التي بنيتها ثم هجرتها، المرة تلو الأخرى، طوال حياتي. لا أستطيع أن أتذكر وقتاً لم تكن لدي فيه مكتبة ما. مكتبتي الحالية نوع من السيرة الذاتية عديدة الطبقات، كل كتاب محتفظ باللحظة التي قرأتها فيه للمرة الأولى. الخربشات على الهوامش، تاريخ لقاء عابر على ورقة فارغة في بداية الكتاب، تذكرة الباص الحائلة التي أشرت بها إلى صفحة معينة لسبب أجهله في الوقت الراهن، جميعها تحاول أن تذكرني بمن كنته حينذاك. لكنها تخفق في معظم الأحوال. اكتراث ذاكرتي بي أقل من اكتراثها بكتبي، وتذكر القصة التي قرأتها ذات مرة أسهل علي من تذكر الشاب الذي قرأها وقتذاك.

إحدى أولى ذكرياتي (لا بد أن عمري وقتذاك كان سنتين أو ثلاثاً) هي رف كامل من الكتب على الحائط يعلو سرير طفولتي كانت مربيتي تختار منه قصة قبل النوم. كانت هذه هي مكتبتي الأولى، وعندما تعلمت القراءة بنفسي، بعد نحو سنة من ذلك، أصبح ذلك الرف ملكا لي عقب نقله الآن إلى ارتفاع آمن عن الأرض. أتذكر ترتيبي كتبي وإعادة ترتيبها بحسب قواعد سرية اخترعتها لنفسي: يجب وضع سلسلة الكتب الذهبية كلها في مجموعة وحدة، لا يسمح لمجموعات الحكايات الخرافية السميكة بملامسة الكتب بالغة الضآلة لـ(بياتريكس بوتر) يمنع جلوس الحيوانات المحنطة على الرف نفسه مع الكتب. قلت لنفسي إن أموراً رهيبة سوف تحدث إذا انتهكت هذه القواعد. التطير وفن المكتبات يتضافران في آصرة متينة.

تأسست مكتبتي الأولى في بيت في تل أبيب حيث كان أبي سفير الأرجنتين، مكتبتي الثانية كبرت في بوينس آيرس خلال مراهقتي. قبل العودة إلى الأرجنتين طلب أبي من سكرتيرته أن تشتري عدداً كافياً من الكتب لملء رفوف مكتبته في بيتا الجديد، نفذت أمره، فأرسلت في طلب صناديق كاملة من المجلدات لدى بائع كتب مستعملة، وعندما حاولت ترتيبها اكتشفت أن الكثير من المجلدات أكبر حجماً من الرفوف. لم تتورع عن قصقصتها لتصل إلى الحجم المناسب، ومن ثم تجليدها بجلد أخضر غامق أضفى لونه على المكان، مع اللون الغامق لخشب البلوط، أجواء غابة ناعمة. اختلست كتباً من تلك المكتبة لأوسع مكتبتي التي كانت تغطي ثلاثة جدران في غرفة نومي. كانت قراءة هذه الكتب المختونة تستلزم جهداً إضافياً للعثور على بديل للجزء المفقود في كل صفحة، وهو تمرين دربني من دون شك لكي أقرأ في وقت لاحق روايات (وليم بوروز) “المقطعة“.

مكتبة مراهقتي احتوت تقريباً كل كتاب لا أزال على اهتمامي به اليوم، أضيفت إليها بضعة كتب أساسية. أعانني على بنائها معلمون كرماء، وباعة كتب شغوفون، وأصدقاء كان إهداء كتاب بالنسبة إليهم تعبيراً بالغاً عن الحميمية والثقة. أطيافهم تخيم بلطف على رفوفي، ولا تزال الكتب التي أعطوني إياها محتفظة بأصواتهم، وهكذا حين أفتح الآن (حكايات قوطية) لـ(إبيساك دينيسن) أو (القصائد الأولى) لـ(بلاس دي  أوتيرو) ينتابني انطباع بأنني لا أقرأ الكتاب بنفسي وإنما أسمعه يلقى على مسامعي. هذا واحد من الأسباب التي تفسر عدم شعوري بالوحدة أبداً في مكتبتي.

تركت كتبي ورائي عندما أبحرت إلى أوروبا 1969، قبل فترة من حكم الدكتاتورية العسكرية. وعلى ما أظن، لو كنت قد بقيت في الأرجنتين، كما  فعل الكثير الكثير من أصدقائي، لتعين علي إتلاف مكتبتي خوفاً من مداهمات البوليس. ففي تلك الأيام الرهيبة كانت تهمة التخريب واردة لأتفه الأسباب، حتى إذا شوهد المرء ومعه كتاب مشبوه؛ اعتقل شخص أعرفه، بتهمة الشيوعية، لأنه كان يحمل معه رواية (الأحمر والأسود) لـ(ستاندال). اكتشفت السمكريون الأرجنتينيون أن هناك إقبالاً غير مسبوق على خدماتهم، لأن قراء كثراً حاولوا إحراق كتبهم في أحواض مراحيضهم فتصدع بورسلانها.

أينما استقر بي المطاف راحت مكتبة تكبر من تلقائها. في باريس وفي لندن، في قيظ تاهيتي الرطب، حيث عملت كناشر خمس سنين طوالاً (لا تزال آثار التراب البولينزي واضحة على نسختي من أعمال ملفيل)، في تورونتو وكالياري، كنت أجمع الكتب ثم أوسدها الصناديق عندما تأزف ساعة المغادرة، لتنتظر بفارغ الصير داخل المخازن الأشبه بالقبور يحدوها أمل بالقيامة لا يعول عليه. وكنت في كل مرة أسأل نفسي كيف حدث ذلك، كيف تكدس هذا الركام من الورق والحبر الذي  سيغطي جدراني كاللبلاب مرة أخرى.

المكتبة القائمة الآن، بين جدران طويلة تحمل أحجارها في بعض المواضع تواقيع بنائي منازلها الفارهة في القرن الخامس عشر، آوَت، تحت سقف من عوارض خشبية تعرضت لتقلبات الطقس، بقايا تلك المكتبات السابقة كلها، بما فيها كتب من أولى مكتباتي تتضمن الحكايات الخرافية لـ(الأخوين غريم) في مجلدين، مطبوعين بأحرف قوطية الطراز تقبض النفس، ونسخة مليئة بالخربشات من (خياط غلوسستر) لـ(بياتريكس بوتر). ثمة بضعة كتب فقط سيعتبرها المولع الجاد بالكتب جديرة بالاهتمام: نسخة من الكتاب المقدس مزينة بالرسوم نسختها رهبان دير ألماني في القرن الثالث عشر، هدية من الروائي (يهودا إيلبرغ)، بضعة من كتب معاصرة معدة ككتب فنانين، بضع نسخ موقعة وأخرى من الطبعات الأولى. لكني لا أملك المال ولا المعرفة لأغدو مقتنياً محترفاً، وفي مكتبتي تجلس كتب (بنغوين) غضة الإهاب بريقها عائد إلى فرط الاستخدام، مسرورة جنباً إلى جنب مع كتب مخضرمة عابسة فاخرة التجليد.

ولأن مكتبتي, خلافاً للمكتبات العامة، لا تستلزم قواعد عامة يجب أن يفهمها القراء الآخرون ويتشاركوها، فقد رتبتها ببساطة تبعاً لما تقتضيه احتياجاتي وتصوراتي. ثمة منطق مضحك يحكم جغرافيتها. تتحدد أقسامها الرئيسة بحسب اللغة التي كتبت بها الكتب: أي من دون تمييز بين الأنواع، فجميع الكتب المكتوبة أصلا بالإسبانية، أو الفرنسية أو الإنكليزية أو العربية، تجتمع معاً على نفس الرفوف. أسمح لنفسي باستثناءات كثيرة على أية حال. بعض الموضوعات مثل الكتب عن تاريخ الكتاب، دراسات الكتاب المقدس، الروايات المختلفة لـ(أسطورة فاوست)، فلسفات عصر النهضة وآدابها، دراسات المثليين، كتب الحيوان القروسطية، لها أقسامها المستقلة. ثمة أفضلية لكتاب معينين: لدي آلاف من الروايات البوليسية مقابل قصص معدودة جداً من أدب الجاسوسية، مؤلفات (أفلاطون) أكثر من (أرسطو)، أعمال (زولا) الكاملة ويكاد يغيب (موباسان)، الأعمال الكاملة لـ(سينثيا أوزيك) و(جون هوكس) ولا شيء تقريباً لأي من المؤلفين على قائمة الأكثر مبيعاً في النيويورك تايمز. لدي العشرات من كتب رديئة جداً لا أتخلص منها، فقد تعينني ذات يوم إذا احتجت إلى مثال عن كتاب أحسبه رديئاً. الكتاب الوحيد الذي حظرت دخوله إلى مكتبتي كان رواية (بريت إيستون إيليس) مجنون أمريكي التي أحسست أنها قد أمرضت الرفوف بتوصيفاتها المهووسة بتعمد إيلام الآخرين. وضعته في سلة القمامة، لم أعطه لأحد لأنني لا أعطي كتاباً لا أحبه. كما أنني لا أعير الكتب. وإذا أردت من أحد أن يقرأ كتاباً اشتريت نسخة وأهديته إياها. في اعتقادي، إن إعارة كتاب تحريض على سرقته.

إن مكتبتي في نهاية الأمر، ككل المكتبات، ستفيض عن المساحة المخصصة لها. فبعد انقضاء قرابة سبع سنين على إنشائها وصل امتدادها إلى صدارة المنزل التي كنت آمل بإبقائها خالية من رفوف الكتب. كتب الرحلات، وكتب عن الموسيقى والأفلام، وكتب مختارات متنوعة الأشكال تغطي الآن جدران غرف عديدة. رواياتي البوليسية تملأ واحدة من غرف نوم الضيوف، وتعرف الآن  باسم مألوف هو غرفة الجريمة. ثمة قصة لـ(خوليو كورتاثار) هي (المنزل السليب)، وفيها يضطر أخ وأخت إلى الانتقال من غرفة إلى أخرى لأن هناك شيئاً لا يسمى يحتل منزلهم برمته شبراً بعد شبر، ويرغمهم في النهاية على الخروج إلى الشارع. أتكهن بأن كتبي، على غرار ذلك الغازي المجهول الاسم، ستتم اجتياحها التدريجي ذات يوم. سأكون آنئذ مطروداً إلى الحديقة، ولأنني أعرف مسلك الكتب، فما أخشاه هو أن ذلك المكان بأمانة الظاهري قد لا يأمن طموح مكتبتي الجائعة.

فريدريك لونوار، في فلسفة عدم التعلق

 

فريدريك لونوار

فريدريك لونوار (مواليد 1962)، فيلسوف وكاتب وعالم اجتماع فرنسي له، العديد من الكتب والراويات.

في مؤلفه الرائع (فن الحياة) يتطرق إلى فلسفة عدم التعلق بالأشياء، كطريقة لنيل حياة مثالية وسعيدة. ففي مقالة حملت عنوان “التعلق وعدم التعلق” يشرح بأسلوب بسيط كيف يكون ذلك، فيقول:

إن عدم التعلق بالأشياء هو إحدى الوسائل الأساسية لعيش “حياة سعيد“. فنحن يهمنا أن يكون لكل منا بيت نملكه، وأن نأكل كل يوم عند شعورنا بالجوع. أما في ما يختص بالأمور الأخرى، فإن السعادة والشقاء يتوقفان أساساً على عوامل أخرى هي: الحب، الحرية، الصحة، ضبط الذات. لذا يتوجب علينا أن نستقبل الحياة كما تعرض علينا وبما تنطوي من يسر وعسر.

فنرضى بفتراتها السعيدة التي ننعم أثناءها أحياناً بمتع نحن بغنى عنها. وبفتراتها الأصعب كذلك التي نقدرها من أجل التنعم بمتع أشد عمقاً. يتراءى لي أن الفلسفة البوذية التي تعتبر كل شيء خاضعاً للتحول والتغير والحركة الدائمة هي عين الصواب . إنها تؤسس لفلسفة “عدم التعلق“: علينا ألا نتعلق بما هو غير ثابت.

إذ بإمكاننا أن نتمتع يوماً بصحة جيدة، وفي اليوم التالي بصحة سيئة، أن نكون أغنياء يوماً، وفقراء في الغد، ولا أحد يسعه أن يضمن ثبات مراتب الشرف والثروة. ثم إن فلسفة عدم التعلق البوذية نجدها في فلسفات العصور القديمة الرئيسة، كما رأينا ذلك في الفصول السابقة التي ذكرت فيها الأبيقوريين والرواقيين، ونجدها كذلك في تعاليم جميع الأديان الكبرى التي لا تشجب المادة أو الملذات الحسية، بل تشجب التعلق بالماديات والمال.

يتحدث بعد ذلك عن المسافة بين التعلق والازدراء، فيقول:

إن عدم التعلق فلسفة لا تحض على التقشف ولا تستوجب ازدراء الماديات، بل تكتفي ببساطة برفض التعلق بها. فمن الطبيعي أن يشعر المرء بالمتعة إن توافرت له حياة مادية رخية، وكان له بيت، وكمبيوتر وسيارة يعملان على أفضل وجه، وإن أتيح له السفر في أوقات لفراغ. المهم هو البقاء في حال من اليقظة وعدم الاستسلام لمغريات التعلق بكل هذه الأمور التي تحت تصرفنا، والتي ينبغي، إذا ما خسرناها، ألا توقعنا في الحزن والأسى، ولا تهز نفوسنا. فنحن لسنا عبيداً لها .. لكننا ملزمون مع ذلك باحترامها، إذ ليس من العدل في شيء، أن نترك منازلنا تتداعى، ونملك بستاناً ولا نعنى باستصلاح أرضه. فاحتقار الماديات، وهو عمل يرثى له، مرتبط في الغالب باحتقار الجسد. هذا ولا يعني عدم التعلق بالأمور الفانية كراهية الجسد أو ازدراءه وازدراء ما يمت بصله إلى المادة، كما هي الحال أحياناً في بعض التيارات الدينية التقشفية. وحب المرء لجسده، على ما قلت آنفاً، والعناية به بشكل صحيح يعتبر من صميم الحياة الروحية ويسهم في ازدهارها. كذلك حب البيئة التي نعيش فيها وتخصيص قليل من الوقت بغية تحسينها وتجميلها يشكل إجراء مماثلاً، لذلك، أكرر، أن نحافظ على المسافة الضرورية كي لا نصبح عبيد أجسادنا وأهوائنا ومساكننا.

لكن الكاتب لا يوافق فلسفة عدم التعلق بالماديات البوذية في امتدادها إلى الأشخاص، فيقول:

فـ(بوذا) يوصي في الواقع بعدم التعلق بالنسبة إلى جميع الكائنات الحية، بمن فيهم الذين هم أقرب إلينا؛ كوالدينا، وزوجاتنا وأبنائنا. هؤلاء أيضاً، يقول (بوذا)، خاضعون، على غرار الكون بأكمله، لقانون عدم الثبات: إنهم سيرحلون ذات يوم، وسينفصلون عنا، ونحن سنتألم من جراء ذاك.

ثم يعقّب (فريدريك لونوار) على رأي (بوذا)، فيقول:

(بوذا) على حق تماماً؛ إذا شئنا تجنب كل أنواع الألم يجدر بنا ألا نتعلق أبداً بأي إنسان كان. ولكن ماذا يحل آنذاك بتجربة الحب، والصداقة اللذين يعتبران شرطاً لاكتمالنا؟ إن انعدام الحب، عطاًء ونيلاً، يجفف النفس. والحال أني لا أعتقد بأن في إمكاننا أن نحب من دون تعلق. ليتنا نستطيع أن نحب ونظل لا مبالين إذا مات الشخص الذي نحب.

بينما تحاول الفلسفة البوذية عدم التعلق بالأشخاص تجنباً لألم فقدانهم يرى الكاتب أن الألم جز طبيعي من الحياة:

فالحياة تقتضي وجع فقدان أشخاص محبوبين. وينبغي قبول ذلك. إن التمزق الناجم عن القطيعة أو الحداد هو الثمن الواجب دفعه للحب. إنه ثمن باهظ، ولكن يبدو لي من الضروري قبوله بوعي تام لنعيش الحياة بصورة كاملة.

الإضراب عن الطعام، وإرادة الموت

أمين معلوف

أمين معلوف، ولد في لبنان ويعيش في فرنسا منذ سنة 1976، كتب العديد من الروايات وترجمة أعماله إلى سبع وثلاثين لغة، في كتابه (بدايات الذي يسرد فيه تاريخ أهله، واستحضار ذاكرتهم، وإحياء مصير (عشيرة بني معلوف) التي سوف تنتشر من لبنان إلى كافة أرجاء المعمورة، وصولاً إلى الأمريكيتين وكوبا. يروى في صفحات هذا التاريخ حادثة وقعت في عام 1923، حيث أعلن أسد ابن أخت من أخوات بطرس (جد أمين معلوف)، ومن ألمع تلاميذه في المدرسة العمومية، أعلن لأهله، أنه لا ينوي العمل في المؤسسة العائلية، وسوف ينتسب إلى الجامعة لدراسة الأدب. وتكريس حياته للشعر. وكان هذا التمرد على تقاليد العائلة يقوده إلى مأساة ظلت عالقة في الأذهان لفترة طويلة.

يروي (أمين معلوف):

لم ترق هذه المشاريع لأمه التي أكانت أخت بطرس، أو لأبيه، فكلاهما كان يفضل أن يتوجه نحو طموحات أقل غرابة. ولكانا رضخا للأمر الواقع، كما قيل لي، لو وافق الأخ البكر للوالد الذي كان يمارس، حسب التقاليد والأعراف، السلطة الحقيقية في هذا الفرع من الأسرة. ولكن العم رفض رفضاً قاطعاً، وأعلن لابن أخيه الذي تجرأ على مناقشته: “لن تذهب إلى أي مكان! سوف تعمل هنا، ومعنا، ومثلنا! أصبحت رجلاً الآن، وآن الأوان لتكسب خبزك كفاف يومك”. فأجاب الشاب: “لن آكل الخبز بعد اليوم!”.

مات ذلك شاب في  28تموز/يوليو 1923. عندما بدأ الإضراب عن الطعام، لم يذعن أهله، مقتنعين أنه سوف يستسلم في نهاية المطاف. ثم بدلوا رأيهم، إذ أيقنوا أنه كف بالفعل عن تناول الطعام، وراح ينحل ويهزل، ووعدوه بعدم معارضة مشاريعه. ولكنه كان قد تخطى الخط الخفي الفاصل بين الرغبة بالعيش والرغبة بالموت.

يقول (أمين معلوف):

روى لي أبي الذي ولد في تشرين الأول / أوكتوبر 1914، وكان في التاسعة أو أقل حينها، تلك المأساة في بعض الأحيان:

–  أذكر ما حصل كما لو كان بالأمس. كان كل أفراد الأسرة يزورون ابن عمتي ويتوسلون إليه أن يتقوت. ويناولونه أطعمة يحبها، كأنما سوف يستعيد الشهية. ويقسمون له، ويقطعون له الوعود .. تجمعوا حول فراشه، وكانت أمه تبكي. ولكنه لم يعد يصغي لأحدهم.

ـ هل أضرب عن الطعام حتى الموت؟

ـ لم ينطفئ ببطء  كالشمعة. ففي أحد الأيام، وكان الجميع يأملون إقناعه، توقف قلبه عن الخفقان.

كان بطرس في بيروت حين نشبت الأزمة. في بادىء الأمر لم يشأ أهل الفتى إخطاره، إذ اعتبرا أنه يتحمل شيئاَ من المسؤولية عن نزوات ولدهما، وخشيا أن يدعمه في عناده، وهو المشهور بمواقفه العنيدة التي أصبحت مضرب مثل في الأسرة. ولما تدهورت الحالة، طلبا مساعدته. بعد فوات الأوان. فالصائم ما عاد يريد الإصغاء إلى أحدهم.

فجعت الاسرة بأكملها بهذه المأساة التي أرخت بظلها القاتم على الأذهان لفترة طويلة. كانت هذه المجاعة المقبولة بملء حرية، والمرفوضة بملء حرية على الذات، ولأسباب مبدئية صرف، تتسم بنبل مقلق، لا سيما بعد حدوثها بعيد انتهاء المجاعة الكبرى التي تسببت لكل أبناء الجبل بصدمة مستديمة. لقد هاجر ابن أخت بطرس نحو الموت كما يهاجر آخرون إلى أمريكا، لأسباب نفسها؛ فقد أضحى محيطهم ضيقاُ، وضيقة أمست طوائفهم، وأفكارهم، ومعتقداتهم، ومؤامراتهم، وانهماكهم الخنوع، وضيقة كذلك عائلاتهم، ضيقة وخانقة. ولابد من الفرار!

دون جدي في أحد دفاتره المرثية التي ألقاها في هذه المناسبة، بعضها نثراً، وبعضها الآخر شعراً، في السطور الافتتاحية، لا يذكر الإضراب عن الطعام بل “الموت المباغت” فقط..

تظهر كل كلمة من كلماته عميق تأثره وغضبه، وفي الوقت نفسه، لم يستطع التحامل على شقيقته المفجوعة ولا على صهره، أو أفراد أسرته، مهما كان ذنبهم. فالمأتم لا يصلح للسجال، وتصفية الحسابات، وإدانة العقلية الضيقة لبعض الأشخاص، وبعضهم الآخر. ولا تصلح المناسبة لقول الحقيقة، كل الحقيقة. بل تصلح للعزاء وتهدئة الخواطر، وبلسمة الجراح.

لم تتجاوز الكلمات الأولى لبطرس هذا الإطار. فبعد الإعلان عن كون بعض الأشخاص يخلفون، إثر مرورهم العابر بيننا، أثراً لا يخلفه الكثيرون غيرهم ممن كتب لهم العيش المديد، خاطب نفسه، بأسلوب المرثيات القديمة:

أمخضب الأجفان وكل ما جرى

ما كان قبل اليوم دمعك أحمرا…

ثم يعدد صفات الفقيد, ببعض الصور البلاغية المألوفة, ” قد عاش كعمر الورد” , وصور أخرى أكثر فرادة… قبل التقدم بخطى وئيدة , نحو الموضوع الذي يقف أمامه اللسان عاجزاً:

“بل جوهر جادت به الدنيا وقد

ندمت فقامت تسترد الجوهرا

إلى أن أعلن, قبل الختام:

أكرهت يا أسد متاعب عيشنا

فتركته وتركتنا متخيراً…

قيلت الكلمة. وأزيح قناع اللياقات: فالفتى  رحل بملء إرادته و” بسببنا ” .

فْليهنك العيش الذي حاولته

في قصر ذي الملكوت من أعلى الذرى

وعلى ضريحك للمدامع صبب

يسقى به أبداً ويبقى أخضرا.”