أرشيف الكاتب

هل انتهى عصر الأسطورة ؟

Willard Van Orman Quine

في مقدمة الترجمة العربية من كتاب (من وجهة نظر منطقية) للفيلسوف الأمريكي (ويلارد فان أورمان كوين)، والتي قدّمها للقراء العرب الأستاذ (حيدر حاج إسماعيل)، تساءل المترجم: “هل انتهى عصر الأسطورة؟ وتحديدًا، هل انقضى ذلك العصر بولادة العلم؟”. ثم أجاب في مقدمته قائلًا:

أحد الأجوبة نقع عليه عند (جورج لاكوف) وزميله (مارك جونسن)، فهذان الباحثان يريان أن النظرة الموضوعية إلى الحياة والكون، والعلم أبرز أمثلتها، ونقيضها، النظرة الذاتية، إن هما إلا أسطورتين. ويوضحان بأنهما لا يستخدمان مصطلح “أسطورة” بأي معنى استخفافي، “فالأساطير توفر طرقًا لفهم التجربة، وهي تسبغ نظامًا على حياتنا”. ثم يعددان بنود النظرة الموضوعية بما يلي :

١. في النظرة الموضوعية يبدو العالم مكونًا من أشياء، وهذه الأشياء لها صفات مستقلة عن كل من يختبرها من بشر وغير بشر.
٢. ومعرفتنا بالعالم تكون باختبارنا أشياءه وصفاته.
٣. وفهمنا أشياء العالم تتم بواسطة مقولات وتصورات، وهذه تطابق صفات الأشياء وعلاقاتها.
٤. هناك واقع موضوعي. ونحن نستطيع أن نقول كلامًا صادقًا أو كاذبًا وبصورة موضوعية عنه.
٥. والكلمات لها معانٍ ثابتة.
٦. ويستطيع البشر أن يكونوا موضوعيين ويتكلموا بموضوعية إذا استخدموا لغة واضحة ومحددة.
٧. يجب تجنب الاستعارة وأنواع اللغة الشعرية والخيالية والخطابية والمجازية عندما نتكلم بموضوعية.
٨. وحدها المعرفة الموضوعية تؤلف المعرفة.
٩. أن تكون موضوعيًا معناه أن تكون عقليًا. وعكس ذلك أن تكون ذاتيًا فتكون لا عقليًا وتخضع للعواطف.
١٠. النظرة الذاتية يمكن أن تكون خطرة، إذ إنها قد تقود إلى الانفصال عن الواقع. وهي نظرة غير منصفة لأنها شخصية وتبالغ في قيمة الفرد.

أما مكونات أسطورة النظرة الذاتية فهي:

١. الاعتماد على الحواس والحدس في معظم النشاطات العملية اليومية.
٢. اعتبار المشاعر، والحساسيات الجمالية، والممارسات الأخلاقية، والوعي الروحي، أهم الأشياء في حياتنا.
٣. كلا الفن والشعر يتجاوزان العقلانية والموضوعية ويضعاننا على تماسّ بواقع مشاعرنا وحدوسنا التي هي الأهم. ونحن نحصل على هذا الوعي بواسطة الخيال وليس العقل.
٤. إن لغة الخيال ولاسيما الاستعارة، ضرورية للتعبير عن أكثر نواحي خبرتنا أهمية من الوجهة الشخصية.
٥. الموضوعية يمكن أن تكون خطيرة، لأنها تفقد ما هو أهم وأكثر مغزى للأفراد. والموضوعية ليست منصفة لأنها تتجاهل أهم مناطق خبرتنا لمصلحة ما هو مجرد، وشامل، ولا شخصي . والموضوعية، وللأسباب نفسها، يمكن أن تكون غير إنسانية، والعلم لا فائدة منه عندما يتعلق الأمر بأهم الأمور في حياتنا.

ويكمل حديثه بعد ذلك قائلًا:

وتجب الإشارة إلى أن الكاتبين قالا ما قالاه وهما في سياق شرح وجهة نظرهما الاستعارية التي بحسبها يكون نظام تصوراتنا ذاته مؤلفًا من استعارات، وليست الاستعارات صفة اللغة فحسب. ويعتبران وجهة النظر هذه الخيار الثالث الذي يشكل مخرجًا أو حلاً.

نقطة أخيرة لابد من ذكرها وهي أن الباحثين يعتبران الأساطير مثل الاستعارات، ضرورية لإنشاء معنى لما يجري حولنا. وأن “البشر لايمكنهم العلم من دون الأساطير كما لا يمكنهم العمل بلا الاستعارة”.

من مفهوم الـ “أنا” عند جوديث بتلر

judith-butler-foto-540x304

جوديث بتلر (مواليد 1956)، هي فيلسوفة أمريكية، لها إسهامات في مجالات الفلسفة النسوية، الفلسفة السياسية، والأخلاق. وهي أستاذ في قسم الأدب المقارن والبلاغة في جامعة كاليفورنيا – بركلي. حصلت بتلر على دكتوراة الفلسفة من جامعة يال عام 1984، وكان لها إسهامات في تأثيرات ما بعد البنوية في النظرية النسوية الغربية حول تحديد ماهية “المصطلحات الافتراضية” للنسوية. في كتابها الشهير (الذات تصف نفسها) تقول:

أحاول أن أبدأ قصة عن نفسي، أبدأها من مكان ما وأحدد الزمن في محاولة للشروع في متتالية أقدم بها روابط سببية  أو بنية سردية في الأقل. أسرد، وأقيد نفسي في أثناء السرد، أصف نفسي، أقدم وصفي إلى آخر على شكل قصة يمكن لها أن تلخص كيف ولماذا أنا ما أنا عليه أيضًا.
لكن جهدي في تلخيص الذات يخفق، وهو يخفق بالضرورة، لأن ال”أنا” التي أقدمها منذ السطر الأول بوصفها صوتًا سرديًا تعجز عن تقديم وصف للكيفية التي أصبحت بها “ أنا “ يمكن أن تروي نفسها أو تروي هذه القصة على وجه خاص. وبينما أنا أصنع تتابعًا وأربط حدثًا بآخر، مقدمة حوافز تنير المسار، مستجلبة النماذج المتواترة، مؤشرة إلى بعض الأحداث أو لحظات الإدراك بوصفها ذات أهمية محورية ، بل ومحددة نماذج متكررة معينة أعدها أساسية، لا أعمل بذلك على توصيل شيء عن الماضي، بالرغم من أن ذلك جزء مما أفعل دون شك.أنا أعيد تمثيل الذات التي أحاول وصفها؛ هناك إعادة تكوّن لل “ أنا “ السردية في كل لحظة يستحضرها السرد نفسه. أي أنني، بكلمات أخرى، أستخدم تلك ال “أنا “ – أتوسع في تقديمها وأقيم علاقة بينها وبين جمهور واقعي أو متخيل – استخدامًا يختلف عن رواية قصة عنها، بالرغم من أن الرواية تبقى جزدًا مما أفعل. أيّ أجزاء “ الرواية” يقوم بمهمة التأثير على الآخر وإنتاج ال “ أنا من جديد؟.

ثم تكمل حديثها قائلة:

كما أن فعلاً تمثيليًا وخطابيًا تؤديه هذه الـ”أنا“، فإن هنالك حدًا لما تستطيع الـ”أنا” المباشرة بسرده. هذه الـ”أنا” مقولة وملفوظ بها، وبالرغم مما يبدو من أنها تمثل الأرضية الثابتة للسرد، فهي أشد اللحظات بعدًا عن الأرض الثابتة في السرد. أما القصة التي لا تستطيع الـ”أنا” روايتها فهي قصة نشوئها بوصفها أنا لا تتكلم حسب بل تتقدم بوصف لذاتها. بهذا المعنى يتواصل سرد القصة، لكن الـ”أنا” التي تروي القصة والتي يمكن أن تظهر فيها بوصفها الراوي بضمير المتكلم، تمثل نقطة عتمة تقطع التتابع، وتتسبب في انقطاع أو انفجار في وسط القصة لما يتعذر على السرد استيعابه. لذلك فقصة ذاتي التي أرويها، القصة التي تقدم الـ”أنا” التي هي أنا على الواجهة، وتدرجها في تتابع مناسب لشيء يسمى حياتي، تخفق في تقديم وصف لنفسي في لحظة تقديمي لها. في الواقع ماهو موجود يقدمني بوصفي شخصًا لا وجود أو إمكانية لتقديم وصف له. أنا أقدم وصفًا لذاتي، ولكني أحار في الوصف عندما يتعلق الأمر بتشكل الـ”أنا” المتكلمة القادرة على سرد نفسها. كلما زاد ما أرويه تعزز الدليل على تضاؤل قدرتي على الوصف. إن الـ”أنا” تدمر قصتها الخاصة، على الضد من كل نواياها.

لا تستطيع الـ”أنا” أن تقدم وصفًا نهائيًا وكافيًا لذاتها لأنها لا تستطيع أن تعود إلى مشهد المخاطبة الذي أطلقها، وهي لا تستطيع أن تروي كل الأبعاد البلاغية لبنية المخاطبة الذي يحدث الوصف نفسه في نطاقها. لا يمكن أن ترد هذه الأبعاد البلاغية لمشهد المخاطبة إلى سرد. وهو أمر يتضح في سياق التحويل، أو بالأحرى في نموذج التواصل الذي يوفره التحويل، فهنا يكون المرء متلقيًا للكلام بين حين وآخر، كما أنه يتكلم، وهو مايتم على شكل مخاطبة مباشرة أو غير مباشرة على الدوام.

نيتشه يضع وصفته للروائي الجيد

نيتشه

فريدريش فيلهيلم نيتشه (1844-1900) فيلسوف وشاعر ألماني. كان من أبرز الممهّدين لعلم النفس وكان عالم لغويات متميزاً. كتب نصوصاً وكتباً نقدية حول المبادئ الأخلاقية والنفعية والفلسفة المعاصرة المادية منها والمثالية الألمانية. وكتب عن الرومانسية الألمانية والحداثة أيضاً. عموماً بلغة ألمانية بارعة. يُعدّ من بين الفلاسفة الأكثر شيوعاً وتداولاً بين القراء. في كتابه (إنساني مفرط في إنسانيته)، كتب وصفة للروائيين لكي يكونوا جيدين فيما يكتبون. يقول فيها:

الوصفة كي تصبح روائيًا جيدًا … من السهل قولها ، ولكن شق غمارها يستلزم مزايا يعتاد المرء على التقليل من شأنها حين يقول: “لا أملك موهبة كافية”. كل ما على المرء فعله هو وضع مئة مخطط تقريبًا للروايات، من دون أن تكون أطول من صفحتين ولكن ينبغي أن تكون دقيقة إلى درجة أن تكون كل كلمة فيها ضرورية ؛ وينبغي على المرء تدوين ملاحظاتٍ يوميًا إلى أن يتوصل إلى معرفة كيفية إعطائها الصيغة الأشد إثمارًا وفعالية؛ ولابد أن يكون المرء جادًا بلا كلل في جمع وتوصيف الأنماط والشخصيات البشرية؛
وعلى المرء، قبل أي شيء آخر أن يروي أمورًا للآخرين وينصت إلى آخرين يروون، مبقيًا عينيه وأذنيه مشرعة على الأثر الذي تتركه تلك التفاصيل على الحاضرين؛ وعلى المرء أن يسافر مثل رسام المناظر الطبيعية ومصمم الأزياء … ويجب على المرء أخيرًا ، تأمل دوافع الأفعال البشرية، وأن لا يترفع عن أي تفصيل بشأنها، وأن يكون جامعًا لتلك الأشياء ليلاً نهارًا. ولابد أن يتابع المرء هذا التمرين متعدد الجوانب قرابة عشر سنوات؛ وما سيتم إبداعه في تلك الورشة حينئذٍ … سيكون ملائمًا لإخراجه إلى العالم.

عن السياسة عند نعوم تشومسكي

تشومسكي

نعوم تشومسكي (مواليد 1928) هو أستاذ لسانيات أمريكي، وفيلسوف وعالم بالإدراك والمنطق، ومؤرخ وناقد وناشط سياسي.

في مقابلة مع (نعوم تشومسكي) سألت اللسانية الفرنسية (ميتسو رونا) قائلة: “للمفارقة ، تبدو كتاباتك السياسية وتحليلاتك للأيديولوجيا الإمبرالية الأمريكية معروفة في فرنسا تمامًا كما في الولايات المتحدة، أكثر من منهجك الذي صنعته : النحو التوليدي. هذا يطرح سؤالاً: هل تعتقد أن هناك رابطًا بين نشاطاتك العلمية – دراسة اللغة – ونشاطاتك السياسية؟ في مناهج التحليل على سبيل المثال؟”

فكان جواب (تشومسكي) على ذلك:

إن كان هناك رابط، فهو بالأحرى على المستوى المجرَّد. أنا لا أملك مدخلاً لأي مناهج تحليل غير اعتيادية، والمعرفة الخاصة التي لدي والتي تتعلق باللغة ليس لها علاقة مباشرة بالموضوعات السياسية والاجتماعية. كل شيء كتبته عن هذه الموضوعات كان من الممكن أن يكتبه شخص آخر. لا توجد أي صلة مباشرة بين نشاطاتي السياسية، الكتابة وخلافه، والعمل المتعلق ببنية اللغة، على الرغم من أنهما بمعيار ما ربما مستخرجان من افتراضات شائعة محددة ومواقف متعلقة بالجوانب الأساسية من الطبيعة البشرية. التحليل النقدي في الساحل الأيدولوجية يبدو لي مسألة مستقيمة جدًا بالمقارنة مع المقاربة التي تتطلب مستوى من التجريد المفهومي. بالنسبة إلى تحليل الأيدولوجيا الذي يسيطر عليّ كثيرًا، يكفي بشكل عام أن يكون لديك القليل من انفتاح العقل، والذكاء العادي والتشكك الصحي.

على سبيل المثال خذ السؤال عن دور النخبة في مجتمع مثل مجتمعنا؛ هذه الطبقة الاجتماعية التي تضم المؤرخين والدارسين، الصحفيين، المعلقين السياسيين… إلخ، تأخذ على عاتقها تحليل صورة ما للواقع الاجتماعي وتقديمها. وهم بسبب تحليلاتهم وتفسيراتهم، يعملون وسطاء بين الحقائق الاجتماعية ومجموع البشر: إنهم يخلقون تبريرًا إيدولوجيًا للممارسة الاجتماعية. انظر إلى عمل المتخصصين في الشؤون المعاصرة وقارن تفسيرهم للأحداث، قارن ما يقولونه بعالم الحقيقة. ستجد عادة تشعبًا نسقيًا كبيرًا. بالتالي يمكنك أن تخطو خطوة أخرى وتحاول أن تفسر هذه التشعبات، واضعًا، في الاعتبار الموقف الطبقي للنخبة.

إن لمثل هذه هذا التحليل بعض الأهمية على ما أعتقد، ولكن المهمة ليست صعبة جدًا، والمشكلات التي تثار لا يبدو لي أنها تطرح الكثير من التحدي الفكري. بقليل من الدراسة والمتابعة، يمكن لأي أحد يرغب في تحرير نفسه من نسق الايدولوجيا المشتركة والبروباجندا أن يكون مستعدا فعليًا لأن يرى أحوال التشوه التي تطورها القطاعات المهيمنة من النخبة. كل الناس قادرين على فعل ذلك. إن كان هذا التحليل يمضي بشكل محدود، فهذا بسبب – وهو سبب شائع – أن التحليل الاجتماعي والسياسي أُنتج ليدافع عن المصالح الخاصة أكثر منه ليسرد الأحداث الحقيقية. بالضبط بسبب هذا الميل ، على المرء أن يحذر من الانطباع الذي يقول إن المثقفين المؤهلين بتدريب خاص هم وحدهم القادرون على مثل هذا العمل التحليلي، هذا الشيء خاطئ في كل الأحوال. في الحقيقة هذا ما تريد النخبة منا أن نظنه غالباً: إنهم يتظاهرون بأنهم في مجتمع غامض لا يمكن ان يدخله الناس البسطاء. ولكن هذه العلوم الاجتماعية بشكل عام ،وتحليل الشؤون المعاصرة بشكل خاص، يمكن أن تكون مفهومة لأي أحد يود أن يهتم بهذه المسائل. التعقيد والعمق والغموض المزعومين لهذه الاسئلة هي جزء من الوهم الذي يشيعه نسق التحكم الايدولوجي، الذي يستهدف جعل هذه الموضوعات تبدو بعيدة عن عموم الجماهير، وأن يقنعهم بعدم قدرتهم على تنظيم شؤونهم الخاصة أو فهم العالم الاجتماعي الذي يعيشون فيه دون معلمين ووسط. لهذا السبب وحده على المرء أن يكون حريصا على ألا يربط تحليل المسائل الاجتماعية بالموضوعات العلمية التي بدورها تتطلب تدريباً خاصاً ومعرفة بالتقنيات، وبهذا الإطار الفكري المرجعي الخاص ، قبل أن يتم العمل عليها بشكل جدي.

في تحليل المسائل الاجتماعية والسياسية يكفي أن تواجه الحقائق وأن تكون مستعداً لأن تتبع المسار العقلي للجدل. أنت تحتاج فقط الى الحس المشترك الديكارتي الموزع بتساوٍي… إن كان الأمر كذلك يمكنك أن تفهم الرغبة في النظر إلى الحقائق بذهن مفتوح ، وأن تضع افتراضات بسيطة تحت الاختبار، وأن تُتبع الحجج إلى نتائجها. ولكن وراء ذلك لا يتطلب الأمر معرفة سرية خاصة لاستكشاف هذه الأعماق غير الموجودة.

الماضي والزمن عند باشلار

bachelard.gaston

يعدّ غاستون باشلار (1884 – 1962) واحداً من أهم الفلاسفة الفرنسيين، وهناك من يقول أنه أعظم فيلسوف ظاهري، وربما أكثرهم عصرية أيضاً. فقد كرّس جزءاً كبيراً من حياته وعمله لفلسفة العلوم، وقدّمَ أفكاراً متميزة في مجال الابستمولوجيا حيث تمثل مفاهيمه في العقبة المعرفية والقطيعة المعرفية والجدلية المعرفية والتاريخ التراجعي، مساهمات لا يمكن تجاوزها بل تركت آثارها واضحة في فلسفة معاصريه ومن جاء بعده. في كتابه (جدلية الزمن)، تحدث عن الماضي والزمن، فقال:

إن الذكرى لا تُعلَّم دون استناد جدلي إلى الحاضر. فلا يمكن إحياء الماضي إلا بتقييده بموضوعة شعورية حاضرة بالضرورة. بكلام آخر، حتى نشعر أننا عشنا زمنًا – وهو شعور غامض دائمًا بشكل خاص – لابد لنا من معاودة وضع ذكرياتنا، شيمة الأحداث الفعلية، في وسط من الأمل أو القلق، في تماوج جدلي. فلا ذكريات بدون هذا الزلزال الزمني، بدون هذا الشعور الحيوي. حتى هذا الماضي الذي نعتقده ممتلئًا، فإن الذكر، السرد، المساررة، تعيد وضع الفراغ في الأزمنة غير الفاعلة ؛ إننا حين نتذكر، بلا انقطاع، إنما نخلط الزمان غير المجدي وغير الفعّال بالزمان الذي أفاد وأعطى. ولا تكون جدلية السعادة والتعاسة مستحوذة إلى هذا الحد إلا عندما تكون متوافقة مع الجدلية الزمانية. عندئذ نعلم أن الزمان هو الذي يأخذ ويعطي. وفجأة نعي أن الزمان سيأخذ أيضًا. إن معاودة عيش الزمان الغابر معناه تعلمنا قلق الموت.

وبطريقة ألطف، يضعنا الأسف على مناسبات وفرص ضائعة أمام ثنائيات زمانية فعندما نرغب في التعبير عن ماضينا، وفي إعلام الآخر بشخصنا، إنما يستحوذ الحنين إلى الأيام التي لم نستطع أن نعيشها، على عقلنا التاريخي ويهزه في العمق. ولربما سنرغب في راوية سلسلة متواصلة من أفعالنا وحياتنا. لكن نفسنا لم تحتفظ بالذكرى المخلصة لعمرنا ولا بالمقياس الصحيح للسفر الطويل على مدى السنوات ؛ فهي لم تحتفظ إلا بذكرى الحوادث التي أنشأتنا وخلقتنا في اللحظات الحاسمة من ماضينا. وفي سريرتنا، تنخفض جميع الحوادث إلى جذرها في لحظة. إذًا تاريخنا الشخصي ليس سوى رواية أفعالنا وأعمالنا المفككة، وإننا حين نرويها، إنما نرويها زاعمين أننا نمنحها تواصلها بالمبررات العقلية لا بالزمان. وبالتالي، سنبين أن الذاكرة لا تقدم لنا النسق الزمني مباشرة ؛ فهي بحاجة إلى أن تتقوى بعناصر انتظام أخرى. فلا يجوز لنا أن نخلط بين ذكرى ماضينا وذكرى زماننا.