أرشيف الكاتب

علم النفس الفردي: قوة النظرية وتميزها

من المعلوم في حقل العلاج النفسي ونظريات الشخصية، أنه وبعد ثورة العلاج المعرفي السلوكي والنظريات الإنسانية الوجودية لم يَعُد يُنظر للتحليل النفسي كما في السابق [على وجه الخصوص: التحليل النفسي الكلاسيكي] وأصبح البعض يراها مجرد نظرية تاريخية في علم النفس والطب النفسي، إلا أن النظرية التحليلية التي بقيت متماسكة بكيانها ومفاهيمها بل وتزداد قوةً وشعبيةً وحضوراً في العلاج النفسي هي نظرية: (علم النفس الفردي) للطبيب وعالم النفس (الفرد آدلر). [Alfred Adler, 1870-1937]
وذلك لأنها نَظَرت للإنسان نظرة حقيقية عميقة كما هوَ، فلم تبالغ به وتجعله فوق منزلته، ولم تنزل به ليكون كالحيوان أو كالآلة، وأتت بمفاهيم تكاد تُشكِّل المحاور الرئيسية لأي إنسان على وجه الأرض؛ الذات الخلَّاقة، أسلوب الحياة، عقدة الشعور بالنقص والقصور، الشعور الاجتماعي.


الذات الخلَّاقة:

ينظر (آدلر) للذات الخلَّاقه بأنها الرأس أو الهرم لأعماله، ويشير (آدلر) إلى أن الذات الخلَّاقة هي التي تجعل للحياه هدف ومعنى، و تجعلنا نشعر بالطاقة و تُحرِّكنا بقوة نحو تحقيق الأهداف [آل تركي، ٢٠١٥م].
كما يرى (آدلر) أن هناك قوه تعطي الإنسان القدرة على التَّفرُّد لينقل الحقائق الموضوعية إلى حوادث شخصية ذات معنى وقد سمَّاها بالذات الخلَّاقة، والذات الخلَّاقة تحفظ الشخص من أن يكون ضحية للناحية البيولوجية والظروف الاجتماعية، وهي تُحرِّك الشخص تجاه فردية أكثر واستقلالية أكثر [عبداللطيف، ٢٠١٣، نقلاً عن: الشناوي، ١٩٩٣، prochaska,1994].
يقول (آدلر):

لا تخلو دراسة تَصوُّر الفرد عن معنى الحياة من الفائدة لأنه في نهاية الأمر هي القاعدة التي تؤطِّر تفكيره وانفعاله ومن ثم نشاطه، ولكن المعنى الحقيقي للحياة يتكشَّف في المقاومة التي يواجهها الفرد عندما يتصرف بطريقة خاطئة، إن مشكلة التعليم والثقافة والشفاء تكون في مد جسر بين معطيين: معنى حقيقي للحياة؛ وسلوك خاطئ يقوم به الفرد…حين يتشبَّث فرويد بفكرته حول الموت الذي يجذب الكائنات البشرية، إلى حد أنهم يتشهونه في أحلامهم، نجد أن هذه الفكرة غير ناضجة وقابلة للكثير من النقاش والجدل.
لا شك أن هناك أناس يُفضِّلون الموت على الكفاح والعمل ضد المعضلات الخارجية القاسية التي يواجهونها، ذلك لأنهم يخشون لغرورهم وكبريائهم الفشل في حل هذه المعضلات! هؤلاء هم أنفسهم الذين يرغبون بشكل أبدي أن يَظلُّوا في أحضان أمهاتهم، وأن يقوم الآخرون بالعمل الموكل إليهم بدلاً عنهم، هم المُدلَّلون ذوو النفوس الصغيرة التي لا طائل منها في حياة تستوجب العمل والصراع المرير كي تأخذ معناها…إن الشعور بالرضا والألم الذي يرافق هذا الصراع ليس سوى عامل مساعد للفرد في طريقه، والبحث الخالد عن الأمان هو الذي يدفع الفرد إلى الانتصار على الواقع الحالي الماثل أمامه، وذلك من أجل فرض واقع أفضل، فالحياة البشرية تصبح مستحيلة دون دورة الحضارة هذه والتي لا تتوقف عن دفعنا للأمام [آدلر، ٢٠١٩م].


أسلوب الحياة:

هو الذي يجعل الفرد يتكيَّف مع بيئته ويواجه العقبات التي تعترض في حياته، ومن خلاله يحقق الانسان أهدافه، وهو الذي يجعل الأطفال كذلك يناضلون بطرق وبأشكال فردية من أجل تحقيق الكمال والتفوق، فمثلاً الطفل الذي يُنتَقد كثيراً من قِبل الأطفال الآخرين في الحي، غالباً ما يُطوِّر أسلوباً ونمطاً لفظياً معيناً للتعامل وللتأثير على الأطفال الآخرين والتحايل عليهم، ومن ثم فإن هذا السلوك يمكن أن يُعوِّض عن النقص الذي تعرَّض له الطفل جرَّاء انتقادات الآخرين له، ويعتقد آدلر أن أسلوب الحياة يرتكز على التغلب على سلسلة من القصور والنواقص لدى الفرد، ومعظم هذه الامور يمكن أن تنشأ في سن الرابعة والخامسة من العمر، وبالتالي يصبح من الصعب على الإنسان تغير أسلوب حياته بعد ذلك. في الحياه بعد ذلك.
ويشير (آدلر) إلى أن أسلوب الحياة يمكن أن يُفهَم من خلال مراقبة كيفية قيام الأفراد بمعالجة ثلاثة مهمات رئيسية مترابطة: المهنه، المجتمع، الحب [علاء الدين، ٢٠١٣م].
يقول (آدلر):

من الواضح أننا لسنا متأثرين بالوقائع ولكن بتصورنا حولها…نصل الى نتيجه مفادها أن كل واحد منا يحمل في ذاته تصور عن نفسه وعن مشكلات الحياة وخطَّاً معيناً يتبعه فيها، وقانوناً ديناميكياً يحركه دون أن يفهمه أو يدرك كنهه، هذا القانون الديناميكي يولد في الإطار الضيق للطفولة، ويتطور تبعاً لاختيار محدد تقريباً، وذلك باستخدام حر للقوى الفطرية وللانطباعات حول العالم الخارجي، دون القدرة على التعبير عنها أو تعريفها بصيغة رياضية.
منذ وقت طويل وأنا أحاول الإحاطة بمسائل الحياة هذه وتحديدها بثلاثة أشكال: الحياة في المجتمع، العمل، الحب. من السهل معرفة الأهمية التي تأخذها هذه المسائل في فرض وجودها علينا دون أن نستطيع شيئاً للتخلص منها، ذلك لأن جميع مواقفنا تُشكِّل الجواب الذي نقدمه بفضل نمط حياتنا. وبما أن هذه المسائل الثلاث مرتبطة ببعضها، خاصة وأنها تتطلب درجه كافية من الشعور الاجتماعي لحلها نرى أنه من السهولة أيضاً فهم أن نمط حياة كل واحد منَّا ينعكس بطريقة واضحة تقريبا في مواقفه اتجاهها…في الحب الذي يسد حاجة الفرد على المستوى النفسي والجسدي أيضاً، يبدو الشعور الاجتماعي كمبدأ خلَّاق مباشر لقدرنا، وكذلك في الصداقة وعلاقات الأطفال فيما بينهم ومع آبائهم، إن الحب الذي نتكلم عنه هنا هو علاقة بين اثنين من جنسين مختلفين يقوم بدوره في دوام النسل واستمرارية النوع البشري في الوجود، لذا لا يوجد مشكلة بشرية تُعنَى بخلاص الفرد في المجتمع في كالحب، إن مشكلة بين اثنين لها نظامها الخاص، ولا يمكن حلها بطريقة مُرضيَة بالطريقة نفسها التي يتعرض لها الشخص الواحد. كي تستكمل مشكلة الحب شروطها على الشريكين أن ينسيا نفسيهما كاملاً، فيتحد أحدهما بالآخر كي يُشكِّلا كلَّاً واحداً من جديد.
أن نأخذ الحب كمفهوم سطحي، أي كما نراه في العلاقات السريعة المختلطة أو الدعارة أو الانحرافات…إلخ، يعني أن نُجرِّده من قيمته الفضلى وبريقه وسحره الجمالي. إن رفض علاقة دائمة يزرع الشك وعدم الثقة في نفوس الشركاء، ويجعلهم عاجزين عن الوفاء والإخلاص نحو بعضهم، فمشكلات كهذه حتى لو كانت متنوعة حسب الأوضاع، يمكن لها أن تبدو كإشارة لشعور اجتماعي ناقص في حالات الحب جميعها أو الزواج التعس، وفي حالات العجز جميعها للقيام بالأعمال التي ننتظرها منهم. لاشك عندي البتَّة أن الحط من قيمة الحب والانتقاص من قدره، وهو ما يعني انتكاساً في الشعور الاجتماعي، يفتح الباب أمام الأمراض وتدمير الحياه الفردية والعائلية والشعوب بأكملها [آدلر، ٢٠١٩م].


الشعور بالنقص:

يرى (آدلر) أن الشعور بالنقص هو الذي يحرك الإنسان نحو التميز ومحاولة الوصول للكمال، والنقص يشمل النقص الجسمي والعقلي والاجتماعي الحقيقي أو المتوهم. ويعتقد آدلر أن جميع الناس يمرون بمشاعر النقص، ولكن منهم من تدفعه تلك المشاعر للنجاح والتميز ومنهم من تكون سبب في إصابته بالعصاب [آل تركي، ٢٠١٥م].
يقول (آدلر):

منذ وقت طويل، و أنا أُصرّ على أنَّ معنى الكائن البشري يكمن في شعوره بالدونية…وهو يشبه إلى حد كبير التوتر المؤلم الذي يتطلب حلاً للتخلص منه…يمكن للتوتر في بعض الظروف أن يترافق مع آلام دائمة أو عابرة، كما يحدث أحياناً في سفر من نحب، أو فقدان صديق وفي، وكما يقوم الرضيع بحركاته كي يعبر عن حاجاته ونقصها، ومحاولته بتحسين وضعه، وإيجاد الحلول الحيوية، كذلك تاريخ البشرية، والذي يشبه إلى حد بعيد الشعور بالدونية في محاولته وبحثه الدؤوب عن إيجاد حلول لكل ما يصادفه من عوائق في الحياة … بيد أنّ الحضارة في تقدّم مستمر، وهي تحيط بنا من كل جانب من جوانب الحياة، وتُبيِّن لنا حاجتها الدائمة للأمان، وتُرينا الإنسان بكل وضوح في حالته العاطفيّة الدائمة، وهو يشعر بالدونية التي تخصه، وتدفعه دفعاً كي يتحرك، ويعمل بكل طاقته للوصول إلى أقصى درجة من درجات الأمان … يهيمن الشعور بالدونية على الحياة النفسيّة، وإننا لنرى ذلك
بوضوح في شعورنا الدائم بالنقص فيما نملك، وبعدم الكمال بما نقوم به من أفعال تُفرض علينا…يبدو الشعور البشري بالدونية، والذي عادة ما يُستنفد في الصراع من أجل التقدم، أكثر حركة وحيويّة في عواصف الحياة ومخاضاتها، وأكثر وضوحاً في التجارب القاسية التي تواجه الفرد، إنه يعبر عن نفسه بشكل مختلف تبعاً للأوضاع التي يصادفها ، وإذا ما أردنا الإيجاز في التعبير عن تجلياته في كل حالة من هذه الحالات، فإننا نجده يمثل نمط حياة كلّ فرد على حدة، وهو يظهر بأشكال متشابهة في مواقف الحياة جميعها [آدلر، ٢٠١٩م].


المراجع:

١.ادلر، الفرد.معنى الحياة. ط١. دمشق: دار الفرقد. ٢٠١٩م.

٢.علاء الدين، جهاد محمود. نظريات الإرشاد النفسي (التحليل النفسي والسلوكية). ط١. عمَّان: الأهلية للنشر والتوزيع. ٢٠١٣م.

٣.أبو أسعد، أحمد عبداللطيف. علم نفس الشخصية. ط٢. الأردن: عالم الكتب الحديث. ٢٠١٣م.

٤.آل تركي، خالد تركي. التحليل النفسي بصورة مبسطة. ط١. مصر: دار العلوم العربية للنشر والتوزيع. ٢٠١٥م.

نظريتي الحب والمعرفة عند ابن حزم الأندلسي

يُعد ابن حزم الأندلسي (384-456هـ) واحد من أهم وأشهر العلماء والفلاسفة المسلمين، وإسهاماته لم تكن في العلوم الإسلامية فحسب، بل قدَّم العديد من الإسهامات للحضارة الإنسانية، فهو فقيه ومؤرخ وأديب وفيلسوف.

في أطروحته للدكتوراه بعنوان (ابن حزم الأندلسي وجهوده في البحث التاريخي والحضاري) يتناول د. (عبد الحليم عويس) جهود (ابن حزم) وإسهاماته في التاريخ والحضارة الإنسانية. وفي خاتمة رسالته عن أثر (ابن حزم) في الحضارة الإنسانية، يذكر عويس رؤية ابن حزم للحب وتصوره عنه، فيقول:

قدم ابن حزم للحضارتين الإنسانية والإسلامية إلى جانب ما قدمه في ميدان المزج بين النظر المنطقي والنظر الديني وما قدمه في ميدان تاريخ المذاهب والأديان نظرية جديدة حول “الحب” من الوجهتين النفسية والاجتماعية.

وعلى الرغم من أن (ابن حزم) ليس أول من كتب في الحب من أدباء العرب، فقد سبقه إلى ذلك (أبو بكر محمد بن داود الظاهري الأصبهاني) في كتابه (الزهرة)، و(أبو الفرج) في كتابه (الحدائق)، و(إخوان الصفا) في بعض رسائلهم، و(ابن المقفع) في (الأدب الكبير والأدب الصغير) و(الجاحظ) في الرسالة السابقة من مجموع رسائله في العشق والنساء و(أبو إسحاق الحصري) في كتابه (المصون)، إلا أن (ابن حزم) قد فاق كل هؤلاء في دقة منهجه وتسلسل أفكاره، وترابط بحثه ورقة حسه، وبعد غوصه وأتباعه منهجاً استبطانياً استقرائياً فجاءت رسالته (طوق الحمامة) حافلة بالملاحظات النفسية الدقيقة والخبرات الحية المعاشة والأمثلة التاريخية والنماذج البشرية المتنوعة أو بتعبير آخر جاء ما قدمه (ابن حزم) في الطوق نظرية متكاملة عن الحب اعتمدت على عناصر البحث النفسي والاجتماعي:
1.فهي تعتمد على التجربة الذاتية.
2.وهي تعتمد على ما تراه وتسمعه في الحياة الاجتماعية
3.وهي تقدم ذلك كله في صدق وجرأة بلا خوف أو نفاق
4.وهي تخرج من كل ذلك بنتائج تعممها على أعراض الحب المختلفة
5.وهي في ذلك محاطة بسياج عن التصور الإسلامي الذي لا يرى في الحب العفيف إلا لوناً من الجهاد عاقبة شهيده الجنة.
فـ(ابن حزم) هذا الفقيه الظاهري الأصولي لم يجد أي تناقض بين ما قدمه في الطوق وما قدمه في المحلى أو الفصل، ولو أنه -بكل ما عرف من دين قد اكتشف على امتداد عمره- تناقضاً لأعلنه ورجع عنه.
ويأبى بعض المستشرقين أن ترجع نظرية الحب العذري إلى الطبيعة الإسلامية أو الفطرة العربية. فحين وقف (رينهارت دوزي) على قصة الحب الرقيقة لـ(ابن حزم) استكثرها على العرب وعلى المسلمين بالرغم من أن الرجل علماني لا يحب الكنيسة ولا يتعاطف مع رجال الدين، وقال إن هذا الغزل العف لا تعرفه الأخلاق العربية ولا الديانة الإسلامية، وأنه تحدر إلى (ابن حزم) إرثاً من أجداده الأول المسيحيين.
بيد أن كثيراً من المستشرقين من أمثال الراهب (ميجل آسين بلاسيوس)، و(أميليو غرسيه غومس)، و(ليفي بروفنسال) وغيرهم، قد ردوا هذا الزعم وبينوا أصوله الإسلامية والعربية حتى في البيئة الجاهلية.
وبما أننا لا نميل إلى أن لـ(ابن حزم) أصولاً مسيحية بل نرى نسبته في فارس التي نسب إليها نفسه، ونسبه إليها أقرب تلامذته، فنحن بالتالي لا نرى ضرورة للبحث في قضية الأصول هذهِ، ونرى أن عقلية (ابن حزم) وتكوينه النفسي إنما هما إسلاميان عربيان لحمةً وسدى.
إن المحاولات التي سبقت (ابن حزم) في مجال الحب ليست سوى نظرات جريئة لم تستطع أن تشق لها رافداً في نهر الحضارة سواء منها ما أنتجه العقل العربي أو أنتجه العقل الأوروبي.
أما (طوق الحمامة) فقد كان كما يصفه بحق الدكتور (الطاهر مكي): “أروع كتاب درس الحب في العصر الوسيط في الشرق والغرب في العالمين الإسلامي والمسيحي”، وتتبع أطواره وحلل عناصره وجمع بين الفكرة الفلسفية والواقع التاريخي وواجه أدق قضاياه في وضوح وصراحة، كان (ابن حزم) الدارس الواقعي، في كل خطاه، أفكاره محلقة وقدماه على الأرض، ويصدر في نظريته عن تجربة عميقة ذات أبعاد إنسانية واسعة وعن إدراك ذكي لطبائع البشر.

ثم يتحدث المؤلف بعد ذلك عن إسهام (ابن حزم) في نظرية المعرفة:

قدم (ابن حزم) نظرية للمعرفة تؤمن بأن طريق الوصول إلى الحقيقة يعتمد على أصول أربعة:
1.النصوص الدينية كما هي في القرآن والسنة.
2.اللغة من حيث دلالتها الظاهرة المتعارف عليها عند أصحابها.
3.الحس السليم وبديهة العقل.
4.الاكتساب بالاختبار والنقل بالتواتر.
والحق أن النصوص الدينية واللغة باعتبارهما من طرق المعرفة المقبولة نقلاً بلا برهان، يعتمدان على سوابق فكرية مقبولة، وبالتالي فهما غير داخلين في نظرية المعرفة المطلقة.
فالقسمان الضروريان للمعرفة عند (ابن حزم) هما:
1.ما عرفه الإنسان ببديهة الفطرة وأولية العقل، مثل معرفة أن الكل أكثر من الجزء وأن من يولد قبلك فهو أكبر منك، وأن نصفي العدد مساويان لجميعه.
2.ما عرفه الإنسان بالحواس السليمة عن طريق الاكتساب بالاختبار والنقل بالتواتر، كمعرفة أن النار حارة وأن الثلج بارد والصبر مر والتمر حلو وما أشبه ذلك.
وفي كثير من تطبيقات (ابن حزم) النظرية في المعرفة يمزج بين هذين القسمين. وقد انتهى (ابن حزم) إلى أنه ليس من الضروري للمعرفة الصحيحة أن يبدأ الإنسان بالشك لينتهي إلى اليقين كما ذهب إلى ذلك القديس (أوغسطينوس) قبله، وكما قال بذلك (أبو حامد الغزالي) و(ديكارت) من بعده، فهؤلاء يؤمنون بما سُمي بالاستدلال أو الاستقراء أو القياس، فما دامت الحواس سليمة والعقل سليماً، فإن الأوليات الفطرية والبديهات العقلية الظاهرة تكفل للإنسان منذ المراحل الأولى للبحث أن يبدأ من نقطة الثقة واليقين.

سخرية فولتير تهزم أعداء التنوير

فولتير

النقد الساخر سمة تغلب على طابع النقد في العصر الحديث، سواءً كان هذا النقد بنَّاءً أو هدَّاماً، وهذا الأسلوب في النقد ليس خاصَّاً بعصرنا هذا، وإنما هو قديم قِدم الفلسفة ذاتها، حيث كان (سقراط) يستخدم أسلوب السخرية أو التهكم في حواره مع تلاميذه وذلك من خلال إثارة الشكوك حول الأفكار والمعتقدات الخاطئة التي يؤمن بها غالبية الأفراد أو المجتمع بهدف ايصالهم للحقيقة، إلا أن أشهر من ارتبط اسمه بالنقد الساخر هو الفيلسوف الفرنسي (فولتير)، والذي يُعد أشهر شخصية في عصر التنوير.

حيث يقول (نيتشه) عن (فولتير):

لا بد للأسود الساخرة من أن تجيء، وجاء (فولتير) فأذل الطغاة بسخريته.

ولم يكن (فولتير) يدع السخرية إلا عندما يتعلق الأمر بحياة الإنسان وكرامته وحريته، وخصوصاً عندما يكون ذلك كله باسم الدين! وما كانت رسالته (اسحقوا العار) إلا نتيجة الظلم ممَّن يدَّعون أنهم يقودون الناس للحق والنجاة وأنهم موكَّلون من الله بحفظ الدين!

ويُشاع عند الكثيرين بأن (فولتير) كان ملحداً! وهو في حقيقة الأمر لم يكن كذلك، فنجده يقول:

لو لم يكن الله موجوداً لوجب اختراعه، إلا أن الطبيعة بكاملها تدعونا قائلةً إنه موجود.

ويبدو لي أن (فولتير) لم يكن ضد الدين كجانب روحي مهم في حياة الإنسان، ومعظم ما صدر منه من أقوال قد يعتقد البعض أنها ضد الدين، لم تكن ضد الدين بقدر ما هي ضد أفكار من يعتقدون أنهم هم من يمثِّل الدين ويتحدَّثون باسم الله!

فنجده يقول معلِّقاً على أفعال رجال الدين المسيحي، الكهنة والرهبان:

إنهم الكهنة الذين يعيشون على كدكم وتعبكم في راحة وكسل، ويثرون على حساب كدحكم وبؤسكم، ويتنافسون على شراء الذمم واقتناء العبيد، ويوحون لكم بالتعصب المذموم، ليتمكَّنوا من سيادتكم والسيطرة عليكم، وينشرون بينكم الخرافات والأساطير ليس من أجل أن تخافوا من الله بل لكي تخافوهم.

ويُعذر (فولتير) في مهاجمته لرجال الدين المسيحي في تلك الحقبة الزمنية، حيث قد وجد ممثليها لصوص في هيئة قديسين! إلا أنه استطاع بقلمه تعريتهم وبيان جهلهم وتوضيح حقيقتهم القائمة على خداع الناس واستغلالهم من خلال الدين.

ومن المؤكد أن فولتير قد اطَّلع على أعمال (أوغسطينوس) الذي حاول توظيف الفلسفة لخدمة الإيمان المسيحي ومحاولة الاستدلال على صحتها من خلال المنهج الفلسفي، لكن لا يمكن لفيلسوف يتميَّز بالذكاء الحاد والعمق الفلسفي كـ(فولتير) أن يقبلها! وتلك القضية، قضية الدين والحياة، هي التي يواجهها عالمنا العربي، وهي التي نتج عنها تيارين متطرفين، تيار متشدِّد يدعو للإرهاب وإقصاء كل مخالف باسم الدين، وتيار يرفض فكرة الدين من الأساس، لذا فإنه عندما نؤمن ويؤمن المجتمع بأن الدين علاقة بين الفرد وخالقه فقط، حينها سيُحفظ للدين مكانته وقداسته، وسيكون الدين بذلك محمياً من اللصوص الذين يستخدمونه لأغراض دنيوية وتحقيق مصالح شخصية أو حزبية، إقحام الدين في كل شيء ينتج عنه الفشل في كل شيء، فقد فشل (أوغسطينوس) وكذلك (توما الأكويني) في بناء فلسفة برؤية مسيحية! وذلك بطبيعة الحال لا يستقيم، فالفلسفة منهج عقلي تأملي بالدرجة الاولى، والأديان بطبيعتها تحوي الكثير من الأمور التي تتطلب التسليم دون السؤال عن الماهية أو الكيفية حتَّى يكون إيمان الشخص مستقيماً، وفيما يخص السياسة فقد شاهدنا فشل تجربة حزب الإخوان في حكم مصر، ولا زلنا نرى مصائب وجرائم نظام ولاية الفقيه في إيران، لذا فإن الدواء الشافي لِما يعاني منه العالم العربي والإسلامي يكمن في شعار (الدين لله والوطن للجميع)، شعار منسجم مع الإنسانية والحياة بأبعادها المختلفة، شعار يكفل الكرامة والحرية للجميع، شعار يتبنَّاه كل من لم يتلطَّخ عقله بأفكار الكراهية والتطرف بشتَّى صوره، شعار يؤمن به كل من يحترم إنسانيته، شعار آمن به فولتير لأنه يدرك قيمة الإنسان.

(فولتير) بسيط في إنسانيته، عميق في فكره، أبت فطرته السليمة الانقياد والانصياع لأوامر اللصوص والدجالين كما انقاد الكثير من القطيع في زمانه، قادته تلك الفطرة إلى التسليم والإيمان بوجود إله واحد لا شريك له، استمد إيمانه ومعرفته بالخالق من خلال فطرته السليمة وعقله المستنير، لم يستمد إيمانه من رجال الدين كما فعل الكثير في زمانه ويفعل الكثير في زماننا هذا!

وفي كل حقبة زمنية سيكون هناك (فولتير) وسيكون هناك أعداء للتنوير، ورغم كل تلك الصعوبات والظروف التي تعرَّض لها (فولتير)، إلا أنه انتصر في النهاية، وخلَّد التاريخ اسمه، إلى درجة أن عصر التنوير ارتبط باسمه!

بقوة الإرادة تتحقَّق المعجزات، وإلا فهل يُعقل أن رجل واحد بسخريته وقلمه استطاع أن يغيِّر أوروبا بأكملها!

نجح (فولتير) في تحقيق رسالته لأنه صاحب مبادئ وليس صاحب انفعالات تتشكَّل وتتغيَّر بتغير الظروف، نجح (فولتير) في تبديد الخرافة والجهل لأنه خاطب الجماهير بلغة العقل والمنطق لا بلغة العواطف والمشاعر، فيلسوف أحبه البسطاء والعامة قبل النخبة والصفوة، أحبه الفقراء والاغنياء على السواء، أحبوه لأنهم عرفوا حقيقته المتمثِّلة في تجرده عن ذاته وإرادته الحقيقية في الإصلاح وايمانه بالمبادئ التي انطلق منها ومات وهو مؤمن بها ولم يتنازل عن واحدة منها.

وكل الذين وقفوا ضده لم نسمع عنهم ولا نعرف اسمائهم حتَّى! فقط بقي (فولتير) رمزاً تنويرياً شامخاً، تلك هي سُنَّة الحياة، ما ينفع البشرية سيبقى ويُذكر, وما يضر البشرية سيندثر ويُنسى، “فأمَّا الزبد فيذهب جفاء، وأمَّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”.