أرشيف الكاتب

الخيال عند إنسان مابعد الحداثة

رانيير فونك، مواليد 1943، وهو فيلسوف ألماني معاصر.

في كتابه (الأنا والنحن ؛ التحليل النفسي لإنسان مابعد الحداثة)، يستفتح (رانيير) كلامه بأن يقول:

لا تتحول القدرة الذاتية أو الكفاءة الخاصة إلى خاصية ذاتية أو ملك ذاتي إلا عن طريق ممارستها وبالتالي فإن التمرين وحده هو الذي يحافظ على قدرة معينة من القدرات الإنسانية.

إن الذي لم يعد يمارس قدرته على التخيل، يصبح دون تخيل ويكون عليه تعويض عجزه على التخيل ونقص الصور والتمثلات الداخلية عن طريق تقنيات إنتاج التخيل أو عن طريق استهلاك الصور الخارجية الخيالية. ذلك أن التخيل هو نتيجة صور التمثل الداخلية، نتوقع من خلالها أوضاعًا واقعية معينة ونحاكيها ونكررها، دون أن نعيشها بالفعل أو دون أن نكون مضطرين لعيشها.

ويكمل حديثه عن الخيال فيقول:

تحقق التخيلات أهدافًا مختلفة. يمكنها أن تستعمل للهروب من الواقع واللجوء إلى أحلام اليقظة ويمكنها أن تعوض الشريك إذا كانت تخيلات جنسية أو المساهمة في تكثيف الإشباع الجنسي، كما أنها تمكن من معاش الحرية والتصالح والخلاص، إذا كانت ذات طبيعة دينية. وقد تسمح بمعاش التقليل من العجز وتزيد في القوة الذاتية إذا عيشت كتهديد أو اضطهاد أو إدانة. وقد تقلل من عتبة ممارسة العنف في الواقع. وعلى الرغم من أن التخيلات لا تكون دائمًا مفيدة، بل قد تكون هدامة أو مليئة بالخيال القسري، فإنها تمثل مبدئيًا قدرة إنسانية مهمة للغاية.

دون صور خيالية داخلية، لن يكون هناك فن ولا أدب ولا شعر ولا أفلام ولا علم ولا رؤى ولا اكتشافات ولا يوطيوبيات ولا أمل. ذلك أن القدرة على التخيل هي قدرة إنسانية أساسية، تشبه القدرة على التفكير وعلى وعي الذات.

ثم يتطرق إلى ضياع القدرة على التخيل، قائلا:

يمكن أن تضيع القدرة على التخيل، عندما لا تُمارس. كما أن التصور المُقدّم/ المقترح بقوة يقود إلى تقلص القدرة على التخيل، ذلك أن سرعة تتابع الصور تعيق صور الخيال، بل تُعوضها. وعلى الرغم من كل تعويض، لا تمارس القدرة على التخيل إلا بقدر قليل جدًا وتفقد قوتها وأرضيتها / أساسها. وفي الوقت نفسه يزيد غياب التخيل بطريقة تصبح فيها القدرة على التخيل مُحددة وتابعة أكثر فأكثر للصور الخيالية المُقدمة.

تنتمي الصور الخيالية والخيال بالفعل وبقوة إلى حياتنا اليومية، بيحث إنه لا يمكن التفكير في أي حياة ولا في أي تنظيم بدونها. حتى وإن لم تكن هناك أي حياة خالية من الخيال، بل حياة لم يعد المرء فيعا ينتج أفكاره الخاصة، وبالمقارنة مع تطور العنصر البشري، لم يعد للإنسان أي تفكير خاص، بل يستهلك فقط ما يُعرض أمامه. لا يوجد التخيل الذاتي إذن إلا كتخيل مكتسب وكصور مقتبسة من الخيالات المقترحة.

ويختتم حديثه، فيقول:

تكمن نتيجة فقدان الخيال بسبب إمكانيات مشاهدة الصور في ارتفاع الملل. فعندما لا يُمارس النشاط العقلي الداخلي الذاتي / الخاص ويُعوض بما يُقدم للمرء من صور، فإن المرء يكون في حاجة إلى مؤثرات وتنشيط خارجية، لتجاوز الموت والملل.

الزمن عند تاركوفسكي

يُعد أندري تاركوفسكي (1932-1986) عند كثير من منظرين ونقاد السينما كأحد أهم وأعظم مخرجي الأفلام في القرن العشرين. بل يعتبره العديد بأنه الأعظم على الإطلاق، ومن هؤلاء مخرجين كبار من ذات الحقبة مثل المخرج السويدي الشهير (إنغمار بيرغمان). أخرج (تاركوفسكي) تسعة أفلام: فيلمان قصيران، وسبعة أفلام روائية من عام 1959 إلى عام 1986، كما أخرج مسرحية (هاملت) لـ(شكسبير) على مسرح موسكو، وأوبرا (بوريس جورونوف) في لندن قبيل وفاته بمرض السرطان في باريس. صدر له كتاب (النحت في الزمن) قبيل وفاته، واختيار الاسم إن دل فإنما يدل على حسِّ شعري لدى (تاركوفسكي). كيف لا وهو الذي درس الشعر بلغاتٍ مختلفة، منها العربية التي اهتم بها وبأدبها بالإضافة إلى كون أبيه (أرسيني تاركوفسكي) أديب من الأدباء الروس البارزين ومن أهم مترجمي الشعر في وقته.

تحدث (تاركوفسكي) في كتابه (النحت في الزمن)، فابتدأ حديثه قائلًا:

للمرة الأولى في تاريخ الفنون، في تاريخ الثقافة، وجد الإنسان وسيلة للإمساك بالزمن وطبعه. وعلى نحو متزامن، إمكانية نسخ ذلك الزمن على الشاشة قدر ما يشاء المرء. أن يكرره ويعود إليه مرة أخرى. لقد اكتسب الإنسان منبتًا للزمن الفعلي. بعد رؤية الزمن وتسجيله، صار بالإمكان الاحتفاظ به في علب معدنية لفترة طويلة ( إلى الأبد. . نظريا ).

لكن سرعان ما انحرفت السينما عن الفن وانعطفت شاقة طريقها في المسار الذي كان أكثر أمانا من وجهة نظر المصلحة والربح الماديين. في غضون العقدين التاليين، تم نقل عالم الأدب كله تقريبا إلى الشاشة، إضافة الى العدد الهائل من الحبكات المسرحية. لقد استغلت السينما لأجل غاية صريحة ومغرية، وهي تدوين الأداء المسرحي. لقد اتخذ الفيلم اتجاها خاطئا، وعلينا أن نقبل بواقع أن النتائج المشؤومة لتلك الخطوة لا تزال حاضرة. والأسوأ من هذا ليس، في رأيي، اختزال السينما إلى مجرد صورة إيضاحية، بل الأسوأ بكثير كان الإخفاق فنياً في استثمار إحدى الإمكانيات الثمينة للسينما: إمكانية طبع فعلية الزمن على الشريط السينمائي.

الزمن، المطبوع في أشكاله وتجلياته الواقعية: تلك هي الفكرة الأسمى للسينما بوصفها فنا، والتي تقودنا إلى التفكير في ثراء الموارد في الفيلم. 
لم يذهب الناس إلى السينما ؟ ما الذي يأخذهم إلى مكان مظلم حيث، لمدة ساعتين، يشاهدون تلاعب الظلال على القماش ؟ هل هو بحث عن التسلية والترفيه ؟ الحاجة إلى نوع من المخدر؟ في العالم كله هناك، بالفعل، هيئات ومنظمات للترفيه تستثمر السينما والتلفزيون وغيرهما من أشكال العرض. لكن نقطة انطلاقتنا لا ينبغي أن تكون هناك بل في المبادئ الأساسية للسينما، والتي لها علاقة بالحاجة الإنسانية لمعرفة وفهم العالم. أظن أن الشئ الذي لأجله يذهب الفرد عادة إلى السينما هو الزمن: الزمن الضائع أو المبدد. الفرد يرتاد السينما ليرى تجربه حية، ذلك لأن السينما، بخلاف أي فن آخر، توسع وتعزز وتكثف تجربة الفرد. لا تعززها فحسب بل تمددها أيضا. في هذا تكمن قوة السينما. لا النجوم ولا الحبكات القصصية ولا عنصر الترفيه له علاقة بهذه القوة.

ثم يتساءل بعد ذلك عن طبيعة عمل المخرج، وعلاقته بالزمن، فيقول:

ما هو أساس عمل المخرج؟ نستطيع أن نحدد هذا العمل باعتباره نحتاً في الزمن. مثلما يأخذ النحات كتلة من الرخام ويزيل كل ما هو ليس جزءا منه، واعيا لأشكال عمله المنجز، كذلك يفعل صانع الفيلم. من “كتلة الزمن” المتشكلة من مجموعة صلبة، متينة، وضخمة من الوقائع الحية، هو يقطع ويرمي كل ما لا يحتاجه، محتفظا فقط بما ينبغي أن يكون عنصرا للفيلم المنجز، وبما سوف يثبت أنه متمم للصورة السينمائية.

قيل بأن السينما فن مركب، مبني على تشابك عدد من الأشكال الفنية المتجاورة: الدراما، النثر، التمثيل، الرسم، الموسيقى. في الواقع، إن تشابك أو اتصال هذه الأشكال الفنية يمكن، كما ثبت في النهاية، أن يسئ على نحو خطير إلى السينما بحيث يحيلها إلى أشياء مختلطة ببعضها أو – في أفضل الأحوال – إلى مجرد مظهر خارجي فيه تتناسق الأجزاء لكن لا يمكن العثور فيه على لب السينما، لأن في تلك الحالات بالذات يكف ذلك اللب عن الوجود. ولا بد من التوضيح هنا، نهائيا وعلى نحو حاسم، بأن السينما – إذا كانت فناً- لا يمكن ببساطة أن تكون مزيجا من مبادئ أو عناصر أشكال فنية مجاورة أخرى. بفعل ذلك فقط نستطيع أن نتجه إلى قضية طبيعة الفيلم المركبة. إن التشكيلة المتجانسة من الفكرة الأدبية والصيغة التشكيلية سوف لن تشكل صورة سينمائية. يمكن فقط أن تنتج هجينا عقيما أو مدعيا.
كذلك لا يجب استبدال قوانين الحركة ونظام الزمن في الفيلم بقوانين الزمن في المسرح. الزمن في صيغة الواقعة: مرة أخرى أعود الى هذا الموضوع. إني أرى في عرض الأحداث وفقا للتسلسل الزمني هو الذي يشكل السينما. . ليس في طريقة تصوير الفيلم بل في إعادة بناء الحياة ، إعادة خلقها.

هكذا أفهم الجزء المثالي من تصوير الفيلم: المبدع يلتقط ملايين الأمتار من الفيلم، والذي عليه يمكن متابعة وتسجيل حياة إنسان، على سبيل المثال، منذ ولادته وحتى وفاته، وذلك على نحو نظامي، يوما بعد يوم، عاما بعد عام. ومن كل ذلك يمكن الحصول على 2500 متر، أو تسعين دقيقة من الزمن السينمائي.. (من المثير للفضول أن نتخيل تلك الملايين من الأمتار وهي تمر بين أيدي عدد من المخرجين ليحقق كل منهم فيلمه الخاص. . كم سيكون مختلفا كل عمل عن الآخر).

يختتم حديثه في هذا الموضوع، فيقول:

الصورة السينمائية، إذن، هي أساسا رصد لوقائع الحياة داخل الزمن، وهي منظمة وفقا لنمط الحياة نفسها، وراصدة لقوانين الزمن فيها. الرصد هو انتقائي: نحن نترك على الفيلم فقط ما هو مبرر بوصفه مكملا للصورة. وهذا لا يعني أن الصورة السينمائية يمكن أن تكون منقسمة ومجزأة ضد طبيعتها الزمنية، فالزمن الجاري لا يمكن أن يكون منزوعا عنها. والصورة تصبح سينمائية على نحو حقيقي ليس فقط عندما تعيش ضمن الزمن، لكن أيضا عندما يعيش الزمن داخلها. . بل حتى ضمن كل كادر منفصل.

هل انتهى عصر الأسطورة ؟

في مقدمة الترجمة العربية من كتاب (من وجهة نظر منطقية) للفيلسوف الأمريكي (ويلارد فان أورمان كوين)، والتي قدّمها للقراء العرب الأستاذ (حيدر حاج إسماعيل)، تساءل المترجم:هل انتهى عصر الأسطورة؟ وتحديدًا، هل انقضى ذلك العصر بولادة العلم؟”. ثم أجاب في مقدمته قائلًا:

أحد الأجوبة نقع عليه عند (جورج لاكوف) وزميله (مارك جونسن)، فهذان الباحثان يريان أن النظرة الموضوعية إلى الحياة والكون والعلم أبرز أمثلتها ونقيضها، النظرة الذاتية، إن هما إلا أسطورتين. ويوضحان بأنهما لا يستخدمان مصطلح أسطورة بأي معنى استخفافي، “فالأساطير توفر طرقًا لفهم التجربة، وهي تسبغ نظامًا على حياتنا”. ثم يعددان بنود النظرة الموضوعية بما يلي:

1. في النظرة الموضوعية يبدو العالم مكونًا من أشياء، وهذه الأشياء لها صفات مستقلة عن كل من يختبرها من بشر وغير بشر.

2. معرفتنا بالعالم تكون باختبارنا أشياءه وصفاته.

3. فهمنا أشياء العالم تتم بواسطة مقولات وتصورات، وهذه تطابق صفات الأشياء وعلاقاتها.

4. هناك واقع موضوعي. ونحن نستطيع أن نقول كلامًا صادقًا أو كاذبًا وبصورة موضوعية عنه.

5. الكلمات لها معانٍ ثابتة.

6. يستطيع البشر أن يكونوا موضوعيين ويتكلموا بموضوعية إذا استخدموا لغة واضحة ومحددة.

7. يجب تجنب الاستعارة وأنواع اللغة الشعرية والخيالية والخطابية والمجازية عندما نتكلم بموضوعية.

8. حدها المعرفة الموضوعية تؤلف المعرفة.

9. أن تكون موضوعيًا معناه أن تكون عقلانيًا. وعكس ذلك أن تكون ذاتيًا فتكون لا عقلانيًا وتخضع للعواطف.

10. النظرة الذاتية يمكن أن تكون خطرة، إذ إنها قد تقود إلى الانفصال عن الواقع. وهي نظرة غير منصفة لأنها شخصية وتبالغ في قيمة الفرد.

أما مكونات أسطورة النظرة الذاتية فهي:

1. الاعتماد على الحواس والحدس في معظم النشاطات العملية اليومية.
2. اعتبار المشاعر، والحساسيات الجمالية، والممارسات الأخلاقية، والوعي الروحي، أهم الأشياء في حياتنا.
3. كلا الفن والشعر يتجاوزان العقلانية والموضوعية ويضعاننا على تماسّ بواقع مشاعرنا وحدسنا التي هي الأهم. ونحن نحصل على هذا الوعي بواسطة الخيال وليس العقل.
4. إن لغة الخيال ولاسيما الاستعارة، ضرورية للتعبير عن أكثر نواحي خبرتنا أهمية من الوجهة الشخصية.
5. الموضوعية يمكن أن تكون خطيرة، لأنها تفقد ما هو أهم وأكثر مغزى للأفراد. والموضوعية ليست منصفة لأنها تتجاهل أهم مناطق خبرتنا لمصلحة ما هو مجرد، وشامل، ولا شخصي . والموضوعية، وللأسباب نفسها، يمكن أن تكون غير إنسانية، والعلم لا فائدة منه عندما يتعلق الأمر بأهم الأمور في حياتنا.

ويكمل حديثه بعد ذلك قائلًا:

وتجب الإشارة إلى أن الكاتبين قالا ما قالاه وهما في سياق شرح وجهة نظرهما الاستعارية التي بحسبها يكون نظام تصوراتنا ذاته مؤلفًا من استعارات، وليست الاستعارات صفة اللغة فحسب. ويعتبران وجهة النظر هذه الخيار الثالث الذي يشكل مخرجًا أو حلاً.

نقطة أخيرة لابد من ذكرها وهي أن الباحثين يعتبران الأساطير مثل الاستعارات، ضرورية لإنشاء معنى لما يجري حولنا. وأن البشر لايمكنهم العلم من دون الأساطير كما لا يمكنهم العمل بلا الاستعارة“.

من مفهوم الـ “أنا” عند جوديث بتلر

judith-butler-foto-540x304

جوديث بتلر (مواليد 1956)، هي فيلسوفة أمريكية، لها إسهامات في مجالات الفلسفة النسوية، الفلسفة السياسية، والأخلاق. وهي أستاذ في قسم الأدب المقارن والبلاغة في جامعة كاليفورنيا – بركلي. حصلت بتلر على دكتوراة الفلسفة من جامعة يال عام 1984، وكان لها إسهامات في تأثيرات ما بعد البنوية في النظرية النسوية الغربية حول تحديد ماهية “المصطلحات الافتراضية” للنسوية. في كتابها الشهير (الذات تصف نفسها) تقول:

أحاول أن أبدأ قصة عن نفسي، أبدأها من مكان ما وأحدد الزمن في محاولة للشروع في متتالية أقدم بها روابط سببية  أو بنية سردية في الأقل. أسرد، وأقيد نفسي في أثناء السرد، أصف نفسي، أقدم وصفي إلى آخر على شكل قصة يمكن لها أن تلخص كيف ولماذا أنا ما أنا عليه أيضًا.
لكن جهدي في تلخيص الذات يخفق، وهو يخفق بالضرورة، لأن ال”أنا” التي أقدمها منذ السطر الأول بوصفها صوتًا سرديًا تعجز عن تقديم وصف للكيفية التي أصبحت بها “ أنا “ يمكن أن تروي نفسها أو تروي هذه القصة على وجه خاص. وبينما أنا أصنع تتابعًا وأربط حدثًا بآخر، مقدمة حوافز تنير المسار، مستجلبة النماذج المتواترة، مؤشرة إلى بعض الأحداث أو لحظات الإدراك بوصفها ذات أهمية محورية ، بل ومحددة نماذج متكررة معينة أعدها أساسية، لا أعمل بذلك على توصيل شيء عن الماضي، بالرغم من أن ذلك جزء مما أفعل دون شك.أنا أعيد تمثيل الذات التي أحاول وصفها؛ هناك إعادة تكوّن لل “ أنا “ السردية في كل لحظة يستحضرها السرد نفسه. أي أنني، بكلمات أخرى، أستخدم تلك ال “أنا “ – أتوسع في تقديمها وأقيم علاقة بينها وبين جمهور واقعي أو متخيل – استخدامًا يختلف عن رواية قصة عنها، بالرغم من أن الرواية تبقى جزدًا مما أفعل. أيّ أجزاء “ الرواية” يقوم بمهمة التأثير على الآخر وإنتاج ال “ أنا من جديد؟.

ثم تكمل حديثها قائلة:

كما أن فعلاً تمثيليًا وخطابيًا تؤديه هذه الـ”أنا“، فإن هنالك حدًا لما تستطيع الـ”أنا” المباشرة بسرده. هذه الـ”أنا” مقولة وملفوظ بها، وبالرغم مما يبدو من أنها تمثل الأرضية الثابتة للسرد، فهي أشد اللحظات بعدًا عن الأرض الثابتة في السرد. أما القصة التي لا تستطيع الـ”أنا” روايتها فهي قصة نشوئها بوصفها أنا لا تتكلم حسب بل تتقدم بوصف لذاتها. بهذا المعنى يتواصل سرد القصة، لكن الـ”أنا” التي تروي القصة والتي يمكن أن تظهر فيها بوصفها الراوي بضمير المتكلم، تمثل نقطة عتمة تقطع التتابع، وتتسبب في انقطاع أو انفجار في وسط القصة لما يتعذر على السرد استيعابه. لذلك فقصة ذاتي التي أرويها، القصة التي تقدم الـ”أنا” التي هي أنا على الواجهة، وتدرجها في تتابع مناسب لشيء يسمى حياتي، تخفق في تقديم وصف لنفسي في لحظة تقديمي لها. في الواقع ماهو موجود يقدمني بوصفي شخصًا لا وجود أو إمكانية لتقديم وصف له. أنا أقدم وصفًا لذاتي، ولكني أحار في الوصف عندما يتعلق الأمر بتشكل الـ”أنا” المتكلمة القادرة على سرد نفسها. كلما زاد ما أرويه تعزز الدليل على تضاؤل قدرتي على الوصف. إن الـ”أنا” تدمر قصتها الخاصة، على الضد من كل نواياها.

لا تستطيع الـ”أنا” أن تقدم وصفًا نهائيًا وكافيًا لذاتها لأنها لا تستطيع أن تعود إلى مشهد المخاطبة الذي أطلقها، وهي لا تستطيع أن تروي كل الأبعاد البلاغية لبنية المخاطبة الذي يحدث الوصف نفسه في نطاقها. لا يمكن أن ترد هذه الأبعاد البلاغية لمشهد المخاطبة إلى سرد. وهو أمر يتضح في سياق التحويل، أو بالأحرى في نموذج التواصل الذي يوفره التحويل، فهنا يكون المرء متلقيًا للكلام بين حين وآخر، كما أنه يتكلم، وهو مايتم على شكل مخاطبة مباشرة أو غير مباشرة على الدوام.

نيتشه يضع وصفته للروائي الجيد

نيتشه

فريدريش فيلهيلم نيتشه (1844-1900) فيلسوف وشاعر ألماني. كان من أبرز الممهّدين لعلم النفس وكان عالم لغويات متميزاً. كتب نصوصاً وكتباً نقدية حول المبادئ الأخلاقية والنفعية والفلسفة المعاصرة المادية منها والمثالية الألمانية. وكتب عن الرومانسية الألمانية والحداثة أيضاً. عموماً بلغة ألمانية بارعة. يُعدّ من بين الفلاسفة الأكثر شيوعاً وتداولاً بين القراء. في كتابه (إنساني مفرط في إنسانيته)، كتب وصفة للروائيين لكي يكونوا جيدين فيما يكتبون. يقول فيها:

الوصفة كي تصبح روائيًا جيدًا … من السهل قولها ، ولكن شق غمارها يستلزم مزايا يعتاد المرء على التقليل من شأنها حين يقول: “لا أملك موهبة كافية”. كل ما على المرء فعله هو وضع مئة مخطط تقريبًا للروايات، من دون أن تكون أطول من صفحتين ولكن ينبغي أن تكون دقيقة إلى درجة أن تكون كل كلمة فيها ضرورية ؛ وينبغي على المرء تدوين ملاحظاتٍ يوميًا إلى أن يتوصل إلى معرفة كيفية إعطائها الصيغة الأشد إثمارًا وفعالية؛ ولابد أن يكون المرء جادًا بلا كلل في جمع وتوصيف الأنماط والشخصيات البشرية؛
وعلى المرء، قبل أي شيء آخر أن يروي أمورًا للآخرين وينصت إلى آخرين يروون، مبقيًا عينيه وأذنيه مشرعة على الأثر الذي تتركه تلك التفاصيل على الحاضرين؛ وعلى المرء أن يسافر مثل رسام المناظر الطبيعية ومصمم الأزياء … ويجب على المرء أخيرًا ، تأمل دوافع الأفعال البشرية، وأن لا يترفع عن أي تفصيل بشأنها، وأن يكون جامعًا لتلك الأشياء ليلاً نهارًا. ولابد أن يتابع المرء هذا التمرين متعدد الجوانب قرابة عشر سنوات؛ وما سيتم إبداعه في تلك الورشة حينئذٍ … سيكون ملائمًا لإخراجه إلى العالم.

عن السياسة عند نعوم تشومسكي

تشومسكي

نعوم تشومسكي (مواليد 1928) هو أستاذ لسانيات أمريكي، وفيلسوف وعالم بالإدراك والمنطق، ومؤرخ وناقد وناشط سياسي.

في مقابلة مع (نعوم تشومسكي) سألت اللسانية الفرنسية (ميتسو رونا) قائلة: “للمفارقة ، تبدو كتاباتك السياسية وتحليلاتك للأيديولوجيا الإمبرالية الأمريكية معروفة في فرنسا تمامًا كما في الولايات المتحدة، أكثر من منهجك الذي صنعته : النحو التوليدي. هذا يطرح سؤالاً: هل تعتقد أن هناك رابطًا بين نشاطاتك العلمية – دراسة اللغة – ونشاطاتك السياسية؟ في مناهج التحليل على سبيل المثال؟”

فكان جواب (تشومسكي) على ذلك:

إن كان هناك رابط، فهو بالأحرى على المستوى المجرَّد. أنا لا أملك مدخلاً لأي مناهج تحليل غير اعتيادية، والمعرفة الخاصة التي لدي والتي تتعلق باللغة ليس لها علاقة مباشرة بالموضوعات السياسية والاجتماعية. كل شيء كتبته عن هذه الموضوعات كان من الممكن أن يكتبه شخص آخر. لا توجد أي صلة مباشرة بين نشاطاتي السياسية، الكتابة وخلافه، والعمل المتعلق ببنية اللغة، على الرغم من أنهما بمعيار ما ربما مستخرجان من افتراضات شائعة محددة ومواقف متعلقة بالجوانب الأساسية من الطبيعة البشرية. التحليل النقدي في الساحل الأيدولوجية يبدو لي مسألة مستقيمة جدًا بالمقارنة مع المقاربة التي تتطلب مستوى من التجريد المفهومي. بالنسبة إلى تحليل الأيدولوجيا الذي يسيطر عليّ كثيرًا، يكفي بشكل عام أن يكون لديك القليل من انفتاح العقل، والذكاء العادي والتشكك الصحي.

على سبيل المثال خذ السؤال عن دور النخبة في مجتمع مثل مجتمعنا؛ هذه الطبقة الاجتماعية التي تضم المؤرخين والدارسين، الصحفيين، المعلقين السياسيين… إلخ، تأخذ على عاتقها تحليل صورة ما للواقع الاجتماعي وتقديمها. وهم بسبب تحليلاتهم وتفسيراتهم، يعملون وسطاء بين الحقائق الاجتماعية ومجموع البشر: إنهم يخلقون تبريرًا إيدولوجيًا للممارسة الاجتماعية. انظر إلى عمل المتخصصين في الشؤون المعاصرة وقارن تفسيرهم للأحداث، قارن ما يقولونه بعالم الحقيقة. ستجد عادة تشعبًا نسقيًا كبيرًا. بالتالي يمكنك أن تخطو خطوة أخرى وتحاول أن تفسر هذه التشعبات، واضعًا، في الاعتبار الموقف الطبقي للنخبة.

إن لمثل هذه هذا التحليل بعض الأهمية على ما أعتقد، ولكن المهمة ليست صعبة جدًا، والمشكلات التي تثار لا يبدو لي أنها تطرح الكثير من التحدي الفكري. بقليل من الدراسة والمتابعة، يمكن لأي أحد يرغب في تحرير نفسه من نسق الايدولوجيا المشتركة والبروباجندا أن يكون مستعدا فعليًا لأن يرى أحوال التشوه التي تطورها القطاعات المهيمنة من النخبة. كل الناس قادرين على فعل ذلك. إن كان هذا التحليل يمضي بشكل محدود، فهذا بسبب – وهو سبب شائع – أن التحليل الاجتماعي والسياسي أُنتج ليدافع عن المصالح الخاصة أكثر منه ليسرد الأحداث الحقيقية. بالضبط بسبب هذا الميل ، على المرء أن يحذر من الانطباع الذي يقول إن المثقفين المؤهلين بتدريب خاص هم وحدهم القادرون على مثل هذا العمل التحليلي، هذا الشيء خاطئ في كل الأحوال. في الحقيقة هذا ما تريد النخبة منا أن نظنه غالباً: إنهم يتظاهرون بأنهم في مجتمع غامض لا يمكن ان يدخله الناس البسطاء. ولكن هذه العلوم الاجتماعية بشكل عام ،وتحليل الشؤون المعاصرة بشكل خاص، يمكن أن تكون مفهومة لأي أحد يود أن يهتم بهذه المسائل. التعقيد والعمق والغموض المزعومين لهذه الاسئلة هي جزء من الوهم الذي يشيعه نسق التحكم الايدولوجي، الذي يستهدف جعل هذه الموضوعات تبدو بعيدة عن عموم الجماهير، وأن يقنعهم بعدم قدرتهم على تنظيم شؤونهم الخاصة أو فهم العالم الاجتماعي الذي يعيشون فيه دون معلمين ووسط. لهذا السبب وحده على المرء أن يكون حريصا على ألا يربط تحليل المسائل الاجتماعية بالموضوعات العلمية التي بدورها تتطلب تدريباً خاصاً ومعرفة بالتقنيات، وبهذا الإطار الفكري المرجعي الخاص ، قبل أن يتم العمل عليها بشكل جدي.

في تحليل المسائل الاجتماعية والسياسية يكفي أن تواجه الحقائق وأن تكون مستعداً لأن تتبع المسار العقلي للجدل. أنت تحتاج فقط الى الحس المشترك الديكارتي الموزع بتساوٍي… إن كان الأمر كذلك يمكنك أن تفهم الرغبة في النظر إلى الحقائق بذهن مفتوح ، وأن تضع افتراضات بسيطة تحت الاختبار، وأن تُتبع الحجج إلى نتائجها. ولكن وراء ذلك لا يتطلب الأمر معرفة سرية خاصة لاستكشاف هذه الأعماق غير الموجودة.

الماضي والزمن عند باشلار

bachelard.gaston

يعدّ غاستون باشلار (1884 – 1962) واحداً من أهم الفلاسفة الفرنسيين، وهناك من يقول أنه أعظم فيلسوف ظاهري، وربما أكثرهم عصرية أيضاً. فقد كرّس جزءاً كبيراً من حياته وعمله لفلسفة العلوم، وقدّمَ أفكاراً متميزة في مجال الابستمولوجيا حيث تمثل مفاهيمه في العقبة المعرفية والقطيعة المعرفية والجدلية المعرفية والتاريخ التراجعي، مساهمات لا يمكن تجاوزها بل تركت آثارها واضحة في فلسفة معاصريه ومن جاء بعده. في كتابه (جدلية الزمن)، تحدث عن الماضي والزمن، فقال:

إن الذكرى لا تُعلَّم دون استناد جدلي إلى الحاضر. فلا يمكن إحياء الماضي إلا بتقييده بموضوعة شعورية حاضرة بالضرورة. بكلام آخر، حتى نشعر أننا عشنا زمنًا – وهو شعور غامض دائمًا بشكل خاص – لابد لنا من معاودة وضع ذكرياتنا، شيمة الأحداث الفعلية، في وسط من الأمل أو القلق، في تماوج جدلي. فلا ذكريات بدون هذا الزلزال الزمني، بدون هذا الشعور الحيوي. حتى هذا الماضي الذي نعتقده ممتلئًا، فإن الذكر، السرد، المساررة، تعيد وضع الفراغ في الأزمنة غير الفاعلة ؛ إننا حين نتذكر، بلا انقطاع، إنما نخلط الزمان غير المجدي وغير الفعّال بالزمان الذي أفاد وأعطى. ولا تكون جدلية السعادة والتعاسة مستحوذة إلى هذا الحد إلا عندما تكون متوافقة مع الجدلية الزمانية. عندئذ نعلم أن الزمان هو الذي يأخذ ويعطي. وفجأة نعي أن الزمان سيأخذ أيضًا. إن معاودة عيش الزمان الغابر معناه تعلمنا قلق الموت.

وبطريقة ألطف، يضعنا الأسف على مناسبات وفرص ضائعة أمام ثنائيات زمانية فعندما نرغب في التعبير عن ماضينا، وفي إعلام الآخر بشخصنا، إنما يستحوذ الحنين إلى الأيام التي لم نستطع أن نعيشها، على عقلنا التاريخي ويهزه في العمق. ولربما سنرغب في راوية سلسلة متواصلة من أفعالنا وحياتنا. لكن نفسنا لم تحتفظ بالذكرى المخلصة لعمرنا ولا بالمقياس الصحيح للسفر الطويل على مدى السنوات ؛ فهي لم تحتفظ إلا بذكرى الحوادث التي أنشأتنا وخلقتنا في اللحظات الحاسمة من ماضينا. وفي سريرتنا، تنخفض جميع الحوادث إلى جذرها في لحظة. إذًا تاريخنا الشخصي ليس سوى رواية أفعالنا وأعمالنا المفككة، وإننا حين نرويها، إنما نرويها زاعمين أننا نمنحها تواصلها بالمبررات العقلية لا بالزمان. وبالتالي، سنبين أن الذاكرة لا تقدم لنا النسق الزمني مباشرة ؛ فهي بحاجة إلى أن تتقوى بعناصر انتظام أخرى. فلا يجوز لنا أن نخلط بين ذكرى ماضينا وذكرى زماننا.

ستيوارت ميل، في حديث عن المُتع الدنيا والعليا

جون ستيوارت مل (1806-1873) هو فيلسوف واقتصادي بريطاني. في كتابه الشهير (النفعية)، والذي يُعد أساسًا لفهم النظرية الأخلاقية المعاصرة، تحدث عن الكائن الحي، والمتعة، فيقول:

لا نزاع حول الحقيقة المفيدة أن الكائن الذي قدرات تمتعه منخفضة، له الحظ الأعظم بتحقيقها وإشباعها بشكل كامل. والكائن ذو القدرات العالية سيشعر، وبشكل دائم، بأن أي سعادة يتمكن من طلبها هي ناقصة، كما هو تركيب العالم. غير أنه غير قادر على أن يتعلم وأن يتحمل عيوبه وشوائبه، إذا أمكن تحملها، وهي لن تجعله يحسد الكائن الذي ليس واعيًا بالعيوب والشوائب، فالأفضل أن يكون إنسانًا مستاءً وغير راض لا خنزيرًا راضيًا. الأفضل أن يكون سقراط المستاء ولا يكون مغفلاً راضيًا. وإذا كان للمغفل أو الخنزير رأي مختلف، فمرد ذلك أنهما لا يعرفان سوى ناحيتهم من المسألة. أما الطرف الآخر فهو، بالمقارنة معهم، يعرف الناحيتين.

وقد يُعترض بالقول، إن كثيرين قادرين على اللذات العليا وقد يؤجلونها أحيانًا من أجل الدنيا. غير أن هذا يتسق مع تقدير كامل للعلو الحقيقي للذات العليا. وغالبًا مايختار الناس، لعيب في الشخصية، الخير القريب، بالرغم من معرفتهم أنه الأقل قيمة. وهذا لا يحصل عندما يكون الخيار بين لذتي جسديتين بأقل مما يحصل عند الخيار بين لذة جسدية ولذة عقلية. فهم يسعون وراء الانغماسات الحسية لحد الأذية بصحتهم، مع وعيهم الكامل بأن الصحة هي الخير الأعظم.

ويكمل بعد ذلك فيقول:

وقد يُعترض باعتراض إضافي بالقول، إن الكثيرين الذين يبدأون بحماس شبابي لكل شيء نبيل، يغرقون مع تقدم الزمن في الكسل والأنانية. غير أني لا أظن أن أولائك الذين يمرون بذلك التغيير العام يختارون طوعيًا الوصف الأدنى للذات بدلاً من الوصف الأعلى لها. وأعتقد أنهم قبلوا تكريس أنفسهم، حصريًا، لإحداهما، ذلك أنهم صاروا عاجزين عن الآخر. فالقدرة على المشاعر النبيلة هي عند معظم الطبيعيات كنبته سريعة العطب، وقتلها سهل، ولا يكون ذلك مقتصرًا على المؤثرات المعادية، وإنما للحاجة إلى التغذية والإعالة وهي تموت بسرعة عند أكثرية الشبان، إذا كانت الوظائف التي وضعهم فيها مركزهم في الحياة، والمجتمع الذين رموا فيه غير صالحين للحفاظ على تلك القدرة العليا على التمرين. فالبشر يفقدون مطامحهم العليا حالما يفقدون ميولهم الفكرية، لعدم وجود وقت أو فرصة لديهم للانغماس فيها، ويكرسون نفوسهم للذات الدنيا، ولا يكون ذلك لأنهم يفضلونها عن قصد، وإنما لأنها تكون الوحيدة المتاحة لهم، أو لأنها الوحيدة التي لم يبق لهم سواها ليتمتعوا بها.

الفلسفة بوصفها نشاطًا يمارسه البشر أجمعون

philosophy

في كتابه (الفلسفة أنواعها ومشكلاتها)، والذي ترجمه د. (فؤاد زكريا) إلى اللغة العربية، تطرّق (هنتر ميد) في حديثه عن الفلسفة إلى كون الفلسفة نشاط يشترك فيه البشر أجمعين، سواء كانت تلك المشاركة عن وعي أو بدون وعي. يقول:

قد يختلف الأفراد في درجة المعقولية التي يبحثون عنها وسط التجارب اليومية المختلطة، ولكن لابد لكل منا ، لكي يجد الحياة محتملة، من أن يكشف نظامًا وأحكامًا ما في المادة الخام التي تتدفق إلى وعينا ساعة بعد ساعة أثناء مضي حياتنا . فكلنا – حتى أقلنا ثقافة أو أكثرنا سذاجة- نقوم بالضرورة بجهد لا ينقطع من أجل الاهتداء إلى معنى من وراء الافتقار الظاهر إلى المعنى، ومن أجل كشف وحدة تحت التنوع السطحي، ومن أجل فرض قدر معين من النظام على الفوضى البادية لتجربتنا الشخصية. وهذا الهدف الأخير هو أهم هذه الأهداف جميعًا. وربما كان قدر كبير من هذه الجهود غير واعٍ أو غير واضح المعالم، غير أنه لا مفر لنا من بذلها. فبغض النظر عن عمرنا أو مهنتنا، تعليمنا، أو المدينة التي نعيش فيها، فإن هذا الجهد يمثل الحد الأدنى من النشاط العقلي على المستوى الإنساني للوجود .

وهذا بعينه هو ما يفعله الفيلسوف بدوره. فإذا كانت الفلسفة – كما يعتقد الكثيرون – تمثل الحد الأقصى من النشاط العقلي، فمن الواجب أن نستنتج أن الحد الأدنى الذي لا مفر منه، وكذلك الحد الأقصى للفكر البشري يتعلقان معًا بمهنة واحدة هي كشف النظام والمعنى في تجربتنا التي تنساب من لحظة إلى أخرى. أما الفارق الأساسي بين هذين المستويين العقليين، فالفيلسوف يزاول عن وعي نشاطًا يشغل وقته بأكمله، في حين أن معظم الأذهان تزاول عن غير وعي نشاطًا متقطعًا. غير أنهما معًا يسيران في طريق واحد. ومن الطبيعي أن يقطع المسافر المتفرغ للسفر شوطًا أبعد، ويرى خلال الطريق أمورًا أكثر بكثير، ولكن لا مفر للاثنين معًا من أن يكونا رفيقي طريق. وسواء شئنا أم أم لم نشأ، فلا بد لنا جميعا، بوصفنا بشرًا، من أن نسير على نفس الدرب. أما إلى أي مدى نذهب، وما مقدار ما نهتدي إليه أثناء سيرنا، فهذا أمر يتوقف على ذكائنا، ومزاجنا، وتعليمنا، ومع ذلك، فليس لنا مفر من القيام برحلة ما.

الخداع النفسي والإيمان عند جان بول سارتر

سارتر

جان-بول سارتر (1905 – 1980) هو فيلسوف، روائي، كاتب مسرحي، كاتب سيناريو، ناقد أدبي، وناشط سياسي فرنسي. بدأ حياته العملية استاذاً. درس الفلسفة في ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية. حين إحتلت ألمانيا النازية فرنسا، إنخرط سارتر في صفوف المقاومة الفرنسية السرية. عرف سارتر واشتهر لكونه كاتب غزير الإنتاج ولأعماله الأدبية وفلسفته المسماة بالوجودية ويأتي في المقام الثاني إلتحاقه السياسى باليسار المتطرف. في كتابه الشهير، (الكينونة والعدم)، تحدث (سارتر) عن  الخداع النفسي، وعن علاقته بالإيمان، يقول:

المشكلة الحقيقية للخداع النفسي تنتج بوضوح من كون الخداع النفسي إيمانًا، فلا يمكنه أن يكون كذبًا وقحًا، ولا بديهة إذا كانت البديهة امتلاكًا حدسيًا للموضوع . وإذا أطلقنا تسمية اعتقاد على تبنّي الكائن الإنساني لموضوعه عندما يكون هذا الموضوع غير معطى أو معطى بطريقة غامضة، تصبح المشكلة الأساسية للخداع نفسي هي مشكلة اعتقاد.

كيف يمكن للمرء أن يكون المخادع نفسَه بالمفاهيم التي صاغها عن قصد لإقناع نفسه ؟ تجدر الإشارة بالفعل إلى أنه لابد من أن يكون مشروع الخداع النفسي هو ذاته المخادع نفسه ، فأنا لست مخادع نفسه عند نهاية جهودي فحسب ، بل عندما قمت بصياغة مفاهيمي المزدوجة المعنى وأقنعت نفسي . إنني في الحقيقة لم أقنع نفسي : بما إنني أستطيع أن أقتنع بذلك فهذا يعني إنني كنت دائما كذلك . وفي ذات اللحظة التي كنت أعد نفسي فيها كي أكون المخادع نفسه، كان لابد لي من أن أكون المخادع نفسه تجاه هذه الاستعدادات بالذات . ولكانت وقاحة مني لو أني تصورتها تعبيرًا عن خداع نفسي ، ولكان إيمانًا صادقًا مني لو اعتبرتها بريئة بكل صدق .

إن القرار بأن أكون المخادع نفسه، لا يتجرأ على كشف اسمه، إنه يعتقد ولا يعتقد بأنه خداع نفسي . حين يبدأ الخداع النفسي بالظهور ، فإن هذا القرار هو الذي يحدد الموقف المقبل بشكل من الأشكال ، الإيمان في الخداع النفسي ، لأن هذا الأخير لا يحتفظ بقواعد الحقيقة ومقاييسها التي يعتمدها الفكر النقدي في الإيمان الصادق . إن ما يقرره الخداع النفسي قبل كل شيء ، إنما هو بالفعل طبيعة الحقيقة ؛ فمعه تظهر حقيقة، ومنهج في التفكير، ونموذج وجود الموضوعات . وإن عالم الخداع النفسي هذا الذي يحيط به الشخص نفسه فجأة، له خاصية أنطولوجية، وهي أن الكائن لا يكون فيه ماهو عليه، ويكون فيه غير ما هو عليه. وبالنتيجة فإن نموذجًا فريدًا للبديهة يظهر: إنها البديهة غير المقنعة . يدرك الخداع النفسي أمورًا واضحة ، لكنه يكون خاضعًا مسبقًا لعدم استيعابها ، ولعدم الاقتناع بعا ، بحيث يتحول إلى إيمان صادق : إنه يجعل نفسه وضيعًا ومتواضعًا ، ولا يجهل كما يقول أن الإيمان هو قرار ، وأنه ينبغي أن يقرر ماهو موجود ، بعد كل إدراك حدسي ، منذ انبثاق الخداع النفسي في مشروعه الأساسي ، يقرر الطبيعة الحقيقية لمتطلباته ، ويتجسد كليًا في ما يتخذه من قرار بعدم التطلب المفرط ، وباعتبار نفسه راضيًا عندما لا يكون مقتنعًا بشكل كافٍ ، وبإجبار نفسه إراديًا على الالتزام بحقائق غير أكيدة .

هذا المشروع الأساسي للخداع النفسي هو قرار المخادع نفسه يتعلق بطبيعة الإيمان . لنفهم جيدًا أن المقصود ليس قرارًا إراديًا قائمًا على التفكير ، بل تصميمًا تلقائيًا صادرًا عن كينونتنا . يصبح المرء المخادع نفسه كما لو أنه يغفو ويكون المهادع نفسه كما لو أن يحلم . حين تتحقق هذه الطريقة في الوجود ، يصبح الخروج منها صعبًا بمقدار الصعوبة في أن يوقظ المرء نفسه . ذلك أن الخداع النفسي هو كاليقظة والحلم .