أرشيف الكاتب

العقاد عن اللذة والصبر في القراءة

2012-634884834862411267-241_main

عباس محمود العقاد (18891964) أديب ومفكر وصحفي وشاعر مصري. وعضو سابق في مجلس النواب المصري. وعضو في مجمع اللغة العربية. لم يتوقف إنتاجه الأدبي رغم ما مر به من ظروف قاسية؛ حيث كان يكتب المقالات ويرسلها إلى مجلة فصول، كما كان يترجم لها بعض الموضوعات. ويعد (العقاد) أحد أهم كتاب القرن العشرين في مصر. وقد ساهم بشكل كبير في الحياة الأدبية والسياسية. وأضاف للمكتبة العربية أكثر من مئة كتاب في مختلف المجالات.

في كتابه (ساعات بين الكُتب) يتساءل (العقاد) عن دوافعنا للقراءة، فيقول:

وقد يسأل بعض السائلين في هذا العصر الذي أصبح فيه السؤال هو كل الفلسفة وكل الجواب: ولماذا نقرأ ولماذا نتثقف ولماذا نطلع على الأشعار أو على غير الأشعار؟

لماذا؟ إي والله لماذا؟

إن أحدًا في الدنيا لا يترك أكل الطعام وشرب الماء وينتظر ريثما يقول له القائلون لماذا يأكل ولماذا يشرب .. فهو يأكل ويشرب لأنه يحسّ في جسمه الجوع والعطش لا لأن أحدًا فسّر له علّة الأكل وعلّة الشراب، ولو أن الذي يسأل لماذا يقرأ ولماذا يتثقّف كانت له نفس تجوع كما يجوع جسمه لاستغنى عن سؤاله وأقبل على موائد الثقافة غير منتظر جواب ذلك السؤال. فمن كان يسأل الناس على هذا النحو فخير له وللناس ألا يجاب، لأنه لا يستفيد مما يسمع ولا يستحق مؤونة الجواب.

ثم يتحدث في موضع آخر عن لذة القراءة، والمشقة في فهم ما استصعب، فيقول:

[…] المصيبة في العصور الحديثة أنها أخذت بفتنة التسهيل والتقريب في كل شيء بعد هذه المسهّلات والمقرّبات التي أشاعتها فيها الكهرباء والبخار ووسائل الانتقال، فنحن كأنّما نحتاج اليوم إلى كهرباء عقليّة تصل بنا إلى فهم الحقائق في غمضة عين ولا تكلّفنا في هذا العصر ما كانوا يتكلّفونه من الجهد والتفكير قبل عهد الكهرباء والبخار […] وليس أكثر من أن تسمع في هذا العصر من المتبطّلين المتحذلقين من يقول لك: ما الغرض من القراءة؟ أليس هو اللذّة العقليّة؟ فكل ما ليس بلذيذ فليس هو بمقروء.

سبحان الله! فعلى هذا يجب أن تكون روايات (شكسبير) مفهومة لاذّة لمن لا يُحسن الإنجليزيّة ولا يعرف التواريخ ولا أسرار الخلائق والمعاني التي تدور عليها تلك الروايات! فإذا أعياه أن يظفر منها بالّلذّة التي توهّمها فليس الذنب ذنب الجهل بالإنجليزيّة ولا هو ذنب الجهل بالتواريخ والخلائق والمعاني ولا هو ذنب القارئ على وجه من الوجوه، كلّا؛ ولكنّه هو ذنب (شكسبير) المسكين الذي لم يستطع أن يلذّ القارئ الذي بلغ به الغباء أن يفرض في نفسه غاية الكمال […] ومن هُنا لا نستبعد أن يحول زِمام الفكر غدًا إلى أيدي الأزهريين والذين نشأوا على الطرائق الأزهريّة؛ لأنهم درجوا على أن العلم صعوبة ومشقة وليس بالمائدة الشهيّة المهيّأة للتناول السهل اليسير؛ فندر أن ترى أزهريًا يستعصي عليه فهم معنى من المعاني إلا عالجه وثابر على فضّ مُغلقه وحلّ عُقدته […] إن شرّ ما ابتليت به الثقافة أن يقال إنها لذّة ليس إلا وأن يُنسى مع هذا أن اللذّة لا تكون إلا بالاستعداد، وأن الاستعداد لا يتم بغير الصبر والمراس. وصدق (أبو تمام) حيث قال:

بَصُرتَ بالراحةِ الكُبرى فلم ترها

تُنال إلّا على جسرٍ من التعبِ

شوقي ضيف، والتطور الدلالي لكلمة “الأدب”

شوقي ضيف

أحمد شوقي عبد السلام ضيف (1910-2005)، الشهير بـ(شوقي ضيف)، أديب وعالم لغوي مصري، والرئيس السابق لمجمع اللغة العربية المصري. في سلسلته الشهيرة (سلسلة تاريخ الأدب العربي)، قام بتدوين تطور كلمة “الأدب” في الثقافة العربية، فيقول ابتداءً:

كلمة أدب من الكلمات التي تطوّر معناها بتطوّر حياة الأمّة العربيّة وانتقالها من دور البداوة إلى أدوار المدنيّة والحضارة. وقد اختلفت عليها معان متقاربة حتى أخذت معناها الذي يتبادر إلى أذهاننا اليوم: وهو الكلام الإنشائيّ البليغ الذي يُقصد به إلى التّأثير في عواطف القرّاء والسامعين، سواء أكان شعرًا أم نثرًا.

ثم ينتقل بعد ذلك إلى عصر ما قبل النبوة المحمدية، فيقول:

وإذا رجعنا إلى العصر الجاهليّ ننقّب عن الكلمة فيه لم نجدها تجري على ألسنة الشعراء، إنما نجد لفظة آدِب بمعنى الداعي إلى الطعام، فقد جاء على لسان (طرفة بن العبد):

نحنُ في المشتاةِ ندعو الجَفَلَى         لا ترى الآدب فينا ينتقر [1]

ومن ذلك المأدبة بمعنى الطعام الذي يُدعى إليه الناس. وإشتقّوا من هذا المعنى أدُبَ يأدُب بمعنى صنع مأدبة أو دعا إليها.

وليس وراء بيت (طرفة) أبيات أخرى تدل على أنّ الكلمة انتقلت في العصر الجاهلي من هذا المعنى الحسيّ إلى معنى آخر، غير أننا نجدها تُستخدم على لسان الرسول -صلى الله عليه وسلم- في معنى تهذيبيّ خلقيّ، ففي الحديث النبوي: “أدّبني ربي فأحسن تأديبي”، ويستخدمها شاعر مخضرم يُسمّى (سهم بن حنظلة الغَنَوي) بنفس المعنى إذ يقول:

لا يمنعُ الناس مني ما أردت ولا         أعطيهم ما أرادوا؛ حُسن ذا أدبا

وربما إستخدمت الكلمة في العصر الجاهليّ بهذا المعنى الخلقي، غير أنه لم تصلنا نصوص تؤيّد هذا الظن. وذهب (نالينو) [=مستشرق إيطالي] إلى أنّها إستخدمت في الجاهليّة بمعنى السنّة وسيرة الآباء مفترضًا أنها مقلوب دأب، فقد جمع العرب دأبًا على آداب كما جمعوا بئرًا على آبار ورأيًا على آراء، ثم عادوا فتوهّموا أن آدابًا جمع أدب، فدارت في لسانهم كما دارت كلمة دأب بمعنى السنّة والسيرة، ودلّوا بها على محاسن الأخلاق والشّيم.

وهو فرض بعيد وأقرب منه أن تكون الكلمة إنتقلت من معنى حسيّ وهو الدّعوة إلى الطّعام إلى معنى ذهنيّ وهو الدّعوة إلى المحامد والمكارم، شأنها في ذلك شان بقيّة الكلمات المعنويّة التي تُستخدم أولًا في معنى حسيّ حقيقيّ، ثم تخرج منه إلى معنى ذهنيّ مجازيّ.

ثم ينتقل بعد ذلك إلى العصر الذي سادت فيه الدولة الأموية، فيقول:

ولا نمضي في عصر بني أميّة حتى نجد الكلمة تدور في المعنى الخلقيّ التهذيبيّ، وتضيف إليه معنى ثانيًا جديدًا، وهو معنى تعليميّ؛ فقد وُجدت طائفة من المعلمين تُسمّى بالمؤدبين، كانوا يُعلّمون أبناء الخلفاء ما تطمح إليه نفوس آبائهم فيهم من معرفة الثقافة العربية، فكانوا يُلقّنونهم الشّعر والخطب وأخبار العرب وأنسابهم وأيّامهم في الجاهليّة والإسلام. وأتاح هذا الإستخدام الجديد لكلمة الأدب أن تصبح مقابلة لكلمة العلم الذي كان يُطلق حينئذ على الشريعة الإسلاميّة وما يتّصل بها من دراسة الفقه والحديث النبوي وتفسير القرآن الكريم.

وبعد ذلك إلى عصر سيادة الدولة العباسية، فيقول:

وإذا إنتقلنا إلى العصر العبّاسيّ وجدنا المعنيين التهذيبي والتعليمي يتقابلان في إستخدام الكلمة، فقد سمّى (ابن المقفّع) رسالتين له تتضمنان ضروبًا من الحكم والنصائح الخُلقيّة والسياسيّة باسم (الأدب الصغير) و(الأدب الكبير) وبنفس هذا المعنى سمّى (أبو تمّام) المتوفّى سنة 232 هـ الباب الثالث من (ديوان الحماسة) الذي جمع فيه مختارات من طرائف الشعر، باسم “باب الأدب”. وينطبق هذا المعنى تمام الإنطباق على كتاب الأدب الذي عقده (البخاري) المتوفّى سنة 256 هـ في مؤلَّفه المشهور في الحديث والمعروف باسم (الجامع الصحيح)، كما ينطبق على كتاب الأدب الذي صنّفه (ابن المعتز) المتوفى سنة 296 هـ.

وفي هذه الأزمنة أي في القرنين الثاني والثالث للهجرة وما تلاهما من قرون كانت الكلمة تُطلق على معرفة أشعار العرب وأخبارهم، وأخذوا يؤلفون بهذا المعنى كتبًا سموها كتبَ أدب مثل (البيان والتبيين) لـ(الجاحظ) المتوفى سنة 255 هـ وهو يجمع ألوانًا من الأخبار والأشعار والخطب والنوادر، مع ملاحظات نقدية وبلاغية كثيرة، ومثله كتاب (الكامل في اللغة والأدب) لـ(المبرّد) المتوفى سنة 285 هـ وقد وجّه اهتمامه إلى اللغة لا إلى البلاغة والنقد كما صنع (الجاحظ)، وقدّم فيه صورًا من الرسائل النثرية التي ارتقت صناعتها في تلك العصور […] ومما أُلّف في الأدب بهذا المعنى كتاب (عيون الأخبار) لـ(ابن قتيبة) المتوفى سنة 276 هـ و(العقد الفريد) لـ(ابن عبد ربه) المتوفى سنة 328 هـ وزهر الآداب للحصري المتوفى سنة 453هـ.

ولم تقف الكلمة عند هذا المعنى التعليمي الخاص بصناعتي النظم والنثر وما يتصل بهما من الملح والنوادر، فقد إتسعت أحيانًا لتشمل كل المعارف غير الدينية التي ترقى بالإنسان من جانبيه الاجتماعي والثقافي؛ فقد جاء على لسان (الحسن ابن سهل) المتوفى سنة 236 هـ:

“الآداب عشرة، فثلاثة شهرجانية[2] وثلاثة أنوشروانية[3] وثلاثة عربية، وواحدة أربت عليهن؛ فأما الشهرجانية فضرب العود ولعب الشطرنج ولعب الصوالج، وأما الأنوشروانية فالطب والهندسة والفروسية، وأما العربية فالشعر والنسب وأيام الناس، وأما الواحدة التي اربت عليهن فمقطعات الحديث والسمر وما يتلقاه الناس بينهم في المجالس”.

ثم يقول في موضع آخر:

وبهذا المعنى الواسع نجدها عند (إخوان الصفاء) في القرن الرابع للهجرة، فقد دلّوا بها في رسائلهم إلى جانب علوم اللغة والبيان والتاريخ والأخبار على علوم السحر والكيمياء والحساب والمعاملات والتجارات.

ويصل بعد ذلك إلى المؤرخ العظيم (ابن خلدون)، فيقول:

ولا نصل إلى (ابن خلدون) المتوفى سنة 808 هـ حتى نجدها تطلق على جميع المعارف دينية وغير دينية، فهي تشمل جميع ألوان المعرفة وخاصة علوم البلاغة واللغة، ومن ثم قال : “الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارهم والأخذ من كل علم بطرف”.

ويقول بعدها:

ومنذ القرن الثالث للهجرة نجد الكلمة تدل -فيما تدل عليه- على السنن التي ينبغي أن تراعى عند طبقة خاصة من الناس، وألفت بهذا المعنى كتب كثيرة مثل (أدب الكاتب) لـ(ابن قتيبة) و(أدب النديم) لـ(كشاجم) المتوفى حوالي سنة 350 هـ. وتوالت كتب مختلفة في (أدب القاضي) و(أدب الوزير) وأخرى في أدب الحديث وأدب الطعام وأدب المعاشرة وأدب السفر إلى غير ذلك. على أن أكثر ما كانت تدل عليه مقطعات الأشعار وطرائف الأخبار.

ووصولًا إلى العصر الحديث، يقول:

وأخذت الكلمة منذ أواسط القرن الماضي [يقصد القرن التاسع عشر، فقد كتب هذا النص في القرن العشرين] تدل على معنيين:

معنى عام يُقابل معنى كلمة LITTÉRATURE الفرنسية التي يُطلقها الفرنسيون على كل ما يُكتب في اللغة مهما يكن موضوعه ومهما يكن أسلوبه، سواء أكان علمًا أم فلسفة أم أدبًا خالصًا، فكل ما يُنتجه العقل والشعور يُسمى أدبًا. ومعنى خاص هو الأدب الخالص الذي لا يُراد به إلى مجرد التعبير عن معنى من المعاني، بل يراد به أيضًا أن يكون جميلًا  بحيث يؤثر في عواطف القارئ والسامع على نحو ما هو معروف في صناعتي الشعر وفنون النثر الأدبية مثل الخطابة والأمثال والقصص والمسرحيات.

Continue Reading →

الرافعي، ورأي جديد في كتب الأدب القديمة

الرافعي

مصطفى صادق الرافعي (1880 – 1937) ولد في بيت جده لأمه في قرية بهتيم بمحافظة القليوبية في أول يناير وعاش حياته في طنطا. ينتمي إلي مدرسة المحافظين وهي مدرسة شعرية تابعة للشعر الكلاسيكي. لُقّب بمعجزة الأدب العربي.

لم تحمل كلمة ” أدب” [i] في اللغة العربية دومًا معناها الذي نعرفه اليوم ونفهمه من هذه الكلمة؛ يسري عليها في ذلك ما يسري على ألفاظ اللغة جميعًا من التبدّل والتحوّل وحمل المعاني المختلفة باختلاف العصر والسّياق وموضع الاستعمال؛ وعلّة ذلك هي حاجة الإنسان إلى الإبانة عمّا يقابله من شؤون الحياة المتجدّدة أبدًا، والعبارة عمّا يتخلّق في ذات نفسه هو من خواطر ومشاعر وأفكار تحمله على أن يتوسّع في البيان بطرق أبواب المجاز وغيره من فنون الكلام المختلفة؛ فمن هذا وذاك يكتسب اللفظ معنى لم يكن له من قبل.

هذا؛ وإنّ إنزال معاني اللفظ كلّها مُنزلًا واحدًا على ما بينها من تفاوت، وتجاهل ما يفترق به كل منها عن الآخر، ثم قياس بعضها على بعض فيما لا يصحّ القياس فيه= يؤدي لا محالة إلى اضطراب في معرفة العلاقة الصحيحة بينها، كمعرفة أوجه التشابه وأوجه الاختلاف، ثم ما عساه يتبع ذلك من سوء تصوّر لمفاهيم بأكملها لها تقاطعاتها بهذه المعاني.

وفي هذا المعنى كتب (الرافعي) مقدّمته لـ(شرح الجواليقي) على (أدب الكاتب) لـ(ابن قتيبة)، وافتتحها بكلمة (ابن خلدون) الذائعة حول الأدب العربي، والتي يُقرر فيها أنّ “أصول هذا الفن وأركانه أربعة دواوين: وهي أدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب الكامل للمبرّد، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب النوادر لأبي علي القالي البغدادي”

فيشير (الرافعي) إلى موقف بعض أدباء عصره من مضمون هذه الكلمة إذ “يظنون أن كلمة (ابن خلدون) هذه كانت تصلح لزمنه وقومه (…) ولكنها لا تستقيم في آدابنا ولا تعد من آلاتنا ولا تقع من معارفنا”

ثم يُبيّن مبلغ أهميّة ما ذكر (ابن خلدون) فيقول:

أما تلك الكتب فأنا أحسبها لم توضع إلا لزمننا هذا ولأدبائه وكتابه خاصة، وكأن القدر هو أثبت ذلك القول في (مقدمة ابن خلدون) لينتهي بنصه إلينا فنستخرج منه ما يُقيمنا على الطريقة في هذا العصر الذي وقع أدباؤه في متسع طويل من فنون الأدب ومضطرب عريض من مذاهب الكتابة وأفق لا تستقر حدوده من العلوم والفلسفة … فإن هذه المادة الحافلة من المعاني تُحيي آداب الأمم في أوروبا وأمريكا، ولكنها تكاد تطمس آدابنا وتمحقنا محقًا تذهب فيه خصائصا ومقوماتنا، وتحيلنا عن أوضاعنا التاريخية، وتفسد عقولنا ونزعاتنا، وترمي بنا مراميها بين كل أمة وأمة، حتى كأن ليست منا أمة في حيزها الإنساني المحدود من ناحية بالتاريخ ومن ناحية بالصفات ومن ناحية بالعلوم ومن ناحية بالآداب؛ ومن ذلك ابتلي أكثر كتابنا بالانحراف عن الأدب العربي أو العصبية عليه أو الزراية له.

ويفصّل في تحديد الخلط بين معاني الأدب الذي وقع فيه أولئك الأدباء بقوله:

إن أدب الكاتب وشرحه هذا لـ(الإمام الجواليقي) وما صُنّف من بابهما على طريقة الجمع من اللغة والخبر وشعر الشواهد والاستقصاء في ذلك والتبسّط في الوجوه والعلل النحوية والصرفية والإمعان في التحقيق، كل ذلك عمل ينبغي أن يعرف حقه في زمننا هذا؛ فهو ليس أدبًا كما يُفهم من المعنى الفلسفي لهذه الكلمة، بل هو أبعد الأشياء عن هذا المعنى؛ فإنك لا تجد في كتاب من هذه الكتب إلا التأليف الذي بين يديك، أما المؤلف فلا تجده (…) وما أخطأ المتقدمون في تسميتهم هذه الكتب أدبًا، فذلك هو رسم الأدب في عصرهم، غير أن هذا الرسم قد انتقل في عصرنا نحن (…) ومن هذا الخطأ في التسمية ظهر الأدب العربي لقصار النظر كأنه تكرار عصر واحد على امتداد الزمن، فإن زاد المتأخر لم يأخذ إلا من المتقدم (…) الحقيقة التي يعينها الوضع الصحيح أن تلك المؤلفات إنما وضعت لتكون أدبًا، لا من معنى أدب الفكر وفنه وجماله وفلسفته، بل من معنى أدب النفس وتثقيفها وتربيتها وإقامتها، فهي كتب تربية لغوية قائمة على أصول محكمة في هذا الباب (…) والقارئ في كل ذلك مستدرج إلى التعريب في مدرجةٍ مدرجةٍ من هوى النفس ومحبتها، فتصنع به تلك الفصول فيما دُبّرت له مثلما تصنع كتب التربية في تكوين الخُلق بالأساليب التي أديرت عليها والشواهد التي وضعت لها والمعالم النفسية التي فُصّلت فيها.


 

[i] انظر في ذلك تمهيد (شوقي ضيف) لكتابه (العصر الجاهلي) فقد أشار في إيجاز شديد إلى التطور الدلالي لكلمة أدب منذ عصور العربية الأولى وحتى وقتنا هذا.