أرشيف الكاتب

الحياة الموسكوبية من ثقب إبرة

                        

عاش الكاتب المصري (صنع الله إبراهيم) بضع سنوات في موسكو في مطلع عقد السبعينات طالبا في معهد سينمائي بمنحة سوفيتية لأحد الأحزاب العربية اليسارية . وقد أصدر في عام 2012 أي بعد حوالي أربعين عاما من إقامته في موسكو، وأكثر من عشرين عاما على تفكك الإتحاد السوفيتي، رواية بعنوان (الجليد)، وهي على شكل يوميات موزعة على 126 مقطعا، بعضها أقل من نصف صفحة، وبعضها الآخر صفحة واحدة أو أكثر قليلا. بطل الرواية “شكري” طالب دكتوراه مصري في معهد (التأريخ المعاصر) ويقيم في المنزل الطلابي (الأبشجيتى)، ولا يحسن من اللغة الروسية سوى بعض الكلمات والعبارات الدارجة. ويعيش في دائرة مغلقة ضيقة هي غرف المنزل الطلابي، ومرافقه الخدمية، أو الشوارع القريبة من المنزل. يومياته متماثلة، فهو يفعل اليوم ما فعله بالأمس من دون أي تغيير يذكر.

الراوي رجل في الثالثة والخمسين مصاب بالتهاب البروستاتا، ولكن هذا لا يمنعه من اقامة علاقات حميمة عابرة مع عدد كبير من الطالبات من المنزل الطلابي الذي كان يسكن فيه، وأحياناً حتى مع نساء اخريات تعرّف عليهن في المقاهي والمطاعم.

الرواية مكتوبة بضمير المتكلم “أنا”. والراوي في الرواية الحديثة هو في العادة غير المؤلف، ولكن (شكري) يشير في احدى يومياته الى انه صاحب رواية (امريكانلي) وهذه احدى روايات (صنع الله) نفسه. ونفهم من ذلك ان (الجليد) هي يوميات المؤلف / الراوي (صنع الله).  الراوي لا يهتم الا بالجنس، ولا نرى في يومياته أي تجليات للروح والعاطفة والشعور، وكل شيء يجري على نحو آلي، ليس ثمة لهفة لقاء أو خفقان قلب. العلاقة التي تبدأ في كل مرة بالتعارف، ثم شرب الفودكا او الكونياك، تنتهي غالبا في الفراش. يوميات لا تتغير فيها شيء سوى اسم الطريدة؛ (مادلين)، (زويا)، (اميليا) الإيطالية، (فاليا)، (تاليا)، (فيرا) اليهودية، (أولجا)، (ناتاشا)، (لامارا)، (ليديا)، (ايزادور)، (لاريسا)، (هيلين) اليونانية، (سفتلانا) التشيكية، (أنار) الكازاخية، (دينا) الأوزبيكية التي يسميها “دينكا”، (تمارا)، (لينا)، (يوديت) المجرية وغيرهن.

(الجليد) رواية آيروسية، ولغتها بورنوغرافية خادشة للحياء، وبوسعنا أن نقف عند مقطعين –بعد حذف الجمل الفاحشة منهما – لنتعرّف على هذا الأسلوب التسجيلي المكشوف:

وفى الخامسة وفدت (مادلين). كانت برازيلية فى منتصف العشرينيات، دقيقة الحجم، سوداء الشعر، أسنانها العلوية بارزة بعض الشىء. وكنت قد تعرفت بها هى و(ماريو) أثناء دراسة اللغة. احتضنتها وأحضرت أبريق الشاى من المطبخ. أرتنى فى انفعال أسطوانة (روبرتو كارلوس) البرازيلى الذى يغنى بالبرتغالية وأهدتى عطرا رجاليا رشاشا. وضعنا الأسطوانة فوق «البيك أب» الصغير وأغلقت الباب بالمفتاح. خلعت بنطلونى…

[…] كانت (زويا) تجلس بجوار (هانز) فوق فراشه واستلقت تاليا بعرض الفراش المقابل مسندة رأسها إلى الحائط. وجلست أنا على المقعد الوحيد بجوار المائدة. اقترحت (زويا) إطفاء النور وأشعلنا شمعة. جذبها (هانز) ليرقصا فاستسلمت لأحضانه. لم أتحرك من مكانى. كان بصرى معلقا بوجهها وساقيها العاريتين.

تزييف واقع الحياة في المنازل الطلابية وفي موسكو عموماً ،على هذا النحو، يذكرني بما كتبه (ليف تولستوي) في مقدمته الرائعة  لأعمال (موباسان) الروائية والقصصية:

إن الكاتب الذي يصف الشعب على النحو الذي فعل (موباسان)، والذي لا يصف بتعاطف الا “الأفخاذ والنهود” والخادمات البريتونيات فقط ، يقع في خطأ فني كبير، لأنه يصف الموضوع من جانب واحد فحسب، هو الجانب الممل، الجانب الحسي، ويهمل تماماً الجانب الأكثر أهمية – الجانب الروحي الذي يشكل جوهر الموضوع.

ويقول ايضاً:

ان الشعب الفرنسي لا يمكن أن يكون على هذه الصورة التي يصفونها . واذا كانت ثمة فرنسا التي نعرفها بأبنائها العباقرة الحقيقيين ، وبتلك الأنجازات التي حققها هؤلاء العظماء في العلم والفن والحضارة والتكامل الأخلاقي للأنسانية ، فأن الشعب العامل – الذي حمل ولا يزال يحمل على أكتافه فرنسا التي تعرفها بأناسها العظماء  – يتألف ليس من البهائم  بل من أناس يتحلون بصفات روحية عظيمة.

وبطبيعة الحال لا يمكن مقارنة نتاجات (صنع الله) المتواضعة بنتاجات كاتب عظيم مثل (موباسان). ومع ذلك أقول أن الواقع الروسي لم يكن على النحو الذي يصفه صنع الله بنظرته الشرقية الذكورية.

لقد اتيح لي أن أعيش لسنوات عديدة في المنزل الطلابي التابع للجامعة التي كنت طالباً فيها، ولفترات اطول من اقامة (صنع الله) في أحد المنازل المماثلة العائدة للمعهد الذي كان يدرس فيه.

كل المنازل الطلابية اكانت تخضع لضوابط صارمة؛ الطالبات في الطوابق العليا والطلاب في الطوابق السفلى. وكان يمنع على الطلاب المبيت في الطوابق العليا، ولا يسمح لأحد بدخول المنزل، الا بعد التحقق من شخصيته، وترك هويته او جواز سفره لدى المناوبة أو كما يسميها الراوي (صنع الله) حارسة الباب. وكان باب المنزل يغلق في الساعة الحادية عشرة مساءً. واذا تأخر أي زائر أو زائرة عن موعد الإغلاق تأتي المناوبة وتطلب خروجه او خروجها من الدار على الفور.

رب قائل، ان الواقع شيء والرواية شيء آخر، وهذا صحيح. ولكن الرواية الفنية الحقيقية تتسم دائما بالصدق الفني، وتبدو منطقيا ومقنعا. وثمة خطر جسيم يلازم نسج الأكاذيب، فقد لا يصدقك الناس.


غياب البنية الفنية

لا تتوافر في رواية (الجليد) مقومات العمل الفني، فالرواية ترقى وتسمو بقدر ما تمثل من الحياة الداخلية لا الخارجية، يوميات شكري تسجيل مباشر لأحداث وأفعال يومية عادية لمراهق خمسيني من دون أي محاولة لتحويلها الى عمل فني، فلا حبكة ولا نمو في شخصية البطل، أو في الشخصيات الثانوية، ولا سبر لأعماق عوالمها الداخلية وعواطفها وهمومها، ولا افكار جديرة بالتأمل. رواية ( الجليد) تعتمد على السرد التسجيلي المباشر من دون الحوار، الذي يعد من أهم تقنيات الفن الروائي. وبوسعك أن تبدأ بقراءة اليوميات من أي نقطة، أو صفحة تختارها، حيث لا يوجد فيها أي تسلسل للأحداث، ولا ذروة تحتدم عندها المواقف. يوميات لا تتبدل فيها سوى أسماء الطالبات والنساء، اللواتي لا يرى الراوي  فيهن سوى دمى لإشباع نزواته.

كتب (صنع الله) عن موضوع لا يعرفه، وحاول إيهامنا أنه اطلع على الأدب الروسي، ولكن كل ما عرفه الراوي عن الأدب الروسي كان عن طريق أصدقائه وصديقاته دون أن يكون قد قرأ شيئا من هذا الأدب باللغة الروسية، لأنه ببساطة لا يعرف هذه اللغة بما يكفي لقراءة وفهم الأعمال الأدبية. ومعظم المعلومات التي يوردها خاطئة وسنكتفي بمثالين فقط.

 يقول الراوي:

فتحنا زجاجات الشمبانيا والفودكا وتبادلنا الأنخاب. عرضت علينا (إيرما) ألبوم صورها و(ديوان شعر إسحق بابل) الذى تعرض للتعذيب فى لوبيانكا، مبنى المخابرات السوفيتية سنة 1939

ولكن (اسحاق بابل) لم يكن شاعراً قط، ولم ينشر له سواء خلال حياته او بعد اعدامه اي ديوان شعر، ولا حتى قصيدة واحدة، بل كان كاتباً قصصياً شهيراً.

ويقول الراوي:

(فلاديمير فيسوتسكى)، وهو نجم سينما شاب وممثل مسرحى حقق شعبية واسعة بين الشباب . قالت (زويا) إن بعض أغانيه تتناول موضوع معسكرات العمل فى سيبيريا، حيث قضى بعض الوقت قبل عام 1955

 (فيسوتسكي) المولود عام 1938 لم يعتقل ، ولم يقض في أي معسكر للعمل ولو يوما واحدا، خلال حياته، وقبل عام 1955 كان صبيا لا علاقة له بالسياسة.


العيش خارج الزمن

عاش الراوي في موسكو في وقت كانت فيه موجة الشعر الروسي الجديد طاغية على الحياة الثقافية السوفيتية، والجيل الجديد المتطلع الى التغيير والتجديد يقرأ بنهم لرواد هذه الموجة (يفغيني يفتوشينكو)، (أندريه فوزنيسينسكي)، (بيلا أحمدولينا) وغيرهم. ولم يكن يمر اسبوع دون أن يلتقي شاعر أو كاتب ذائع الشهرة بالجمهور الظاميء الى الكلمة الحرة الجديدة. ومن عاش في موسكو في عقد السبعينات، ولو لعدة أشهر، يعرف انها كانت في هذه الفترة زاخرة بالأنشطة الثقافية، حيث تقدم على مسارحها الفنية الراقية عروض مسرحية رفيعة المستوى، وتقام على قاعات الفنون التشكيلية فيها، معارض لرواد الإتجاهات الفنية ولفنانين شباب تجريبيين، كما أن موسكو غنية بمعالمها الحضارية ورموزها الثقافية. لا أثر لكل هذا في يوميات طالب دكتوراه في التأريخ. فقد توارت اهتمامات الراوي الثقافية والعلمية، ولا توجد أي إشارة حتى الى ما كان يدور في أروقة المعهد، ولا أي إهتمام بالتأريخ، بل إننا لا نعرف حتى عنوان رسالته العلمية، ولم يعد يبحث في عاصمة هائلة ومعقدة مثل موسكو، سوى ما يشبع هوسه الجنسي، حيث حوّل هذه المدينة العظيمة الجميلة الى “ماخور”، فهو لا يري في زميلاته الطالبات أو في صفوف النساء في المدينة سوى مومسات رخيصات.


الحب والجنس في موسكو

لم تكن ثمة في موسكو في الحقبة السوفيتية ما يسمى بحياة الليل، فقد كانت كل المطاعم والمقاهي والبارات تطفيء أنوارها وتغلق أبوابها في الحادية عشرة مساءً. يفال ان سائحا غربيا استوقف رجلا من موسكو وسأله: “أين أقرب كابريه؟” فأجابه الرجل: “في هلسنكي”. وقد زار الكاتب والناقد الراحل د. (لويس عوض) روسيا في عام 1971 أي في السنة ذاتها التي التحق فيها الراوي بمعهد التأريخ في موسكو. يقول عوض في كتابه (رحلة الشرق والغرب):

أربعة عشر يوما قضيتها في روسيا بين موسكو ولينينغراد وبعض الريف. لم أر فيها متعطلا او شحاذا او رجلا او امرأة في أسمال أو بغيّا تنساب بيت مصابيح الشوارع. ولا شك أن هناك نماذج من من هؤلاء وأولئك، ولكنها نادرة لا تراها الا العين المترصدة، ولم أر مخمورا رغم شهرة الروس في قريعة الفودكا.

بالطبع كان هناك جنس في روسيا كأي بلد آخر في العالم. ولكن الغالب على العلاقات العاطفية بين الجنسين كان الحب الحقيقي المتبادل. كان النظام السوفيتي متزمتاً جداً، لا مشاهد قبلات في الأفلام أو في العروض المسرحية، ولا أي وصف صريح للعلاقات الحميمة بين الجنسين في الروايات. وكان ثمة حذر من الأجانب زرعه النظام في النفوس. ولم يكن من السهل ان يقيم الطالب الأجنبي علاقة حميمة مع طالبة سوفيتية رزينة، الا بعد لقاءات عديدة حيث يتعرف كل منهما على الآخر جيدا، وينشأ بينهما علاقة حب.

غالبية النساء السوفيتيات كن محتشمات في ملابسن وسلوكهن، وهذا لا يعني عدم وجود البغاء أو النساء المنحرفات، ولكن الدولة كانت تحارب مثل هذه الظواهر بشدة وقسوة.

المرأة السوفيتية بالأمس والروسية اليوم تتمتع بكامل حقوقها اسوة بالرجل. ولكن النظرة الشبقية المتخلفة الى المرأة كوعاء ولعبة للرجل لا تقتصر على المتزمتين في بلادنا، بل تشمل – ويا للمفارقة – بعض الكتّاب الرائجين .

هل الكاتب المبدع كائن غريب؟

كلما رأيت كاتباً مبدعاً يرتدي ملابس غريبة، صارخة أو متنافرة الألوان، وقد اطلق شعر رأسه، على طريقة الهيبيز، وترك لحيته تنمو لتغطي معظم وجهه. أقول كلما رأيت مثل هذا الإنسان، تساءلت بيني وبين نفسي: هل هذه هي علامات النبوغ أو العبقرية حقاً، أم أن في الأمر التباساً ما؟

لم تدرس شخصية الكاتب وعملية الخلق الفني إلا قليلاً. ويبدو الكاتب في نظر الآخرين كائناً غريباً ونادراً. الناس يعتقدون أن الكاتب المبدع يجب أن يشذ عن أعراف وتقاليد مجتمعه، ويتمرد على محيطه بكسر التابوهات، أو يعاني من اضطراب عقلي طفيف، ويرى الحياة بنظرة غير مألوفة؛ ويكون غريب الأطوار والسلوك.

في الواقع، ليس الأمر على هذا النحو، فالكتّاب المبدعون مختلفون عن بعضهم البعض، في مظهرهم وسلوكهم ومنهج حياتهم ،وتتباين حظوظهم من الموهبة، والذكاء والثقافة، والخبرة، والصحة النفسية، ولكن السمات الشخصية التي تساعد على الكتابة الإبداعية موجودة. ويدرسها علم سيكولوجية الإبداع  الذي يساعد على الكشف عما هو مفيد حقا في شخصية الكاتب.


دوافع الكتابة

الكاتب الحقيقي لا يستطيع الا أن يكتب مدفوعاً بهاجس داخلي لا يمكن له مقاومته أو فهمه، ولا يكتب من أجل المال، أو المجد والشهرة. الكتابة الحقة تنبع من داخل النفس، ولا تفرض من الخارج.

الكتّاب يعرفون ان الكتابة في موضوع معين بناء على تكليف هذه الجهة أو تلك، ليس عملا مملا فقط، بل يلحق الضرر بقدراتهم الإبداعية لأنه يقحم في عالمهم شيئا غريبا. وبعد تكرار مثل هذه الكتابات يلاحظون هبوط قدراتهم الأبداعية في التخييل وخلق الصور النابضة بالحياة. القلم المتفرد يختنق في الواقع الحياتي ويفقد ما يبدعه الخيال. من الأفضل للكاتب أن يعمل في غسل السيارات من أن يكتب بناءً على تكليف دار نشر أو مجلة ما.  


 نظرة متميزة الى الحياة والعالم

الناس يوجهون اللوم الى الكاتب المبدع، لعدم اهتمامه بأخبار الساسة أو النجوم، أو التسوّق، أو الرياضة او الأغاني الأستعراضية أو صرعات الموضة. الكاتب يعيش في عالم آخر ويتحدث أحياناً عن النجوم وضوء القمر وعن اشياء عديمة الفائدة للناس. ويمكن النظر الى هذا النوع من اللوم كمجاملة للكاتب. لأن مهنة الكتابة تتطلب العزلة وصفاء الذهن والتأمل من اجل التحليق على أجنحة الخيال، وخلق عالم آخر افتراضي في ذهن الكاتب المبدع. وهذه العملية تؤدي الى الإنفصال عن العالم الواقعي مؤقتاً، والتفرغ للكتابة وإزاحة كل ما يعيقها وتوجيه كل قوى الكاتب نحوها.

 الإنغماس في صعوبات الحياة اليومية قد يحرم الكاتب من التركيز على عمله والحد من زخم الطاقة المطلوبة لخلق عمل أدبي ممتع ومتفرد.


الميل إلى الحوار الداخلي

نقد آخر يوجه في العادة الى الكاتب المبدع، وهو إنغماسه في حوارات داخلية صامتة بينه وبين نفسه أو الحديث في بعض الأحيان إلى نفسه بصوت مسموع. قد ينظر البعض الى هذا الأمر على أنها علامة مبكرة من أعراض الإختلال العقلي والنفسي. ولكن الحوار الداخلي بالنسبة الى الكاتب  – إحدى الطرق الرئيسية لإنشاء النص. وتفسير ذلك، أن أفكار الشخص البالغ تتشكل عن طريق الكلمات أولاً، ومن ثمّ الصور. الكاتب حين يحدّث نفسه بالحوار الداخلي ويصف المشاعر والأحاسيس انما يصوغ انطباعاته بالكلمات، التي قد تتحول الى صور فنية حية اذا كان يمتلك مهارة الكتابة الإبداعية.


الدقة

مع الحوار الداخلي ترتبط عادة أخرى مفيدة للكاتب، وهي السعي للحصول على التعريف الصحيح الدقيق لما يحدث. والبحث عن الكلمة التي تصف الواقع بأكبر قدر ممكن من الدقة، وهذا الإحساس المرهف بالكلمة وإيقاعها في سياق الجملة، قد يكتسب طابع الوسواس القهري. لأن ما لا يمكن وصفه بالكلمات لن يكون له وجود قطعاً.

ان النص الفني الذي نقرؤه في سهولة ويسر، شديد الصعوبة في كتابته. فالكاتب يتخير كل لفظ بدقة ليؤدي معنى معينا يحيث لا يمكنك ان تحذفه أو تكتب لفظا آخر بدلاً عنه. لذلك قد يكتب الكاتب الجملة الواحدة مرات عديدة حتى يصل الى اللفظ المناسب الذي يتطلبه المعنى. بمعنى آخر أن النص الفني الحقيقي يتميز بطلب الحتمية والدقة والوضوح.


حب الأستطلاع

حب الاستطلاع خاصية يتميز بها الكاتب المبدع الذي يتلهف لرؤية اماكن جديدة وتسجيل انطباعاته عنها. وبعد كل زيارة يعود ليكتب بطاقة جديدة مدفوعا بما تركت الزيارة  في نفسه من آثار قوية.

(تشيخوف) سافر الى منطقة (ساخالين) في اقصى الشمال الروسي، وقام برحلة طويلة مرهقة استغرقت عدة أشهر، من أجل الإطلاع على ظروف الحياة في هذه المنطقة النائية الموحشة، وأوضاع المعتقلين والمبعدين فيها، وعاد ليكتب كتابه القيم (ساخالين) الذي أثار ضجة كبيرة، اضطرت معها السلطة القيصرية الى تحسين ظروف الحياة في المعتقلات والمنافي. (اسحاق بابل) عقد صداقة غريبة مع مسؤول المخابرات السوفيتية، وعندما سأله الشاعر (اوسيب ماندلشتام) عن سبب دخوله الى ” عش الزنابير ” وخطورة ذلك على حياته، أجاب بكل بساطة :

أريد أن أشمّ رائحة مطبخ القمع.

حب الإستطلاع وراء كل عمل إبداعي، لذا يسعى الكاتب الى الحصول على المادة الخام لأعماله الأدبية، وهذا السعي يختلف عن فضول الفرد العادي الذي يتسمع ما يتحدث به جيرانه وراء الجدار أو مراقبة شجارفي الشارع من خلال نافذة في المنزل.

التجربة الحياتية والإبداع الأدبي

دروس الحياة

التجربة الحياتية بما فيها من معاناة، وآلام، وأفراح هي ينبوع الكتابة الحق، ولا تقل أهمية عن الموهبة الفطرية، والقدرة على التخيّل.

ليس بوسع أي كاتب أن يكتب عن أي شيء، وعن أي إنسان. فهو ليس مطلق الحرية في اختيار موضوعاته وأبطاله، مهما كان موهوبا، لأن له حدودًا لا يستطيع تجاوزها، والتي تتحدد بالمجتمع الذي يعيش فيه، وخبرته الذاتية، والدروس التي تعلمها من الحياة، لذا على الكاتب أن يكتب عما يعرفه بتجربته الخاصة، وهذه التجربة مطلوبة بقدر ما تكون مدخلاً لتجربة فنية، يعبّر فيها الكاتب بأسلوبه المتميز، عن عالمه الروحي، ونظرته إلى الأشياء.

إن العمل الأدبي إذا لم يكن نابعاً من ذات الكاتب، و لم ينفعل به فانه لن يكون عملاً مؤثراً وناجحاً على الرغم من أن المؤلف قد كتبه بحسن نية. لأن مثل هذا المؤلف لا يعرف أبطاله ولا يفهمهم.

ربما ثمة إمكانية لتوالد بعض الصور المضببة في ذهن كاتب يعيش في جزيرة مقفرة، ولكن لن يكون لديه أي حافز لتأليف رواية، ذلك لأن الكاتب إنما يكتب عن الناس وللناس، لقد كتب الروائي الفرنسي (مارسيل بروست) رواياته (داخل غرفة ذات جدران صماء لا تخترقها الاصوات). ولكن (بروست) كان قد عاش بين الناس، ودرس المجتمع الفرنسي الأرستقراطي لمدة طويلة، قبل أن يسجن نفسه في غرفة معزولة.

إن خيال الكاتب الروائي أو القصصي قادر على تغيير تناسب الظواهر والأحاسيس وملامح الشخوص وأنماط سلوكهم، ولكن ليست ثمة رواية سواء كانت خيالية ام طوبائية لا ترتكز على الواقع، إن وصف سكان كوكب المشتري في رواية (ولز) أو سكان (سالاماندر) في رواية (جابك) ليس إلا هجاء للمجتمع الإنساني.

ربما يقال أن للخيال الدور الأكبر في بعض أنواع القصص، وهذا صحيح، ولكن الخيال ينبغي أن يكون مقنعاً وصادقاً ومنطقياً، أي خيالاً يمكن أن يحدث في الواقع. فالمؤلف ليس إلهاً حتى يستمر في فرض شطحات خياله على القاريء، وثمّة خطر جسيم يلازم نسج الأكاذيب، فقد لا يصدّق المتلقي ما يقرؤه.

أدب الكتب وأدب الحياة

إن أغلب الروائيين المعاصرين هم من خريجي التخصصات الأدبية أو اللغوية في الجامعات، وهم يعملون في مكاتبهم بين رفوف الكتب التي تحاصرهم، ولا يريدون النزول الى الشارع والاختلاط بالناس، والخوض في الحياة العملية واكتساب التجارب التي لا غنى عنها لفهم الآخرين.

الجامعات لا تعلّم سوى الأدب الكلاسيكي، وأنه ينبغي أن تكتب الرواية استنادا إلى التجارب الشخصية. وهذا أمر جيد من حيث المبدأ. ولكن كم رواية بإمكان شاب لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره أن يكتبها عن نفسه؟ قد يكتب رواية واحدة جيدة اذا كان صاحب موهبة، ولكن الرواية الثانية ستكون عن شاب كتب رواية ناجحة، ولا يملك الآن نقودا، وليس لديه صديقة أو حبيبة، ويتبهدل يوميا في وسائط النقل العام. وهذا أمر غير ممتع على الإطلاق.

لو كان (ديكنز) قد عمل حسب هذا المبدأ، لكتب رواية (ديفيد كوبرفيلد) فقط. (تولستوي) كان قد خدم في الجيش وخالط علية القوم، وحرث الأرض قبل أن يكتب (الحرب والسلام) و(آنّا كارينينا).

في عام 1916 نشرت مجلة (ليتوبيس) أي ” الوقائع ” التي كان يصدرها (مكسيم غوركي) في العاصمة الروسية القيصرية بطرسبورغ قصتان قصيرتان لإسحاق بابل.

أثارت القصتان اهتمام القراء والنقاد، وأصبح اسم “بابل” معروفًا إلى حد ما. وواصل الكاتب الشاب كتابة قصص جديدة، حيث كان يكتب قصة واحدة كل يوم ويعرضها على (غوركي)، الذي كان يقرأ القصة بتمعن، ثم يقول: “إنها غير صالحة للنشر”. وتكرر ذلك مرات عدة. وأخيرًا تعب كلاهما. وقال (غوركي) بصوته الجهوري الأجش: “إنك تتخيل أشياء كثيرة تقريبية؛ لأنك لا تعرف الحياة بعد. عليك التوجه إلى الناس، ومعرفة الواقع، واكتساب تجربة ذاتية تساعدك على فهم الحياة، قبل أن تكون قادرًا على كتابة قصة جيدة”.

أفاق بابل في صباح اليوم التالي ليجد نفسه -بمساعدة (غوركي) بطبيعة الحال- مراسلًا لصحيفة لم تولد بعد، مع مئتي روبل في جيبه. لم تولد الصحيفة قط، لكن الروبلات المنعشة كانت ضرورية له. استمرت رحلة بابل في خضم الحياة سبع سنوات (1917: 1924م) كان في أثنائها جنديًّا في الجبهة الروسية – الرومانية إبان الحرب العالمية الأولى، ومراسلًا حربيًّا في فرقة «الفرسان الحمر»، وموظفًا في مفوضية التعليم، ومديرًا لدار نشر في أوديسا، ومندوبًا لبعض الصحف في بطرسبورغ وتبليسي. قطع كثيرًا من الطرق، وشاهد كثيرًا من المعارك. وكان طوال تلك السنوات يكتب ويطوّر أسلوبه. ويجرب التعبير عن أفكاره بوضوح واختصار. وبعد تسريحه حاول نشر نتاجاته، وتسلّم من (غوركي) رسالة يقول فيها: “ربما الآن يمكنك أن تبدأ”.

وليس من قبيل المصادفة أن لكل كاتب عظيم تجربته الحياتية الثرية والمتنوعة التي تشكل منهلا لا ينضب لأعماله الأدبية. (همنجواي) كان مراسلا حربيا في الحرب العالمية الأولى والحرب اليونانية – التركية، وخبر عن قرب مآسي الحرب وانطباعاته عنها أصبحت جامعته الأولى، وانعكست في كل أعماله المبكرة، التي تعتبر مواقف ولحظات من سيرته الذاتية، وكان شاهدا على الأزمة الأقتصادية في بلاده، وزار العديد من البلدان المختلفة. وعاش معظم حياته خارج وطنه الولايات المتحدة الاميركية ولم يكتب عنها الا الشيء القليل نسبيا.

(جون شتاينبك) عمل مراسلا لصحيفة “سان فرنسيسكو نيوز” ليس لأنه كان بحاجة الى المال، بل لأنه أراد أن يخوض في أعماق الواقع الإجتماعي ويجمع المادة الأولية لروايته عن هذا الطريق، العمل كمراسل قادته الى معسكر العمال الوقتيين المهاجرين. هكذا ظهرت رواية (عناقيد الغضب). أما (دوس باسوس) فقد جاب البلاد بحثاً عن المادة الأولية لرواية (مانهاتن) وثلاثية (الولايات المتحدة الأميركية).

كبار الروائيين أمثال (بلزاك) و(فلوبير) و(تولستوي) و(دوستويفسكي) و(غوركي)، و(أندريه موروا)، و(ترومان كابوتي)، و(نورمان ميلر) وغيرهم، خاضوا في أعماق الحياة، قبل الجلوس امام طاولة الكتابة.

حقائق الحياة المؤثرة ثمينة بحد ذاتها حتى بمعالجة أدبية بسيطة. ولكن الأدب ليس أثنوغرافيا، أو تأريخا، أو علم اجتماع. معرفة شيء ممتع أوشائق والكتابة عنها مهمة الصحفي وليس الكاتب. ثمة كتّاب تنقلوا بين مهن كثيرة وشاهدوا الكثير من الحوادث الغريبة  وكتبوا عنها، ولكنهم فشلوا في كتابة عمل فني ناضج. لأن استنساخ الواقع  عجز عن الإبداع . الكاتب المبدع لا يجمع المواد لعمله الأدبي، بل يعيش في داخل هذه المواد، ويتفاعل معها ليحولها إلى تجربة روحية  يعرض فيها شيئا لم يكن بمقدور القارئ أن يراه لو كان في مكان الكاتب.

يبدأ الإبداع عندما يصمم الكاتب في ذهنه نموذجا للموقف. يرسم صور الشخصيات، ويطور الفعل. ويملأ الهيكل باللحم والأعصاب. وهنا يتطلب الخبرة الحياتية أين ومتى عاش الأبطال، ما هي ملامحهم، وماذا يعملون، وماذا يلبسون، وكم يكسبون من نقود، ويتنقلون بأي واسطة نقل، وماذا يحيط بهم. الكاتب يتوجه الى ذاكرته وخبرته. وتظهر ملامح الورشة، التي عمل فيها في وقت ما، والأماكن، التي استجمّ فيها.

فهم المادة الحياتية يعني القدرة على إدراك معنى كبير في حقيقة صغيرة. على الروائي أن يتعمق في جوهر الأشياء، ولا يكتفي بوصف مظاهرها الخارجية فقط.

ثنائية الحياة والموت في قصص إيفان بونين

إيفان بونين (1870 ـ 1953) أحد الأعلام البارزين في الأدب الروسي الكلاسيكي، وقد بدأ حياته الأدبية شاعراً، ولم يكن قد تجاوز العشرين من عمره حين نشرت مجموعة أشعاره الأولى، التي نال من أجلها “جائزة بوشكين“، ثم منح الجائزة ذاتها للمرة الثانية حين ترجم عن الشاعر الأمريكي (لونغفيلو) ملحمته الشعرية (هياواثا).

بيد أن (بونين) معروف في المقام الأول ككاتب نثر ممتاز، ويعد أهم كاتب للقصة القصيرة بعد (تشيخوف). ويتميز أسلوبه بالثراء اللغوي والعمق السيكولوجي. (بونين) شأن (تشيخوف) يأسر القارىء في قصصه بوسيلة أكثر من أي متعة أخرى، إن قصصه مواقف آسرة وشخوص فريدة، فالكاتب يجذب إنتباهنا فجأة لما هو عادي تماماً ومألوف عندنا في خبرتنا اليومية والحياتية، ولما مررنا به في الماضي مرات عدة دون أن تصيبنا الدهشة لولا ذاكرته الفنية.

في عام 1909، عندما كان في التاسعة والعشرين من العمر، منحته أكاديمية العلوم الإمبراطورية الروسية لقب “أكاديمي” تقديراً لإبداعه الأدبي، وهو شرف لا يحظى به، إلا القلة من العلماء والمبدعين.

نال (بونين) “جائزة نوبل في الآداب” لعام 1933، عقب صدور روايته (حياة ارسينيف). و كان أول كاتب روسي يحصل على هذه الجائزة. وجاء في نص قرار منح الجائزة ما يلي: “بقرار من الأكاديمية السويدية تمنح جائزة الآداب لـ(إيفان بونين) لقاء الموهبة الفنية الحقة التي تمكن بواسطتها من إعادة خلق الشخصية الروسية بقالب نثري جميل“.

عندما تقرأ قصص (بونين) لا يمكنك إلا أن تفكر في لغز الوجود الإنساني ومواجهة الإنسان لمصيره المحتوم.


ثنائية الحياة والموت في قصص إيفان بونين

ثنائية الحياة والموت، كانت واحدة من اهم الثيمات الرئيسية في ابداع (ايفان بونين). وقد عالجها الكاتب بطرق مختلفة، ولكنه في كل مرة توصل الى إستنتاج مفاده أن الموت جزء لا يتجزأ من الحياة، وليس للإنسان عزاء أو سلوى، لا في العمل، ولا في الحياة الأسرية. الحياة اليومية روتينية ومملة، والعمل مرهق، والناس غرباء بعضهم عن بعض. عندما يأتي الإنسان الى الحياة، فأنه يندفع على الفور الى نهايته. العالم هاوية، مستنقع، والموت مسألة صدفة. حياة الأنسان لا شيء بالمفارنة مع العالم. والانسان نفسه عاجز وضعيف بصرف النظر عن موقعه في السلم الاجتماعي. كل شيء في العالم زائف ووهمي، والحقيقة الوحيدة هي الموت. ويرى (بونين) ان الحب هو مقاومة للموت وتجسيد للحياة. ولكننا اذا تمعنا عن كثب في قصصه عن الحب، نجد مفارقة واضحة، وهي ان الحب السمة الرئيسية للحياة: من يحب، يعيش حقاً. ولكن الموت يترصد للإنسان دائما في كل لحظة، وفي كل مكان. ويرى (بونين) ان الحب العميق الجارف كونه تركيز للحياة واللحظة الاكثر توترا في الوجود الانساني ينتهي بالموت في أكثر الأحيان.

يأتي الإنسان الى هذا العالم، عالم الفوضى، لفترة جد قصيرة من الزمن، والحياة توهب له لأسباب غير مفهومة لا يعلمها، الا الله. والموت ينهي هذه الحياة على نحو مأساوي. وكل شيء يحدث مصادفة. وثمة ارتباط وثيق بين الحياة والحب والموت.

في مجموعة قصص (بونين) الرائعة (الدروب الظليلة)، والتي اطلق عليها النقاد اسم “موسوعة الحب”، نجد إن النهاية التراجيدية امر طبيعي، لأن الحب الحقيقي الجارف يقتل العشاق حتماً، مما ينقذهم من خيبة الأمل. ولهذا لا نجد في (الدروب الظليلة) قصة واحدة تنتهي بالزواج. الزواج يحمل معه العادة التي تقتل الحب عاجلا ام آجلاً.

في العالم الذي صوره (بونين) في اقصوصة “اسطورة” شخصان: هو وهي. هي ميتة، وهو على قيد الحياة، ولكنه يعرف أنه سيموت أيضا في يوم ما. و سيأتي آخرون الى هذا العالم، وهو يأمل أن يعد هؤلاء بدورهم الزمن الذي عاش فيه، اسطورياً.

وتعد هذه الأقصوصة، التي ترجمناها عن الأصل الروسي، نموذجاً لنظرة بونين الى العلاقة، التي لا تنفصم بين الحياة والموت.


أسطورة

على أنغام الأورغ والغناء، كان الكل يغني على وقع الأورغ أغنية حلوة، حزينة، ومؤثرة تقول: “ما أطيب الوقت معك يا الهي!“. على ايقاع الأورغ والغناء رأيتها فجأةً بجلاء واحسست بها. لا أدري من أين انبثق طيفها في خيالي بشكل مباغت وغير متوقع، شأن كل ما يفاجئني  به خيالي في الحالات المماثلة، على نحو يجعلني أفكر في الأمر طوال اليوم.

أعيش حياتها وزمانها. لقد عاشت في تلك الأيام الغابرة التي نسميها العصور القديمة. ولكنها رأت هذه الشمس ذاتها التي أراها الآن، وهذه الأرض التي أعشقها، وهذه المدينة القديمة، وهذه الكاتدرائية، والصليب الذي ما زال يسبح بين الغيوم، كالعهد به في العصور القديمة. وسمعتْ الغناء نفسه الذي اسمعها الآن. كانت فتية، تأكل، وتشرب. وتضحك وتثرثر مع جاراتها، وتعمل، وتغني. كانت فتاة شابة، فعروساً، ثم أماً. ماتت قبل الأوان، مثلما تموت النساء الرقيقات المرحات في ريعان الشباب غالباً. في هذه الكاتدرائية أقيم القداس على روحها. وها قد مرت قرون عديدة على رحيلها عن العالم الذي شهد منذ ذلك الحين كثيراً من الحروب الجديدة، والبابوات الجدد، والملوك والتجار والقساوسة والفرسان. في حين ان عظامها النخرة، جمجمتها الصغيرة الفارغة راقدة تحت الأرض، كما رفات الآخرين. كم عددها في الأرض هذي العظام وهذي الجماجم؟ ان كل الماضي البشري وكل التأريخ الإنساني حشود غفيرة من الموتى! وسيأتي يوم سأنضم فيه الى جموعهم. وسأبث أنا أيضاً الرعب بعظامي وجثتي في مخيلة الأحياء، كما فعلت تلك الحشود الغفيرة من الجيوش التي ستغرق الأرض يوم الحشر .. ومع ذلك سوف يعيش أحياء جدد بأحلامهم عنا نحن الموتى، وعن حياتنا القديمة وزماننا القديم الذي سوف يبدو لهم رائعاً، وسعيداً، واسطورياً ..

هل مات الأدب الروسي؟

dstofsky

 

تراجع الأدب الروسي – بعد تفكك الاتحاد السوفيتي – عن موقعه المتقدم في العالم عموما، وفي العالم الناطق بالإنجليزية خصوصاً. ويُقال ان القارئ الأميركي – من الجيل الجديد – يكاد يجهل هذا الأدب تماماً، ولا يستطيع أن يذكر اسم كاتب روسي معاصر واحد. والسبب الرئيسي لهذا التراجع هو ان الادب الروسي اصبح اليوم ادباً محلياً بكل معنى الكلمة. 
الأدب المحلي الذي يكون مفهوما وقريبا من شعب واحد فقط، وغير ممتع بالنسبة الى بقية االشعوب، يتحول – في أفضل الأحوال – الى مجرد مصدر لعلماء الأنثروبولوجيا ولا يهم القاري الأجنبي. أما الأدب المحلي، الإنساني الطابع، الذي بعبر عن روح العصر، ويثير أحاسيس مشتركة بين البشر وتجاوباً فكرياً يتفاعل في كل بيئة مجردة من المكان والزمان، فهو الذي بجذب انتباه القارئ بصرف النظر عن العرق والمعتقد واختلاف الثقافات.

نتائج غير متوقعة لإلغاء الرقابة

مما يثير الدهشة حقاً، ان الغاء الرقابة واطلاق حرية التعبير والنشر، في اواخر حقبة (البريسترويكا ) لم يؤد الى ازدهار الأدب الروسي المعاصر، كما كان متوقعاً، بل على النقيض من ذلك أدى الى شيوع أدب التسلية الجماهيري الإستهلاكي، وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن الرقابة أمر مفيد، لأن ثمة أسباب سياسية واقتصادية واجتماعية وتكنولوجية، وراء ظاهرة الأدب المحلي الأستهلاكي وفي مقدمتها عزوف السواد الأكبر من الشباب عن قراءة الكتب الجادة المطبوعة وتفضيل الكتب الألكترونية أو سماع تسجيلها الصوتي عبر الأجهزة الذكية، فالسماعات لا تفارق الشباب الروس حتى في عربات المترو في موسكو وسان بطرسبورغ.
الأدباء الذين كانوا ينشرون نتاجاتهم سراً داخل البلاد “أدب الأندر غراوند” كما  يسميه الروس، لم يعد لديهم ما يعارضون به العهد الجديد، وأدب “الواقعية الأشتراكية” عفا عليه الزمن، وطوى النسيان أغلب كتّابه البارزين، الذين كانوا نخبة صغيرة مرفهة في العهد السوفيتي، تتمتع بامتيازات شبيهة بامتيازات القادة السياسيين في المكافآت والسكن والمعالجة في مستشلفيات خاصة، وارتياد المنتجعات الجميلة على البحر الأسود صيفا، ودور الراحة في المناطق المشمسة ذات المناخ المعتدل في جنوب البلاد شتاءاً. وكانت كتبهم المنشورة بأعداد هائلة تدر عليهم عائدات كبيرة. وبعد تعويم “الروبل” في عام 1992 فقدوا كل مدخراتهم التي تحولت الى أوراق لا قيمة لها. فعلى سبيل المثال كان الشاعر السوفيتي الشهير (يغور إيسايف) (1926 – 2013 ) – الحائز على أرفع جائزة أدبية سوفيتية لمرتين، وهي جائزة (لينين)، وعلى وسام بطل العمل الإشتراكي –له نفوذ كبير في اتحاد الكتّاب السوفيت، وعضوا في هيئات تحرير كبريات المجلات الأدبية، ولكنه وجد نفسه على حين غرة من دون عمل في العهد الجديد، ومرّ بضائقة مالية شديدة، بعد انهيار سعر الروبل ورفض دور النشر الخاصة الجديدة – التي حلت محل دور النشر الحكومية السوفيتية – نشر أي ديوان جديد له. كما أن المكافآت لقاء نشر قصائده في المجلات الأدبية أصبحت ضئيلة وتافهة، لا تكفي لشراء كغم واحد من اللحم، وعانى الأمرين في تحصيل لقمة العيش، فلجأ الى تربية الدجاج في مزرعته في إحدى ضواحي موسكو لكسب ما يمسك عليه حياته وحياة اسرته. وتوقف عن كتابة الشعر.
ان مصير أغلب كتّاب الواقعية الأشتراكية لا يختلف كثيراً عن مصير الشاعر (إيسايف)، وقد طواهم النسيان، وأصبحوا في ذمة التاريخ.
 الادباء المهاجرون اخذوا ينشرون نتاجاتهم داخل روسيا ايضا، وعاد العديد منهم الى الوطن بعد غيبة طويلة، ومنهم الأدباء الذين اسقطت عنهم الجنسية السوفيتية. ولكن سرعان ما  زال سحرهم في العهد الجديد، فإلإمبراطورية، التي كانوا يحاربونها، لم تعد لها وجود.
وجاء جيل جديد من الأدباء الشباب، ضائع لا يعرف ماذا يريد، وتحولت مهنة الكتابة الأستهلاكية الخفيفة الى تجارة رابحة، لأولئك الذين يبحثون عن اسهل الطرق للحصول على المال، و كانوا في السابق يمارسون مهناً اخرى، ولا يفكرون يوما في إتخاذ الكتابة الأدبية مهنة لهم. ونزل الى الميدان الأدبي ضباط بوليس ورجال مخابرات متفاعدون، يستمدون من خبراتم الوظيفية وتجاربهم الحياتية، حبكات رواياتهم البوليسية والتجسسية، ولم يقتصر الأمر على الجنس الخشن، بل اقتحمت صحفيات ونساء من شرائح ومهن شتى، وحتى ربات بيوت مجال الادب بسلاسل من الروايات الغرامية والبوليسية والخيالية، التي لقيت رواجاً كبيرا لدى الجمهور الباحث عن ادب اللذة.
وفي الوقت الذي كان فيه الجمهور القاريء في الحقبة السوفيتية يتابع الإصدارات الجديدة لعدد محدود من الأدباء المعروفين، ثمة اليوم مئات الأدباء من الجنسين – معظمهم في مدينتي موسكو و سان بطرسبورغ – وقد تحوّل كل منهم الى آلة لأنتاج رواية كل شهر أو شهرين للحصول على أكبر قدر من المال. وهم أعضاء في عدة  إتحادات جديدة للأدباء تشكلت بعد إلغاء اتحاد الكتاب السوفيت. وهي “الإتحادات الجديدة” تتناحر اليوم فيما بينها على ممتلكات الإتحاد السابق من بنايات ودور سكن في قرية الكتّاب (بريديلكينا) في ضواحي موسكو .

أدب الـ(غرافومانيا)  

لم يعد للأدب الروسي صلة بالواقع ويتسم بطابع  شديد الغرابة بالنسبة الى القاريء الأجنبي، وتسود فيه ما تسمى الـ(غرافومانيا)، أي هوس الكتابة السطحية التي غالبا ما تكون فضفاضة ومملة، حول أحداث عادية وأبطال لا يتميزون بشيء.
البعض من اشهر الكتاب الأستهلاكيين الروس المعاصرين لا يجيدون حتى اللغة الأدبية الروسية، ونتاجاتهم مكتوبة بلغة سوقية أسوأ من لغة الصحافة الصفراء، مما ينم عن ذوق فاسد. ولولا البهارات الأيروتيكية مثل الوصف التفصيلي للعلاقات الحميمة وشتى أنواع التجارب الرذيلة لما قرأ أحد كتاباتهم.
أما الأدب الروسي الخالي من البهارات الأيروتيكية والعبارات الفاحشة – الذي يمكن إعتباره إمتداداً للتقاليد الأدبية الروسية –  فإنه يتناول عددا من القضايا، التي لم تعد تهم القاريء الغربي. مثل التعصب القومي الروسي، أو العيش وفق معايير الكنيسة الأرثوذكسية ، أو الإنسان في مواقف استثنائية؛ الحرب، والمعتقل. ويقصد بالحرب هنا المعارك الطاحنة التي جرت بين الجيشين الأحمر والهتلري خلال الأعوام الأربعة الأخيرة (1941-1945) من الحرب العالمية الثانية، التي يطلق عليها الروس اسم “الحرب الوطنية العظمى”. وقد كتب عنها عدد لا يحصى من الروايات والدواوين الشعرية في العهد السوفيتي. أما وصف جحيم المعتقلات، ومعسكرات العمل الأجباري الشاق فلم يعد فيه أي جديد بعد روايات (سولجنتسن) و(حكايات كوليما) لـ(فرلام شالوموف).
وتحتل موضوعة تفكك الإتحاد السوفيتي والحنين الى المجد الأمبراطوري الغابر مساحة واسعة في الأدب الروسي الجديد – فما زالت الإمبراطورية حية في الأذهان، وحتى في الروايات الخيالية – لأن روسيا مرّت في العقدين الأخيرين بسنوات عصيبة، تغيرت فيها، ليس اسلوب الحياة فقط، بل المعايير الأجتماعية والقيمية والجمالية أيضاً. ولا أحد اليوم يعرف بمن يثق، وبماذا يتفاخر، وماذا يفعل، وكيف يحيا لاحقاً. وثمة ثلاثة إتجاهات في هذا المجال :
  • محاولة فهم ووصف ما حدث وما يحدث الآن، على أنقاض الإمبراطورية المنهارة.
  • التعبير الفني عن مجتمع استهلاكي وضياع المثل العليا التي كانت تستشرفها النخب المثقفة.
  • الإنسان الروسي الجديد، الذي يتعلق بأذيال المطامع المادية و لديه المال ووسائل الترفيه، ولكن حياته كئيبة. وأخذ يتساءل من جديد – السؤال الروسي التقليدي – ما العمل ؟

تراجع وانعزال

تشير الأحصاءات الحديثة  الى أن ما يترجم من الأدب الروسي الى اللغة الإنجليزية لا يتجاوز 3% من اجمالي الأعمال الآدبية الأجنبية المترجمة الى هذه اللغة الأساسية في عالمنا المعاصر. ويكفي أن نقول أنه خلال العقدين الأخيرين لم يدخل أي كتاب روسي الى قائمة جائزة  افضل كتاب أجنبي مترجم.
في حين حصل عليها اعمال ادبية مترجمة الى الانجليزية من آداب بلدان اوروبا الشرقية الأخرى التي تحتل مكانة متواضعة في الأدب العالمي.  
وعموما فإن نصيب الأعمال الأدبية الروسية من الجوائز الأدبية العالمية والأوروبية – منذ انهيار الإمبراطورية – جد قليل، رغم ان مشاهير الأدباء الأستهلاكيين الروس يحصلون بإستمرار على الجوائز الأدبية الروسية المتعددة، التي يصعب حصرها لكثرتها، وتتحكم فيها دور النشر والإشهار الروسية الكبرى.
الروايات الروسية المعاصرة تنشر في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا بأعداد قليلة من قبل دور النشر الصغيرة أوالجامعية، وليس دور النشر الشهيرة، مثل (بنجوين) أو (راندوم هاوس)، أو (فارار وجيرو)، ولا تعرض في المكتبات والمتاجر الشهيرة– ما عدا بعض روايات لـ(ودميلا اوليتسكايا) و(ميخائيل شيشكين) – والأخير يقيم بشكل دائم في سويسرا – بل في المكتبات الجامعية او على مواقع الأنترنيت، مثل موقع (امازون).
أحياناً يمكن العثور على بعض روايات الخيال العلمي للكاتبين الروسيين (بوريس اكونين) و(فيكتور بيليفين) في هذه المكتبة او تلك، ولكن ليس ثمة رواية روسية واحدة ضمن قوائم الكتب الأكثر رواجاً. والعالم لا يتابع نتاجات الكتاب الروس المعاصرين – كما كان الأمر في الماضي –  ولا يسوق كل النسخ المطبوعة منها رغم محدوديتها.
يقول اصحاب دور النشر  الروسية، والكتاب الروس انفسهم ان ذلك ناجم عن ضعف الدعاية والترويج للأدب الروسي المعاصر في الدول الغربية. ولكن هذا الزعم غير دقيق بدليل ان الكتاب الروس الأستهلاكيين يقومون بتكليف المترجمين الغربيين بترجمة نتاجاتهم الى الأنجليزية، كما يقومون بحملات دعائية مكثفة في الدول الغربية لترويج وتسويق نتاجاتهم، ولم يبق في جعبتهم من سبيل الا وسلكوه لأغراء القاريء الغربي، دون ان يحرزوا تقدما كبيرا في هذا المجال، لأنهم يلحون عليه اقتناء وقراءة ما لا يحتاج اليه .
النقاد الروس – الذين يدورون في فلك دور النشر الروسية الكبرى – يعزون سبب ذلك الى السياسة، ويقولون أن روسيا لم تعد عدوة أو منافسة للغرب، ولهذا فالأدب الروسي المعاصر لا يحظى بإهتمام كبير في الغرب، ولكن هذا تضليل متعمد، الغرض منه الأيحاء بأن الأدب الروسي اليوم بخير، وان السياسة الغربية الحالية ازاء روسيا هي التي تمنع انتشار الأدب الروسي في الغرب، ولكننا نعلم أنه لا توجد أي رقابة على الأعمال الأدبية في الغرب، لا يالنسبة الى الأدب الروسي ولا أي أدب آخر. فمن يرتاد متاجر الكتب في العواصم الغربية يجد الكثير من الطبعات الحديثة للأعمال الأدبية لعمالقة الأدب الروسي الكلاسيكي (تولستوي)، (دوستويفسكي)، (تشيخوف)، (تورغينيف). وكذلك العديد من الكتب المكرسة لتحليل الوضع السياسي الراهن في روسيا البوتينية. وهذا يقودنا الى استنتاج جلي وهو أن القاريء الغربي ما يزال مهتما بما يحدث في روسيا اليوم، ولكنه لم يعد يهتم بالادب الروسي الإستهلاكي، الذي لا يعبر عن الواقع الروسي الراهن.
بعد (برودسكي) و(سولجنتسن) لا يوجد كاتب أو شاعر روسي واحد يحظى بنفس القدر من أعجاب القراء في الغرب. الجمهور الذي يقرأ الأدب الروسي، حتى اليوم، يتألف أساساً من المهاجرين والمغتربين الروس في الدول الغربية، وحفنة من المهنيين في كل بلد غربي، ومعظمهم من أساتذة وطلاب أقسام اللغة الروسية أو الأدب الروسي، وكذلك الأجانب من خريجي الجامعات والمعاهد الروسية.
يقول اصحاب دور النشر الغربية أنهم يريدون روايات روسية عن الواقع الروسي، ولكن مثل هذه الروايات نادرة في الأدب الروسي المعاصر. ولم يظهر في روسيا خلال العقدين الأخيرين أي عمل أدبي ممتع ورفيع المستوى فناً وفكراً، يمكن أن يجذب انتباه القاريء الغربي العادي، ويثير اهتمام النقاد الغربين ويدخل ضمن قائمة الكتب الأكثر رواجاً، كما هو الحال مع الأعمال الأدبية الخالدة  لعمالقة الأدب الروسي الكلاسيكي.

مائة صنف من السجق وفكرة واحدة

اجرت الصحفية والمترجمة الفنلندية (كريستينا روتكيرش) – التي تكتب باللغتين السويدية والفنلندية – لقاءات صحفية مع احد عشر كاتبا روسيا مشهورا تحدثوا خلالها عن سيرهم الذاتية واعمالهم واساليبهم وتجاربهم في الكتابة (بوريس اكونين)، (يفجيني غريشكوفيتش)، (أدوارد ليمونوف)، (يوري ماملييف)، (فيكتور بيليفين)، (لودميلا بيتروشيفسكايا)، (نينا سادور)، (فلاديمير سوروكين)، (تاتيانا تولستايا)، (لودميلا اوليتسكايا)، (ميخائل شيشكين). وقد جمعت (روتكريش) نصوص هذه اللقاءات في كتاب صدر قبل بضع سنوات في ستوكهولم باللغة السويدية بعنوان (لقاءات مع أحد عشر كاتبا روسياً)، ثم قامت بترجمة الكتاب الى اللغة الفنلندية ونشره تحت عنوان (مائة صنف من السجق وفكرة واحدة). ان عنوان هذا الكتاب هو (باروديا) أي محاكاة ساخرة وتهكم على روسيا، التي تسعى لبناء اقتصاد السوق. حيث تجد في متاجرها اليوم أصنافاً كثيرة من السجق، الذي كان شحيحاً في الحقبة السوفيتية. ولكن الأدب الروسي يعاني اليوم من ظاهرة الـ(غرافومانيا)، وشحة الأفكار الملهمة .. وبين احد عشر كاتبا لا يوجد من يكتب الأدب الحقيقي سوى (شيشكين)، و(اوليتسكايا)، التي يعرفها القاريء العربي بعد ترجمة روايتها الممتعة (سونيشكا) الى اللغة العربية. وهي روايتها الأولى التي نشرت في موسكو عام 1992 وترجمت الى العربية بعد حوالي ربع قرن. ولـ(أولتسكايا) روايات وقصص كثيرة، وتحظى أعمالها بشعبية واسعة في روسيا والعالم حيث ترجمت الى أكثر من 25 لغة أجنبية، وحصلت على عشرات الجوائز الروسية والأوروبية، بينها جائزة (البوكر) في عام 2001. 
شحة الأفكار والبؤس الإبداعي لنجوم الأدب الأستهلاكي هي نتيجة طبيعية لأنعزالهم عن الواقع الأجتماعي. هذا الواقع الحافل بالتناقضات الحياتية والإنسانية التي يمكن أن يستمد منها الكاتب الروائي والقصصي آلاف الحبكات الممتعة. ولكن للسوق قوانينها، وهذا هو الحال في كل بلد يتحول فيه الأدب الى سلعة في السوق، ولا يقتصر الأمرعلى روسيا وحدها.