أرشيف الكاتب

هل يمكننا الاستماع اليوم لفاجنر ؟

اشتُهِر ثيودور أدورنو (1903-1969) باهتمامه بالموسيقى والنقد الموسيقي وأنه أحد مؤسسي خط النقد الثقافي الموسيقي في مدرسة فرانكفورت. واشتهر أيضا بكتاباته المتعلقة بارتباط الموسيقى بالعنف النازي إبان الحرب العالمية الثانية وارتباط الموسيقى بالأيديولوجيا أو ما يسميه هو “بالوظيفة الأيديولوجية للنقد الموسيقي”، أيضا مسائل الإستهلاك والفيتشية الموسيقية. وارتبط أدورنو بالموسيقار والمسرحي الألماني ريتشارد فاجنر وعلاقته بالعقيدة النازية للنظام الهتلري الحاكم لألمانيا آنذاك. حيث اشتهر فاجنر بمعاداته للسامية وبتأليفه أعمالاً كانت فيما بعد ركيزة للفكر النازي ومعاداة السامية عموما وأدبا من أهم ادبياتهما. أعمالٌ مثل: “حلقة النيبلونج” وهي أربع أوبرات مستوحاة من الأساطير الجرمانية، “بارسيفال” هي أوبرا يشير فيها بشكل متكرر إلى مواضيع المسيحية والجنس من خلال القومية الألمانية والعداء لليهود. ايضا دراسة موسيقية بعنوان “اليهود في الموسيقى” اتَهم فيها الموسيقيين اليهود بالسطحية والانحطاط، ويعود هذا الانحطاط إلى انحطاط اللغة العبرانية إذا ما قارناها بالألمانية. وكان هتلر معجباً إعجاباً شديداً بفاجنر وكان يأمر بتنظيم حفلات لأعماله ويأمر أتباعه بحضورها. واشتهر في مرويات الهولوكوست أن الإعدامات في معسكرات الإعتقال مثل أوشفيتز تتم على أنغام افتتاحية معزوفة “الأساتذة الموسيقيون لنورمبرغ” أو يُجبَر المعتقلين على الإستماع لموسيقاه على سبيل إعادة التأهيل مثلما حدث في معسكر “داشاو”.

اهتم أدورنو بمسألة عداء السامية عند فاجنر وعلاقتها بمنتجه الفني، هل هما منفصلان أم هل ينبع عمله الموسيقي كمركب فني من أصل عداء فاجنر للسامية وماهو أصل هذا العداء في المقام الأول؟ فكتب بخصوص هذا كتاباً بعنوان “البحث عن فاجنر” في عام 1938، ولكنه لم يُنشر إلا بعد هروب أدورنو إلى نيويورك وعودته في 1952. في هذا الكتاب يناقش أدورنو فاجنر من نواحٍ عدة، خاصة مسألة أخلاقية الاستماع لفاجنر وعلاقته بالحاضر، وتحول فاجنر الفكري في شبابه من الأنسنة المتأثرة بفيورباخ للعدمية الشوبنهاورية بعد هزيمة ثورات شارك فاجنر في محاولة إذكائها. وهنا يبدو تأثر أدورنو في التحليل بهوركهايمر في علاقة العدمية والثورات المضادة الناتجة عن هزيمة الثورات ويقارب هذا التحول بدراسات هوركهايمر عن المجتمع البرجوازي. وتتمظهر هذه التحولات في الأوبرا الأخيرة  من “حلقة النيبلونج” والمعنونة بـ”شفق الآلهة” أو Gotterdammerung والمأخوذ من أسطورة نورسيّة قديمة عن حرب بين البشر والآلهة تنتهي بحريق وغرق يليهما نشوء وولادة عالم جديد.

كان أدورنو صارماً في نقده لفاجنر بحكم الوضع السياسي العصيب الذي عاشه بسبب النظام النازي إلا أنه قد أصبح لين الجانب قليلا فيما بعد ذلك فيقول في محاضرة له ألقاها في عام 1963 معلقا على كتابه:

اليوم أود أن أعيد صياغة العديد من الأشياء التي تم ذكرها في الكتاب بشكل مختلف. خاصة الإشكال المركزي فيه، وهو العلاقة بين الشؤون المجتمعية هذا من جهة. ومن جهة أخرى الشؤون الاستطيقية، فربما تعمقت أكثر من اللازم عما كانت عليه الأمور آنذاك. لكني لا أتخلى عن الكتاب ولا أضع مسافة بيني وبين مبادئه التي يقوم عليها.

ويكمل قائلا:

ربما علي أن أشكر الحرية، فباستطاعتي الآن أضع بعض التعليقات بخصوص التغييرات التاريخية في سلوكنا تجاه فن فاجنر، فنحن لا نستطيع تجاهل العامل السياسي. فلقد حلت بنا كوارث عدة حتى نرى الجمالي فيها ونغلق أعيننا عليه.

 أول أسئلة أدورنو كانت من أين تأتي معاداة السامية هذه عند فاجنر؟ فحاول البحث فلسفيا عن هذه الإجابة. فاعتبر أن موسيقى فاجنر ماهي إلا تجسيد لخيبة ثوراته، بشكل تناقضي يحدث هذا من خلال الجمع بين الرفض المحافظ للحداثة الرأسمالية والعناصر الرئيسية للإستهلاك الفيتيشي. وبالتالي إذا سلّمنا بهذا تصبح المعاداة للسامية عند فاجنر ليست خيارا شخصيا أو رأيا ظاهريا فحسب، وإنما هي محفورة في البنية الداخلية لأعماله الفنية.

يحاول الناقد السلوفيني سلافوي جيجيك الإجابة على هذا السؤال من خلال توطئة كتبها لأحد نسخ كتاب أدورنو بعنوان “لماذا يستحق فاجنر الإنقاذ؟” قائلا:

في تعاملنا مع معاداة السامية عند فاجنر، يجب أن نضع في حسباننا أن معارضة ما يسمى بالروح الجرمانية للمبدأ اليهودي ليستا معارضة حقيقية. بل هناك لفظة ثالثة، ألا وهي الحداثة. حيث هي تسيّد للتبادل في المجال العام، واضمحلال للعلاقات العضوية وتسيّد للصناعات الحديثة، وتسيّد للفردانية.

ويكمل محاولاً توضيح أن رفض الحداثة لدى فاجنر ليس مباشراً وإنما هو أكثر تعقيداً. ففاجنر يحاول عنده تحويل الحداثة هذا الكيان التجريدي الغير شخصي إلى وجه مألوف وكان هذا الوجه هو اليهود. فرفض اليهود هو رفض لمبادئ التكامل والإحتواء الحداثي:

لنخلص الموضوع، إن معاداة السامية لا تعبر عن معاداة للحداثة بهذا الشكل، وإنما هي محاولة لجمع الحداثة والهيمنة الإجتماعية والتي هي خاصية من خصائص الثورات المحافظة.

كل ما سبق هو محاولة لتوضيح أن معاداة السامية عند فاجنر ليست رأياً شخصيا يمكن تجاهله، وإنما هي كامنة في أصل وذات أعماله الفنية. وإذا ما عرفنا ذلك، هل ما زال بإمكاننا تجاهل ذلك عندما نستمع للموسيقى ؟ أم نرفض الاستماع إليه كما يفعل المعادون للفاجنرية أو كما يحدث في دولة الإحتلال الصهيوني حيث هناك منع غير رسمي لأعمال فاجنر. يذكر إدوارد سعيد أن الموسيقي دانييل بارينبويم حاول أن يعزف أحد المقطوعات الخاصة بفاجنر في تل أبيب، حتى اقتربت منه سيدة عجوز قائلة: “أنى لك الرغبة أن تعزف شيئا كهذا ؟ لقد رأيت عائلتي تساق للإعدام على أنغام افتتاحية “الأساتذة الموسيقيون لنورمبرغ”.”

وهنا يناقش إدوارد سعيد في كتابه “متتاليات موسيقية” بادئا ذي بدء بدور المسيقى الكلاسيكية في الغرب المعاصر:

وعليه، فإن الموسيقى بشكل حرفي تملأ تماما فضاءً اجتماعياً، وهي تفعل ذلك عن طريق إحكام أفكار السلطة والتسلسل الهرمي الاجتماعي المرتبط مباشرة مع مؤسسة مسيطرة يُتخيّل أنها مترأسة وسائدة.

يدافع إدوارد عن عن الجدارة الجمالية لدى موسيقى فاجنر برغم ما يشوبها من إرث ثقافي وسياسي ويعتبرها جمالية غر قابلة للإتهام. فهي سم ودواء في آن واحد، على الرغم من فظاظتها إلا أنه ليس بالإمكان أن نختزلها إلى مستوى واقعيتها الفظة فحسب، وهنا يختلف سعيد مع أدورنو:

كل التحليلات ذات الأثر الرجعي، سواء أكانت للموسيقى أم لأي نشاط إنساني آخر، والتي تحكم وتُنظّر وتشمل في الوقت نفسه، والتي تقول بالنتيجة إن شيئا واحداً كالموسيقى يساوي كل الأشياء، أو أن كل أنواع الموسيقى تساوي نتيجةً ملخصة واحدة ما كان لها أن تحصل بأي طريقة أخرى، تبدو لي ذات عيوب وعلل فكرية وتاريخية.

أيضا:

فالموسيقى كما يشهد تفسيري المختلف قليلا لفاجنر لا يمكن اختزالها لواقع فظ ليس لأنها تعكس العلاقات الإجتماعية فقط، بل لأنها تسمو عليها أيضا.

كان التفكير بالموسيقى والتغريب الثقافي في أواسط وأواخر القرن التاسع عشر (عند فيردي،بيزيت،فاجنر، ..إلخ) أو بالموسيقى أو السياسة خلال القرن السابع عشر والقرن العشرين (مونتيفريدي، شونبرغ، الجاز، الروك) بمثابة رسم خريطة لمجموعة الارتبطات السياسية والإجتماعية والولاءات والإنتهاكات، التي لا يمكن اختزال أي منها إلى مجرد فصل بسيط أو إلى انعكاس للواقع الفظ الردئ.

ما يستدعي لكتابة التدوينة هذه هو زمن انحطاط السياسي، وبالتالي انحطاط الأدبي والفني معه بالضرورة. وكل مرة يتبنى فنان ما أو أديب ما موقفاً سياسيا يتعارض بشكل حاد مع مواقفنا الشخصية نسأل ذواتنا هل نستطيع أن نستمع لذلك الموسيقي أم نقرأ لهذا الشاعر أو لذلك الأديب وكأننا نحمل جزء من المسؤولية اذا ما شاركنا كمتلقين لهذا العمل الجمالي. مسألة فاجنر خير مثال بإمكانه الإجابة على أسئلتنا في هذا الخصوص، سواء كنا ممن يأخذ برأي أدورنو وبرأي أصحاب التوجه المعادي لفاجنر أم كنا ممن يأخذ برأي إدوارد سعيد.

رسالة كارل ماركس إلى زوجته جيني

في رسالة شوق مطوّلة كتبها (كارل ماركس) لزوجته (جيني) في شهر يونيو من عام 1865، عندما كان في رحلة طويلة إلى مانشستر برفقة رفيق دربه (فريدريك إنجلز) بعيدا عن لندن وعن بيته في سوهو هناك، عبر (ماركس) عن مشاعره لـ(جيني) بأسلوبه الخاص في أجزاء مختلفة منها وهو الذي عرف بحبه الجم لزوجته وكتابته لقصائد عاطفية في شبابه لها وهو لم يبلغ العشرين عاماً وإن كان يجب الذكر أنه لم يكن راضيا عن مستواه الشعري وإنما كان يعتبره صادقاً ومعبرًا فقط :

مانشتر، 21 يونيو، 1865.

إلى حبيبة قلبي،

ها أنذا أكتب لكِ ثانيةً، لأنني وحيد. ولأنه يزعجني أن أناقشك في رأسي، من دون أن تعرفي عن هذا النقاش شيئا أو حتى تتمكني من الحديث معي. يبدو أن الغياب المؤقت جيد، فالتعود على الأشياء من حولنا يجعل الأشياء تتشابه ويصعب التفريق بينها. فالقُرب يُقزّم حتى الأبراج، بينما توافه الأمور والمألوف منها إذا ما نظرنا لها عن قرب تبدو كبيرة وذات أهمية. والعادات السيئة، التي قد تزعجنا جسدياً وقد تتحول إلى صيغة عاطفية، تختفي عندما تذهب مسبباتها من أمام أعيننا. أما المشاعرُ العظيمة، تلك التي تأخذ من خلال القُرب قالب الأمور الصغيرة الروتينية، تكبر وتنمو وتأخذ بُعدها الطبيعي على حساب المسافة السحرية بينها وبين الأشياء. هكذا هي الأمور مع حبّي الخاص، لقد خُطفتِ مني فيما يشبه الحلم، وها أنا أعرف بأن الوقت يقوم بما تقوم به الشمس والمطر للنباتات من أجل أن تنمو. ففي لحظات غيابك، يظهر حبي لكِ على حقيقته، كعملاق يجمع فيه كل طاقتي الروحية وكل خصائص قلبي. فهو يعيد شعوري بإنسانيتي لي مجددًا، لأني أستطيع الآن أن أشعر بهذا الشغف الجم. وذلك الافتراق الروحي الذي يوقعنا في شراكه البحث العلمي المعاصر، وهذه الشكوكية التي تجبرنا على إيجاد العيوب في كل انطباعاتنا الشخصية والموضوعية، كل هذا مُصمَّم ليجعلنا صغاراً خائري القوى كثيري الأنين. لكن هو الحب، ليس ذاك الحب على أسلوب فيورباخ، وليس من أجل الاستمرار في هذه الحياة عن طريق تلك التغيرات الحيوية، وليس من أجل نساء هذا العالم، واللاتي بعضهن نعم يتحلين بالكثير من الجمال. لكن، أنّى لي أن أجد وجهاً كل خواصه، كل تجاعيده، هو عبارة عن تذكار لأجمل وأعظم لحظات حياتي؟ حتى آلامي المبرحة اللامنتهية، و خسائر حياتي الفادحة التي لاتعوض، أراها في محيّاك الجميل. إني أقبل الألم قبلة الوداع؛ إذا قبّلتك.

إلى اللقاء عزيزتي. أقبّلك وأقبّل الاطفال ألف مرة.

كارل الذي تملكين.

 

رسالة ألبير كامو لمعلمه بعد فوزه بجائزة نوبل

Albert Camus

بعد فوزه بجائزة نوبل ، فكر الفيلسوف ألبير كامو ( نوفمبر 1913 – يناير 1960 ) بشكر والدته أولا و معلمه في المرحلة الإبتدائية ثانيا. فكتب كامو رسالة الشكر و العرفان هذه لمعلمه لويس جيرمين ، و الذي إهتم  به و رعاه في طفولته و وجّهه على الطريق الذي قاده في نهاية المطاف لأن يصبح الكاتب ذو الصيت و الإحترام العالمي ، و الذي حازت أعماله و رواياته على

جوائز عدة.

و قد فاز ألبير كامو بجائزة نوبل للأدب عام 1957 عن كتابه الشهير (الغريب) .و قد فاز بالجائزة في نفس العام الذي نشر فيه مقاله ” تأملات في المقصلة ” .

و يُعرف كامو بأنه أحد أبرز الفلاسفة و الكتاب الوجوديين ، رغم أنه يبغض هذا المصطلح. و قد ذكر ذك في أحد المقابلات الشخصية معه : ” لا ، لست وجوديًا. أنا و سارتر دائما ما تفاجئنا بإرتباط إسمينا معًا. لدرجة أننا فكرنا في نشر بيان قصير نعلن فيه أنه لا شئ مشترك بيننا البتة ! “

و هنا نص الرسالة:

19 نوفمبر 1957

 عزيزي سيد جيرمين

سمحت لشعوري الغامر أن يهدأ قبل أنا أحدثك من صميم قلبي. فلقد نلت شرفًا عظيما جدا ، شرفٌ لم أبتغيه ولم أطمح له.

لكنني عندما علمت بخبر فوزي بالجائزة ، أول ما خطر على ذهني ، بعد والدتي ، هو أنت. فلولاك ، ولولا هذه اليد العطوف التي مددتها لذلك الطفل المسكين الذي كنته ، و لولا تعاليمك ولولا وجودك كقدوة ، لم يكن كل هذا ليحدث.

لا أحصل على هذا شرف عظيم كهذا دائما. لكنني أريد أن أستغل هذه الفرصة الآن لأعبر عن مكانتك لدي سابقا و حاليا ، و أؤكد لك أن جهودك ، و عملك ،  و تفانيك ما زال يعيش في أحد تلاميذك الصغار. الذين و برغم كل هذه السنين ، لم يتوقفوا عن كونهم تلاميذك المدينين لك.

أعانقك بكل قلبي.

ألبير كامو

فاطمة المرنيسي و تحرر المرأة في المجتمعات المسلمة

فاطمة المرنيسي

إذا أردنا الحديث عن النسوية في عالمنا العربي لابد أن نذكر بعض الأسماء المهمة و إن قلّت. أحد أهم هذه التجارب هي عالمة الإجتماع المغربية فاطمة المرنيسي ( مواليد فاس، عام 1940 ) و التي اهتمت بمسألة النسوية و الإسلام و المفاهيم الخاصة بالمرأة في المجتمع الإسلامي و تحرر المرأة فيه.  ناقشت المرنيسي قضايا عدة في مؤلفاتها خاصة في كتاب تمرد المرأة و  الذاكرة الإسلامية  قضايا تحرر المرأة و جنسانيتها في المجتمعات المسلمة الحديثة  ، الذي انطلقت فيه من أساس أن إشكالية التحرر في المقام الأول هي إشكالية مادية لا روحانية و أن التحرر في المقام الأول مسألة توزيعٍ للموارد. و الإشكال الثاني بالنسبة لفاطمة المرنيسي هو قلة النماذج المؤثرة ” للنساء المتحررات ” فتذكر المرنيسي:

إن ردة الفعل القوية من قبل المسلمين تجاه مسألة تحرر المرأة إشكالية تُعزى إلى قلة النماذج ” للنساء المتحررات ” . فالنموذجين الرئيسين أحدهما هو النموذج العربي الداخلي ، ذلك الخاص بالعائلة و أنماط الجناسنية في حقبة ما قبل الإسلام ، و الثاني هو النموذج الغربي. إن النماذج الإشتراكية مثلا رغم أهميتها لأنماط العائلة و الجنسانية بالكاد معروفة و يتم تجاهلها بشكل ممنهج و مقصود. و كلا النموذجين الإسلامي و الغربي يقدمان نموذجا مجروحًا للجنسانية.

لتشرح فاطمة المرنيسي إشكالية الجنوسة في الإسلام تنطلق من مفاهيم جنسانية  ما قبل الإسلام. توصف عادةً الجنوسة في ما قبل الإسلام بأنها فوضوية ، و تتفشى فيها العلاقات   الجنسية غير الشرعية التي أساسها هو حرية إرادة المرأة ، و حرية اختيار شريكها في العملية الجنسية و عدم شرعية و أهمية شرعية الأب البيولوجي:

إن الفكرة من حرية إرادة الأنثى الجنسية المُشار إليها ” تحرر المرأة ” تثير على الأرجح مخاوفًا موروثة من هذه المرأة ” غير المتحضرة ” الجاهلية ، التي كان الذكر قبلها محروم من سيطرته و جميع امتيازاته عليها.

تؤكد المرنيسي أن خلط حرية الإرادة الجنسية للمرأة مع الفوضوية الجنسية لا يقتصر على المجتمعات المسلمة فقط التي تواجه تغييرات بالغة في بنية العائلات فيها:

هذا الخلط وجد ، و لا يزال موجودا في أي مجتمع يقوم نظامه العائلي على اضطهاد المرأة. فقد كان على ماركس و إنجلز مهاجمة هذا الخلط لدى الكتاب البرجوازيين بشكل متكرر ، الذين شوهوا تفكيرهم عن أية عائلة لم يتم فيها الحط من مكانة المرأة إلى منزلة دُنيا خاضعة ، و كان عليهما ان يبينا مرارًا و تكرارًا أن الجنسانية غير البرجوازية القائمة على أساس المساواة بين الجنسين لا تؤدي بالضرورة إلى علاقات جنسية غير شرعية.

ثم تعرّج على الفكرة السابقة بالنسبة للمجتمعات الإسلامية:

الزواج الإسلامي يقوم على افتراض أن النظام الإجتماعي يمكن المحافظة عليه فقط إذا تم تقييد خطورة الفوضى الكامنة للمرأة من قِبل الزوج المسيطر. و لذلك فإن المخاوف المرتبطة بنظام العائلة تبدو مبررة ، حيث هذه المخاوف مغروسة في الثقافة عبر قرون من اضطهاد المرأة. فمن المفهوم أن الذكور المسلمين يشعرون برعب من فكرة تحول أنماط عائلاتهم و حياتهم الجنسية إلى أنماط غربية. من حيث أن صفات الجنسانية في الثقافة الغربية هي تشويه لإستقامة المرأة. و هذا أيضا يبدو مفهوما فقد اقترض تحرر المرأة المسلمة كثير من صفات المرأة الغربية مثل الزي الغربي في ثلاثينات و أربعينات و خمسينات القرن العشرين و الذي كان بالمناسبة هو لباس المرأة المستعمِرة.

هذا المنحى الذي سلكه تحرر المرأة لأسباب يطول ذكرها ، جعل فاطمة المرنيسي تبحث في معقولية مخاوف الرجل المسلم من فكرة تحرر المرأة ، و التي تجدها مفهومة كثيرا من الأوقات:

 إن المخاوف التي أيقظها تغريب المرأة و الذي لازم تحرير المرأة منذ أوائل القرن العشرين إلى يومنا هذا يمكن تفسيرها ببساطة على أنها مثال آخر سلسلة تمييز الذكر بصفته كائن عقلاني أكثر من المرأة ،  فالمجتمع المسلم مؤمن بأن الذكور قادرين على اختيار ما هو جيد في الحضارة الغربية ، و ترك و نبذ ماهو سئ و غير نافع. في حين النساء غير قادرة على الإختيار بشكل صحيح و هذا ما يتوافق مع الآراء الإسلامية بشكلٍ عام. و هناك عامل آخر يساعد في فهم مخاوف الرجال من التغييرات التي تحدث الآن ، وهو أن تغريب المرأة قد عزز من قدرتها الإغرائية. وهو ما يعارض الأخلاق الإسلامية ، و من المثير للإهتمام أنه لما كان على حركات تحرر المرأة الغربية رفض ظهور جسد المرأة و استغلاله في وسائل الإعلام الإباحية ، كانت المرأة المسلمة على الأرجح تطالب بحقها في جسدها كجزء من تحررها و الذي يملكه بالأساس الذكر الزوج أو الاب أو الشقيق. و نستطيع ربما ان نفهم من انتشار صالونات التجميل هو تمهيد لإلحاح المرأة على المطالبة بجسدها.

تيري إيجلتون و السؤال عن معنى الحياة

تيري إيجلتون

استهل تيري إيجلتون الناقد الماركسي البريطاني (المولود في 22 فبراير 1943) كتابه “معنى الحياة” بمقدمة نقدية لإستخداماتنا اللغوية، و منها استخدامنا للغة عند السؤال. فسؤال “ما معنى الحياة ؟” يثير إستغراب إيجلتون فهو سؤال لا يبدو سؤالا مباشرا و إنما سؤال يعتمد على اعتبارات لغوية مثل ما يسميها إيلجتون “قضية المعنى” فما معنى أن نسأل عن معنى شئ معين. يعلق تيري على سؤال معنى الحياة قائلا:

للوهلة الأولى، يبدو سؤال “ما معنى الحياة ؟” شبيهًا بذلك النوع من الأسئلة على غرار “ما عاصمة ألبانيا ؟” أو “ما لون العاج ؟” و لكن هل هو كذلك حقًا؟ أو هل يمكن أن يكون أقرب إلى سؤال من نوع ” ما مذاق الهندسة ؟ “

فقضية المعنى مسألة لغوية تماما بالنسبة لإيجلتون و ليست مسألة شيئية ، إنها مسألة أسلوب ، الأسلوب الذي نتحدث به عن الشئ و ليست سِمة من سمات هذا الشئ في حد ذاته مثل خواصه الطبيعية. يستطرد الناقد الثقافي الإنجليزي قائلا:

 فنبات الكرنب أو جهاز رسم القلب ليس لهما معنى في حد ذاتهما؛ و يصبحان هكذا فقط من خلال وجودهما في حديثنا عنها. و بناءً على هذه النظرية، يمكننا أن نضفي على حياتنا معنى من خلال حديثنا عنها؛ و لكن لا يمكن أن يكون لها معنى في ذاتها، شأنها شأن سحابة في السماء. فلن يكون منطقيا – على سبيل المثال – أن تتحدث عن سحابة باعتبارها إما حقيقية أو مزيفة. فالحقيقة و الزيف هما في الواقع وظائف لافتراضاتنا البشرية عن السحب.

أما سؤال ” ما معنى الحياة ؟ ” بالتحديد هو سؤال أقل أهمية من سؤال ” لماذا يوجد أي شئ على الإطلاق بدلاً من لا شئ ؟ ” فلماذا يوجد أي شئ يمكننا أن نتساءل ماذا نعني به من الأساس؟ علماء اللاهوت لا يجدون حرجًا ولا اختلافا في الإجابة عن هذا السؤال بالإله فهو صانع كل شئ وهو سبب وجوده و معناه. لكن تيري إيجلتون يجد إشكالية في هذه الإجابة ؛ من حيث هي تعيدنا لسؤال ” كيف نشأ الكون ؟ ” و هذا السؤال بالإمكان اعتباره سؤالا عن السببية. فإن وجدنا لسؤال كيفية نشأة الكون جوابًا فهو بالتأكيد سيكون جزء  فقط من كل شئ ، هذا بغض النظر عن الغاية من الخلق.  يقبتس تيري إيجلتون للفيلسوف الألماني الكبير لودفيج فيتجنشتاين بعض الأفكار محاولا توضيح بعض الغموض الذي يلف سؤال ما معنى الحياة أو سؤال لماذا يوجد شئ بدلا من العدم:

إن السؤال ” لماذا يوجد أي شئ بدلا من لا شئ ؟ ” هو بالأحرى تعبير عن الدهشة من وجود عالم من الأساس، في حين أنه كان يمكن ألا يكون هناك أي شئ ببساطة. و لعل ذلك جزء مما كان يدور في ذهن لودفيج فيتجنشتاين حين أشار إلى أن الغموض لا يكمن في كيفية نشأة العالم ، و لكن يكمن في وجوده أصلا !