أرشيف الكاتب

الألم .. في فن اللامبالاة عند مارك مانسون

مارك مانسون هو مؤلف ومدوِّن أمريكي مواليد 1984. له ثلاثة كتب Models: Attract Women through Honest و فن اللامبالاة وأيضاً خراب: كتاب عن الأمل.

بدأ مارك مانسون أول مدونة له في عام 2009 كقناة تسويقية لأعماله في مجال استشارات المواعدة (dating advice business)، ثم انتقل بعد ذلك إلى العمل المستقل.

مما يميز كتابي مارك مانسون الأخيرين -والذَين حققا مبيعات كبرى-، هو كتابة مارك مانسون الصريحة والواقعية، فبالرغم من تكرار مواضيع تطوير الذات والسعادة التي يكتب عنها مانسون والتي كُتب عنها من قبل، إلا أن مانسون يذكرنا بها بطريقة فريدة ويعيد تركيب المشهد لترى الصورة بشكل أوضح.

ظل يُقال لنا طيلة عشرات السنوات إن التفكير الإيجابي هو المفتاح إلى حياة سعيدة ثرية. لكن (مارك مانسون) يشتم تلك “الإيجابية” ويقول: “فلنكن صادقين، السيء سيء وعلينا أن نتعايش مع هذا”.

لا يتهرّب (مانسون) من الحقائق ولا يغفلها بالسكّر، بل يقولها لنا كما هي: “جرعة من الحقيقة الفجِّة الصادقة المنعشة هي ما ينقصنا اليوم”.

في كتاب (فن اللامبالاة) المترجم إلى العربية بإخراج ّالحارث النبهانّ. وتحديدًا في الفصل الثاني بعنوان: السعادة مشكلة. يروي (مانسون) قصة قصيرة تخصه، فيبدأها متسائلًا: السؤال الذي يلفت النظر أكثر ويجعلك تفكر، السؤال الذي لا ينتبه إليه أكثر الناس، هو: “ما الألم الذي تريده في حياتك؟ وما الذي تظن أنك مستعد للكفاح من أجله؟”إن ما يقرر نجاحك ليس “ما تريد أن تستمتع به؟” بل إن السؤال الصحيح هو: “ما الألم الذي أنت راغب في تحمله أو قادر على تحمّله؟”

إن الطريق إلى السعادة دربٌ مفروشة بالأشواك والخيبات.عليك أن تختار شيئًا! لا يمكنك أن تحظى بحياة لا ألم فيها. لا يمكن أن تكون الحياة كلها مفروشة بالورود طيلة الوقت: السعادة هي السؤال السهل! وتكاد الإجابة على هذا السؤال تكون متماثلة عندنا جميعًا.السؤال الأكثر إثارة للإهتمام هو سؤال الألم.

ما الألم الذي أنت راغب في عيشه؟ هذا هو السؤال الصعب الذي له أهمية، السؤال الذي سيوصلك إلى مكانٍ ما في حقيقة الأمر. إنه السؤال الذي يمكنه تغيير نظرتك، وتغيير حياتك.إنه السؤال الذي يجعلني ما أنا عليه ويجعلك ما أنت عليه. إنه يحددنا ويحدد الفروق بيننا وما يجمعنا معًا في آخر المطاف.

خلال معظم فترة مراهقتي وشبابي، كنت أحلم بأن أكون موسيقيًا .. نجمًا من نجوم الروك تحديدًا. وكلما سمعت أغنية جيدة على الغيتار، كنت أغمض عيني وأتخيل نفسي واقفًا على المسرح أعزف الغيتار أمام جمهور يزعق جنونًا، أمام أناس فقدوا عقولهم تمامًا وهم يستمعون إلى الروعة التي تخلقها أصابعي من تلك الأوتار. كان من الممكن أن يجعلني هذا الحلم أتمرَّن على عزف الغيتار ساعات لا نهاية لها. وفي نظري، لم يكن مطروحًا أبدًا السؤال عما إذا كنت سأقف على المسرح يومًا ما وأعزف أمام ذلك الجمهور المذهول، بل متى يحدث ذلك.

ويكمل (مانسون):  

على الرغم من أحلامي كلها التي استمرت نصف فترة حياتي تقريبًا لم تثمر تلك الأحلام شيئًا في الواقع. ثم كان لا بد لي من وقت طويل وصراع كثير حتى أتوصل إلى السبب: أنا لا أريد هذا في حقيقة الأمر!

كنت أعيش “حالة حب” مع النتيجة التي أتخيلها؛ صورتي على خشبة المسرح، والناس يهللون لي، وأنا أعزف وأسكب قلبي في ما أعزفه. لكني لم أكن أعيش حالة الحب نفسها مع العملية التي يمكن أن توصلني إلى تلك النتيجة. وقد فشلت لهذا السبب.

فشلت مرة بعد مرة. بل إنني لم أكد أبذل في تلك المحاولات جهدًا كافيًا لأن أعتبر ما حدث لي فشلًا. حقيقة الأمر هي أنني لم أحاول محاولة جدّية أصلًا !سوف تخبرني الأدبيات الثقافية الشائعة بأنني خذلت نفسي على نحو ما، وبأنني شخص منسحب أو فاشل، وبأنني “لا أملك ما يلزم” للأمر، وبأنني تخليت عن حلمي.. ربما لأنني تركت نفسي أرضخ أمام ضغط المجتمع.

لكن الحقيقة مدهشة مثيرة للاهتمام أكثر من هذه التفسيرات كلها.الحقيقة هي: ظننت أنني أريد شيئًا، لكن اتضح لي أنني لا أريده. انتهت الحكاية. لقد أردت النتيجة ولم أرد الصراع من أجلها. أردت النتيجة ولم أرد العملية المفضية إليها.

لم أكن واقعًا في حب الكفاح من أجل تلك الغاية، بل كنت أحب النصر فقط. لا تسير الحياة على هذه الشاكلة.

تتحدد الإجابة على السؤال “من أنت؟” بما أنت مستعد للصراع من أجله. فالناس الذي يستمتعون بالصراع في ميادين التمرينات الرياضية هم الأشخاص القادرون على المشاركة في المسابقات الثلاثية، الجري والسباحة وركوب الدراجات، والذي يمتلكون أجسامًا منحوتة نحتًا، يستطيعون رفع أثقال ضخمة. كما أن الناس يستمتعون بساعات العمل الطويلة وبسياسات السلم الوظيفي في المؤسسات، هم الأشخاص الذين يطيرون إلى أعلى ذلك السلم طيرانًا. والناس الذين يستمتعون بتوترات الحياة الفنية وحالات الجوع وعدم اليقين فيها هن من يعيشونها حقًا ويتوصلون إلى النجاح فيها آخر الأمر.

لا علاقة لهذا الكلام بقوة الإرادة ولا بالمثابرة والجَلَد. وما أقوله هنا ليس نصيحة جديدة من نوع “لا فوز من غير مشقة”. هذه أبسط مكوّنات الحياة وأكثرها أساسية: صراعاتنا تحدد نجاحاتنا. ومشاكلنا تلد سعادتنا، وإلى جانبها تلد أيضًا مشكلات أفضل قليلًا.إنه مسار حلزوني صاعد لا ينتهي. وإذا ظننت في أي نقطة من ذلك المسار أن في وسعك أن تتوقف عن تسلقه، فأخشى أنك لم تفهم شيئًا.

أقول هذا لأن المتعة الحقيقية كامنة في التسلق نفسه.  

ختامًا؛ يرى (مانسون) أن الألم بإختصار هو سر الوجود.
فإن كنت تتألم لآجل شيءِ ما .. إذاّ أنت موجود!

الرافعي عن وهم الحياة

 
الرافعي
مصطفى صادق الرافعي (1880 – 1937) أديب وناقد وشاعر سوري الأصل، ولد في بيت جده لأمه في قرية بهتيم بمحافظة القليوبية في أول يناير وعاش حياته في طنطا. ينتمي إلي مدرسة المحافظين، وهي مدرسة شعرية تابعة للشعر الكلاسيكي. لُقّب بمعجزة الأدب العربي.
 
كتب الرافعي كتابه ( المساكين) وحياً وإلهاماً عن شيخ التقاه مصادفة اسمه الشيخ علي الجناجي، فأسهب في وصفه فصلاً كاملاً يسرد فيه أحوال هذا الشيخ :
 
كان رجل تراه في ظاهره من الدنيا؛ ولكن باطنه يلتحق بما وراء الطبيعة، كان ينبغي أن لا يقوم مثله على مسرح الخلق إلا مُمثّلًا وأن لا يمثِّل إلا الوجه المطلَق من الحياة.
يصفه بالجنون الهادئ ومنظره مثل عاصفة نائمة.
 
كالخيط من شعاع السماء تهبِط عليه تلك المعاني التي خلد عليها جمال الخُلد.
فـالشيخ علي هو رمز في كل دهر لثبات الجوهر الإنساني على تحوُّل الأزمنة في أشكالها المختلفة، ومن ثمَّ يعيش القارئ مع الإنسانية في معاني الكتاب ..
 
فيما يلي تأملاته في الحياة مقتبسة من فصل ( وهم الحياة والسعادة)
عن الحياة ؛ كان الرافعي يتساءل: ما الحياة ؟
قال الشيخ (علي):
الحياة .. إنها ليست طريقًا مسافته كذا، ولا قِياسًا ذراعه كذا ولا وزنًا مبلغه كذا، ولا شيئًا من هذه المعاني التي تضرب الأقلام والألسنة في مفاصِلها بل هي فيما وراء ذلك من عالٍ إلى بعيدٍ إلى غامض إلى مُبهم حتى تنتهي إلى منبع النور الذي تلتطم على ساحله موجةُ الأبد.
 
يكمل قوله في الناس:
ولستُ أعرفُ الناس قد غالوا بشيءٍ قطّ مغالاتهم في قيمة هذه الحياة، فقد والله استجمعوا لها كل ما في الرغبة من الحرص، وكل ما في الخوف من الحذر، وكل ما في الأمل من الترقُّب، وكل ما في الحُبّ من الخيال؛ واستجمعوا فوق ذلك تلك المعاني التي لا قرار لها في الأرض ولا في السماء، معاني النظرات الوهمية التي يرسلها المخلوق من أرضه إلى عرض الله، كأنّه لا يجرؤ على أن يشك في نهاية الحياة إذ تنتهي على أعيُن الناس ولا أن يُجزم بهذه النهاية إذ هو لا يريد الموت وكأن الحياة لا تكفيه!
 
– ما الحياة ؟
أفلا ترانا نُخادع أنفسنا إذ سألنا عن الحقيقة التي يسوؤنا أن نعرفها، فنحرِّف السؤال إلى جهة بعيدة لكيلا نرى الجواب الصحيح مُقبلًا علينا ولكن مُدبرًا عنَّا ؟
فما عسى أن تكون هذه الآمال وهذه المنافسات وهذا النزاع وهذه الأفراح وهذه الأتراح وكل ما إلى ذلك مما هو من مدلول الحياة؛ إلّا باطلًا فنستمتع به قليلًا ثم يظهر أنه متاع الغرور؟
 
يختم كلماته الشيخ (علي):
خُذْ الحياة حقيقةً لا وهمًا، وعملًا لا علمًا، واسمع الحياة إن كنتَ تعرف لغتها، أو اسمع للموت الذي يعرف كل إنسان لغته، فإن كل ذلك يُعلمك أن الرجل الحرّ لا يعرفُ على أي حالةٍ يعيش إلّا إذا قرَّر لنفسه على أي حالة يموت ..
 
فلا تسأل يا بُني ما هي الحياة ؟ ولكن سَلْ هؤلاء الأحياء: أيُّكم الحي ؟

في الحب عند جُبران

جبران خليل جبران (1883-1931) هو شاعر وكاتب ورسام لبناني. ويُعد من أدباء وشعراء المهجر. هاجر وهو صغير مع أمه إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1895 حيث درس الفن وبدأ مشواره الأدبي. كانت بدايته الأدبية باللغة العربية، وبعد ذلك كتب باللغة الإنجليزية، اشتهر عند العالم الغربي بكتابه الذي تم نشره سنة 1923 وهو كتاب “النبي“. وتُعرف مؤلفاته بأنها الأعمال الشعرية الأكثر مبيعًا -عالميًا- بعد (شكسبير) و(لاوزي).

في مقدمة كتابه الشهير (الأجنحة المتكسّرة)، تحدث د.(جميل جبر) عن الحب عند (جبران) فقال:

الحب في نظره، مصدر السعادة والنور، هو الخبز المقدّس الذي يُغذّي الروح ويحرِّر ويرفع، فلا يجوز بالتالي أن يُقيَّد، هو أقوى من الشرائع وأقوى حتى من الموت لأنّه سر الحياة المتجددة عبر تناسخ الأرواح.

عقد الزواج الذي سنّه البشر لا قيمة له بالنسبة إلى تعاقد قلبين حسب سنة الطبيعة.

الحب يهب أجنحة تطير بالعاشقين إلى ما وراء الغيوم ليروا العالم السحري .

ثم يقول في موضعٍ آخر:

ويتخذ الحب الجبراني بُعدًا ميتافيزقيًا:

“إنّه قدر، تدبير سماوي .. المحبة الحقيقية”، و(جبران) يخلط بين المحبة والحب؛ “هي ابنة التفاهم الروحي وإن لم يتم هذا التفاخم بلحظة واحدة لا يتم بعامل كامل ولا بجيل كامل ؛ لأن الحبيبين كانا واحدًا في الله ثم انفصلا، فسعى كل شطر منهما إلى الآخر إلى أن يتوحّدا ويتكاملا“.

إنها نظرية التوأمين في الحبّ، وقد عبّر عنها (جبران) بقوله: “كأن الآلهة قد جعلت كل واحد منّا نصفًا للآخر يلتصق به بالظهر فيصير إنسانًا كاملًا ؛ وينفصل عنه فيشعر بنقص موجع في روحه.”

ويُتبع قائلًا:

في الميتولوجيا اليونانية، كما في مذهب الإشراق:

إن العاشقين متَّحدان أصلًا في الله ثم يفترقان بعد الولادة ثم يجمعهما الحبّ من جديد، فيُعيد إليهما وحدتهما الأساسية.