أرشيف الكاتب

نظرة د. مصطفى حجازي للإنسان المهدور

د.مصطفى حجازي

الدكتور مصطفى حجازي، أكاديمي ومفكر لبناني. حاصل على الدكتوراه في علم النفس من جامعة ليون بفرنسا، شغل مناصب استشارية مختلفة لعدد من المنظمات التابعة للأمم المتحدة. تعد أبرز كتاباته كتابي (الإنسان المهدور)، والجزء الثاني بعنوان (التخلف الاجتماعي). يتكلم الدكتور في كتابه (الإنسان المهدور) عن الهدر الإنساني، فيبتدئ حديثه بأن يقول :

يجب الاعتراف بإنسانية الإنسان قبل الديموقراطية، ولابدَّ من تسمية الأشياء بمسمّياتها حتى يصبح الحديث في الديموقراطية والحرية فاعلاً ومؤثراً.

وقبل الخوض في تفاصيل الهدر لابدّ من تعريفه يرد في قاموس لسان العرب أن الهدر هو: مايُستباح ويمكن سفحه في حالة من زوال حرمته التي تُحصِّنه ضد التعدي عليه”. إلا أن الموضوع الذي يعنينا في هذا المقام هو هدر الإنسان تحديداً بمعنى التنكر لإنسانيته وعدم الاعتراف بقيمته وحصانته وكيانه وحقوقهويسرد أكثر بقوله:

إن الهدر الإنساني حالة ليست نادرة ،ويتخذ الهدر شكل عدم الاعتراف بالطاقات والكفاءات أو الحق في تقرير المصير والإرادة الحرة وحتى الحق بالوعي بالذات والوجود، وقد يكون الهدر مادياً أو معنوياً أو على مستوى الحقوقومن هنا يتجلى الهدر الإنساني باعتباره أكثر جذرية من القهر

ويوضح هنا الفرق بين الهدر والقهر، فهو يرى “أن القهر يبقى حالة خارجية يمكن الاحتماء إزاءها من خلال الحفاظ على الرفض أو الثورة والتمرد الداخلي (كما هو شأن رفض الاستغلال ورفض الاستعمار). قد لايتمكن القهر الخارجي من النيل من الحرية الداخلية، ومن اعتراف الإنسان بكيانه الذاتي ولو بشكل خفي. أما في الهدر فإن هناك سحباً للاعتراف أصلاً لقيمته الكيان أو الطاقات أو الوعي أو المكانة”. ويختم فكرته حول علاقة غياب الديموقراطية بالهدر الإنساني بأنها:

حالة منقطعة الصلة، وأن الاستبداد ليس مجرد حجب للديموقراطية أو منع للحقوق، بل هو علاقة مختلفة نوعياً تقوم على أختزال الكيان الإنساني للآخرين إلى مستوى «الرعيّة».

وتحدث ايضاً عن ألوان الهدر ومستوياته ويوضح هذا التعدد بأنه انعدام الاعتراف بإنسانية الإنسان وتتخذ أشكالاً ومستويات متفاوته. ويرى أن للهدر نوعين رئيسين هما الهدر العام والهدر الخاص، أما الهدر العام فوصفه بأنه:

يطال شرائح كبرى من الناس ، أو حتى مجتمعات بأكملها. يدخل هذا ضمن حالات الطغيان والاستبداد، ومن حالات الهدر العام، هدر الطاقات وهدر الوعي وهدر الفكرذلك أن الوجود الإنساني محكوم بالقيمة وباعتراف الآخر بقيمتنا الذاتية في تذبذباتها مابين الاكتئاب والمرارة والتبلد، وبين التمردات الداخلية والحرب على الذات المعاقة في كينونتها .

ومع هدر الوعي يهدر العقل ذاته باعتبار أن الوعي هو المدخل إلى التفكير والعطاء الفكريولابدَّ هنا من إشارة إلى الهدر الذي تفرضه نُظُم التحريم، وهو الحب المهدور وملفه الكياني الممنوع. العاطفة بما هي أشد وأسمى محركات الوجود الإنساني تُصادر وتُمنع .وبذلك الهدر العاطفي يكمل ثلاثي هدر العقل والوعي والانتماءيصادر الحب كما يصادر العقل والوعي والانتماءيصادر الحب كما يصادر العقل والوعي وبالتالي نكون بصدد كيان سلبت منه حيويته وحياته .

ولخص الهدر الخاص في ثلاث فئات من المجتمع وهم المرأة والشباب والطفولة فهي أكثر الشرائح السكانية تعرضاً للهدر، سواء على المستوى الكياني أم على مستوى  الطاقات والوعي أم على مستوى الدور والمكانة . بداية يوصف هدر المرأة بقوله:

يختزل دور كيان المرأة كملكية عصبية وأداة إنجاب ومصاهرة، كما يُهدر كيانها من خلال جعلها ملكية العشيرة والأسرة (من خلال ملكية الأب والأخ للبنت ومن بعده الزوج لزوجته) كما يهدر كيانها من خلال تحويلها إلى أسطورة الضعف والعار، حيث يستخدم كموضوع لإسقاط ضعف الرجل وهدره عليها، كي يعود فيكتسب شيئاً من التوازن والقيمة التعويضية من خلال هذا الإسقاط.

أما هدر الطفولة فهو إحدى مشكلات التنشئة الكبرى في عالمنا العربيكما يبدأ الطفل حياته في سنينه الأولى وهو يعبّر عن الكثير من إمكانيات الإبداع العفويإلّا أن أسلوب التنشئة القمعية التي تقمقم الطاقات يفعل فعله في البيت، ويستكمل في المدرسة في نوع من الخطة المبرمجة لقمع العفوية والإبداع والانطلاق والحيوية. على أن هدر كيان الطفل قد يتخذ أشكالاً أخرى من خلال التعامل معه باعتباره طفل أداة لتحقيق طموحات الأهل، أوطفل عبء، أو طفل عقبة، أو الطفل أداة الصراع بين الوالدين.

في كل هذه الحالات يهدر كيان الطفل بدلاً من رعايته لذاته، وإطلاق طاقاته المعبرة عن ظفر الحياة على الموت. وأما هدرالشباب فهو استكمال لهدر الطفولة الذي يحمل نزوة الحياة التي تتمثل أولاً في الرغبة في الاعتراف والتقدير، والصراع من أجل نيلهما، فالرخاء المادي وحده ليس كافياً لملء حياة الإنسانهناك نزوة الحياة في كل إنسان تتخذ شكل الرفض والكبرياء والرغبة في إثبات الذات وإجبار الآخر على الاعتراف بها وبحقها في الوجود. فهذه النزوة تدفع الإنسان إلى خلق ذات جديدة لنفسه في حالة طموح مثالي بأخذ الخيار الصعب والقدرة عليه.

نظرة في مذكرات دي بوفوار

دي بوفوار

سيمون دو بوڤوار (1908-1986)، كاتبة فرنسية وفيلسوفة وجودية، تعد أحد أبرز النسويات التي أثّر خطابها على الفكر النسوي إلى اليوم. ففي رواية (مذكرات فتاة ملتزمة)، والتي هي في حقيقة الأمر سيرة ذاتية، عرضت (بوڤوار) لنا قصة حياتها في السنوات العشرين الأولى منها؛ والتي ربما شكّلت لها أهم الأسئلة التي لازمتها طيلة مشوارها.

ولدت (بوڤوار) في باريس، عام 1908، ومنذ طفولتها سرت في شخصيتها الروح الاستقلالية، كانت تقول: “منذ الصغر كانت تُسْكِرني فكرة أن أمتلك حياة تخصني وحدي!” ، ومن هنا بدأ يتشكل فكرها المتمرد والمختلف عن حياة البرجوازية المحيطة بها آنذاك، خصوصاً حول وضع المرأة في تلك الفترة؛ والتي كان يتكثّف دورها في الاقتصار في الدوارة ضمن حلقة الزواج.

كانت (بوڤوار) ترى فكرة الزواج بنمطه التقليدي الذي ينحى ناحية العبودية بنظرة استياء ونفور يسلبها حريتها، تقول:

كنت أؤثر، إلى ما لا نهاية، أن أمتهن مهنةً على أن أتزوّج، وكانت هذة الفكرة تفسح لي في طريق الأمل؛ فقد عرف العالم أشخاصاً عملوا أشياء، وسوف أعمل أنا الأخرى شيئاً ما.

عندما تكون العلاقة الزوجية قائمة على التفاضلية وليست تكاملية، حينها لا ترى المرأة المستقلة لها حاجة بمثل هذة العلاقة، فالزواج أبعد مايكون عن اقتصاره على الحضور المادي. وقد وصفت (بوڤوار) الزواج بصورة قد تبدو ردةً على التقاليد الاجتماعي آنذاك، فقالت:

لا أرى فرقاً بين امرأة تتزوج زواج مصلحة وبين بغيّ، وكانوا قد لقّنوها أنّ على المرأة المسيحية أن تحترم جسدها، وأنها لا تحترمه إذا هي استسلمت من غير حب، بدافع من مال أو من استنساب.

لازمت (بوڤوار) حرقة انعكست بالسخونة ذاتها على نصوصها، وهي ترى الذكورية وقد تجذّرت في مجتمعها، فمثلاً، كان القانون يقرّ للرجال من الحقوق ما لا يقرّه للنساء، تقول:

كنت أود أن أخضع الرجال للقوانين نفسها التي تخضع لها النساء. كان أبي ومعظم الكتّاب والرأي العام يشجعون الشبان أن يغامروا، حتى إذا آن الأوان، فإنهم سيتزوجون الفتاة التي تنتمي لعالمهم، وفي إبان الانتظار لا بأس من التسلية مع فتيات عابرات!

وكما يبدو أننا لا زلنا عالقين حتى اليوم عند هذه الحروف، وسط منظومة فكرية ذكورية هي السائد في المجتمع والمحرك الأساسي لكل تفاصيل الحياة، وسنجد أن المرأة والاعتبارات المحيطة بها، هي فعلاً في قالب المتعة المجرّدة فقط، سواء أكانت زوجة أو فتاة عابرة، كما تعبّر (بوڤوار).

تقول (بوڤوار)، أنه “لم يكن يؤسفني طبعاً أن أكون امرأة، بل كنت أستمدّ من ذلك ألواناً كثيرة من الرضى!“، وهي محقة، فلو أدركت كل امرأةٍ أن رؤيتها لنفسها ستنعكس على رؤية الآخرين لها لاستوعبت قيمتها واكتشفت مواطن الإبداع والتميز بها، فأصدق الإيمان و أعمقه هو إيمانك بنفسك وبقدرتك على صناعة بصمة لك في هذة الحياة.

وتتجلى مشاعرها وحديثها الداخلي في رحلة التعرف على نفسها واكتشاف قناعاتها في مذكّراتها، تقول: “لقد كانت الظواهر تخدعني، وكان العالم الذي لقنوني إياه مغشوشاً كلّه وزائفاً“. ويبدو أن هذا أول درس في حياة كل شخص خرج من عالم الطفولة إلى العالم الحقيقي الذي سيواجهه بمختلف الطرق وعثرات الخطى التي يجب أن يتخطاها كي يستطيع أن يعيش.

وفي سياق الاستقلال العاطفي الذي تتحدث عنه (بوڤوار)، تقول:

إن اللذة تبقى مدنّسة إذا لم تُصهر بنار العاطفة. ثم إني كنت متطرفة: كنت أريد كل شيء، وإما لا شيء. وإذا أحببت فسأحبّ إلى الأبد، وسأنخرط بكليتي، بجسمي وقلبي وفكري وماضيّ.

تقول: “لم يكن هناك من يحبني كما كنت، ولم يكن هناك من يحبني، لذا عزمت على أن أحبّ نفسي لأعوّض هذا الفراغ”. فعندما تحصر الحب بقالب جامد، حينها لن تلامس وجوده وتستمع بصور عطاءاته المختلفة. لابد أن تؤمن بوجود الحب حولك، حينها سيجد الحب طريقه إليك.

هنا، يستوقفنا تساؤل (لبوڤوار): “عما إذا كان من الواجب أن يخضع الإنسان للحب أم للسعادة؟“، وأتوقع، أنه من الصعب جداً التخيير بينهما، إذا ما افترضنا أنه من المحال الفصل بين الحب والسعادة، فكلاهما مكملٌ لبعضه؛ فلا سعادة دون حب، ولا يكون الحبُّ قريناً بشيء بقدر اقترانه بالسعادة. إن أصعب ما يواجهه الإنسان هو أن يفهم مشاعره المتضاربة ويهتدي إلى أيّها، تلك التي قد تكلفه عمراً كاملاً ليفهمها.

“كنت أشجّع نفسي على أن أعيش كل يوم بيومه، بلا أمل ولا خوف”، وهذه العدالة التي اقتنعت بها (بوڤوار)، فما يفعله الخوف والتردّد هو حصيلة كبيرة من خيبات الأمل، وفرص تضيع في سبيل هذا، فالبدايات الجديدة، والتغيير، يبدأ بحياتك حين تعرف مواطن الضعف لديك وتشرع بمعالجتها.

لم تجد (سيمون) الله في الكنيسة، ولم تشعر أنها تخلّصت من ذنوبها بعد الاعتراف. شعرت (بوڤوار) أنها لامست وجوده في الطبيعة من حولها، ولذلك نجد حبها للأرياف، إلى أن فقدته تدريجياً وهي في (پاريس)، في إشارة للحياة المدنية:

كنت أحسّ وجود الله حولي أكثر مما كنت أحسه في پاريس. وكنت كلما التصقت بالأرض كلما ازددتُ قرباً منه، وكانت كل نزهة صلاة عبادة له. ولم تكن سيادته لتنزع منّي سيادتي.

وفي نفس السياق تقول:

كانت الطبيعة تحدثني عن الله، ولكنه كان يبدو لي دون شك غريباً على العالم الذي يموج فيه البشر.

وتكمل:

كنت أصلّي وأتأمّل وأحاول أن ينفعل قلبي بحضور الله. ولكن في الواقع بينما كنت أسمو فكرياً إلى المعرفة يوماً بعد يوم، لم أكن أشعر بأني أقترب من الله.

ووسط هذه الحيرة، تقول (بوڤوار):

كنت أتمنى أن يتجلّى لي، أو أن تأخذني نشوة، أو أن يحدث فيّ، أو خارجاً عني، شيء ما. ولكن شيئاً من هذا لم يحدث.