أرشيف الكاتب

الألم .. في فن اللامبالاة عند مارك مانسون

نتيجة بحث الصور عن مارك مانسون

مارك مانسون، مواليد 1984، هو مؤلف ومدوِّن أمريكي له كتابان:

  • Models: Attract Women through Honest
  • فن اللامبالاة لعيش حياة تخالف المألوف.

بدأ (مارك مانسون) أول مدونة له في عام 2009 كقناة تسويقية لأعماله في مجال استشارات المواعدة (dating advice business)، ثم انتقل بعد ذلك إلى العمل المتنقل.

ظل يُقال لنا طيلة عشرات السنوات إن التفكير الإيجابي هو المفتاح إلى حياة سعيدة ثرية. لكن (مارك مانسون) يشتم تلك “الإيجابية” ويقول: “فلنكن صادقين، السيء سيء وعلينا أن نتعايش مع هذا”. لا يتهرّب (مانسون) من الحقائق ولا يغفلها بالسكّر، بل يقولها لنا كما هي: “جرعة من الحقيقة الفجِّة الصادقة المنعشة هي ما ينقصنا اليوم”.

في كتاب (فن اللامبالاة) المترجم إلى العربية بإخراج ّالحارث النبهانّ. وتحديدًا في الفصل الثاني بعنوان: السعادة مشكلة. يروي (مانسون) قصة قصيرة تخصه، فيبدأها متسائلًا:

نتيجة بحث الصور عن فن اللامبالاة مارك مانسون

السؤال الذي يلفت النظر أكثر ويجعلك تفكر، السؤال الذي لا ينتبه إليه أكثر الناس، هو: “ما الألم الذي تريده في حياتك؟ وما الذي تظن أنك مستعد للكفاح من أجله؟”
إن ما يقرر نجاحك ليس “ما تريد أن تستمتع به؟” بل إن السؤال الصحيح هو: “ما الألم الذي أنت راغب في تحمله أو قادر على تحمّله؟” إن الطريق إلى السعادة دربٌ مفروشة بالأشواك والخيبات.
عليك أن تختار شيئًا! لا يمكنك أن تحظى بحياة لا ألم فيها. لا يمكن أن تكون الحياة كلها مفروشة بالورود طيلة الوقت: السعادة هي السؤال السهل! وتكاد الإجابة على هذا السؤال تكون متماثلة عندنا جميعًا.
السؤال الأكثر إثارة للإهتمام هو سؤال الألم. ما الألم الذي أنت راغب في عيشه؟ هذا هو السؤال الصعب الذي له أهمية، السؤال الذي سيوصلك إلى مكانٍ ما في حقيقة الأمر. إنه السؤال الذي يمكنه تغيير نظرتك، وتغيير حياتك.
إنه السؤال الذي يجعلني ما أنا عليه ويجعلك ما أنت عليه. إنه يحددنا ويحدد الفروق بيننا وما يجمعنا معًا في آخر المطاف.
خلال معظم فترة مراهقتي وشبابي، كنت أحلم بأن أكون موسيقيًا .. نجمًا من نجوم الروك تحديدًا. وكلما سمعت أغنية جيدة على الغيتار، كنت أغمض عيني وأتخيل نفسي واقفًا على المسرح أعزف الغيتار أمام جمهور يزعق جنونًا، أمام أناس فقدوا عقولهم تمامًا وهم يستمعون إلى الروعة التي تخلقها أصابعي من تلك الأوتار. كان من الممكن أن يجعلني هذا الحلم أتمرَّن على عزف الغيتار ساعات لا نهاية لها. وفي نظري، لم يكن مطروحًا أبدًا السؤال عما إذا كنت سأقف على المسرح يومًا ما وأعزف أمام ذلك الجمهور المذهول، بل متى يحدث ذلك.
ويكمل (مانسون):
على الرغم من أحلامي كلها التي استمرت نصف فترة حياتي تقريبًا لم تثمر تلك الأحلام شيئًا في الواقع. ثم كان لا بد لي من وقت طويل وصراع كثير حتى أتوصل إلى السبب: أنا لا أريد هذا في حقيقة الأمر!
كنت أعيش “حالة حب” مع النتيجة التي أتخيلها؛ صورتي على خشبة المسرح، والناس يهللون لي، وأنا أعزف وأسكب قلبي في ما أعزفه. لكني لم أكن أعيش حالة الحب نفسها مع العملية التي يمكن أن توصلني إلى تلك النتيجة. وقد فشلت لهذا السبب. فشلت مرة بعد مرة. بل إنني لم أكد أبذل في تلك المحاولات جهدًا كافيًا لأن أعتبر ما حدث لي فشلًا. حقيقة الأمر هي أنني لم أحاول محاولة جدّية أصلًا !
سوف تخبرني الأدبيات الثقافية الشائعة بأنني خذلت نفسي على نحو ما، وبأنني شخص منسحب أو فاشل، وبأنني “لا أملك ما يلزم” للأمر، وبأنني تخليت عن حلمي.. ربما لأنني تركت نفسي أرضخ أمام ضغط المجتمع.
لكن الحقيقة مدهشة مثيرة للاهتمام أكثر من هذه التفسيرات كلها.
الحقيقة هي: ظننت أنني أريد شيئًا، لكن اتضح لي أنني لا أريده. انتهت الحكاية.
لقد أردت النتيجة ولم، أرد الصراع من أجلها. أردت النتيحة، ولم أرد العملية المفضية إليها. لم أكن واقعًا في حب الكفاح من أجل تلك الغاية، بل كنت أحب النصر فقط.
لا تسير الحياة على هذه الشاكلة.
تتحدد الإجابة على السؤال “من أنت؟” بما أنت مستعد للصراع من أجله. فالناس الذي يستمتعون بالصراع في ميادين التمرينات الرياضية هم الأشخاص القادرون على المشاركة في المسابقات الثلاثية، الجري والسباحة وركوب الدراجات، والذي يمتلكون أجسامًا منحوتة نحتًا، يستطيعون رفع أثقال ضخمة. كما أن الناس يستمتعون بساعات العمل الطويلة وبسياسات السلم الوظيفي في المؤسسات، هم الأشخاص الذين يطيرون إلى أعلى ذلك السلم طيرانًا. والناس الذين يستمتعون بتوترات الحياة الفنية وحالات الجوع وعدم اليقين فيها هن من يعيشونها حقًا ويتوصلون إلى النجاح فيها آخر الأمر.
لا علاقة لهذا الكلام بقوة الإرادة ولا بالمثابرة والجَلَد. وما أقوله هنا ليس نصيحة جديدة من نوع “لا فوز من غير مشقة”. هذه أبسط مكوّنات الحياة وأكثرها أساسية: صراعاتنا تحدد نجاحاتنا. ومشاكلنا تلد سعادتنا، وإلى جانبها تلد أيضًا مشكلات أفضل قليلًا.
إنه مسار حلزوني صاعد لا ينتهي. وإذا ظننت في أي نقطة من ذلك المسار أن في وسعك أن تتوقف عن تسلقه، فأخشى أنك لم تفهم شيئًا. أقول هذا لأن المتعة الحقيقية كامنة في التسلق نفسه.
ختامًا؛ يرى (مانسون) أن الألم بإختصار هو سر الوجود.
فإن كنت تتألم لآجل شيءِ ما .. إذاّ أنت موجود!

العقاد وفلسفته في الحب

270px-7457549364_e1d0847d9c

عباس محمود العقاد (18891964) أديب ومفكر وصحفي وشاعر مصري. وعضو سابق في مجلس النواب المصري. وعضو في مجمع اللغة العربية. لم يتوقف إنتاجه الأدبي رغم ما مر به من ظروف قاسية؛ حيث كان يكتب المقالات ويرسلها إلى مجلة فصول، كما كان يترجم لها بعض الموضوعات. ويعد (العقاد) أحد أهم كتاب القرن العشرين في مصر. وقد ساهم بشكل كبير في الحياة الأدبية والسياسية. وأضاف للمكتبة العربية أكثر من مئة كتاب في مختلف المجالات.

في كتاب السيرة الذاتية (أنا) لـ(عبّاس محمود العقّاد)، كتب مقدّم الكتاب (طاهر الطناحي) عن العقّاد في الحب، قائلاً: “أحَبْ العقّاد مرتين ، صُدِم في الأولى ففارقها كارهًا لها لخداعها وخيانتها ، وفارقته الثانية لأنانيتها وكرامتها. ومع ذلك فقد كان يمدح الحب ويقدّسه”.

وفي الفصل السادس كتب العقّاد “فلسفتي في الحب” فقال في تعريفه للحُبّ بادِئًا:

ما ليس بالحب أسهل في التعريف مما هو الحب، وهكذا الشأن في كل تعريف لمعنى من المعاني أو كائن من الكائنات. فنحن نستطيع في لمحة عين أن نعرف أن زيدًا ليس بعمرو ، ولكننا لا نستطيع في هذه السهولة أن نذكر تعريف عمرو و زيد ونحيط بأوصاف هذا أو ذاك، ولو كنّا أعرف العارفين بالإثنين.
وعلى هذا القياس نعرّف الحب من طريق النفي قبل تعريفه من طريق الإيجاب.

فليس الحب بالغريزة الجنسية؛ لأن الغريزة الجنسية تعم الذكور والإناث، ولا يكون الحب بغير تخصيص وتمييز.
وليس الحب بالشهوة؛ لأن الإنسان قد يشتهي ولا يُحِب، وقد يُحِب وتقضي الشهوة على حبه.
وليس الحب بالصداقة؛ لأن الصداقة أقوى ما تكون بين اثنين من جنس واحد، والحب أقوى ما يكون بين اثنين من جنسين مختلفين.
وليس بالانتقاء والإختيار؛ لأن الإنسان قد يُحِب قبل أن يشعر بأنه أحب، وقبل أن يلتفت إلى الانتقاء والإختيار.
وليس الحب بالرحمة؛ لأن المُحِب قد يعذِّب حبيبه عامدًا أو غير عامد، وقد يقبل منه العذاب مع الاقتراب، ولا يقبل منه الرحمة مع الفراق.

الحب كذلك يعرَّف جزءًا جزءًا قبل أن يُعرَّف كاملًا  شاملًا  مستجمعًا لكل ما ينطوي عليه.

ويكمل:

ففي الحب شيء من العادة؛ لأن المُحب يهون عليه ترك حبيبه إذا كان تركه لا يغيّر عاداته ومألوفاته، وأقوى ما يكون الحب إذا طال امتزاجه بالعادات والمألوفات.

وعن الخداع ، قال:

في الحب شيء من الخداع، لأن المرأة الواحدة قد تكون أفضل المخلوقات في عين هذا الرجل، وتكون شيئًا مهملًا  لا يستحق الإلتفات في عين ذاك، ثم تعود كالشيء المُهمَل في عين الرجل الذي فضّلها من قبل على جميع المخلوقات.

وفي الحب شيء من الأنانية ولو أقدم صاحبه على التضحية؛ لأنه لا يترك محبوبه لغيره ولو كان في ذلك اسعاده ورضاه، ولكنّه قد يُضحِّي بنفسه إذا اعتقد أن محبوبه لا يصير إلى سواه.

وعن الغرور ، قال:

والحب أيضًا فيه شيء من الغرور، ولولا ذلك لما اعتقد الإنسان أن إنسانًا آخر يهمل الألوف من أمثاله ليخصّه وحده بتفضيله وايثاره.

وقد يخلو الحب من كل شيء إلا من شيء واحد، وهو الاهتمام!
فصدِّق إن قيل لك أن حبيبًا يُبغِض حبيبه ويؤذيه، وصدِّق إن قيل لك أن الحب والازدراء يجتمعان، وصدِّق إن قيل لك أن الحب يخون أو يقبل الخيانة من المحبوب، فأما إن قيل لك أن حبًا يبقى في النفس بغير اهتمام، فذلك هو المُحال الذي لا يقبل التصديق!

وخلاصة القول:

أن الحب عواطف كثيرة وليس بعاطفة واحدة، ومن هنا كان أقوى وأعتف من العواطف التي تواجه النفس على انفراد .. ففيه من حنان الأبوة، ومن مودة الصديق، ومن يقظة الساهر، ومن ضلال الحالِم، ومن الصدق والوهم، ومن الأثرة والإيثار، ومن المشيئة والاضطرار، ومن الغرور والهوان، ومن الرجاء والقنوط ومن اللذّة والعذاب، ومن البراءة والإثم، ومن الفرد الواحد والزوجين المتقابلين، والمجتمع المتعدّد، والنوع الإنساني الخالد على مدى الأجيال.

يسألونك عن الحب ؟
قل هو اندفاع جسد إلى جسد، واندفاع روح إلى روح.
ويسألونك عن الروح فماذا تقول؟
قُل هي من أمر ربي .. خالق الأرواح!
لهذه الكثرة الزاخرة في عناصر الحب، تكثر العجائب في العلاقات بين المحبين.
فيجمع الحب بين اثنين لا يخطر على البال أنهما يجتمعان .. ويتكرر الحب في حياة الإنسان الواحد حتى ليكون المحبوب اليوم على نقيض المحبوب بالأمس في معظم المزايا ومعظم الصفات.

في خاتمة المطاف:

هل الحب اذن أمنية نشتهيها؟ أو هو مصيبة نتقيها؟

لي أن أقول إنه مصيبة حين تحمل به نفسًا ثانية مع نفسك، وأنت تريدها ولا تريدك، وإنّه أُمنية حين تتعاون النفسان ولا تتخاذلان.
وليس بالمصيبة، ولا يكفي فيه أن يُوصَف بالأمنية حين لا عبء ولا تخفيف، بل تنطلق النفسان محمولتين معًا على كاهل “النوع” كله أو على أجنحة الخلود التي تسبح في أنوار عليين .. وما من محبين إلا اتفقت لهما هذه الرحلة السماوية في سهوة من سهوات الأيام.

الرافعي عن وهم الحياة

الرافعي
مصطفى صادق الرافعي (1880 – 1937) ولد في بيت جده لأمه في قرية بهتيم بمحافظة القليوبية في أول يناير وعاش حياته في طنطا. ينتمي إلي مدرسة المحافظين وهي مدرسة شعرية تابعة للشعر الكلاسيكي. لُقّب بمعجزة الأدب العربي.
في الفصل الأول من كتاب (الرافعي)؛ (المساكين) كان حاملًا  عنوان “الشيخ علي”. وفي تعريف الرافعي عنه:
كان رجل تراه في ظاهره من الدنيا ؛ ولكن باطنه يلتحق بما وراء الطبيعة، كان ينبغي أن لا يقوم مثله على مسرح الخلق إلا مُمثّلًا وأن لا يمثِّل إلا الوجه المطلَق من الحياة.
يصفه بالجنون الهادئ ومنظره مثل عاصفة نائمة.
وأنه كان يردِّد: “اللهمَّ لم يبقَ من الإنسانية إلا حشاشة تسوق بنفسها وكل رجل من هؤلاء صورة مقلَّدة فأين الأصل؟”
نشر (الرافعي) في الكتب وصف لـ”الشيخ علي” الذي أُسنِد إليه الكلام، وجعله فيما استوحاه كمال قال:
كالخيط من شعاع السماء تهبِط عليه تلك المعاني التي خلد عليها جمال الخُلد.
فـ”الشيخ علي” هذا : هو رمز في كل دهر لثبات الجوهر الإنساني على تحوُّل الأزمنة في أشكالها المختلفة، ومن ثمَّ يعيش القارئ مع الإنسانية في معاني الكتاب ..
عن الحياة ؛ كان الرافعي يتساءل: ما الحياة ؟
قال الشيخ (علي):
الحياة .. إنها ليست طريقًا مسافته كذا ، ولا قِياسًا ذراعه كذا ولا وزنًا مبلغه كذا ، ولا شيئًا من هذه المعاني التي تضرب الأقلام والألسنة في مفاصِلها بل هي فيما وراء ذلك من عالٍ إلى بعيدٍ إلى غامض إلى مُبهم حتى تنتهي إلى منبع النور الذي تلتطم على ساحله موجةُ الأبد.
يكمل قوله في الناس:
ولستُ أعرفُ الناس قد غالوا بشيءٍ قطّ مغالاتهم في قيمة هذه الحياة ، فقد والله استجمعوا لها كل ما في الرغبة من الحرص ، وكل ما في الخوف من الحذر، وكل ما في الأمل من الترقُّب ، وكل ما في الحُبّ من الخيال ؛ واستجمعوا فوق ذلك تلك المعاني التي لا قرار لها في الأرض ولا في السماء ، معاني النظرات الوهمية التي يرسلها المخلوق من أرضه إلى عرض الله، كأنّه لا يجرؤ على أن يشك في نهاية الحياة إذ تنتهي على أعيُن الناس ولا أن يُجزم بهذه النهاية إذ هو لا يريد الموت وكأن الحياة لا تكفيه!
– ما الحياة ؟
أفلا ترانا نُخادع أنفسنا إذ سألنا عن الحقيقة التي يسوؤنا أن نعرفها ، فنحرِّف السؤال إلى جهة بعيدة لكيلا نرى الجواب الصحيح مُقبلًا علينا ولكن مُدبرًا عنَّا ؟
فما عسى أن تكون هذه الآمال وهذه المنافسات وهذا النزاع وهذه الأفراح وهذه الأتراح وكل ما إلى ذلك مما هو من مدلول الحياة ؛ إلّا باطلًا فنستمتع به قليلًا ثم يظهر أنه متاع الغرور؟
يختم كلماته الشيخ (علي):
خُذْ الحياة حقيقةً لا وهمًا ، وعملًا لا علمًا ، واسمع الحياة إن كنتَ تعرف لغتها ، أو اسمع للموت الذي يعرف كل إنسان لغته، فإن كل ذلك يُعلمك أن الرجل الحرّ لا يعرفُ على أي حالةٍ يعيش إلّا إذا قرَّر لنفسه على أي حالة يموت ..
فلا تسأل يا بُني ما هي الحياة ؟ ولكن سَلْ هؤلاء الأحياء: أيُّكم الحي ؟

في الحب، عند جبران

جبران

جبران خليل جبران (1883-1931) هو شاعر وكاتب ورسام لبناني. ويُعد من أدباء وشعراء المهجر. هاجر وهو صغير مع أمه إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1895 حيث درس الفن وبدأ مشواره الأدبي. كانت بدايته الأدبية باللغة العربية، وبعد ذلك كتب باللغة الإنجليزية، وتُعرف مؤلفاته بأنها الأعمال الشعرية الأكثر مبيعًا -عالميًا- بعد (شكسبير) و(لاوزي). في مقدمة كتابه الشهير (الأجنحة المتكسّرة)، تحدث د. (جميل جبر) عن الحب عند (جبران) فقال:

الحب في نظره، مصدر السعادة والنور، هو الخبز المقدّس الذي يُغذّي الروح ويحرِّر ويرفع، فلا يجوز بالتالي أن يُقيَّد، هو أقوى من الشرائع وأقوى حتى من الموت لأنّه سر الحياة المتجددة عبر تناسخ الأرواح.
عقد الزواج الذي سنّه البشر لا قيمة له بالنسبة إلى تعاقد قلبين حسب سنة الطبيعة.
الحب يهب أجنحة تطير بالعاشقين إلى ما وراء الغيوم ليروا العالم السحري ..
ثم يقول في موضع آخر:
ويتخذ الحب الجبراني بُعدًا ميتافيزقيًا:
إنّه قدر، تدبير سماوي .. المحبة الحقيقية“، و(جبران) يخلط بين المحبة والحب؛ “هي ابنة التفاهم الروحي وإن لم يتم هذا التفاخم بلحظة واحدة لا يتم بعامل كامل ولا بجيل كامل ؛ لأن الحبيبين كانا واحدًا في الله ثم انفصلا، فسعى كل شطر منهما إلى الآخر إلى أن يتوحّدا ويتكاملا“. إنها نظرية التوأمين في الحبّ، وقد عبّر عنها (جبران) بقوله: “كأن الآلهة قد جعلت كل واحد منّا نصفًا للآخر يلتصق به بالظهر فيصير إنسانًا كاملًا ؛ وينفصل عنه فيشعر بنقص موجع في روحه.”
ويتبع قائلًا:
في الميتولوجيا اليونانية، كما في مذهب الإشراق:
إن العاشقين متَّحدان أصلًا في الله ثم يفترقان بعد الولادة ثم يجمعهما الحبّ من جديد، فيُعيد إليهما وحدتهما الأساسية.

عن القهوة، عند محمود درويش

محمود درويش

محمود درويش (1941 – 2008)، أحد أهم الشعراء الفلسطينيين والعرب الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن. يعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه. قد تكون أحد أهم الصفات التي تُعرف عنه هي عشقه للقهوة، وبمناسبة تحديد اليوم (الأول من أكتوبر) بأنه اليوم العالمي للقهوة، ابتداء من 2015، فقد قمنا بتجميع عدة مقولات من كتاب (ذاكرة للنسيان) يتحدث فيها درويش عن معشوقته الأشهر، القهوة، وعن طريقته أو طقوسه أمامها.

فيتحدث مثلًا عن عشقه للقهوة فيقول:
أُريد رائحة القهوة. لا أريد غير رائحة القهوة. ولا أريد من الأيام كلها غير رائحة القهوة، رائحة القهوة لأتماسك، لأقف على قدميّ، لأتحول من زاحف إلى كائن، لأوقف حصتي من هذا الفجر على قدميه. لنمضي معًا، أنا وهذا النهار ، إلى الشارع بحثًا عن مكانٍ آخر.
وفي حديثه عن أحد الفترات التي قضتها بيروت تحت نيران الاحتلال الصهيوني، قال:
كيف أذيع رائحة القهوة في خلاياي، وقذائف البحر تنقضٌّ على واجهة المطبخ المطل على البحر لتنتشر رائحة البارود ومذاق العدم ؟
صرت أقيس المسافة الزمنية بين قذيفتين، ثانية واحدة .. ثانية واحدة أقصر من المسافة بين الزفير والشهيق، أقصر من المسافة بين دقّتيْ قلب .. ثانية واحدة لا تكفي لأن أقف أمام البوتاغاز الملاصق لواجهة الزجاج المطلة على البحر .. ثانية واحدة لا تكفي لأن أفتح زجاجة الماء، ثانية واحدة لا تكفي لأن أصبّ الماء في الغلاية. ثانية واحدة لا تكفي لإشعال عود الثقاب. ولكن ثانية واحدة تكفي لأن أحترق.
ويعود بعد ذلك مكررًا:
أُريد رائحة القهوة. أريد خمس دقائق .. أُريد هدنة لمدة خمسة دقائق من أجل القهوة. لم يعد لي من مطلب شخصي غير إعداد فنجان القهوة. بهذا الهوس حدّدت مهمتي وهدفي. توثبتْ حواسي كلُّها في نداء واحد واشرأبّت عطشى نحو غاية واحدة: القهوة..
ثم يتحدث عن القهوة وإدمانه لها، فيقول:
والقهوة، لمن أدمنها مثلي هي مفتاحُ النهار.
والقهوة، لمن يعرفها مثلي؛ هي أن تصنعها بيديّك، لا أن تأتيك على طبق، لأن حامل الطبق هو حامل الكلام، والقهوة الأولى يفسدها الكلام الأول لأنها عذراء الصباح الصامت. الفجرُ، أعني فجري، نقيضُ الكلام. ورائحة القهوة تتشرّب الأصوات، ولو كانت تحيةً مثل “صباح الخير” وتفسد.
وبعدها يقول:
لذا فإن القهوة هي هذا الصمتُ الصباحي، الباكِر، المتأني، والوحيد الذي تقف فيه وحدك، مع ماء تختاره بكسل وعزلة في سلام مبتكر مع النفس والأشياء، وتسكبه على مهل وعلى مهل في إناء نحاسيّ صغير داكِن وسريّ اللمعان، أصفر مائل إلى البنّي، ثم تضعه على نار خفيفة.. آه لو كانت نار الحطب.
يُبرر:
لأن القهوة؛ فنجان القهوة الأول، هي مرآة اليد. واليدُ التي تصنع القهوة تُشيع نوعية النفس التي تحركها. وهكذا، فالقهوة هي القراءةُ العلنية لكتاب النفس المفتوح .. والساحرة الكاشفة لما يحمله النهار من أسرار.
وعن حالة شرب القهوة:
خُذْ القهوة إلى الممرّ الضيق. صبّها بحنان وافتنان في فنجان أبيض، فالفناجين داكنة اللونج تفسد حرية القهوة .. راقِب خطوط البخار وخيمة الرائحة المتصاعدة. أشعِل سيجارتك الآن، السيجارة الأولى المصنوعة من أجل هذا الفنجان، السيجارة ذات المذاق الكوني التي لا يعادلها مذاق آخر غير مذاق السيجارة التي تتبع عملية الحب، بينما المرأة تدخِّن آخر العرق وخفوت الصوت..
ها أنذا أُولد. امتلأت عروقي بمخدرها المنبّه، بعدما التقت بينبوع حياتها، الكافيين والنيكوتين وطقس لقائهما المخلوق من يدي.
أتسائل: كيف تكتب يدٌ لا تبدع القهوة؟ كم قال لي أطباء القلب، وهم يدخنون: لا تدخِّن ولا تشرب القهوة. وكم مازحتهم: الحمار لا يدخن ولا يشرب القهوة، ولا يكتب.
في تصنيف القهوة تبعًا لأصحابها من مذاقها يقول:
أعرف قهوتي، وقهوة أمي، وقهوة أصدقائي. أعرفها من بعيد وأعرف الفوارق بينها. لا قهوة تشبه قهوة أخرى. ودفاعي عن القهوة هو دفاع عن خصوصية الفارِق. ليس هنالك مذاق اسمه مذاق القهوة، فالقهوة ليستْ مفهومًا وليست مادة واحدة، وليست مطلقًا. لكل شخص قهوته الخاصة، الخاصة إلى حدّ أقيس معه درجة ذوق الشخص وأناقته النفسية بمذاق قهوته.
ثمّة قهوة لها مذاق الكزبرة، ذلك يعني أن مطبخ السيدة ليس مُرتّبًا. وثمّة قهوة لها مذاق عصير الخروب. ذلك يعني أن صاحب البيت بخيل. وثمّة قهوة لها رائحةُ العطر ذلك يعني أن السيدة شديدة الاهتمام بمظاهر الأشياء. وثمّة لها ملمس الطحلب في الفم. ذلك يعني أن صاحبها يساريّ طفولي. وثمّة قهوة لها مذاق القِدم من فرط ما تألّب البُن في الماء الساخن. ذلك يعني أن صاحبها يميني متطرف. وثمّه قهوة لها مذاق الهال الطاغي. ذلك يعني أن السيدة محدثة النعمة..
ويعقّب قائلًا:
لا قهوة تشبه قهوة أخرى. لكل بيت قهوته، ولكل يد قهوتها، لأنه لا نفس تشبه نفسًا أخرى. وأنا أعرف القهوة من بعيد: تسير في خط مستقيم، في البداية ، ثم تتعرح وتتلوى وتتأوّد وتتأوّه وتلتفّ على سفوح ومنحدرات، تتشبّث بسنديانة أو بلوطة، وتتفلّت لتهبط الوادي وتلتفت إلى وراء، وتتفتّت حنينًا إلى صعود الجبل وتصعد حين تتشتت في خيوط التاي الراحل إلى بيتها الأول..
واصِفًا رائحتها:
رائحة القهوة عودة وإعادة إلى الشيء الأول، لأنها تنحدر من سلالة المكان الأول، هي رحلة بدأت من آلاف السنين. ومازالت تعود. القهوة مكان، القهوة مسام تُسرِّب الداخل إلى الخارج، وانفصالٌ يُوَحِّد ما لا يتوحّدُ إلّا فيها هي رائحة القهوة. هي ضدُّ الفطام. ثدي يُرضع الرجال بعيدًا. صياحٌ مولود من مذاق مُرّ، حليب الرجولة، والقهوة جغرافيا.
وأخيرًا، يقول:
القهوة لا تُشرَب على عجل. القهوة أُختُ الوقت. تُحتَسى على مهل .. على مهل .. القهوة صوت المذاق، صوت الرائحة.
القهوة تأمّل وتغلغل في النفس وفي الذكريات. والقهوة عادة تلازمها بعد السيجارة عادة أخرى هي .. الجريدة..
القهوة في عيون درويش؛ كالحُبّ.. قليلٌّ منه لا يروي؛ والكثير منه لا يُشبِع.