أرشيف الكاتب

سينما تاركوفسكي كبابِ للفلسفة

image-w1280

 

يُعد أندري تاركوفسكي (1932-1986) عند كثير من منظرين ونقاد السينما كأحد أهم وأعظم مخرجي الأفلام في القرن العشرين. بل يعتبره العديد بأنه الأعظم على الإطلاق، ومن هؤلاء مخرجين كبار من ذات الحقبة مثل المخرج السويدي الشهير (إنغمار بيرغمان). أخرج (تاركوفسكي) تسعة أفلام: فيلمان قصيران، وسبعة أفلام روائية من عام 1959 إلى عام 1986، كما أخرج مسرحية (هاملت) لـ(شكسبير) على مسرح موسكو، وأوبرا (بوريس جورونوف) في لندن قبيل وفاته بمرض السرطان في باريس. صدر له كتاب (النحت في الزمن) قبيل وفاته، واختيار الاسم إن دل فإنما يدل على حسِّ شعري لدى (تاركوفسكي). كيف لا وهو الذي درس الشعر بلغاتٍ مختلفة، منها العربية التي اهتم بها وبأدبها بالإضافة إلى كون أبيه (أرسيني تاركوفسكي) أديب من الأدباء الروس البارزين ومن أهم مترجمي الشعر في وقته.

عن قراءة الفلسفة في أعمال (تاركوفسكي):

أن النمط المميز لأعمال (تاركوفسكي) هو استخدامه الدقيق للترميز والدلالات الميثولوجية. وهذا له عوامل عدة، يتضح أولها بتأثره بالأعمال الفلسفية الوجودية الروسية، خاصة أعمال الفيلسوف (نيكولاي برداييف). وهذا الربط بين (تاركوفسكي) و(برداييف) ليس عبثياً، فمن يرجع إلى يوميات (تاركوفسكي) سيجد ذكراً وعلاقة واضحة بينه وبين (برداييف) وإن لم يكن قد ناقشها بالتفصيل وبيّن آراؤه بها. يتمحور أساس هذا الربط بين (تاركوفسكي) وبين (برداييف) على فكرة تكوين الشخص، ويميز (أندراش كوفاكس) هذه العلاقة في أعمال (تاركوفسكي) على مرحلتين تعاقبا زمنياً بالتطور الفكري لدى تاركوفسكي: أولا، أن يكون الشخص هو الرسالة. ثانيا، تسامي الشخص.

إن الشخصانية الروسية المنتمية للقرن التاسع عشر والتي يبدو أثرها واضحا على (تاركوفسكي)، والتي كانت رائجة آنذاك برواج نظيرتها الوجودية الفرنسية والأوروبية بشكل عام. تشكلت هذه الشخصانية مثل الوجودية من الفكرة المتعلقة بحالة الشخص الذي يشعر بالاغتراب عن محيطه، أكثر من العالم الخارجي. وتختلف الشخصانية عن الوجودية في أنها لا تعتبر الحالة الإنسانية حالة موحدة للإنسان. فالإنسان في الفكرة الشخصانية متكامل في بيئته البيولوجية والاجتماعية في جزء، لكنه في الجزء الآخر -وهو الجزء الأعمق- مغترب عن بيئته هذه في نفس الوقت. فيمكن أن نقول الجزء المتكامل مع بيئته يسمى فرداً، بينما الجزء المغترب فيُسمى “شخص”. فالـ”شخص” منفصل جذرياً وبشكل بنيوي عن محيطه المادي والاجتماعي، بل أن وجوده يتعارض مع هذا المحيط. يذكر (برداييف) في أحد أعماله:

الشخص لا يشبه أي شيء في العالم، ولا تمكن مقارنته بأي شيء. وعندما يدخل الشخص المتفرد وغير المتكرر إلى العالم، تتحطم عملية العالم وتضطر هذه العملية إلى تغيير مسارها، وبرغم أن ذلك حدث لا يمكن إدراكه. لا يمكن أن يكون الشخص عنصراً في تطور العالم. إن الشخص يمثل نقطة تقدم مفاجئ، نقطة انقطاع عن هذا العالم.

كيف يصبح الإنسان فردا وشخصاً؟ فالشخص ليس نوعا اجتماعيا، سياسيا، تاريخيا، عرقيا، وإنما هو نوع أخلاقي. الشخص هو الوجه الأخلاقي من الكائن الإنساني. ولكي يصبح الفرد شخصا فلا بد أن يحدث هذا في إطار مجتمعي، بحيث يتسامى الشخص فوق محددات هذا المجتمع الخارجية. يذكر (برداييف) بهذا الخصوص:

يفترض الشخص أن التسامي يحدث تجاه آخرين، فالشخص لا يستطيع أن يتنفس، انه يختنق عندما ينغلق على ذاته.

وقبل أن نقارب تاركوفسكي مع برداييف علينا أن نعي، أن الشخص المخبوء هنا ضمن الإنسان ليس معطىً بديهي وإنما يجب علينا البحث عنه لنصل إليه. وكما يلاحظ كوفاكس في أعمال تاركوفسكي، يكون الموضوع المحوري في الفيلم هو الصراع بين الشخص والفرد، أو بين الشخص والعالم.

إن الشخصانية ليست قالبا نستطيع مطابقته في نصوص برداييف وأفلام تاركوفسكي ولكنها كما يعتبرها إيمانويل مونييه:

إننا نصف بالشخصانية كل المعتقدات، وكل المدنيات، التي تدعو إلى أسبقية الشخص على الضرورات المادية، والمؤسسات الجمعية، التي تدعم تطوره”.

إذن، هي علاقة مهمة تربط الفيلسوف والمخرج بالعقيدة المسيحية الأرثوذوكسية في تسامي الشخص فوق المادة وقيودها وفي اتصال “الشخص” مع الرؤية المتسامية لوحدة الوجود بشكل متصوف. وهذا ينبع ليس فقط من فهم تاركوفسكي للشخصانية وإنما أيضا حدته تجاه الحداثة، فقد كان تاركوفسكي يرى فيها مستقبلا مظلماً للإنسانية فيقول عندما سئل عن رأيه فيها:

أستشعر مستقبلا مظلما، خاصة إذا لم يدرك الإنسان أنه موغل في الخطأ. لكني أعرف أنه عاجلا أم آجلاً سوف يعي الموقف. فليس بوسعه أن يموت كما يموت مصاص الدماء الذي يصفّي دمه قبل النعاس لأنه خدش نفسه قبل الخلود للنوم. يجب أن يكون الفن حاضراً ليذكر الإنسان أنه كائن روحي أنه جزء لا يتجزأ من عقل متناهي الكبر سيعود ليتحد به في نهاية الأمر، لو أن الإنسان اهتم بهذه الأسئلة، التي لو أنه طرحها على نفسه فقد نجا روحيا بالفعل. الإجابة لا أهمية لها تُذكر، ولكن اعرف انه بدءاً من تلك اللحظة، لن يستطيع أن يحيا كما تعود في السابق.

عن فيلم (طفولة إيفان):

ففي فيلم (طفولة إيفان) والذي تتلخص قصته في صبي في الثانية عشرة من عمره يشارك تطوعا مع الجيش السوفييتي في الحرب العالمية الثانية. ليقابله ضابط في الجيش ويتفاجئ بوجوده في الجيش وتغيبه عن المدرسة. ليطلب منه الذهاب للمدرسة لكن (إيفان) يرفض، ويطالب بتكليفه بمهمة أكبر لكنه لا يعود منها أخيراً. وإن كان الفيلم قد يكون محملا بالأعراف والتقاليد السوفييتية العسكرية إلا أن (سارتر) استشعر وجود هذا الحس الوجودي لدى شخصية (إيفان) فذكر في تعقيب له عن الفيلم:سارتر

إن (إيفان) كبطل هو في الحقيقة وحش قتلت الحرب الطفولة بداخله، ليبقى فقط البطل غير الطبيعي. لذلك فإن شخصيته نتاج للحرب تماماً. إن (تاركوفسكي) يوضح أحلام (إيفان)، وكوابيسه، وذكرياته عن طفولته عندما ينام أو يكون وحيداً. أما أمام الآخرين فهو عنيد، وقوى، وعاقد العزم بطريقة العالم الخارجي لا تعطيه فرصة لكي يتطور إلى شخص. وليست لدى (إيفان) استقلالية عن محيطه، إنه مخلوق من مخلوقات الحرب، ويتصرف طبقا لذلك.

ما يقدمه مخرجنا هنا هو من ينجو هو شخصية الضابط التي تشذ عن التنميط السائد لدى الشخصيات في الأفلام الحربية. فـ(إيفان) وكل القادة يموتون في الحرب، والشخص الغريب عن هذه البيئة هو وحده من يعيش. يكمل (كوفاكس) في تحليله قائلا:

توضح هذه الشخصية التعارض الشديد بين الفرد الذي يتحدد من الخارج والشخص ذي الاستقلال الأخلاقي. فمن جانب هناك إيفان، مأساته هي أنه ليست لديه فرصة لكي يعيش حياته، ويسير في طريقه الذي اختاره، ويطور شخصه الأخلاقي، إن حياته قد أخذتها الحرب حتى قبل أن يموت، إنه شديد التصلب، أقوى من أن يعيش. ومن جانب آخر هناك الضابط الشاب الذي هو على النقيض شديدة الرقة، مستقل تماماً بحيث لا يصبح جندياً جيداً، لكن تلك هي فرصته لكي يعيش ولا يموت في الحرب.

عن فيلم (أندري روبليف):

أما بالنسبة لفيلم(أندري روبليف) الذي يحكي قصة (أندري روبليف) صانع اللوحات الفنية الدينية في القرن الرابع عشر. حيث كان يعيش مع الرهبان الأرثوذوكس ضمن تقاليد بيزنطية صارمة فيما يتعلق بالأعمال الفنية وأسلوب الحياة. لكنه كان مختلفا، وحاول (تاركوفسكي) إظهار ذلك في التركيز على الحس الفرداني لدى شخصيته السينمائية، من خلال تأكيد اغترابها وتمردها على السائد، لدرجة اعتبار بعض الشخصيات الروسية المهمة مثل الروائي الحائز على جائزة نوبل (ألكسندر سولجنيتسين) الذي يعتبِر الفيلم معادياً للأرثوذوكسية وروسيا بشكلٍ عام. وفي أحد أجزاء الفيلم يقوم (روبليف) بإنقاذ حياة طفلة من خلال قتل شخص آخر مما يناقض توصيات الرب، ليصبح في صراع بين تجربته الذاتية وإيمانه واعتقاده. يعلق (كوفاكس) على ما سبق قائلا :

إن هذا ما يدركه أندريه في الجزء الأخير من الفيلم، عندما يلاحظ في صمت صبياً يصنع جرساً بنفسه، في إشارة للكنيسة، بدون أن يعرف أسرار بناء الجرس، يدرك أندريه أن الحق الحقيقي يأتي من الداخل وليس من الضروري وجود أي دعم أخلاقي خارجي. إن الاستقلال الداخلي ووجود “الشخص” هما الشرطان الضروريان للخلق الحقيقي. لقد كان فيلم (طفولة إيفان) عن فقدان “الشخص“، أما (أندريه روبليف) فكانت بحثاً عن “الشخص“.

عن فيلمي (سولاريس) و(المرآة):

أما في فيلمي (سولاريس) و(المرآة)، فيخوض بطلا هذين الفيلمين صراعاً عميقاً. ففي (سولاريس) على المرء أن يواجه خطاياه في ذلك الفضاء الذي تم احتجازه فيه، بالإضافة لكل الأحبة الذين فقدهم. وفي بحث (كوفاكس) عن الفيلم يقول:

إن على المرء أن يواجه ضميره السيئ، ويعيش ذكريات من كانت الذكريات بالنسبة له مؤلمة، واستقلالية الشخص لا تعني الأنانية. وحقيقة أن الشخص يمكن خلعه فقط من الداخل، وباستقلال عن الظروف الخارجة، وهو ما كان استنتاج (اندريه روبليف)، يجب فهم هذه الحقيقة في سياق عنصر مهم آخر من الشخص الذي ذكرته سابقاً، وهو أن الشخص لا يستطيع أن يكون مغلقا على نفسه، لكنه يستطيع فقط أن يوجد في مجتمع. ولكي يتحقق وجود هذا المجتمع الروحي، فإن على الشخص أن يبدأ المهمة الأكثر إيلاما، وهي مهمة محور الشر من الداخل.

إذن بطل (سولاريس) يدرك ضرورة قبول الألم لكي يصبح “شخصا“. أما على العكس فبطل فيلم (المرآة) المُحتضِر ويصارع مرضا مجهولاً، يجبره يلوك ذكرياته ويعيد له شريط حياته من جديد. لا يحدد (تاركوفسكي) طبيعة مرض البطل العضال، وإنما علينا أن نستشفها من ذكرياته وأفكاره. ليصبح السؤال هنا وسأقتبس (كوفاكس) مرة أخرى:

المشكلة المحورية في (المرآة) هي: هل التجارب التاريخية أو تجارب الحياة الشخصية، والذكريات وبقايا التقليد الثقافية الروحية، تقدم خلفية كافية للشخص لكي يتطور، إذا كان الأصل في هذه التجربة والتقاليد هو الانقطاع المستمر، التمزق، الهجران، فقدان التواصل، النسيان؟

عن أشهر أفلامه، (ستولكر):

أما في أشهر أفلامه تقريبا (ستولكر) – لا يصح ترجمتها من الانجليزية إلى المتعقب لأن أصلها ليس إنجليزي في الفيلم – والذي هو آخر أفلام في الاتحاد السوفييتي. تدور القصة حول ثلاث أشخاص أحدهم (ستولكر) في بحث عن مكان يدعى “المنطقة“، والتي تم إغلاقها من قبل السلطات لأن قوانين الطبيعة لا تنطبق عليها. وتدور القصص حول هذه المنطقة بأن من يدخلها سوف يرى أعمق رغباته الموجودة التي قد لا يدركها المرء تتحقق أمامه، مما يجعل من زيارة هذه المنطقة أشبه بزيارة لذات المرء الحقيقة. ووظيفة (ستولكر) هو أن يكون الدليل المرشد لمن يريد زيارة هذه المنطقة. إن (ستولكر) في فيلم (تاركوفسكي) شخصية معذبة قاسية القلب. فمن يشاهد الفيلم يلاحظ كيف أن شخصية البطل شخصية مخيفة لا تملك أي تعاطفا ولا أي هدف سوى إلى جعل من يرشدهم للمنطقة نُسخ منه. فهو يهدف إلى خلق عالم ومجتمع لأشخاص يتسامى فيه المرء، وهذا العالم هو المنطقة. يلاحظ (كوفاكس) صورة صوفية في هذه القصة، وتقاربا شديدا مع الفكرة الشخصانية. ففي التقليد الشخصاني عند (برداييف) يكون تحقيق التسامي مستحيل بالمعايير الواقعية والمادية، وهو أقرب منه لحالة روحانية أو ذهنية. أي أن تحول المرء منا إلى شخص ليس مؤلما فحسب، لكن ما إن ينجز هذه المهمة ويصبح شخصا حتى يدرك أنه وحيد ويضطر أن يقاسي كل المعاناة الناتجة عن ذلك. يقارب هذه الفكرة (كوفاكس) مع الفيلم قائلا:

في نهاية (ستولكر) ينهار البطل نفسيا، عندما يعايش عدم الإيمان الكامل للأشخاص الذين رافقهم. وتضعه زوجته في الفراش وتطيب خاطره باعتباره رجلاً مريضاً جداً.

أخيرًا، عن فيلم (الحنين):

اما في فيلم (الحنين) الذي يحكي قصة شاعرٍ روسي يسافر إلى إيطاليا محاولا استكشاف حياة موسيقار روسي من القرن الثامن عشر. وفي سعيه لمحاولة استكشاف حياة غيره يواجه هذا الشاعر أسئلة بخصوص حياته هو، فهو بين عالمين ولا يجد وطنا له في أي منهما. ويستوعب في سياق أحداث الفيلم أن لا حل لهذه الحيرة سوى أن يضحي بذاته ويغرق في انعزال لا رجعة منه، أي أن ينزلق لمنزلقات: الحنين، الألم، الكارثة، الموت. تماما كما يكرر (برداييف):

ان اكتمال حياة الشخص لا يمكن الوصول إليها، وينفد وجود الشخص ويصبح جزئياً. وتسامي الشخص إلى الاكتمال يعني الموت، الكارثة، الوقوف على شفا الهاوية.

 

هل يمكننا الاستماع اليوم لفاجنر ؟

اشتُهِر ثيودور أدورنو (1903-1969) باهتمامه بالموسيقى والنقد الموسيقي وأنه أحد مؤسسي خط النقد الثقافي الموسيقي في مدرسة فرانكفورت. واشتهر أيضا بكتاباته المتعلقة بارتباط الموسيقى بالعنف النازي إبان الحرب العالمية الثانية وارتباط الموسيقى بالأيديولوجيا أو ما يسميه هو “بالوظيفة الأيديولوجية للنقد الموسيقي”، أيضا مسائل الإستهلاك والفيتشية الموسيقية. وارتبط أدورنو بالموسيقار والمسرحي الألماني ريتشارد فاجنر وعلاقته بالعقيدة النازية للنظام الهتلري الحاكم لألمانيا آنذاك. حيث اشتهر فاجنر بمعاداته للسامية وبتأليفه أعمالاً كانت فيما بعد ركيزة للفكر النازي ومعاداة السامية عموما وأدبا من أهم ادبياتهما. أعمالٌ مثل: “حلقة النيبلونج” وهي أربع أوبرات مستوحاة من الأساطير الجرمانية، “بارسيفال” هي أوبرا يشير فيها بشكل متكرر إلى مواضيع المسيحية والجنس من خلال القومية الألمانية والعداء لليهود. ايضا دراسة موسيقية بعنوان “اليهود في الموسيقى” اتَهم فيها الموسيقيين اليهود بالسطحية والانحطاط، ويعود هذا الانحطاط إلى انحطاط اللغة العبرانية إذا ما قارناها بالألمانية. وكان هتلر معجباً إعجاباً شديداً بفاجنر وكان يأمر بتنظيم حفلات لأعماله ويأمر أتباعه بحضورها. واشتهر في مرويات الهولوكوست أن الإعدامات في معسكرات الإعتقال مثل أوشفيتز تتم على أنغام افتتاحية معزوفة “الأساتذة الموسيقيون لنورمبرغ” أو يُجبَر المعتقلين على الإستماع لموسيقاه على سبيل إعادة التأهيل مثلما حدث في معسكر “داشاو”.

اهتم أدورنو بمسألة عداء السامية عند فاجنر وعلاقتها بمنتجه الفني، هل هما منفصلان أم هل ينبع عمله الموسيقي كمركب فني من أصل عداء فاجنر للسامية وماهو أصل هذا العداء في المقام الأول؟ فكتب بخصوص هذا كتاباً بعنوان “البحث عن فاجنر” في عام 1938، ولكنه لم يُنشر إلا بعد هروب أدورنو إلى نيويورك وعودته في 1952. في هذا الكتاب يناقش أدورنو فاجنر من نواحٍ عدة، خاصة مسألة أخلاقية الاستماع لفاجنر وعلاقته بالحاضر، وتحول فاجنر الفكري في شبابه من الأنسنة المتأثرة بفيورباخ للعدمية الشوبنهاورية بعد هزيمة ثورات شارك فاجنر في محاولة إذكائها. وهنا يبدو تأثر أدورنو في التحليل بهوركهايمر في علاقة العدمية والثورات المضادة الناتجة عن هزيمة الثورات ويقارب هذا التحول بدراسات هوركهايمر عن المجتمع البرجوازي. وتتمظهر هذه التحولات في الأوبرا الأخيرة  من “حلقة النيبلونج” والمعنونة بـ”شفق الآلهة” أو Gotterdammerung والمأخوذ من أسطورة نورسيّة قديمة عن حرب بين البشر والآلهة تنتهي بحريق وغرق يليهما نشوء وولادة عالم جديد.

كان أدورنو صارماً في نقده لفاجنر بحكم الوضع السياسي العصيب الذي عاشه بسبب النظام النازي إلا أنه قد أصبح لين الجانب قليلا فيما بعد ذلك فيقول في محاضرة له ألقاها في عام 1963 معلقا على كتابه:

اليوم أود أن أعيد صياغة العديد من الأشياء التي تم ذكرها في الكتاب بشكل مختلف. خاصة الإشكال المركزي فيه، وهو العلاقة بين الشؤون المجتمعية هذا من جهة. ومن جهة أخرى الشؤون الاستطيقية، فربما تعمقت أكثر من اللازم عما كانت عليه الأمور آنذاك. لكني لا أتخلى عن الكتاب ولا أضع مسافة بيني وبين مبادئه التي يقوم عليها.

ويكمل قائلا:

ربما علي أن أشكر الحرية، فباستطاعتي الآن أضع بعض التعليقات بخصوص التغييرات التاريخية في سلوكنا تجاه فن فاجنر، فنحن لا نستطيع تجاهل العامل السياسي. فلقد حلت بنا كوارث عدة حتى نرى الجمالي فيها ونغلق أعيننا عليه.

 أول أسئلة أدورنو كانت من أين تأتي معاداة السامية هذه عند فاجنر؟ فحاول البحث فلسفيا عن هذه الإجابة. فاعتبر أن موسيقى فاجنر ماهي إلا تجسيد لخيبة ثوراته، بشكل تناقضي يحدث هذا من خلال الجمع بين الرفض المحافظ للحداثة الرأسمالية والعناصر الرئيسية للإستهلاك الفيتيشي. وبالتالي إذا سلّمنا بهذا تصبح المعاداة للسامية عند فاجنر ليست خيارا شخصيا أو رأيا ظاهريا فحسب، وإنما هي محفورة في البنية الداخلية لأعماله الفنية.

يحاول الناقد السلوفيني سلافوي جيجيك الإجابة على هذا السؤال من خلال توطئة كتبها لأحد نسخ كتاب أدورنو بعنوان “لماذا يستحق فاجنر الإنقاذ؟” قائلا:

في تعاملنا مع معاداة السامية عند فاجنر، يجب أن نضع في حسباننا أن معارضة ما يسمى بالروح الجرمانية للمبدأ اليهودي ليستا معارضة حقيقية. بل هناك لفظة ثالثة، ألا وهي الحداثة. حيث هي تسيّد للتبادل في المجال العام، واضمحلال للعلاقات العضوية وتسيّد للصناعات الحديثة، وتسيّد للفردانية.

ويكمل محاولاً توضيح أن رفض الحداثة لدى فاجنر ليس مباشراً وإنما هو أكثر تعقيداً. ففاجنر يحاول عنده تحويل الحداثة هذا الكيان التجريدي الغير شخصي إلى وجه مألوف وكان هذا الوجه هو اليهود. فرفض اليهود هو رفض لمبادئ التكامل والإحتواء الحداثي:

لنخلص الموضوع، إن معاداة السامية لا تعبر عن معاداة للحداثة بهذا الشكل، وإنما هي محاولة لجمع الحداثة والهيمنة الإجتماعية والتي هي خاصية من خصائص الثورات المحافظة.

كل ما سبق هو محاولة لتوضيح أن معاداة السامية عند فاجنر ليست رأياً شخصيا يمكن تجاهله، وإنما هي كامنة في أصل وذات أعماله الفنية. وإذا ما عرفنا ذلك، هل ما زال بإمكاننا تجاهل ذلك عندما نستمع للموسيقى ؟ أم نرفض الاستماع إليه كما يفعل المعادون للفاجنرية أو كما يحدث في دولة الإحتلال الصهيوني حيث هناك منع غير رسمي لأعمال فاجنر. يذكر إدوارد سعيد أن الموسيقي دانييل بارينبويم حاول أن يعزف أحد المقطوعات الخاصة بفاجنر في تل أبيب، حتى اقتربت منه سيدة عجوز قائلة: “أنى لك الرغبة أن تعزف شيئا كهذا ؟ لقد رأيت عائلتي تساق للإعدام على أنغام افتتاحية “الأساتذة الموسيقيون لنورمبرغ”.”

وهنا يناقش إدوارد سعيد في كتابه “متتاليات موسيقية” بادئا ذي بدء بدور المسيقى الكلاسيكية في الغرب المعاصر:

وعليه، فإن الموسيقى بشكل حرفي تملأ تماما فضاءً اجتماعياً، وهي تفعل ذلك عن طريق إحكام أفكار السلطة والتسلسل الهرمي الاجتماعي المرتبط مباشرة مع مؤسسة مسيطرة يُتخيّل أنها مترأسة وسائدة.

يدافع إدوارد عن عن الجدارة الجمالية لدى موسيقى فاجنر برغم ما يشوبها من إرث ثقافي وسياسي ويعتبرها جمالية غر قابلة للإتهام. فهي سم ودواء في آن واحد، على الرغم من فظاظتها إلا أنه ليس بالإمكان أن نختزلها إلى مستوى واقعيتها الفظة فحسب، وهنا يختلف سعيد مع أدورنو:

كل التحليلات ذات الأثر الرجعي، سواء أكانت للموسيقى أم لأي نشاط إنساني آخر، والتي تحكم وتُنظّر وتشمل في الوقت نفسه، والتي تقول بالنتيجة إن شيئا واحداً كالموسيقى يساوي كل الأشياء، أو أن كل أنواع الموسيقى تساوي نتيجةً ملخصة واحدة ما كان لها أن تحصل بأي طريقة أخرى، تبدو لي ذات عيوب وعلل فكرية وتاريخية.

أيضا:

فالموسيقى كما يشهد تفسيري المختلف قليلا لفاجنر لا يمكن اختزالها لواقع فظ ليس لأنها تعكس العلاقات الإجتماعية فقط، بل لأنها تسمو عليها أيضا.

كان التفكير بالموسيقى والتغريب الثقافي في أواسط وأواخر القرن التاسع عشر (عند فيردي،بيزيت،فاجنر، ..إلخ) أو بالموسيقى أو السياسة خلال القرن السابع عشر والقرن العشرين (مونتيفريدي، شونبرغ، الجاز، الروك) بمثابة رسم خريطة لمجموعة الارتبطات السياسية والإجتماعية والولاءات والإنتهاكات، التي لا يمكن اختزال أي منها إلى مجرد فصل بسيط أو إلى انعكاس للواقع الفظ الردئ.

ما يستدعي لكتابة التدوينة هذه هو زمن انحطاط السياسي، وبالتالي انحطاط الأدبي والفني معه بالضرورة. وكل مرة يتبنى فنان ما أو أديب ما موقفاً سياسيا يتعارض بشكل حاد مع مواقفنا الشخصية نسأل ذواتنا هل نستطيع أن نستمع لذلك الموسيقي أم نقرأ لهذا الشاعر أو لذلك الأديب وكأننا نحمل جزء من المسؤولية اذا ما شاركنا كمتلقين لهذا العمل الجمالي. مسألة فاجنر خير مثال بإمكانه الإجابة على أسئلتنا في هذا الخصوص، سواء كنا ممن يأخذ برأي أدورنو وبرأي أصحاب التوجه المعادي لفاجنر أم كنا ممن يأخذ برأي إدوارد سعيد.

رسالة كارل ماركس إلى زوجته جيني

في رسالة شوق مطوّلة كتبها (كارل ماركس) لزوجته (جيني) في شهر يونيو من عام 1865، عندما كان في رحلة طويلة إلى مانشستر برفقة رفيق دربه (فريدريك إنجلز) بعيدا عن لندن وعن بيته في سوهو هناك، عبر (ماركس) عن مشاعره لـ(جيني) بأسلوبه الخاص في أجزاء مختلفة منها وهو الذي عرف بحبه الجم لزوجته وكتابته لقصائد عاطفية في شبابه لها وهو لم يبلغ العشرين عاماً وإن كان يجب الذكر أنه لم يكن راضيا عن مستواه الشعري وإنما كان يعتبره صادقاً ومعبرًا فقط :

مانشتر، 21 يونيو، 1865.

إلى حبيبة قلبي،

ها أنذا أكتب لكِ ثانيةً، لأنني وحيد. ولأنه يزعجني أن أناقشك في رأسي، من دون أن تعرفي عن هذا النقاش شيئا أو حتى تتمكني من الحديث معي. يبدو أن الغياب المؤقت جيد، فالتعود على الأشياء من حولنا يجعل الأشياء تتشابه ويصعب التفريق بينها. فالقُرب يُقزّم حتى الأبراج، بينما توافه الأمور والمألوف منها إذا ما نظرنا لها عن قرب تبدو كبيرة وذات أهمية. والعادات السيئة، التي قد تزعجنا جسدياً وقد تتحول إلى صيغة عاطفية، تختفي عندما تذهب مسبباتها من أمام أعيننا. أما المشاعرُ العظيمة، تلك التي تأخذ من خلال القُرب قالب الأمور الصغيرة الروتينية، تكبر وتنمو وتأخذ بُعدها الطبيعي على حساب المسافة السحرية بينها وبين الأشياء. هكذا هي الأمور مع حبّي الخاص، لقد خُطفتِ مني فيما يشبه الحلم، وها أنا أعرف بأن الوقت يقوم بما تقوم به الشمس والمطر للنباتات من أجل أن تنمو. ففي لحظات غيابك، يظهر حبي لكِ على حقيقته، كعملاق يجمع فيه كل طاقتي الروحية وكل خصائص قلبي. فهو يعيد شعوري بإنسانيتي لي مجددًا، لأني أستطيع الآن أن أشعر بهذا الشغف الجم. وذلك الافتراق الروحي الذي يوقعنا في شراكه البحث العلمي المعاصر، وهذه الشكوكية التي تجبرنا على إيجاد العيوب في كل انطباعاتنا الشخصية والموضوعية، كل هذا مُصمَّم ليجعلنا صغاراً خائري القوى كثيري الأنين. لكن هو الحب، ليس ذاك الحب على أسلوب فيورباخ، وليس من أجل الاستمرار في هذه الحياة عن طريق تلك التغيرات الحيوية، وليس من أجل نساء هذا العالم، واللاتي بعضهن نعم يتحلين بالكثير من الجمال. لكن، أنّى لي أن أجد وجهاً كل خواصه، كل تجاعيده، هو عبارة عن تذكار لأجمل وأعظم لحظات حياتي؟ حتى آلامي المبرحة اللامنتهية، و خسائر حياتي الفادحة التي لاتعوض، أراها في محيّاك الجميل. إني أقبل الألم قبلة الوداع؛ إذا قبّلتك.

إلى اللقاء عزيزتي. أقبّلك وأقبّل الاطفال ألف مرة.

كارل الذي تملكين.

 

رسالة ألبير كامو لمعلمه بعد فوزه بجائزة نوبل

Albert Camus

بعد فوزه بجائزة نوبل ، فكر الفيلسوف ألبير كامو ( نوفمبر 1913 – يناير 1960 ) بشكر والدته أولا و معلمه في المرحلة الإبتدائية ثانيا. فكتب كامو رسالة الشكر و العرفان هذه لمعلمه لويس جيرمين ، و الذي إهتم  به و رعاه في طفولته و وجّهه على الطريق الذي قاده في نهاية المطاف لأن يصبح الكاتب ذو الصيت و الإحترام العالمي ، و الذي حازت أعماله و رواياته على

جوائز عدة.

و قد فاز ألبير كامو بجائزة نوبل للأدب عام 1957 عن كتابه الشهير (الغريب) .و قد فاز بالجائزة في نفس العام الذي نشر فيه مقاله ” تأملات في المقصلة ” .

و يُعرف كامو بأنه أحد أبرز الفلاسفة و الكتاب الوجوديين ، رغم أنه يبغض هذا المصطلح. و قد ذكر ذك في أحد المقابلات الشخصية معه : ” لا ، لست وجوديًا. أنا و سارتر دائما ما تفاجئنا بإرتباط إسمينا معًا. لدرجة أننا فكرنا في نشر بيان قصير نعلن فيه أنه لا شئ مشترك بيننا البتة ! “

و هنا نص الرسالة:

19 نوفمبر 1957

 عزيزي سيد جيرمين

سمحت لشعوري الغامر أن يهدأ قبل أنا أحدثك من صميم قلبي. فلقد نلت شرفًا عظيما جدا ، شرفٌ لم أبتغيه ولم أطمح له.

لكنني عندما علمت بخبر فوزي بالجائزة ، أول ما خطر على ذهني ، بعد والدتي ، هو أنت. فلولاك ، ولولا هذه اليد العطوف التي مددتها لذلك الطفل المسكين الذي كنته ، و لولا تعاليمك ولولا وجودك كقدوة ، لم يكن كل هذا ليحدث.

لا أحصل على هذا شرف عظيم كهذا دائما. لكنني أريد أن أستغل هذه الفرصة الآن لأعبر عن مكانتك لدي سابقا و حاليا ، و أؤكد لك أن جهودك ، و عملك ،  و تفانيك ما زال يعيش في أحد تلاميذك الصغار. الذين و برغم كل هذه السنين ، لم يتوقفوا عن كونهم تلاميذك المدينين لك.

أعانقك بكل قلبي.

ألبير كامو

تأملات فاطمة المرنيسي في تحرر المرأة في المجتمعات المسلمة

فاطمة المرنيسي

إذا أردنا الحديث عن النسوية في عالمنا العربي لابد أن نذكر بعض الأسماء النسوية المُلهمة، وإن كانت قليلة، أحد أهم هذه الأسماء هي عالمة الاجتماع المغربية فاطمة المرنيسي، وهي من مواليد فاس عام 1940، والتي تابعت دراستها الجامعية بالرباط ثم درست العلوم السياسية في جامعة السوربون بفرنسا، فجامعة برانديز في الولايات المتحدة حيث حصلت على شهادة الدكتوراه، ومنذ الثمانينات أصبحت مُدرسة في جامعة محمد الخامس بالرباط. لها العديد من المؤلفات التي تُرجمت لعدة لُغات، والتي تُسلط فيها الضوء على المرأة المُسلمة وأوضاعها في المغرب والوطن العربي والعالم الإسلامي، مع عقد المُقارنات بين أوضاع النساء وحقوقهن قديمًا وحديثًا. المرنيسي كانت كتساؤلات وأفكار نسائية مسموعة، عبرت بقلمها عن هواجس النساء وتساؤلاتهن في كُتبها، اهتمت المرنيسي بمسألة تعليم المرآة وحقها في الثقافة والتعبير عن نفسها بحرية، كما اهتمت بالنسوية والمفاهيم الخاصة بالمرأة في المجتمع الإسلامي وتحرر المرأة فيه. وناقشت قضايا شائكة عدة في مؤلفاتها، خاصة في كتاب (تمرد المرأة والذاكرة الإسلامية)، حيث ناقشت قضايا تحرر المرأة وجنسانيتها في المجتمعات المسلمة الحديثة، والذي انطلقت فيه من أساس أن إشكالية التحرر في المقام الأول هي إشكالية مادية لا روحانية وأن التحرر في المقام الأول مسألة توزيعٍ للموارد. والإشكال الثاني بالنسبة لفاطمة المرنيسي هو قلة النماذج المؤثرة (للنساء المتحررات)، فتذكر المرنيسي:

“إن ردة الفعل القوية من قبل المسلمين تجاه مسألة تحرر المرأة إشكالية تُعزى إلى قلة النماذج (للنساء المتحررات). فالنموذجين الرئيسين أحدهما هو النموذج العربي الداخلي، ذلك الخاص بالعائلة وأنماط الجنسانية في حقبة ما قبل الإسلام، والثاني هو النموذج الغربي. إن النماذج الاشتراكية مثلا رغم أهميتها لأنماط العائلة والجنسانية بالكاد معروفة ويتم تجاهلها بشكل ممنهج ومقصود. وكلا النموذجين الإسلامي والغربي يقدمان نموذجا مجروحًا للجنسانية”.

فتشرح فاطمة المرنيسي أن إشكالية الجنوسة في الإسلام تنطلق من مفهوم الجنسانية ما قبل الإسلام. وأن الجنوسة في ما قبل الإسلام توصف عادةً بأنها فوضوية، وتتفشى فيها العلاقات الجنسية غيرُ الشرعية، التي أساسها هو حرية إرادة المرأة، وحرية اختيار شريكها في العملية الجنسية وعدم أهمية الشرعية لدى الأب البيولوجي:

“إن الفكرة من حرية إرادة الأنثى الجنسية المُشار إليها (تحرر المرأة) تثير على الأرجح مخاوفًا موروثة من هذه المرأة (غير المتحضرة) الجاهلية، التي كان الذكر قبلها محروم من سيطرته وجميع امتيازاته عليها”.

تؤكد المرنيسي أن خلط حرية الإرادة الجنسية للمرأة مع الفوضوية الجنسية، لم يقتصر فقط على المجتمعات المسلمة التي تواجه تغييرات بالغة في بنية العائلات فيها، بل أن هذا الخلط كان موجودًا من قبل حتى في المجتمعات غير المُسلمة:

“هذا الخلط وجد، ولا يزال موجودا في أي مجتمع يقوم نظامه العائلي على اضطهاد المرأة. فقد كان على ماركس وإنجلز مهاجمة هذا الخلط لدى الكتاب البرجوازيين بشكلٍ متكرر، الذين شوهوا تفكيرهم عن أية عائلة لم يتمُ فيها الحط من مكانة المرأة إلى منزلة دُنيا خاضعة، وكان عليهما أن يُـبينا مرارًا وتكرارًا أن الجنسانية غير البرجوازية القائمة على أساس المساواة بين الجنسين لا تؤدي بالضرورة إلى علاقات جنسية غير شرعية”.

ثم تعرّج على الفكرة السابقة بالنسبة للمجتمعات الإسلامية:

“الزواج الإسلامي يقوم على افتراض أن النظام الاجتماعي يمكن المحافظة عليه فقط إذا تم تقييد خطورة الفوضى الكامنة للمرأة من قِبل الزوج المسيطر. ولذلك فإن المخاوف المرتبطة بنظام العائلة تبدو مبررة، حيث هذه المخاوف مغروسة في الثقافة عبر قرون من اضطهاد المرأة. فمن المفهوم أن الذكور المسلمين يشعرون برعب من فكرة تحول أنماط عائلاتهم وحياتهم الجنسية إلى أنماط غربية. من حيث أن صفات الجنسانية في الثقافة الغربية هي تشويه لاستقامة المرأة. وهذا أيضا يبدو مفهوما فقد اقترض تحرر المرأة المسلمة كثير من صفات المرأة الغربية مثل الزي الغربي في ثلاثينات وأربعينات وخمسينات القرن العشرين والذي كان بالمناسبة هو لباس المرأة المستعمِرة”.

هذا المنحى الذي سلكه تحرر المرأة لأسباب يطول ذكرها، جعل فاطمة المرنيسي تبحث في معقولية مخاوف الرجل المسلم من فكرة تحرر المرأة، والتي تجدها مفهومة في كثيرٍ من الأوقات:

 “إن المخاوف التي أيقظها تغريب المرأة والذي لازم تحرير المرأة منذ أوائل القرن العشرين إلى يومنا هذا يمكن تفسيرها ببساطة على أنها مثال آخر سلسلة تمييز الذكر بصفته كائن عقلاني أكثر من المرأة، فالمجتمع المسلم مؤمن بأن الذكور قادرين على اختيار ما هو جيد في الحضارة الغربية، وترك ونبذ ما هو سيء وغير نافع. في حين النساء غير قادرة على الاختيار بشكل صحيح وهذا ما يتوافق مع الآراء الإسلامية بشكلٍ عام. وهناك عامل آخر يساعد في فهم مخاوف الرجال من التغييرات التي تحدث الآن، وهو أن تغريب المرأة قد عزز من قدرتها الإغرائية. وهو ما يعارض الأخلاق الإسلامية، ومن المثير للاهتمام أنه لما كان على حركات تحرر المرأة الغربية رفض ظهور جسد المرأة واستغلاله في وسائل الإعلام الإباحية، كانت المرأة المسلمة على الأرجح تطالب بحقها في جسدها كجزء من تحررها والذي يملكه بالأساس الذكر الزوج أو الأب أو الشقيق. ونستطيع ربما أن نفهم من انتشار صالونات التجميل هو تمهيد لإلحاح المرأة على المطالبة بجسدها”.

تيري إيجلتون و السؤال عن معنى الحياة

تيري إيجلتون

استهل تيري إيجلتون الناقد الماركسي البريطاني (المولود في 22 فبراير 1943) كتابه “معنى الحياة” بمقدمة نقدية لإستخداماتنا اللغوية، و منها استخدامنا للغة عند السؤال. فسؤال “ما معنى الحياة ؟” يثير إستغراب إيجلتون فهو سؤال لا يبدو سؤالا مباشرا و إنما سؤال يعتمد على اعتبارات لغوية مثل ما يسميها إيلجتون “قضية المعنى” فما معنى أن نسأل عن معنى شئ معين. يعلق تيري على سؤال معنى الحياة قائلا:

للوهلة الأولى، يبدو سؤال “ما معنى الحياة ؟” شبيهًا بذلك النوع من الأسئلة على غرار “ما عاصمة ألبانيا ؟” أو “ما لون العاج ؟” و لكن هل هو كذلك حقًا؟ أو هل يمكن أن يكون أقرب إلى سؤال من نوع ” ما مذاق الهندسة ؟ “

فقضية المعنى مسألة لغوية تماما بالنسبة لإيجلتون و ليست مسألة شيئية ، إنها مسألة أسلوب ، الأسلوب الذي نتحدث به عن الشئ و ليست سِمة من سمات هذا الشئ في حد ذاته مثل خواصه الطبيعية. يستطرد الناقد الثقافي الإنجليزي قائلا:

 فنبات الكرنب أو جهاز رسم القلب ليس لهما معنى في حد ذاتهما؛ و يصبحان هكذا فقط من خلال وجودهما في حديثنا عنها. و بناءً على هذه النظرية، يمكننا أن نضفي على حياتنا معنى من خلال حديثنا عنها؛ و لكن لا يمكن أن يكون لها معنى في ذاتها، شأنها شأن سحابة في السماء. فلن يكون منطقيا – على سبيل المثال – أن تتحدث عن سحابة باعتبارها إما حقيقية أو مزيفة. فالحقيقة و الزيف هما في الواقع وظائف لافتراضاتنا البشرية عن السحب.

أما سؤال ” ما معنى الحياة ؟ ” بالتحديد هو سؤال أقل أهمية من سؤال ” لماذا يوجد أي شئ على الإطلاق بدلاً من لا شئ ؟ ” فلماذا يوجد أي شئ يمكننا أن نتساءل ماذا نعني به من الأساس؟ علماء اللاهوت لا يجدون حرجًا ولا اختلافا في الإجابة عن هذا السؤال بالإله فهو صانع كل شئ وهو سبب وجوده و معناه. لكن تيري إيجلتون يجد إشكالية في هذه الإجابة ؛ من حيث هي تعيدنا لسؤال ” كيف نشأ الكون ؟ ” و هذا السؤال بالإمكان اعتباره سؤالا عن السببية. فإن وجدنا لسؤال كيفية نشأة الكون جوابًا فهو بالتأكيد سيكون جزء  فقط من كل شئ ، هذا بغض النظر عن الغاية من الخلق.  يقبتس تيري إيجلتون للفيلسوف الألماني الكبير لودفيج فيتجنشتاين بعض الأفكار محاولا توضيح بعض الغموض الذي يلف سؤال ما معنى الحياة أو سؤال لماذا يوجد شئ بدلا من العدم:

إن السؤال ” لماذا يوجد أي شئ بدلا من لا شئ ؟ ” هو بالأحرى تعبير عن الدهشة من وجود عالم من الأساس، في حين أنه كان يمكن ألا يكون هناك أي شئ ببساطة. و لعل ذلك جزء مما كان يدور في ذهن لودفيج فيتجنشتاين حين أشار إلى أن الغموض لا يكمن في كيفية نشأة العالم ، و لكن يكمن في وجوده أصلا !

الوجه البشع للموسيقى عند إدوارد سعيد

إدوارد سعيد

كان إدوارد سعيد (1 نوفمبر 1935- 25 سبتمبر 2003) شغوفًا بالموسيقى إلى حد كبير. فقد كان مستمعا جيدا مخلِصًا للموسيقى الكلاسيكية ذوقيا ، فقد تعود و تدرب على سماعها منذ صِغره و تعلم العزف على البيانو في عمر مبكرة – حتى اقتنع انه سيكون مستقبلا عازفا كبيرا لآلة البيانو – كنوع من الدخول في أسلوب الحياة البرجوازية الذي حاول والده آنذاك يعوّده عليه بزعمه. و بالفعل كان له ما توقع و لو قليلا على الأقل فقد عزف البيانو في بعض الحفلات التي حضرها قبل أن يتغير مستقبله كليا و يصير المفكر و الناقد الثقافي الذي نعرفه. رغم ما صار إليه إدوارد سعيد من موضع آخر بعيد عن الموسيقى إلا أنه كتب ماهو ليس بالقليل عنها فقد ألف كتابين هما ” توضيحات موسيقية ” و ” موسيقى بلا حدود ” و العديد من المقالات مثل مقالاته في مجلة الأمة الأمريكية الشهيرة.

و قد تأثر إدوارد سعيد في تحليله الموسيقي و آثار الموسيقى الإجتماعية تأثرًا جليا بالفيلسوف الكبير ثيودور أدورنو الذي اختص بمجال الجماليات و علمها في مدرسة فرانكفورت الفلسفية ولا يكاد يخلو كتاب ولا مقال لإدوارد عن الموسيقى ولا يأتي ذكر أدورنو كأب روحي لسعيد في هذا الجانب. يلتقي إدوارد سعيد بأدورنو في كون أن الموسيقى لا تنفصل عن النشاط الإجتماعي ، خاصة المفارقة غير الإنسانية التي ما ربطت كثير بين الموسيقى كونها في جوهرها فن نبيل و بين ممارسات بشعة مثل سوق المعتقلين في السجون النازية على موسيقى الموسيقار الشهير فاغنر. و كان أدورنو أول من بدأ هذه الإشارة إلى الربط بين الموسيقى و الإعتقال و التعذيب و سوْق المعتلقين إلى غرف الإعدام على أنغام الموسيقى الكلاسيكية. و لم يلبث طويلا حتى سار إدوارد على نفس النهج و الأخذ بالمقارنة ذاتها و إنزالها على أفعال إحتلال الإسرائيلي في سجونها تجاه الفلسطينيين ، حيث تُمارِس نفس الأسلوب فيذكر سعيد استخدامها موسيقى الميتال ” روك ميتال ميوزك ” لإزعاج المحاصرين في كنيسة المهد في بيت لحم عام 2002 في الإجتياح الإسرائيلي للضفة الغربية آنذاك.

يذكر سعيد في أحد المقالات:

إنني مهتم جدا بالأثر و المكون الإجتماعي للموسيقى. وما تصنعه من إشكاليات أخلاقية ربما بحسب أدورنو ، الذي استفزه عزف الموسيقى الكلاسيكية في معسكرات أوشفيتز الشهيرة ، فالضابط كان يقتل الناس نهارا ليعزف باخ ليلا !

و يكمل سعيد عن الممارسات الإسرائيلية في سجونها ذاكراً أن القوات الإسرائيلية و منها المخابرات كانت تبث موسيقى بيتهوفن أثناء تعذيب المعتقلين الفلسطينيين كنوع من ” الضغط البدني المعتدل ” كما يصفه الإسرائيليون. و يذكر أيضا أن صديق ابنه و الذي كان عضوا في حركة المقاومة الإسلامية ” حماس ” لم يكن يحتمل موسيقى بيتهوفن التي كانت تدوي في منزل إدوارد. فعندما سأله لماذا ؟ قال له بأن الإسرائيليين كان يضعونه في زنزانة مجهزة بمكبرات الصوت و يعزفون الموسيقى الكلاسيكية بأعلى صوت ممكن كنوع من أنواع الضغط.

إن جوهر القضية بالنسبة لإدوارد سعيد يتلخص ربما في قوله :

إن استخدام الموسيقى الكلاسيكية من جانب أناس لديهم ثقافة موسيقية رفيعة المستوى – حيث أن فرقة الأوركسترا الإسرائيلية كانت تعزف أعمال بيتهوفن و موتسارت و آخرين مثل أي فرقة بالعالم – في مراكز الإستجواب ضد الفلسطينيين هو ، ببساطة أمر لا يمكن الدفاع ولا السكوت عنه.

كافكا يتساءل : ما الذي يجعل كتابا ما كتابا جيدا ؟

كافكا

فرانس كافكا (3 يوليو 1883 – 3 يونيو 1924) كاتب تشيكي يهودي كتب بالألمانية، رائد الكتابة الكابوسية. يعد أحد أفضل أدباء الألمان في فن الرواية والقصة القصيرة. يقول كافكا في رسالة إلى صديق طفولته وزميل دراسته (أوسكار بولاك) في رسالة خاصة، محدثًا إياه عن كتاب كان قد أنهاه لتوه متكون من 1800 صفحة، يحكي عن حياة الشاعر الألماني (كريستيان فريديتش هيل)، فيقول بشكل درامي بأنه “لا يستطيع أخذ قلمه” أثناء قراءة الكتاب لأن إنجازات (هيل) أثرت به. يقول (كافكا) عما يجعل كتاباً ما جيدًا:

 أعتقد أنه يجب علينا فقط قراءة النوع من الكتب التي تدمينا بل وتغرس خناجرها فينا، وإذا كان الكتاب الذي نقرأ لا يوقظنا من غفلتنا فإذاً لماذا نقرأه أساسًا؟ هل هذا ماذا يجعلنا سعداء، أن نكتب؟ يا إلهي كم سنكون سعداء ! خصوصا إن لم يكن لدينا كتب ، بالذات هذا النوع من الكتب التي تجعلنا سعداء التي يمكننا كتابته بأنفسنا إذا ما أردنا ذلك ، ولكن نحن بحاجة إلى الكتب التي لها وقع الكارثة ، الكتب التي تُحزننا بعمق مثل وفاة شخص نُحبه أكثر من أنفسنا، مثل أن نُنفى بعيدا في غابة بمنأى عن الآخرين ، وكأنه الانتحار. يجب أن يكون الكتاب هو الفأس الذي يكسر جمودنا، هذا هو اعتقادي

تشمل المجلدات من الرسائل الأخرى بعض من روح الدعابة وبعض من رؤى (كافكا) في الحياة، ويحكي (كافكا) مازحا في رسالة أخرى إلى صديق الطفولة (بولاك) في عام 1902 عن المكتب الذي يكتب فيه إذ يدّعي أنه مكون من مسامير خشبيه حيث يضع ركبتيه لترتاح بشكل طبيعي.

وأضاف يحكي عن مكتبه ” إذا كنت تجلس عليه بهدوء وحذر فعليك أن تكتب شيئا محترما، ولكن إذا انفعلت توقف وانظر ما إذا كان جسدك يرتعش قليلا وأنه لا مفر من ألم هذه المسامير في ركبتيك، كما يمكنني أن أريك ظهور آثار الألم الزرقاء والسوداء. وكل ما أعنيه ببساطة هو: ألا تكتب أي شيء يثير الانفعال ولا تسمح لنفسك بالارتجاف أثناء الكتابة”.

 المصدر