أرشيف الكاتب

الفكر التنويري في قضية النوع

دوريندا أوترام

يرى (كانط) التنوير أنه خلاص الإنسان من سذاجاته التي جلبها لنفسه، وذلك باستخدام عقله دون أن يشوهه التعصب ودون أن يوجهه الآخرون. فالتنوير حركة سياسية، اجتماعية، ثقافية وفلسفية. تقوم على إعمال العقل ونبذ الجهل والخرافة، نشأت في إنجلترا في القرن الثامن العشر بينما كان تطورها الحقيقي في فرنسا، كما أن الثورة الفرنسية استلهمت أفكار التنوير الذي لم يكن مقصوراً على أوروبا وحدها  بل امتدا إلى أمريكا.

(دوريندا أوترام)، تدرس التاريخ في جامعة كورك، وكانت أستاذة زائرة في جامعة هارفارد وقامت بتدريس مادة تاريخ العلوم، صدر لها كتاب (الجسم والثورة الفرنسية). وفي كتابها (التنوير)، من ترجمة د. (ماجد موريس إبراهيم)، تناولت الكاتبة في الفصل السادس “الفكر التنويري في قضية النوع” تستفتح حديثها بقتباس لـ(ماري وولستون كرافت): 

من ذا الذي جعل من الرجل الحكم الأوحد إذا كانت المرأة تشاركه في نعمة العقل؟

عند كل من الرجل والمرأة لا بد وأن تكون “الحقيقة” واحدة، هذا لو أنني أعرف الحكمة بمعناها الصحيح، إلا أنه في الشخصية الخيالية للمرأة والتي رسم صورتها الشعراء والروائيون بطلاوة بالغة كان من المتطلب تنحية الحقيقة والصدق وهكذا أصبحت الفضيلة فكرة نسبية لا تقوم إلا على ما تجلبه من فائدة، وبناء على هذا المنطلق يتظاهر الرجال بارتجالية أنهم يطلقون أحكامهم وأنهم يشكلونها كي تتفق مع ما يؤدي إلى راحتهم. الرجل يكون رجلاً في بعض اللحظات فقط أما المرأة فهي المرأة على مدى سني عمرها .. كل شيء وبصفة مستمرة يستدعي أنوثتها إليها .. المرأة الكاملة والرجل الكامل لم يعد عليهما أن يشابه أحدهما الآخر من ناحية العقل بأي قدر أكثر مما يفرضه التشابه الشكلي بينهما.

كرس التنوير جهداً عظيماً من أجل تعريف “النوع” – الذكر والأنثى. وكان هذا الجهد عظيماً فعلاً حتى إن بعض المؤرخين ما لبثوا أن رأوا أن هذه الفترة كانت مصباً لمحاولات الثقافة الأوروبية لتعرف على الاختلاف بين الجنسين.

بذل جهد كبير في التنوير من أجل تعريف الأنوثة. الصور الشائعة للمرأة في سالف الزمان والتي صورتها سليطة اللسان، بغي، أو مسترجلة .. أخذت تتوارى وقد حلت محل هذه الصور محاولات متعددة طبية وعلمية لتعريف الفروق الاجتماعية والثقافية بين الرجل والمرأة باعتبارها فروقاً طبيعية ومن ثم تصبح هذه الفروق صحيحة وحتمية. دار جدل كثير حول التكوين الجسماني للأنثى وحول أهمية دور المرأة كأم. وفي هذه المناقشات شارك كل من العلم والطب بنصيب بالغ الأهمية .

بدا  باضطراد وكأن الكتابات الطبية تعني أن الأنثى كانت حقيقة نوعاً منفصلاً من الجنس البشري مخصصاً للوظائف التناسلية وللممارسة الجنسية التي كانت في الغالب مكبوته أو موضع إنكار. وعلى النقيض من هذا كانت النساء تضطلعن بمهمة الحرص على الأخلاق والدين في الحياة الأسرية. كانت هذه الصورة للمرأة تتضمن عناصر كثيرة لا تتفق مع بعضها لبعض. إنها الصورة التي تنكر على المرأة حقها الكامل كفرد، وفي الوقت نفسه الذي كان الرجال يتمادون فيه في تعريف أنفسهم كأفراد مستقلين يلعبون دورهم على الصعيد القانوني والاقتصادي. 

ومن الكتب التي كان لها دور في نقاش قضية النوع في فكر التنوير . كان كتاب (وولستون كرافت) مهماً ليس فقط بسبب وضعيته الكلاسيكية التي اكتسبها في فكر المرأة المعاصر ولكن أيضاً بسبب أنه كان واحداً من الكتب الأولى التي واجهت مباشرة تلك التناقضات المتضمنة في فكر التنوير عن  النوع وأبرزت مشاكلها “المرأة” فيما يختص ببناء فكر التنوير. أوضحت (وولستون كرافت) أن الأفكار عن الأنوثة، مدعمة من قبل كتاب من أمثال (روسو) والتي صورت المرأة بحال أدنى من الرجال ومختلف عنه، ولم تفعل أكثر مما سبق وأن أشار إليه (فولتير) من حيث إنها كررت في الحياة العائلية النظام السياسي نفسه، الذي تأسس على الأفضلية والقوة الافتراضية التي تمتعت بها السلالات الحاكمة والطبقة الارستقراطية مقارنة بالأفراد العاديين، أو ما تمتع به ملاك الرقيق من سلطان على عبيدهم، وهوما كان الكتاب أنفسهم على أتم استعداد لمهاجمته في مواقف أخرى. وضعت (وولستون كرافت) يدها أيضاً على تناقضات أكثر خطورة في فكر التنوير حال تناوله لموضوع “النوع“. أوضحت أن التنوير قام على مثاليات مثل العقل والفضيلة والتي كان من المفترض أنها فطرية أو يمكن التماسها بواسطة كل البشر. إلا أن العقل كان هو بالتحديد ما أنكر على المرأة من قبل كتاب (روسو) ومن قبل كتاب الطبيعيين حيث تم التعريف “الفضيلة” عند المرأة من منطلق جنسي بحت. ومع هذا وكما توضح (وولستون كرافت) فإن هذه الأساليب تؤدي فقط إلى إلى نسبية أخلاقية خطيرة من شأنها أيضاً أن تعوق تقدم التنوير بسبب أنها أضفت على الأخلاق صفة جنسية. وإذا عرفنا الفضيلة تعريفاً خاصاً بالرجل وآخر يختص بالمرأة فإن أي محاولة لربط التنوير بالدين يمكن أيضاً أن تتداعى حتى إنها تقول .. لو أن النساء كن بالطبيعة أدنى من الرجل فإن الفضائل يجب أن تكون متماثلة في الكيفية لو لم تكن متماثلة من حيث الكم .. أم هل يمكن اعتبار الفضيلة فكرة نسبية، لا بد وأن يكون للفضيلة مقياس أبدي واحد .. إنه لمن المضحك أن نشيد بفضيلة أي امرئ لا تنتج فضيلته من أعمال عقله هو.

أن نقول إن الفضيلة عند بعض الكائنات البشرية “المرأة” غير مؤسسة على العقل وإنها معرفة تعريفاً يختلف عما تمارسه كائنات بشرية أخرى “الرجل” يعني أنك تضفي على الفضيلة خصائص تعني أنها لا يمكن أن تنبع من عند الله. حيث إن الله واحد أبدي عاقل.

تقول (وولستون كرافت) إنه لو كانت المرأة في الحقيقة غير عاقلة لكان من المفضل كثيراً أن نبتعد عن التظاهر وأن نستبعدها كلية من الحياة الاجتماعية بالطريقة نفسها التي نستبعد بها الحيوانات، ولو أن النساء كن عاقلا فعلاً فلا بد حينئذ ان يشاركن في الحياة نفسها الأخلاقية والمعرفية التي يعيشها الرجال:

إن خطابي ليس إلا من أجل هذا المبدأ البسيط “النضال من أجل المرأة” لو أن المرأة كانت غير مؤهلة تعليمياً كي تكون شريكاً للرجل فسوف يتوقف النمو العقلي في المعرفة والفضيلة لأن الحقيقة يجب أن تكون واحدة عند الجميع, وإلا فستصبح المرأة عديمة الفاعلية في تأثيرها على الحياة العامة.

اهتمام الفكر التنويري بالتعريفات الطبية والعلمية النوع:

في الآونة الأخيرة قال المؤرخون من أمثال (توماس لاكويير) إنه فيما بين القرنين السابع عشر والثامن عشر بدأ تعريف كل من الرجل والمرأة يعاد صياغته بطريقة شديدة التأثر بالتعريف الطبي لطبيعة التكوين الجسمي. وقد هيأت المكانة الثقافية المميزة للعلم والطب أن تحل حقائق “علم الحياة” كي تحل محل التعريفات السابقة التي اعتمدت على التسلسلات الهرمية المقننة إلهياً أو على العادات الطاعنة في القدم كقواعد لخلق أو لتوزيع القوى في العلاقات بين الرجال والنساء.

بحلول العقد الأخير من القرن الثامن عشر كان الكتاب من أمثال (هوكننر) يكررون فقط أفكار شديدة الشبه استعملها الكتاب المؤثرون من أمثال (جان جاك روسو) في وقت مبكر من القرن. واصفاُ (صوفيا) بالمرأة المثالية التي أبدعها في عمله التعليمي إميل [1762]. يتحدث (روسو) عن الطريقة التي يختلف بها بناء الجسماني لصوفيا وبطريقة حاسمة عن جسم إميل رفيقها المنتظر، ويمضي مؤكداً أولاً خضوعها له وثانياً تكريسها باتجاه الأمومة والبيتية.

وعن التفكير في قضية النوع في القرن العشرين ترى (أوترام) أنه:

أصبح معظم الناس يعتقدون أن الاختلافات بين الذكر والأنثى ترجع بدرجة كبرى إلى الاختلاف في التدريب والتعليم وتوقعات المجتمع أكثر من كونها ذات جذور في الاختلافات البيولوجية بين الرجل والمرأة، على العكس من هذا نجد أنه في التنوير كانت الاختلافات البيولوجية و الأدوار التي تمليها البيئة على كل نوع على حدة تعتبر شيئاً واحداً. عند معظم مفكري القرن الثامن عشر أدت الاختلافات البيولوجية مباشرة إلى تحديد الدور الاجتماعي المطلوب من كل جنس على حدة، مثال ذلك التشديد على القدرة المميزة للمرأة كي تلعب دور الزوجة والأم. اختلاف أساسي آخر مع أسلوبنا في التفكير هو التعميم المعلن لدور النوع بينما في وقتنا هذا فإنه من المقرر غالباً أن كل شخص يتفرد في خليط ما به من الخصائص “الذكرية” و”الأنثوية“.

 

راسل: ألا تزال السعادة ممكنة؟

برتراند راسل

يطرح برتراند راسل (1872-1970) الفيلسوف وعالم منطق ورياضي، المؤرخ والناقد الاجتماعي البريطاني. هذا السؤال في الجزء الثاني “مسببات السعادة” من كتابه (انتصار السعادة)، والذي ترجمه إلى العربية (محمد قدرى عمارة).

فيقول (راسل):

السعادة نوعان رغم أنه بالطبع توجد درجات وسطى، النوعان اللذان أقصدهما يمكن تميزهما على أحدهما بسيط والآخر وهمي، أو أن أحدهما حيواني والآخر روحاني، أو أن أحدهما للقلب والآخر للرأس.

ولعل أبسط طريق لوصف الفرق بين النوعين من السعادة هو القول بأن نوعاً منهما متاح لأي إنسان بينما النوع الآخر متاح للذين يمكنهم القراءة والكتابة فقط، فعندما كنت صبياً عرفت رجل كان يتفجر سعادة وكان عمله هو حفر الآبار، ولقد كان طويلا جداً وله عضلات غير معقولة، ولم يكن يستطيع القراءة أو الكتابة، وعندما سمح له في عام 1885 بالإدلاء بصوته في انتخابات البرلمان علم لأول مرة بوجود مثل هذه المؤسسات. لم تعتمد سعادته على مصادر فكرية، ولم ترتكز على الاعتقاد في القانون الطبيعي، أو كمال الأنواع أو ملكية العامة للمنافع العامة أو الانتصار الحتمي للسبتيين أو لأي من الطوائف الأخرى، وهى الأمور التي يعتبرها المفكرون ضرورية لاستمتاعهم بالحياة، كانت سعادته تعتمد على القوة البدنية، والكفاية من العمل، وفي التغلب على العقبات غير المنيعة في صورة صخرة.

فمتع الإنجاز تتطلب صعوبات تجعل النجاح يبدو في البداية أمراً مشكوكاً فيه رغم أنه عادة ما يتم الوصول إليه في النهاية.

وفي إمكانية السعادة بين رجل العلم والفنان والأديب يقول:

أكثر القطاعات المتعلمة تعليماً راقياً في المجتمع إحساساً بالسعادة هم رجال العلم. فكثير من رجال العلم البارزين بسطاء عاطفياً ويحصلون من عملهم على إشباع يكون عميقاً لدرجة أنهم يستطيعون أن يجدوا متعة في الطعام وحتى في الزواج. والفنانون والأدباء يعتبرون أنه من المؤكد ألا يكووا سعداء في زواجهم بينما رجال العلم فعادة ما يظلوا قادرين على الاستمتاع بنعمة الحياة العائلية قديمة الطراز.

وتتحقق كل شروط السعادة في حياة رجل العلم، فلديه النشاط الذى يستغل طاقاته بكاملها، ويصل إلى نتائج تبدو مهمة ليس له فقط ولكن للجمهور العام حتى لو لم يتمكن من فهمها بأدنى درجة، وهو في ذلك يعد أكثر حظا من الفنان، فعندما لا يفهم أفراد الجمهور لوحة أو قصيدة، يقررون أنها لوحة أو قصيدة رديئة، أما عندما لا يفهمون النظرية النسبية فإنهم يستنتجون -صواباً- أن تعليمهم لم يكن كافياً.

وليس العلماء الأفذاذ فقط هم الذين يستمدون المتعة من العمل، ولا رجال الدولة القياديين فقط هم الذين يستمدون المتعة من دفاعهم عن قضية ما. فمتعة العمل متاحة لكل فرد يستطيع تنمية مهارة متخصصة بشرط أن يستطيع الحصول على الإشباع من ممارسة مهارته دون الرغبة في حصول على الاستحسان العام.

ويعد الإيمان بقضية ما من مصادر السعادة لأعداد كبيرة من الناس. أنا لا أفكر فقط في الثوريين أو الاشتراكيين أو الوطنيين فى الدول المقهورة ومن على شاكلتهم ولكنى أفكر أيضاً في كثير من المعتقدات الأقل تواضعاً.

وليست التقليعات والهوايات في كثير، وربما أغلب الحالات، مصدراً للسعادة الأصلية، وإنما وسائل للهروب من الواقع والنسيان للحظات لبعض الألم الذى تعصب مواجهته. أما السعادة الأصلية فتعتمد أكثر من أي شىء آخر  على ما يسمى بالاهتمام الودى بالأشخاص وبالأشياء.

الاهتمام بالآخرين وحبّهم شكل من أشكال السعادة:

فالاهتمام الودى بالأشخاص شكل من أشكال المحبة ولكنه ليس بالشكل المتثبت والمستحوذ والذى يتطلب دائماً الاستجابة الملفتة. فهذا الشكل الأخير كثيرا جداً ما يكون مصدرا للتعاسة. أما الطراز الذى يؤدى إلى السعادة، فهو الطراز الذى يحب مراقبة الناس ويجد المتعة في تتبع صفاتهم الفردية، ويرغب فى توفير مجال الاهتمامات وسرور أولئك الذين يصبح على علاقة بهم دونما أن يطلب اكتساب سلطة عليهم أو تحقيق إعجابهم الحماسي به.

فالاهتمام بالآخرين وحبهم عند راسل: “يجب أن يكون كل ذلك طبيعياً وألا ينبثق من فكرة التضحية بالذات التي يحتمها  الإحساس بالواجب. فالإحساس بالواجب يكون مفيداً في العمل ولكنه يكون عدائياً في العلاقات الشخصية. فالناس يرغبون في أن يكونوا محبوبين وليسو محتملين باستسلام صبور، وربما كان حب كثير من الناس تلقائياً وبدون مجهود أعظم مصادر السعادة الشخصية”.

سر السعادة هو الآتى:

اجعل اهتماماتك واسعة قدر الإمكان واجعل ردود أفعالك ودودة لا عدائية بأقصى درجة ممكنة تجاه الأشياء والأشخاص الذين يهمونك.

فالشخص غير السعيد، كقاعدة عامة، سوف يتبنى عقيدة غير سعيدة بينما الشخص السعيد سيتبنى عقيدة سعيدة، وكل منهما يرجع سعادته أو تعاسته إلى معتقداته بينما يكون المسبب الحقيقى هو عكس ذلك، فلا غنى عن أمور معينة لسعادة معظم الناس وإن كانت أمور بسيطة: الغذاء والمأوى، الصحة، الحب، العمل الناجح واحترام الفرد لقومه.

غاندي: الخط الجميل جزء ضروري من الثقافة

غاندي

موهانداس كرمشاند غاندي (1869-1948) سياسي بارز وزعيم روحي للهند خلال حركة استقلال الهند، المعروف بلقب (المهاتما غاندي)، صاحب مبدأ اللاعنف. في كتابه (قصة تجاربي مع الحقيقة)، من ترجمة (منير البعلبكي)، يقول بأنه لا يزال يدفع ثمن إهمال، الاهتمام بجمال الخط.

لست أدري من أين تسرب إلى ذهني أن الخط الجميل ليس جزءًا أساسيًا من الثقافة، ولكني بقيت محتفظًا بهذه الفكرة حتى ذهبت إلى إنكلترة. وحين رأيت في ما بعد، وخاصة في جنوبي إفريقية، جمال خط المحامين والشبان الذين ولدوا وتلقوا علومهم في جنوبي إفريقية، خجلت من نفسي وندمت على إهمالي. لقد رأيت أن سوء الخط يجب أن يعتبر علامة من علامات الثقافة الناقصة. وحاولت منذ ذلك الحين أن أحسن خطي، ولكن بعد فوات الأوان. فلم يكن في ميسوري قط أن أصلح الإهمال الذي فرط في عهد الشباب. فليتعظ كل شاب و كل شابة بما أصابني، وليفهم أن الخط الجميل جزء ضروري من الثقافة. وأنا اليوم من الذين يعتقدون بأن الأطفال يجب أن يعلموا فن الرسم قبل أن يتعلموا كيف يكتبون. دع الطفل يتعلم أحرفه بالملاحظة، كما يتعلم أشياء مختلفة، كالأزهار، والأطيار، إلخ. على أن لا يتعلم الخط  إلا بعد أن يتعلم كيف يرسم الأشياء. إن خطه خليق بأن يصبح، عندئذ، بارعاً جميلاً.

مسببات التعاسة عند راسل

Bertrand Russell

برتراند راسل (1872-1970) فيلسوف وعالم منطق ورياضي وأيضاً هو مؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني. في كتابه (انتصار السعادة) يبحث في الجزء الأول عن “مسببات التعاسة” فيقول:

ما الذي يجعل الناس تعساء؟

الحيوانات سعيدة طالما كانت بصحة جيدة ولديها ما يكفيها من الطعام، ورغم أن البشر يجب أيضا أن يكونوا كذلك، إلا أنهم في عالمنا الحديث ليسوا سعداء.

ومسببات هذه الطُرُز المختلفة من التعاسة تعود جزئياً إلى النظام الاجتماعي وجزئياً إلى الحالة النفسية الفردية والتي هي بالطبع نتاج للنظام الاجتماعي إلى حد كبير.

التعاسة البيرونية

فالرجل الحكيم سوف يكون سعيداً ما سمحت الظروف بذلك، فإذا ما وجد أن التفكير في الكون مؤلم, فإنه سوف يفكر في شيء آخر بدلاً منه, فالمنطق لا يضع قيوداً على السعادة، والأكثر من ذلك، فأنا مقتنع أن هؤلاء الذين يرجعون أحزانهم بأمانة إلى أفكارهم عن الكون يضعون بذلك العربة أمام الحصان، فالحقيقة أنهم تعساء لأسباب لا يدركونها، وهذه التعاسة تقودهم إلى التفكير فى الخصائص الأقل تقبلاً للعالم الذى يعيشون فيه.

فالحيوان الإنساني كغيره من الحيوانات متأقلم على كمية معينة من الصراع من أجل الحياة وعندما يتمكن الإنسان بواسطة الثروة الكبيرة من إشباع كل رغباته دونما مجهود، فإنه مجرد غياب الجهد من حياته يزيل مكونا رئيسياً من مكونات السعادة منها. فالإنسان الذي يمتلك بسهولة الأشياء التى يحس تجاهها برغبة متوسطة يستنتج أن الوصول إلى تحقيق رغباته لا يحقق السعادة. فإذا كان من ذوى الميول الفلسفية، فإنه يستنتج أن الحياة الإنسانية هي بضرورة بائسة، حيث أن الإنسان الذي لديه كل ما يحتاج لا يزال غير سعيد وينسى أن افتقاد الإنسان لبعض الأشياء التى يحتاجها يعد جزءاً لا غنى عنه من السعادة .

التنافس

إذا سألت أي رجل في أمريكا أو أي رجل أعمال في إنجلترا: ما الشيء الذي يتعارض مع استمتاعه بوجوده؟ فسوف يجيبك: الصراع من أجل الحياة.

الصراع من أجل الحياة”، جملة غير دقيقة التقطها واستخدمها كى يضفى الأهمية على أمر تافه في أساسه. اسأله: “كم من الرجال الذين عرفهم من طبقته ماتوا جوعاً؟” اسأله: “ما الذي حصل لأصدقائه عندما حاق بهم الخراب؟” فكل فرد يعلم أن رجل الأعمال الذى حاق به الخراب يزيد كثيراً، فيما يملك من وسائل الراحة المادية، أي رجل لم يكن أبداً غنياً بالدرجة الكافية التى تسمح بخرابه، فالذي يعنيه الناس إذن بالصراع من أجل الحياة هو في الحقيقة صراع من  أجل النجاح، وما يخشاه الناس عندما ينشغلون في الصراع ليس أنهم قد يفشلون فى الحصول على إفطار صباح اليوم التالي، ولكن في أنهم قد يفشلون في التميز عن جيرانهم.

أن النجاح عبارة عن أحد مكونات السعادة وأن الثمن الذى يدفع فيه يكون فادحاً  إذا ما تمت التضحية بكل المكونات الأخرى من أجله فقط.

الحسد

ربما يجيء الحسد تالياً كأحد أقوى مسببات التعاسة، والحسد من أكثر المشاعر الإنسانية شيوعاً وتعمقاً في وجودها.

ويعد الحسد من أسوأ خصائص الطبيعة الإنسانية العادية، فالحاسد لا يود فقط أن تقع المصيبة بل يوقعها بنفسه إذا استطاع أن يفلت من العقاب. ولكن الحاسد يصبح هو نفسه تعيساً بهذا الحسد، فبدلاً من أن يسره ما لديه يؤلمه ما لدى الآخرين فلو استطاع لحرم الآخرين ميزاتهم ويكون ذلك بالنسبة له مرغوباً كما لو أنه حصل على هذه المزايا لنفسه. ؤإذا ما سمح لهذه العاطفة أن تعربد فستميت كل امتياز وكل الممارسات النافعة للقدرات الاستثنائية.

فالرجل الحكيم لا يفقد ما لديه القدرة على إمتاعه لأن أحداً غيره لديه شيء مختلف.

والحسد هو في الحقيقة إحدى صور الرذيلة، وهى جزئياَ أخلاقياً وجزئياً فكريا، وتنجم عن عدم رؤية الأشياء في ذاتها وإنما في علاقاتها ببعضها البعض فأنا مثلاً أكسب راتباً كافياً لاحتياجي. يجب أن أكون قانعاً ولكننى أسمع أن شخص آخر، لا أعتقد أن يفضلنى على الإطلاق، يكسب راتباً يعادل ضعف راتبي، ففى التو واللحظة إذا كانت طبيعتي حسودة، فإن الإشباع الذي كنت أحصل عليه مما عندى يصبح معتماً ويبدأ الإحساس بالظلم يأكلني.

الخوف من الرأى العام

قليل جداً من الناس يمكنهم أن يصبحوا سعداء إذا لم يوافق على طريقتهم في الحياة ونظرتهم إلى العالم أولئك الذين تربطهم بهم صلات اجتماعية وعلى الأخص الذين يعيشون معهم.

فقد يجد الشخص الذي له مذاقات ومعتقدات معينة، نفسه منبوذاً وهو يعيش في مجموعة معينة رغم أنه قد يقبل كإنسان عادى تماماً في مجموعة أخرى.

ثم يقول : “اللامبالاة الصادقة بالرأي العام تعد مصدر قوة وسعادة معاً”.

وعن تجربته الخاصة يقول:

أفضًل تقديم للفلسفة التى أرغب في طرحها، بضع كلمات عن واقع تجربتي الشخصية، فأنا لم أولد سعيداً، كطفل كانت ترنيمتي المفضلة هى”سئمت الدنيا، وثقلت ذنوبي”، وفى سن الخامسة، تأملت في أننى لو عشت لأبلغ السبعين فأنا قد تحملت حتى الآن جزءاً واحداً من أربعة عشر جزءا من حياتي كلها، وشعرت بأن الملل الذى ينتظرني يمتد طويلاً ولا يمكننى احتماله. وعند البلوغ كرهت الحياة وكنت دائماً على حافة الانتحار، وما منعنى من ذلك سوى رغبتي فى معرفة الرياضيات أكثر، أما الآن فأنا على النقيض من ذلك، استمتع بالحياة وربما قلت أنه مع كل سنة تمر بحياتي يزداد استمتاعي بالحياة أكثر وأكثر، ويرجع ذلك جزئياً إلى أننى اكتشفت الأشياء التى أرغبها بشدة وأننى حصلت تدريجياً على كثير من هذه الأشياء، وجزئًيا إلى أننى تمكنت بنجاح من أن أطرد من ذهنى بعض الرغبات مثل الحصول على معرفة يقينية عن أمر ما، لأن ذلك بالضرورة أمر غير ممكن, ويعود أيضاً بالدرجة الأكبر إلى اضمحلال استغراقي في ذاتي.

شرط اختيار موضوع الرواية عند يوسا

يوسا

ماريو بارغاس يوسا، ولد في عام 1936، روائي وصحفي وسياسي، حائز على جائزة نوبل في الأدب. في كتابه (رسائل إلى روائي شاب)، وفي الرسالة الثانية تحديدًا، تكلم عن شرط اختيار موضوع الرواية، ومن أين يستمد الروائي موضوع روايته. يقول:

الروائي الحقيقي هو ذلك الذي ينصاع بوداعة، لتلك المتطلبات التي تفرضها عليه الحياة، بالكتابة حول هذه المواضيع، وتجنب تلك التي لا تولد بصورة حميمة من تجربته الذاتية، ولا تصل إلى وعيه بطبيعة لها طابع الضرورة. بهذا تتلخص حقيقة وصدق الروائي، في تقبل شياطينه الخاصين، وفي خدمتهم بقدر ما تسمح به قواه.

الروائي الذي لا يكتب حول ذاك الذي يحثه ويطالبه في أعماقه، ويختار ببرود، شؤوناً أو موضوعات بطريقة عقلانية، معتقداً أنه يتوصل بهذه الطريقة الى النجاح بصورة أفضل، هو كاتب غير حقيقي، وسيكون في الغالب، بسب ذلك و روائياً سيئًا [حتى لو حقق النجاح: قوائم أكثر الكتب مبيعاً (best.sellers) تغص بروائيين سيئين جداً، مثلما تعرف جيداً]. ولكن، يبدو لي من الصعب، أن يتوصل الكائن نفسه، إلى أن يكون مبدعا- محولاً للواقع– ما لم يكتب، مدفوعاً ومتغذياً على تلك الأشباح [أي الشياطين] التي جعلت منا نحن الروائيين، ملاحظين جوهريين، وبناة للحياة في التخيلات التي نختلقها. وأعتقد أنه، بتقبل هذا الشرط – بالكتابة انطلاقاَ مما يتسلط علينا، ويستثيرنا. ويكون أحشائياً، مع أنه كثيراً ما يكون متحداً بحياتنا بصورة غامضة – يمكن الكتابة ” أفضل“، وبقناعة ونشاط أكبر .

الكتاب الذين يتجنبون شياطينهم، ويفرضون على أنفسهم موضوعات معينة، لأنهم يعتقدون بأن تلك الموضوعات التي تجنبوها ليست أصيلة أو جذابة بما فيه الكفاية، بينما الموضوعات الأخيرة هي كذلك، يخطئون خطأ فادحاً. فالموضوع بحد ذاته، لا يمكن له أن يكون  جيداً أو سيئاً في الأدب. وكل الموضوعات يمكن لها أن تكون الأمرين كليهما. وهذا لا يعتمد على الموضوع بحد ذاته، وإنما على ما يتحول إليه الموضوع، عندما يتجسد في رواية، ومن خلال شكل معين، أي من خلال الكتابة .. والكتابة السردية تحديداً. فالطريقة التي تتجسد بها القصة، هي التي تجعلها أصيلة أو مبتذلة، عميقة أو سطحية، معقدة أو بسيطة، وهي التي تمنح الشخصيات الكثافة، والغموض، والاحتمالية، أو تحولها إلى كاريكاتيرات بلا حياة، إلى دمى يحركها مدبر العرائس. وهذه واحدة أخرى من القواعد القليلة، في مجال الأدب، التي يبدو لي أنها لا تقبل استثناءات، فالموضوعات بحد ذاتها، لا تفترض مسبقاً أي شيء، لأنها ستكون جيدة أو سيئة، جذابة أو مملة، فقط في كيفية استخدام الروائي لها، عندما يحولها إلى واقع من كلام منظم وفق ترتيب معين.