أرشيف الكاتب

مفهوم الاستقلالية الفلسفي عند المفكر طه عبدالرحمن

مثلما أن الفلسفة بدأت بالدهشة وبطرح السؤال فكذلك مشروع (طه عبد الرحمن) الداعي إلى الاستقلال والإبداع الفلسفيين للأمة العربية والاسلامية بدأ بسؤال هو الآخر، سؤال طرحه (طه) بعد هزيمة الجيوش العربية 1967 بالشكل التالي: “أي عقل هذا الذي هزمنا ونحن أمة كثيرة بعددها، راسخة في تاريخها؟”[1] مما جعله يترك إلهامه الشعري نحو رسالته التي سيمضي مشواره الأكاديمي الزاخر في تأسيس مبادئها وأسسها ليتبعه جيل من الأكاديميين والمفكرين كتلاميذ وكمكملين لمنهجه المعرفي.

بالنسبة لـ(طه عبد الرحمن) فإن العقل الذي هزم المسلمين لم يكن عقلاً جباراً ولم يكن يحمل في آلياته المعرفية والمنطقية ما يؤهله للانتصار، بل بالعكس فقد كان عقلاً محدوداً وتلك المحدودية ناتجة من كون المنطقيات والعقليات نفسها التي تسيّر نمط تفكيره، والتي تخصص فيها (طه عبد الرحمن) دراسة وتدريساً، محدودة هي الأخرى، وكان بإمكان الأمة الاسلامية أن تقدّم عقلاً أوسع وأكثر انفتاحاً من العقل الذي هزمها لكنها لم تتحمل مسؤوليتها التاريخية والدينية.

فقد ظلت طيلة تاريخها منبهرة بهذا النظام المسمى فلسفة، لذا لم تستطع أن تقدّم فيه إلا تقليداً وتبعيةً سواء قديماً أو حديثاً، وإن كان المتقدمون يُعذرون في كون الفلسفة قد أتتهم على شكل علوم وفكر، وإن كانوا أبدعوا وطوّروا في الأول واكتفوا بالتقليد في الثاني، إلا أن المتأخرين لا يوجد لديهم عذر في الاستمرار بالتقليد والتبعية للغرب، فهذا الانبهار لم يمكنهم من الإبداع فيه بل يكاد يكون قاتلاً للإبداع الفلسفي وآن أوان إحيائه. ولا خيار أمام العرب الآن إلا أن يبدعوا فلسفة خاصة بهم تطرح أسئلتهم الخاصة، وتجيب أجوبتهم الخاصة، لذا فإن ردأ آفتيْ التقليد والتبعية والدعوة إلى الاستقلال والإبداع هما همّ المشروع الطهائي في كل كتبه ودراساته وأهمها مشروعه التأسيسي العظيم: فقه الفلسفة الذي صدر منه حتى الآن جزآن وبقيت منه ثلاثة أخرى.

ويقوم مشروع فقه الفلسفة على مجموعة أفكار أهمها محاولة اكساب العرب القدرة على الإنتاج الفلسفي والمستقل من خلال تجاوز الجمود الذي أصاب النصوص الفلسفية العربية المنقولة والمقلّدة، والتعامل مع القول الفلسفي على أنه قول خطابي موضوعي محكوم بواسطة قوانين معروفة، مثله مثل أي ظاهرة لغوية أخرى وبالتالي فإن المعاملة هنا تتخذ صيغة علمية صريحة، والصيغة العلمية تستدعي وجود علم خاص بالكشف على العلل المختلفة التي أدت إلى ظهور هذه الأغراض الفلسفية أو بتعبير أدق المقاصد الفلسفية، ففقه الفلسفة هو علم يعتمد موضوعه على أدوات وآليات إنتاج الفلسفة قولاً وفعلاً، ومنهجه يعتمد على مناهج ودراسات علوم الآلة من بلاغة ومنطق وحجاج وغيرها.. بالاضافة إلى فقه الفلسفة فإن المشروع الطهوي يرتكز على عدة مقوّمات أخرى منها منهجه التكاملي في الدراسات التراثية ودعوته للإبداع الفلسفي انطلاقاً من المجال التداولي العربي والاسلامي. ولعل كتاباه المعنوان بالحق العربي في الاختلاف الفلسفي[2] والحق الاسلامي في الاختلاف الفكري[2] من أهم ما كتب في مشواره بسبيل خلق فلسفة عربية مبدعة لا مقلّدة ولا تابعة.


الحق العربي في الاختلاف الفلسفي

لكي تستقل أمّة بإجابتها الخاصة ينبغي أن تستقل وتبدع في سؤالها الخاص، فقد كان السؤال اليوناني القديم  سؤالاُ فاحصاُ والسؤال الأوربي الحديث سؤالاً نقدياً وقد آن أوان تجاوز هذين الشكلين بشكل أحدث والذي سمّاه طه عبد الرحمن بـ“السؤال المسؤول” أي “سؤال يسأل عن وضعه كسؤال بقدر ما يسأل عن موضوعه”[2] فالفيلسوف يسأل لأنه مسؤول عن كل أشكال أفعاله ومسؤول عن سؤاله نفسه فالمسؤولية هي التي تجعل من الواجب عليه أن يسأل عن ما يحيط به في الحياة والوجود من مخاطر تحدق به وبأمته، فهو بحسب (طه) يَسأل لأنه يُسأل، وبالتالي فينبغي أن يكون الأصل في الفلسفة هو المسؤولية لا السؤال بذاته، فالأولى تعطيه بعداً أخلاقياً ضرورياً فبنالسبة لطه فلا وجود لتفلسف بدون تخلّق، وتلك من أهم مسلمات مشروعه الفكري.

وما دامت الفلسفة أخلاقاً فلا ينبغي للفيلسوف العربي أن يجيب على كل سؤال يُطرح ولا أن يسأل أي سؤال من أجل التقليد فقط، بل إنه لا يجب عليه أن يسأل إلا السؤال الذي يلزمه وضعه ويلزمه الجواب عنه انطلاقاً من مجاله الثقافي والقومي، من هنا فإن من حق كل قوم أن يتفلسفوا انطلاقا من حاجياتهم ومقتضياتهم الثقافية الخاصة مع الاعتراف لغيرهم بممارسة نفس الحق مما يخلق تنوعاً فلسفياً لا تقليد ولا اتباع فيه لنمط واحد مهيمن، وكل ثقافة تدعو لنمط واحد مهيمن ماهي إلا ثقافة مستبدة أشبه هي بالعقيدة المتسلطة منها بفلسفة حرة، فلا وجود لمطلق في الفلسفة، حتى ولو كان العقل نفسه، فحق الاختلاف الثقافي والاختلاف الفلسفي ينبغي أن يتم الاقرار به لكل الأمم لا ينبغي أن تستأذن فيه أمة أمة أخرى.


دعاوى منع التفلسف

والعرب كأي أمة أخرى لا بد لها أن تسلك طريقها في طلب الاختلاف الفلسفي وأن يكونوا أحراراً في فلسفتهم، فلسفة مختلفة عن الفلسفات المطروحة والمفروضة عليهم، لذا وجب عليهم أن يقاوموا جميع الدعاوي التي تمنعهم من ممارسة حريتهم الفلسفية والطريق في ذلك يبدأ في النظر في تلك الدعاوي ولعل أولها هو القول بكونية الفلسفة وأنها معرفة عقلية تشمل الجميع بأسئلتها وأجوبتها، أفراداً كانوا أو أقواماً.

نقض القول بكونية الفلسفة: يحتمل مفهوم الكونية مدلولان عَبَرَا تاريخ الفلسفة بالتتابع فأولهما هو مدلول “الكلية” وقد ساد خلال الطور الإغريقي ويقول بأن قضايا الفلسفة تصدق على جميع البشر من حيث هي كائنات عاقلة، أي أن الكونية هنا تتخذ صبغة أنطولوجية أو بالتعبير الطهائي ذات صبغة “كيانية”، أما المدلول الثاني الذي ساد في الطور الأوربي الحديث فهو القول بـ“العالمية” أي أن القضايا الفلسفية تعم جميع أقطار الأرض القائمة. ويردّ طه عبد الرحمن على هذه الدعاوي بجملة اعتراضات أهمها ارتباط الفلسفة بالسياق التاريخي الاجتماعي الخاص بأمة ما فلا وجود لفلسفة بدون هذا  السياق الخاص، كما أن أي فلسفة هي مرتبطة بالسياق اللغوي، فبقدر تعدد اللغات كان هناك تعدد في الفلسفات كما أن الاختلاف الأدبي ينتج عنه اختلاف في قضايا الفلسفة فلكل لغة أشكال صرفية ومعاني لغوية وبلاغية لا تتطابق مع بقية لغات العالم وبالتالي فإن المقتضيات البنيوية والدلالية والبيانية ستختلف من فلسفة لأخرى، ثم إن هناك الاختلاف الفكري بين الفلاسفة أنفسهم وأنساقهم الفلسفية وأخيراً التصنيف القومي للفلسفة، فلا يكاد يخلو كتاب يصنف في تاريخ الفلسفة من تصانيف الفلسفات بحسب قوميتها، كالفلسفة الألمانية والفلسفة الانجليزية والفلسفة الفرنسية وغيرها.

فلا وجود إذن لما يقال أنه فلسفة كونية كليانية، فهذا القول باطل على حسب تعبير (طه)، وإذا انتفت صفة الكونية وجبت صفة الجزئية والقومية، فالفلسفة اليونانية كانت فلسفة قومية كما هو تاريخهم وأدبهم وأساطيرهم، وما منع المتقدمين من العرب من التفطن إلى هذه الخاصية هو كونها وصلتهم بسياق علمي مندمج مع كل المعارف من رياضيات وفلك ومنطق وطب وسياسة وغيرها، فما انطبق على هذه العلوم انطبق على الفلسفة نفسها بما هي تفكير نظري.

أما المحدثين من العرب فقد انبهروا بالدعوة الغربية إلى القول بالكونية السياسية للفلسفة وذلك منذ عصر التنوير بمفاهيمه الكبرى العالمية التي لا يرقى إلى كونيتها شك وقد ردّ (طه عبد الرحمن) على هذه الدعوى برد الفلسفة الحديثة إلى أوروبا ثم رد هذه الأخيرة إلى الفلسفة الألمانية ثم القول بأن هذه الأخيرة تم تهويدها من طرف الثقافة اليهودية منذ القرن الثامن عشر وتأثر كبار فلاسفة الألمان بفلاسفة اليهود كما كانوا يقتبسون بعضاً من مفاهيمهم المحورية من التوراة مباشرة وقد تم تسييس هذه الفلسفة اليهودية بما يخدم انتشار فكرة القومية اليهودية وشيئاً فشيئاً بدأ يتشكل فضاء فلسفي يهودي عالمي، يندمج فيه الجميع بما فيه غير اليهودي عن قصد أو عن غير قصد فبدلاً من تهويد الفلسفة الألمانية وحدها تم تهويد الفلسفة بشكل عام.

ولم ينج العرب من الدخول في هذه الدائرة فقد ظلوا يدورون فيها مناقشين نفس مسلماتها ونظرياتها فأصبح يتفلسف بما يخدم عدوه وهو لا يدري بذلك، وأصبح بالتالي يمارس التطبيع عن غير قصد أو وعي، بل أصبح يمارس هذا التطبيع من حيث يريد أن يقاومه، فبدلاً من التيه في الأرض الذي عوقب به اليهود، دخلنا نحن في تيه فكري وفلسفي بحسب طه عبد الرحمن. فلا بد إذن من نهضة فكرية وفلسفية تتيح للعرب وسائل مقاومة تغلغل هذا الفضاء الفلسفي المتهوّد المفروض بواسطة القوة المادية والهيمنة السياسية ويقترح (طه عبد الرحمن) مفهوماً جديداً لمواجهة هذا الفضاء وهو مفهوم: “القومية اليقظة” فهو مفهوم حركي لا متناهي يفرض نفسه بفضل القوة المعنوية والهمة الإنسانية عكس الأول، ويتميز بمجموعة خواص مشتقة منه مثل القيام المنسوب للجماعة التي تتحرك وتعمل لكي ينشأ بين أفراد الجماعة روابط راسخة تحفظ كيان الجماعة والقيام قيام جهادي يقوم في دفع التهديدات وقيام اجتهادي يقوم في جلب ما ينفع القوم، كما يتميز المفهوم بدلالات أخرى هي القوام والقومة التي يستعملها (طه عبد الرحمن) في مكان مفهوم الثورة؛ فالأخيرة لا تحصل إلا في المجال المادي، والقومة لا بد أن تنطلق من مبدأ أو من مسلمة جوهرية وهي أن الخطاب الفلسفي لا بد له أن يكون كلاماً تحته عمل موجّه أو بالتعبير الطهائي “كلاما ذا قيام” وذلك يستدعي وضع خطط واستراتيجيات تكون مناسبة لمواجهة التهويد اليهودي للفلسفة.

أولى تلك الخطط هي خطة المقاومة وتقوم على مبدأ الإعتراض على أي مفهوم منقول من الفضاء الفلسفي العالمي لم يقم أي دليل على صحته أو فائدته للمجال التداولي للفيلسوف العربي، فالمقاومة هنا هي مقاومة مفاهيم، ثم هناك خطة التقويم وتلك تعتمد على معنيين في قومتها وهما إزالة الإعوجاج والتزوّد بالقيّم وتقوم على مبدأ أن تتمتع المفاهيم الفلسفية بأكبر قدر ممكن من الحركية داخل مجال التداول الخاص بالعرب عن طريق وصلها بقيمه العملية، ثم أخيراً خطة الإقامة التي تدعو إلى عدم الاكتفاء بالنقد للمفاهيم الفلسفية وللأسئلة والقضايا المطروحة في الفضاء الفلسفي العالمي المتهوّد بل تسعى إلى إقامة فضاء فلسفي عربي على مبدأ أن نرتقي بالمعاني الطبيعية التي تدور في المجال التداولي العربي إلى رتبة المفاهيم الصناعية، مع الاستدلال عليها وبها لكي تصبح معاني ذات أساس إبداعي فتصبح الأمة قادرة على دخول المعركة الإصطلاحية لتوضيح ماهو متهوّد وما ليس كذلك، فقوة الاصطلاح لم تعد تقل ضرورة عن قوة السلاح، وخلق فضاء فلسفي عربي بخصوصية قومية هو الأولوية الآن.

“ونحن العرب نريد أن نكون أحراراً في فلسفتنا، وليس من سبيل إلى هذه الحرية إلا بأن نجتهد في إنشاء فلسفة خاصة بنا تختلف عن فلسفة أولئك الذين يسعون بشتى الدعاوى إلى أن يحولوا بيننا وبين ممارستنا لحريتنا الفكرية”[2].

ولدرء شبهة تعارض اعتبار العنصر القومي مع اعتبار العنصر الإسلامي يقدّم طه عبد الرحمن عدة أدلة تثبت فساد هذه الشبهة، فبحسبه فالقومية التي تم بناء هذا الفضاء الفلسفي فيها يؤيدها نص التنزيل فلا وحي بغير لسان، ولا رسالة إلا في قوم، وقوم خاتم الأنبياء هم العرب، ولسان هؤلاء هو العربية كما هو لسان الإسلام، فالإسلام لم يكن يوماً معارضاً للقومية بقدر ماهو معارض للقومانية، تلك التي تدعو إلى الجمود على مقومات عربية مخصوصة.


الحق الإسلامي في الإختلاف الفكري

بعد أن بحث (طه عبد الرحمن) عن الحق العربي في الاختلاف الفلسفي، وعن خصوصية السؤال العربي عن بقية الأسئلة في أطوار الفلسفة المختلفة، وأوضح أن الحق في الاختلاف يستدعي الحق في الاستقلال في النظرة إلى الأشياء وفي خصوصية استشكال القضايا وبالتالي يتطلب تحرراً فكرياً وتاريخياً، يأتي إلى الحق الاسلامي في تقديم الأجوبة عن أسئلة زمانه، فلكل زمان أسئلته الخاصة وواجب كل أمة أن تقدّم أجوبتها الخاصة عن تلك الأسئلة، أجوبة تتسم بالاستقلالية، والأمة المسلمة بصفتها أمة حاملة لرسالة خالدة وخاتمة لما سبقها وناسخة له، وإن كان الحال الآن لا يشي بذلك لما فيه الأمة من ضعف ووهن وعجز عن أداء الرسالة المنوطة بها ولما تتعرض له من سلب في خيراتها المادية ومن محوٍ لقيّمها الروحية من طرف أولئك الذين يعتبرون أنفسهم أوصياء على الحقوق والحريات في العالم. لكن يبقى للأمة الإسلامية جوابها الخاص عن أسئلة زمانها فالفكر الطهائي ينظر إلى الأمة الإسلامية على أنها “مجموعة قيّم تسعى إلى أن تساهم في الأحداث المشهودة” وليس بالضرورة إلى أنها واقع متحقّق. ولأن الأسئلة التي تقتضي وجود جواب إسلامي أكثر من أن تحصى فإن طه استغنى عن تعداد تفاصيل هذا الجواب وبدلاً من ذلك ركّز على إبراز “الروح الخاصة التي تميّز الجواب الإسلامي والتي تؤمن للأمة المسلمة حق الاختلاف في فكرها عن الأمم الأخرى ولو كانت أشدّ منها بأساً، كما تدفع عنها ذرائع الذين يرومون حرمانها من هذا الحق ولو كانوا من بني جلدتها؛ ففي هذه الروح غناء عن هذه التفاصيل”[1]. وقد استخلص طه عبد الرحمن من هذه الروح الخاصة التي تميّز الجواب الإسلامي مبدأين أساسيين:

  • الأول هو “مبدأ إختلاف الآيات”، وهو مبدأ مبنيٌ على اختلاف الآيات الكونية، وهنا يقيم طه عبد الرحمن تفريقاً جذرياً بين مفهوم الآية ومفهوم الظاهرة، فالأخيرة هي كل ما يظهر للعيان محدداً بزمان ومكان، أما الآية ف”هي الظاهرة منظوراً إليها من جهة المعنى الذي يزدوج بأوصافها الخارجية دالاً على الحكمة من وجودها”[2] فعالم المعاني هو مملكة الآيات  وعلى من يطلب تلك القيّم أن يعمل بمقتضاها. ونظرة المسلم إلى الأشياء في الأصل أنها نظرة تأمل في الآيات، أو بالتعبير الطهائي “نظرة ملكوتية” ولا يمكن أن تتحول إلى ملاحظة للظواهر أو بالتعبير الطهائي “نظرة مُلكية” إلا إذا قام دليل كالبحث عن قوانين الظاهرة السببية، فالنظر الأول هو بالنسبة لطه نظر أصلي يوصل الانسان إلى الإيمان أما النظر الثاني فهو نظر فرعي يوصله إلى العلم، والفرق بين المسلم وبين الآخر (الغربي خصوصاً) هو أن المسلم يؤسس نظره الأصلي على نظره الفرعي فيكسب الدارين، بينما فضّل الغرب وحداثته الإكتفاء بالنظر الفرعي وأصبح نظرهم متناهياً، لذا لا جدال أن النظر الإسلامي هو الأحق بالشرعية لأنه نظر لا متناهي ومتصل بالزمان المطلق.
  • ثم هناك المبدأ الثاني وهو “اختلاف الناس أنفسهم” وهذا مبنيٌ أساساً على اختلاف الأمم المثبت في محكم التنزيل، ويفرّق طه بين مفهوم الأمة ومفهوم المجتمع، فالمجتمع لا يربط بين أفراده سوى ما يجعلهم يتعاونون في سدّ الحاجيات وأداء الخدمات، وهذا ما أطلق عليه طه “العمل التعاوني” وهو ما دعى إليه القرآن لحفظ المجتمع، فالعمل التعاوني ضروري لحفظ هذه الروابط والعلاقات الاجتماعية المادية، أما الأمّة فهي المجتمع بعد أن يحمل قيّماً يكون مطالباً بايصالها للأمم والمجتمعات الأخرى في سبيل الرقي بالإنسان، فالعمل هنا أخلاقيّ لا ماديّ ولا أخلاق وقيّم أدعى للتبليغ من “قيم الخير” وهيّ قيّم تأمر بإتيان المعروف وترك المنكر، حيث يتعامل جميع أفراد الأمة الواحدة إلى التبليغ عن هذه القيّم من خلال التعامل مع الأشخاص المختلفين ومع أفراد الأمم الأخرى في سبيل هذا “العمل التعارفي” بالتعبير الطهائي، والأخير أسمى من “العمل التعاوني”.

من هنا يبني (طه عبد الرحمن) إذن أحقية الاختلاف الفكري ومشروعية الجواب الإسلامي من اختلاف النظر الملكي عن النظر غير الملكي واختلاف العمل التعارفي عن العمل التعاوني غير الإسلامي، وهذه النظرة وهذا التعامل لا يكتملان بالنسبة لطه إلا إذا استوفيا شرطين مهمين؛ وهما شرط ثبوت حصول الفائدة في الارتقاء بالإنسان في مراتب الكمال العقلي ثم شرط ثبوت حصول الفائدة في الإرتقاء بالإنسان في مراتب الكمال السلوكي، والعلاقة علاقة تأسيس فالنظر الملكي ينبغي أن يتأسس على النظر الملكوتي فالأخير هو وحده القادر على حسم كل نظر ملكي مثبتاً له حصول الفائدة من عدمها، ثم إن العمل التعاوني يتأسس على العمل التعارفي على نفس القاعدة في حصول الفائدة، والأمر هنا يتعلق بقاعدة أخلاقية لا تنكرها الفطرة الانسانية.

 إن روح الجواب الإسلامي عن أسئلة هذا الزمان تظهر في حقيقتين اثنتين أولاهما الإيمان الذي يتم التوصل إليه بالنظر في مختلف الآيات أو النظر الملكوتي ثم وجود التخلّق الذي يتم التوصل إليه عن طريق التعامل مع مختلف الأمم والأشخاص أو كما سماه طه بالعمل التعارفي. فما يميّز الجواب الإسلامي إذن باختلافه الفكري هو “النقد الإيماني” ثم “التخلق التعارفي” وهما يتجاوزان النظرة المادية والتعاونية التي اتسمت بهما الكونية الجديدة. وهاتان الحقيقتان تحدّدان للجواب الإسلامي عدة خصائص أهمّها أنه جواب اختلافي واختلافيته ذات طابعين؛ إيماني وأخلاقي، ثم إن إيمانية الجواب الإسلامي تعتبر أشمل إيمانية لأنها تنطلق من الدين الخاتم الذي جمع ما في بقية الأديان من أسرار الإيمان وزاد عليها، وأخلاقيته أكمل أخلاقية انطلاقا من كون خاتم النبيين ما بعث إلا ليتتم مكارم الأخلاق.


مشروع الإستقلال الفكري مستمر..

إن الفلسفة الحق التي يدعو إليها الفكر الطهائي هي التي يرتبط فيها النظر بالعمل أو التي يرتبط فيها العقل بالأخلاق، والنقد الأخلاقي والإيماني هو صلب هذا الفكر، فالخصوصية الإسلامية خصوصية إيمانية وأخلاقية بالدرجة الأولى  لكنها تنبني على نظر كوني وتقوم على الحوارية والتعارف في مقابل للخصوصية الغربية التي تقوم على الإرغام وفقدان المضمون الأخلاقي، وقد اتخذ النقد الأخلاقي والإيماني في مجمل أعمال طه عبد الرحمن عدة أشكال، ففي نقد الحداثة كتب طه كتابين تأسيسيين هما سؤال الأخلاق وروح الحداثة وقدّم تصوّراً اختلافياً يفضي إلى تعدديّة متجاوزاً احتكارية النموذج الغربي الأحادي لها، فالحداثة برأيه دخلت مأزقاً ناتجاً عن إفلاسها القيمي ينبغي إنقاذها منه وهذا الحل ينبغي أن يميّز بين روح الحداثة وتطبيقاتها، فروحها هي مجموعة من المبادئ والقيّم والتي من الممكن أن تشترك فيها عدة مجالات تداولية مختلفة، أما تطبيقاتها فهي تحقيقات هذه المبادئ وتلك تختلف من مجال تداولي لآخر، فروح الحداثة تتميّز بمبادئ ثلاثة: مبدأ الرشد أي الخروج من تبعية الغير ومبدأ النقد ومبدأ الشمول فهذه المبادئ وإن كانت عامة ولها روح واحدة إلا أن تجلياتها خاصة ومتعددة.

أما الأشكال الأخرى لهذا النقد فقد تركّزت على نقد العولمة بصفتها ضرباً من العنف الخفي والجلي تحاول تحويل العالم إلى متجر واحد ثم تحويل البشرية إلى مجموعة مستهلكين، ثم يأتي نقد العلمانية وقد شغلت أساساً كتبه روح الدين، وبؤس الدهرانية، وشرود مابعد الدهرانية ، فالعلمانية بما هي فصل للدين عن السياسة تقع في ثلاثة محاذير: أولها ضيق الأفق، فهي تحصر الوجود الانساني في ما نراه من عوالم بينما الوجود أكثر اتساعاً مما نراه بحسب طه عبد الرحمن، بل أكثر فما لا نراه أكثر مما نراه، ثم هناك محذور المنطق المتناقض الذي تقع عليه، فبالنسبة لطه فكل منهج أو نظام مهما كان هو دين، فالدعوة إلى الخروج عن الدين هي دعوة إلى دين آخر وهذا تناقض بيّن، ثم المحذور الثالث وهو التأله، ففي طريق نزعها للسيّادة من الإله خلقت إلهاً جديداً هو الفرد نفسه. ثم يأتي الشكل الآخر للنقد الطهائي في نقد “الدهرانية” وقد وضع طه هذه الكلمة لتعني الدعوة التي تطالب بفصل الأخلاق عن الدين واهتم كتابه “بؤس الدهرانية” بهذا النقد مبيّنا فساد تصوراته عن علاقة الإنسان بالإله وعن بطلان دعوته لفصل الأخلاق عن الدين حتى لكأن الأولى دين مستقل وهو فصلٌ يؤدي إلى إلغاء الأخلاق نفسها، فأي دعوة للفصل هي دعوة إلى خلق أخلاق جامدة وفانية بلا روح.

تخليق الحداثة في المشروع الطهائي ماهو إلا دعوة صريحة لإقامة فلسفة إسلامية عربية تتخطى فرض تطبيقات الحداثة وأوهام العولمة وتبتعد عن التبعية والتقليد للفكر الغربي وذلك يستدعي رجوعاً للترّاث لا بصفته نصّا مفصولاً عن الهوية ولا مجرّد مدوّنة معرفية متاحة للقراءة والتأويل، بل التراث بصفته مضامين وآليات تسمح بخلق فيلسوف مرتبط بمجاله التداولي، فيلسوف قادر على تجديد الدين بنظرة تكاملية للتراث ونظرة غير تقديسية لتراث الآخر الفلسفي، فيلسوف قادر على تجاوز المبادئ التي قامت عليها روح الحداثة بحيث يكون قادراً على إكمالها وإتمامها ونقلها إلى مستوى أشمل وأكثر تخلقاً وأكثر ارتباطاً بدينه، وكل ذلك لا يمكن أن يتم بغير الانعطافة اللغوية واعتبار اللغة لا مجرد وسيلة تواصل بل آلية قادرة على أن تصل الفيلسوف بكينونته، وما تحمله من إمكانيات قادرٌ على أن يصل بالفيلسوف إلى أسباب النهوض. 


المصادر:

[1]  طه عبد الرحمن، الحوار أُفُقاً للفكر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الثانية، 2014.

[2]  طه عبد الرحمن، الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية، 2009.

الرومانتيكية كإرادة إنقاذ للإنسانية.. قراءة في كتاب جذور الرومانتيكية لايزايا برلين

يعتبر كتاب (إيزايا برلين) (جذور الرومانتيكية) أحد أهم الكتب التي تقدم “الرومانتيكية” ليس فقط كمذهب مقابل للكلاسيكية، بل كمذهب غيّر مفاهيم وأسّس لأخرى جديدة ستطغى على حياة الفكر الغربي وعلى وعيه منذ ما بعد عصر التنوير وحتى أيامنا هذه.

لم يأت الكتاب مباشرة من قلم المؤلف إلى المطبعة بل قام المحرر (هنري هاردي) بنسخٍ للمحاضرات التي كان ايزايا برلين قد ألقاها في متحف واشنطن للفنون، فالأخير كان بنيته كتابة كتاب آخر قد يكون مختلفاً ولكن لم يتمكن من ذلك. والكتاب بطبيعة الحال ليس خارج اهتمامات برلين المعرفية الأساسية، فالمفكر البريطاني ذي الأصول الروسية معروف كمنظر سياسي ومدافع عن الليبرالية والتعددية ومهاجم للأنظمة الاستبدادية وللتعصب الفكري، كما أن لديه كتاباً آخر عن الفكر السياسي الرومانتيكي، وكل هذا قاده لأن تكون موضوعة الرومانتيكية هي القلعة المناسبة لافناء العمر في دراستها، فقد كانت تمرداً على عصر التنوير بحسبه، تلك القيم الجامدة والدائرة حول القيم الأحادية للعقل والتقدم والصرامة العلمية والمنهجية الدقيقة، لكن ما يحتاجه العالم هو التعدد والاعتراف بالآخر المختلف مهما كانت طبيعته الفكرية وخلفيته الثقافية.


هرباً من التعريف

يقول (نيتشه) أنه “لا يمكن أن نضع تعريفًا إلا للأشياء التي ليس لها تاريخ” وبكل تأكيد فتاريخ الرومانتيكية طويل ومتجذر في تاريخ الحضارة الغربية، الحديث منه على الأخص، لهذا وفي الفصل الأول المعنون كسعي وراء التعريف يحذّرنا (برلين) أنه لن يدخل في شرك تعريف الرومانتيكية أو تقديم تعميمات لكي يصبح الموضوع مفهومًا لدى القارئ، فهو يتفق مع البروفسور (نورثروب فراي) أنه كلما قلنا أننا تمكنا من وضع تعريف جامع مانع يحدّ المصطلح إذا به ينفلت منا لجهة أخرى أو لزمان آخر قبلي عن حدود التعريف وزمانه، فقد انشغل من كتب عن الرومانتيكية بهرم مقلوب وأضاعو فيه إحساسهم بالاتجاه بحسب وصف برلين، فالموضوع “يشبه ذلك الكهف الذي وصفه فيرجيل حيث تقود جميع الخطا في الاتجاه نفسه. أو كهف بوليفموس من يدخله لا يبدو قادراً على الخروج مرة أخرى”. لذا وجب اتخاذ الحذر الشديد للدخول في أي محاولة للتعريف، ويظل البديل عند (برلين) هو تقديم تصور خاص به عن الرومانتيكية. والحذر والوجل الذي ينبغي اتخاذه هو نتيجة كون الرومانتيكية أحدث الحركات الكبرى التي أثرت وحولت الفكر الغربي، بل هي “التحول الأعظم والفريد الذي حدث في وعي الغرب”، وكل ما حدث في القرنين اللاحقين على القرن الثامن عشر هو بتأثيراتها وأقل أهمية من ظهور الحركة نفسه.


الرومانتيكية نموذج جديد؟

كل حضارة، بل كل فكر يخضع لنماذج مُهيمنة تسيطر عليه وتحدد معالم وجوده ومعالم اختلافه، هذه البراديغمات أو النماذج تُوجّه الكتابات وكل المنتجات الثقافية نحو نمط محدد تخضع له تلك الثقافة سواء كان ذلك المنتج فكرًا أو وعيًا أو أخلاقًا أو سياسة أو غيره، ولكي تدرس أي ثقافة ينبغي أن تتم الإحاطة بالنماذج الخاضعة لها، وهذه النماذج ليست تراكمية، فالتاريخ ليس خطًا متصلا مؤلفًا من نموذج واحد لا انقطاع فيه، وإن كان وجود نموذج عن رؤية كاملة وشاملة متسمة بالمعرفة المطلقة منضبطة بصرامة ساد الفكر الغربي من (أفلاطون) وحتى عصر النهضة إلا أنه لم يكتب له الاستمرار بعد ذلك، وبداية التغيير أو الثورة يكون بحصول تغيير في النظرة إلى العالم ويكون ذلك بتحرير الناس من وهم النموذج السابق وخطأه، لكن النموذج الجديد يبدأ في استعباد الناس أنفسهم بسبب فشله في شرح مجمل الخبرة البشرية، إنها “تبدأ بكونها محرّرة وتنتهي بنوع من الطغيان”. ولكن هل الرومانتيكية نموذج جديد؟.

لعل تلك الطفرات التي تحدث في تاريخ الفكر الانساني تكون علامات واضحة لبدايات نماذج، وازدهار موضوع معين في فترة زمنية محددة يكون آية جلية لميلاد نموذج ونهاية آخر، والعلامة الثانية هي انسحاب تأثيرات ذلك الموضوع على بقية مواضيع الفكر الانساني مثل ما حدث للـ(سوسيولوجيا) والـ(بيولوجيا) في القرن التاسع عشر ومثل طغيان نموذج الـ(سيكولوجيا) على المجالات الفكرية والثقافية الأخرى في القرن العشرين. ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار التحولات الهائلة والجذرية التي عرفتها أوربا مع ظهور الحركة الرومانتيكية نموذجا تنطبق عليه القواعد فلم يعد أي شيء كما كان قبلها.

ولكي نحدد هذه التأثيرات بدقة فإن السؤال عن ماهي أو متى ظهرت الرومانتيكية لن يكون مناسباً، فماهية الرومانتيكية صعبة التحديد وفي النهاية فكل مفهوم معزول هو لا شيء وهو حكم قيمي أكثر مما هو تعريف بحسب هنري ديلاكروا، ويكفي الاطلاع على التعريفات التي نقلها برلين في الكتاب لتعطي هذا الاحساس المحير بالتناقض والتشتت في فهم هذه الظاهرة، ونفس الأمر يتعلق بخصائص الحركة، فقد جمع أكثر من أربع صفحات في محاولة تصنيف خصائصها والنتيجة ستكون أكثر غرابة، وكل حديث عن الزمن سيغطي الموضوع أكثر مما يطيق أي كتاب صغير، وقد تبنى مؤرخون فكرة أن الرومانتيكية ليست إلا حالة ذهنية يمكن أن نجدها بكل زمان وكل مكان، عند الروائي الاغريقي هيلودوروس أو هادريان أو حتى عند (أفلاطون) رغم أن (برلين) لا يوافقهم تماماً على ذلك، لذا بدلاً من ذلك قد يكون السؤال الأنسب: أين ظهرت الحركة الرومانتيكية؟

من الشائع لدى معظم المؤرخين وفي الكثير من الكتب المدرسية والجامعية أن الرومانتيكية ظهرت أول ما ظهرت بانجلترا ولكن (ايزايا برلين) لا يوافق أولئك المؤرخين، أو على الأقل لا يوافقهم أن صورتها الدراماتيكية الحادة ظهرت هناك بالبداية، إن الموقف والتحول الكبير الذي حدث وأثرّ في الوعي الغربي وما زال التأثير مستمراً هو ما حدث في الثلث الثاني من القرن الثامن عشر، ولم يكن في انجلترا أو فرنسا، بل كان معظمه في ألمانيا. ففي الوقت الذي شهدت فيه كل من فرنسا وانجلترا ثورتين، إحداهما سياسية واجتماعية والأخرى صناعية كانت ألمانيا خاضعة لامبراطور واحد وطغمة من الأمراء وأقاليم متعددة، وكانت هناك أيضاً زلزلة حرب الثلاثين عاماً التي خلفت بحراً من الدماء لم تستفق منه ألمانيا لمدة طويلة، كان ذلك جارحاً للكرامة الألمانية ولروحها ومانعاً لقيام أي ثورة أو نهضة ثقافية في البلاد، واكتفت الثقافة الألمانية بالحذلقات السكولاستية اللوثرية وبالحياة الباطنية الغنوصية نوعاً ما للروح البشرية، ذاك الجرح الذي سبب عقدة نحو الآخر الفرنسي بالذات وفي نفس الوقت أدى لنوع من الشعور بنقصٍ في الوطنية، قاد إلى حركة تقوية نابعة أساساً من تعاليم لوثر وهي المنبت الخصب الذي برزت فيه الحركة الرومانتيكية لتمد جذورها بعد ذلك.

يبدو واضحاً إذن أنه لا توجد علاقة تربط ما سميّ بالثورة الفرنسية بالحركة الرومانتيكية، فالأولى تبنت مبادئ العقل الكوني والعدالة المطلقة والنظام وغيرها من المبادئ الكونية الكبرى التي تصلح لكل البشر في أي مكان وفي أي زمان، بينما ما حصل في ألمانيا كان كراهية كبيرة للعقل وللغرباء، للفرنسيين خاصةً، إنه نوع من العداء للثقافة ذاتها، وتمجيد للحياة الداخلية الغنية بالأدب المثير الشخصي والعاطفي لكن المليء بالعنف والكاره للعقلانية. كما أنه لا يمكن ربط الرومانتيكية بالثورة الصناعية بشكل مباشر وإن كانت هناك بعض التداعيات ولكن ليس بالشكل الحاد الذي ربطه الماركسيون بالاثنين معتبرين الأولى نتيجة أهوال الثانية.

 إن القيّم التي بشّر بها عصر التنوير والثورة الفرنسية بالدعوة إليها هي أوّل ما هاجمته الثورة الرومانتيكية، ورغم أن تلك القيم قد تكون ظهرت قبل عصر التنوير إلا أن الأخير قدّم نسخته الخاصة لتلك المبادئ ولعل أهمها المبدأ المتمثل في أن كل سؤال حقيقي يمكن الإجابة عليه، إن لم يكن قد أجيب عليه من قبل فاليوم أو في المستقبل، وإن لم نتمكن من الإجابة عليه فلا شك أن الخطأ هو من السؤال وليس من امكانية الإجابة، وكذا فإن كافة الأجوبة المقدمة للأسئلة هي قابلة لأن تعرف ويمكن تعلّم وتعليم طرق اكتشاف تلك الأجوبة، وينبغي أن تكون كل تلك الأجوبة متسقة مع بعضها البعض، فجواب سؤال لا ينبغي أن يكون متناقضاً مع إجابة سؤال آخر وإلا كانت الفوضى. وهذه المبادئ مشتركة ما بين السكولائيين والمسيحيين والتنويريين وكذلك المدرسة الوضعية في القرن العشرين، وهو أول مبدأ تم الهجوم عليه من طرف الرومانتيكيين. وقد كانت أولى الضربات الخفيفة للعقلانية التنويرية قادمة من الوسط التنويري نفسه، من مونتسكيو الذي اعتبر أن البشر ليسوا متشابهين بالضرورة وهم خاضعين لتأثيرات المناخ والتربة والمؤسسات السياسية، وكذلك (هيوم) الذي لم يؤمن بالضرورات الكبرى التي أسبغها العقلانيون على الكون ورآها غير حقيقية مفسراً السببية بنوع من التتابع الدوري، ولكن كلاً من (مونتسكيو) و(هيوم) لم يكونا واعيين بهجومهما بل آمنا تماماً بالعقلانية كخلاص للإنسانية. 

وماذا عن (روسو)؟، يطرح برلين هذا السؤال في كتابه أكثر من مرة معترفاً أن (روسو) قد يكون أحد آباء الرومانتيكية، لكن في المقابل نجد في آراء (روسو) ما يتوافق مع مبادئ الثورة الفرنسية، مع ما يتلاءم مع أفكار (روبسبير) واليعاقبة الفرنسيين، (روسو) صاحب الشذرات التي تدعو للقضاء على كامل البنية الفوقية ومساواتها بالأرض وحرق المجتمع الانساني برمته في سبيل قيام مجتمع آخر غير فاسد وغير منافق، ليس هو (روسو) صاحب (العقد الاجتماعي) القائل بعقل كوني يربط كل البشر بعقد واحد، من هنا يعتبر (برلين) أن الزخم الرومانتيكي الذي تم اعطاءه لـ(روسو) كان مبالغا فيه. لذا فالهجوم الحقيقي لم يكن من فرنسا أو انجلترا.

كان الهجوم الأكبر الذي تعرّض له عصر التنوير قادماً من ألمانيا، من أولئك التقويين اللوثريين المعطوبة روحهم المنعزلين لذواتهم، وكان الهجوم الأول العنيف قادماً من طرف (يوهان جورج هامان)، صديق (ايمانويل كانط)، الذي احتج على (فولتير) صاحب مقولة أن البشر يسعون إلى السعادة في حين أنهم برأي (هامان) يسعون فقط نحو الإبداع بأكثر ما يمكن من الحماس، حتى ولو كان ذلك الحماس سيقود إلى حروب ودمار فذاك جزء من طبيعة البشر وقدرهم، أما الانسان الذي أخرجه المختبر التنويري فهو نوع من الموت في الحياة. أما مواطنه (هيردر) فقد هاجم هو الآخر وثوقية الأجوبة المطلقة واتساقها مع بعضها البعض، فالحقيقة نسبية بالنسبة له وعلى كل مجمتع، على كل فرد أن يعبر عن الحقيقة كما تظهر له في لحظته المكانية والزمانية، لا كما تظهر لمجتمع آخر أو لفرد آخر مختلف عنه، وهذا هو ما يخلق كونا رائعا، لن نراه كذلك بصورته الكاملة، فالله هو وحده فقط من يستطيع رؤية الكون كاملاً.

هناك آباء آخرين للرومانتيكية، لم يعلنوا أنفسهم متبنين لها، بل ربما صرّحوا بكرههم الشديد لها مثل الفيلسوف الألماني (ايمانويل كانط)، أولئك يسميهم (برلين) بالآباء المحافظين، فـ(كانط) لم يخف كرهه للرومانتيكية أو نبذه لكتابات (هامان) و(هردر)، لكنه في المقابل انتصر لها عن طريق فلسفته الأخلاقية والتي دعت بكل صراحة إلى تمجيد الحرية البشرية، فالبشر بشر فقط لأنهم أحرار في اختياراتهم، فبينما كل الأشياء والحيوانات في الطبيعة تخضع لنظام السببية نجد أن البشر على عكس ذلك أحرار الإرادة، وكانت معركة (كانط) الكبرى هي الوقوف ضد فكرة الوصاية التي لا معنى للحرية معها، ففي مقاله الشهر: “ما التنوير” يصرّح أن التنوير هو القدرة على الخروج من القصور الفكري وقدرة الآخرين على التكلم أو التحكم بالنيابة عنك، يقول كانط: “إن الإنسان الذي يعتمد على شخص آخر لا يعود انساناً، فهو فاقد لاستقلاليته، وليس سوى ملكية لشخص آخر”، وحرية البشر تستدعي إنكار الحتمية واللجوء لفكرة الإرادة الإنسانية، فهنا الاستقلال التام، بينما الحتمية نوع من التبعية يقول بكون القوانين خارج الإنسان، لذا كان لا بد من القضاء على الفكرة القائلة بخيرية الطبيعة وعبادتها ومحاكاتها فنياً وهو أمرٌ ثوريٌ قام به (كانط)، فأن يكون الانسان جزءاً من الطبيعة فهذا يعني أنه مقيّد بها وهو أمر سيحطم أي معنى لوجود أخلاق قائمة على مبدأ الحرية.

رغم كل ذلك ظل (كانط) متشبثاً بعقلانيته وبايمانه بوجود أجوبة على الأسئلة الكبرى وبتوافق كل الأجوبة واتساقها مع بعضها، لكن تعاليمه الأخلاقية المبشرة بروح الرومانتيكية ستجد تلاميذ مخلصين يدفعون بها إلى أقصى امكانياتها مثل (فردريك شيلر) المؤمن هو الآخر بالحرية وبالإرادة وبامكانية تجاوز الانسان للطبيعة واخضاعها لإرادته وهي أفكار بثها في إنتاجه المسرحي والشعري، ثم يأتي (فيشته) وقد كان ميالاً للتشكيك نافيا امكانية وجود أجوبة محددة على الأسئلة الكبرى، فالمعرفة تقود إلى معرفة أوسع، وكل جواب يقود إلى سؤال آخر ليعطي بدوره جواباً جديداً، لذا المعرفة التأملية ليست هي الطريق القويم، فالحياة لا تقوم على تلك المعرفة، بل إن الحياة تقوم على الفعل، فالمعرفة مجرد وسيلة لبلوغ الأهداف، أي بعبارة أخرى المعرفة الحقيقية هي معرفة كيف تبقى حياً، وسيقول شليقل معه أن الحرية هي الفعل، أن تكون رومانتيكياً بحريتك، فلا أحد يولد رومانتيكياً. 


موعظة الرومانتيكيين

إن الفكرة القادمة من التنوير والقائلة بأن الحياة نمط مغلق وكامل وحقيقي الوجود وموضوعي، وما دام يمكن الاسترشاد إليه فإنه يمكن تعليمه للآخرين، إن هذه الفكرة هي ما هاجمته الرومانتيكية من جميع الجبهات، فبالنسبة لها الكون في حالة حركة دائمة دون توقف وهو في نفس الوقت لا محدود وعلاقتنا معه علاقة منطلقة من ذواتنا لا من خارجها، لذا فالتعبير عن تلك العلاقة هو تعبير عن اللامحدود بمحدود أي اللغة والأخيرة لا تكفي وتلك هي المعاناة، وهذا ما جعل الرومانتيكيين يلجأون إلى الرموز وإلى المجاز لمحاولة تخطي حاجز اللغة، وبالتالي كانت الرمزية أحد أهم النظريات المركزية في الفكر الرومانتيكي، الرمزية كانت نتيجة لتلك الرغبة في التعبير، لذلك الحنين إلى اللامحدود والغير قابل للاستنفاد، لذا كانت موعظة الرومانتكية الأساسية هي أن تبدع رؤيتك الخاصة بالكون، فالكون هو ما تختار أن تجعله أنت، وأي محاولة للسعي لجعل ترى الأشياء باعتبارها خاضعة لنوع من العقلنة، لخطة ما، ومحاولة وضع مجموعة من القوانين لتلك الرؤية هو نوع من خداع الذات بالنسبة لهم ويعد غباءً انتحارياً، فأولئك الوحيدين الذي كان بامكانهم فهم الواقع هم أولئك الذين فهموا عبثية أي نوع من تلك المحاولات، فبالنسبة لشليقل “فسحر الحياة يكمن في اللغز الذي لا يمكن كشفه”. فكل القواعد ينبغي نسفها فقط لأنها قواعد وأي محاولة ممكنة للقضاء على التقاليد ينبغي أن يقام بها. والسخرية أحد أهم وسائل النسف التي اخترعها الرومانتيكيون، فكل مبدأ يمكن اعتبار نقيضه هو الصحيح، بل أنه يمكن وجود ثلاث افتراضات أخرى مناقضة للأول لكنها كلها صحيحة، فبالنسبة لشليقل أن نسخر هو أن نمتنع عن الموت، أن لا نستقر ونتجمّد. لذا لم يكن مطلوباً من الرومانتيكي أن يحدد موقفه السياسي، فقد يكون رجعياً وقد يكون تقدّمياً، متفائلاً أو متشائماً، مؤمنا بالمؤامرة وبقوى خفية تتحكم من وراء الستار أو كافراً بها، المهم بالأساس هو وضع اليد على القوى اللاواعية المظلمة والتي غفلت عنها الكلاسيكية المتخفية تحت شعار أن الفضيلة مرادفة للمعرفة منذ سقراط وحتى التقاليد المسيحية والتنويرية.

ولكي نختم فينبغي أن نتساءل ما الذي أنتجته الرومانتيكية؟ ما الذي أورثته للعالم؟، قد تكون الحركة الوجودية هي الوريث الشرعي والحقيقي للرومانتيكية بحسب ايزايا برلين، فبفضل تحويلها الحاد لبعض القيّم استطاعت الوجودية أن تظهر بلباس رومانتيكي متمثل بموعظة أنه لا يوجد في العالم ما يمكن الاعتماد عليه. لكن الفاشية أيضاً كانت وريثة للرومانتيكية، لأن الأولى لا تخضع لنظام عقلاني بل لتبنيها لفكرة الإرادة غير المقيدة سواء للفرد أو للجماعة وهو ما يجعلها في اندفاع يصعب كبح جماحه أو تنظيمه وعقلنته وتوقعه.

وبغض النظر عن مسؤولية الرومانتيكية عن الفاشيات إلا أن المجمتعات الحديثة والمجتمع الغربي خاصة يدين لها بالكثير، على المستوى الفني يدين لها بحرية الفنان وعدم قابلية تفسيره تفسيراً تبسيطياً والاعتراف أن الجواب الوحيد على أي سؤال هو أمر منهك وهو المسؤول الأول عن ميلاد الطغاة والمستبدين الذين سيسعون إلى فرض إجابتهم الوحيدة، فالقيم بالنسبة للرومانتيكية متعددة ومختلفة وغير قابلة للحسم. هذا ما نتج عنه دعوة إلى الليبرالية والتسامح وتقدير كبير للحياة نفسها باختلافها وتناقضاتها، ولأنهم كانوا مؤمنين بعدم قابلية الأنشطة الانسانية للتنبؤ فقد انتهوا بدون أن يقصدوا إلى عكس ما دعوا إليه، أي إلى فهم ذاتي وعقلاني للحياة.


بقلم: مولاي ارشيد أحمدو