أرشيف الكاتب

الرواية الجيدة عند آذار نفيسي

7983_1

آذار نفيسي، من مواليد عام 1955، وهي كاتبة وأكاديمية من إيران، عرفتها من عملها الرائع (أشياء كنت ساكتة عنها)، حيث تسرد فيه سيرة طفولتها وأبنائها، وأيضاَ رواية (جمهورية الخيال: أميركا في ثلاثة كتب)، وأشهر أعمالها رواية (أن تقرأ لوليتا في طهران)، والتي تسرد فيها سيرتها الشخصية في التدريس ومقاومة الثورة الإيرانية إبان سنوات عملها هناك في الفترة الزمنية 1978/1981، وذلك قبل استقالتها من العمل بسبب رفضها للقيود الجديدة في جامعة إيران والتي بنظرها تقلل من إبداعها وحريتها في التدريس والعيش ويخالف قيمها كأستاذة جامعية. وتسرد هنا آراء طالباتها حيث بدأت في ترتيب صفوف في بيتها مع مجموعة من طالبتها المهتمات بالأدب لمناقشة الروايات بكل حرية وعدم تقيد لشروط التدريس في الجامعة.

ونقتبس من هذه الرواية الأخيرة مقولات لـ(آذار نفيسي) عن الرواية الجيدة والتي تم ذكرها في محاضراتها:

إن معظم الأعمال الخيالية العظيمة مغزاها أن تجعلك تحس بأنك مثل غريب وأنت في بيتك أو وطنك، والعمل الأدبي الأفضل هو ذلك العمل الذي يدفعنا دائماَ إلى الشك والارتياب بشأن ثوابتنا، ويجعلنا نشكك في التقاليد والتوقعات والآمال حينما تبدو لنا وكأنها ثوابت لا تقبل الجدل. قلت لطلبتي إنني أتمنى عليهم في قراءتهم أن يتأملوا ويمعنوا النظر في الأسباب التي تجعل من عمل أدبي ما يهز استقرارهم ويحرك القلق في داخلهم، ويحثهم على إعادة تقييم العالم حولهم بعيون أخرى مختلفة، تماماَ مثلما حدث مع (أليس في بلاد العجائب).

فـ(آذار نفيسي) ترى أن الرواية الجيدة هي التي تظهر العقد الداخلية للشخصيات، وتضيف قائلة:

ليست الرواية استعارات ومجاز، إنها تجربة حسية لعالم آخر. فإذا لم تدخلوا ذلك العالم، لتتنفسوا وتحبسوا أنفاسكم مع شخصياته، وتشاركوهم مصيرهم، فلن يكون بإمكانكم الدخول إلى عمق الشخصيات أو التعاطف معها، والتعاطف هو جوهر الرواية. بهذه الطريقة يجب أن تقرأ الرواية: باستنشاق التجربة.

و أخيراَ تقول:

يجب علينا أن نستمر في قراءة الكتب المدمرة العظيمة.

مجموعة من الكتاب والأدباء يجيبون عن سؤال: لماذا نكتب؟

meredith-Maran-006

قدمت الأستاذة بثينة العيسى ومجموعة من المترجمين العرب مجهوداَ مُلفتاَ في ترجمة كتاب –لماذا نكتب– ضمن مشروع تكوين للكتابة الإبداعية وهو عبارة عن مجموعة مقالات ومقابلات أعدتها ميريدث ماران مع مجموعة من الكُتاب في شتى الأصناف الكتابية للإجابة على أسرار الكتابة ومصادر الإلهام الخاصة بهم, وذلك لتنكشف لك ككقارئ معلومات قد ترضي فضولك بالكتابة والكُتاب, أو تساعدك ككاتب في مشوارك الكتابي.. ويغطي الكتاب 20 مقابلة ابتداءَ بإيزابيل اللندي حتى ميغ والتيزر. وهنا مجموعة من إجابات الكُتاب في مواجهة سؤال(لماذا نكتب؟) وأيضاَ بعض النصائح المقتبسة من تلك المقابلات في الكتاب:

يقول ريك مودي:

أظن أنني عندما أكتب-أو بشكل أدق- متى ما كتبتُ,سأكون إنساناَ أفضل وأكثر سلاماَ.

وتقول ميغ واليترز:

لديك سيطرة نافذة, أين تستطيع أن تجد مثل هذا؟

ثم تكمل:

 أنت لا تستطيع السيطرة على الآخرين, على علاقاتك, أو على أطفالك, ولكن في الكتابة تستطيع أن تحصل على” فترات متصلة تكون فيها المسيطر تماماَ.

سو غرافتون قالت:

أفضل يوم لي ككاتبة هو أي يوم, أو أي لحظة يسير فيها العمل بشكل جيد وأكون منغمسة تماماَ في المهمة بين يدي.وأصعب وقت هو عندما يكون الأمر عكس ذلك.وهذا الأخير يفوق الأول عدداَ,ولكنني فتاة لعينة وعنيدة, أصر كالجدي.

.عندما أبدأ العمل على كتاب أدخل في حالة هياج ذهني شديد

َقال مايكل لويس:

يضطرب نومي ولا أحلم إلا بمشروع الكتاب.. أغيب ذهنيا لعدة أشهر كل مرة, والثمن الذي تدفعه زوجتي ويدفعه أطفالي جراء ذلك باهظ جداَ, لحسن حظي أكتب بإسراف على فترات متقطعة وآخذ فترات استراحة بين الكتب, ولكنني مازلت أحظى بعائلة.

“أبدأ كل كتبي في الثامن من يناير”، قالت إيزابيل اللندي, وهي تهز رأسها المسرح بإتقان:

هل يمكنك تخيل السابع من يناير؟ إنه جحيم… أنا أسجل حضوري أمام شاشة الكومبيوتر وحسب,” أحضر وأحضر وأحضر, وبعد مدة سوف تحضر ربة الإلهام أيضاَ”.

أما جينيفر إيغان تقول:

إنه لأمر مخيف,أن تسكب الوقت والجهد في مشروع ليس له هوية أدبية واضحة,واحتمال أن الناشر سيقول لك: لا يمكننا أن ننشر كتابك الغريب! المرتبة الثانية من الخوف هي إنه سينشره, وأن الكتاب سيأتي ويذهب دون أن يثير همسة.

وديفيد بالداتشي قال:

الفرصة الوحيدة التي حصلت عليها للنشر في صحيفة النيو يوركر, كانت لأنني وقعت أغلفة رسائلي باسم: جي.دي.سالينغر.

ويقول والتر موزلي:

 لا أستطيع التفكير في سبب يمنعني من الكتابة. ربما يكون أحدها ألا يشتري أحد كتبي وحتى هذا السبب عندما أفكر به لا يمنعني من الكتابة. سأكتب بأية حال.

 

وهنا نصائحهم للكُتاب :

ايزابيل الليندي تنصح بأن الأمر جدير بأن تعمل كي تجد الكلمة الدقيقة التي ستخلق شعوراَ أو تصف حالة. استخدم القاموس, استخدم مخيلتك, حك رأسك حتى تخرج إليك. ولكن عليك أن تجد الكلمة الصحيحة.

وعندما تشعر بأن القصة قد بدأت بالتقاط إيقاع, الشخوص تتشكل, ويمكنك أن تراهم, وأن تسمع أصواتهم, وهم يفعلون أشياء لم تخطط لها- عندها تعرف بأن الكتاب موجود في مكان ما, وكل ماعليك فعله هو أن تجده وأن تحضره- كلمة بعد كلمة- إلى هذا العالم.

وعندما تروي قصة في المطبخ لصديق, فهي مليئة بالأخطاء والتكرار, من الجيد أن تتجنب هذا في الأدب ومع ذلك, يجب على القصة أن تبدو كمحاورة لا كمحاضرة.

أما حكمة ديفيد بالدتشي للكُتاب فهي:

مهما كان النوع الأدبي الذي تكتبه, تآلف مع كل ما يستجد فيه.الشيء الذي أثار القارئ قبل عشر سنوات ليس بالضرورة ما يثيره اليوم. انظر إلى المنافسين.

“اكتب لقرائك” هو تعبير ملطف ل “اكتب ما تعتقد أن الناس ستقوم بشرائه”. لا تقع في هذا الخطأ! أكتب للشخص الذي تعرفه جيداَ. أكتب لنفسك!.

 

أما جينيفر إيغان فتنصح بأن تقرأ كتب من المستوى الذي ترغب بكتابته.القراءة هي قوت الكتابة. إذا كان ما تحب قراءته من مستوى ب ربما سيصعب عليك أن تكتب في مستوى أ.

وجيمس فري يقول:

للكُتاب بإنه لا توجد قواعد في الفن الحقيقي, ليس عليك الكتابة تحت شكل أدبي معين, ولا يهم إن كنت درست في جامعة متخصصة أو حصلت على شهادة في الكتابة الإبداعية. إما أن تستطيع الكتابة أو لا.

أما سو غرافتون فتقول:

لا توجد هناك أسرار, وليس هناك طرق مختصرة. الأشياء التي عليك معرفتها بصفتك كاتباَ طموحاَ هي أن تعلم الكتابة يأتي عن طريق التعلم الذاتي. وإتقان الكتابة يحتاج لسنوات.

و كاثرين هاريسون تقول:

لا تصور نفسك كما ترغب بأن تصورها, بل صورها كما هي.

مايكل لويس يقول:

كثير من قراراتي اتخذتها في حالة وهم, عندما تحاول بدء حياة عملية في الكتابة.. سيفيدك القليل من التفكير الوهمي.

والتر موزلي يقول:

الكتابة استثمار طويل الأجل.. إذا التزمت به ستصل إلى ما تصبو إليه من نجاحات.

 

أما سوزان أورلين فتنصح الكاتب:

ببساطة يجب أن تحب الكتابة. وعليك أن تذكر نفسك غالباَ بأنك تحبها. ويجب أن تقرأ بقدر ما تستطيع.. تلك هي أفضل طريقة لتتعلم كيف تكتب ولا تتحرج من استخدام القواميس!

وأخيراَ تقول ميغ واليتزر:

لا أحد يستطيع إبعاد الكتابة عنك, ولا أحد يستطيع أن يعطيك إياها أيضاَ.

 

أدب الحياة عند توفيق الحكيم

توفيق الحكيم

توفيق الحكيم (1898-1987) كاتب وأديب مصري من رواد الرواية والمسرح الذهني, لطالما تحدث في مقالاته عن الأدب العربي وكيف يمكن أن يتقدم ويفيد ويمتع الشعب .. وفي كتاب (أدب الحياة) تم جمع جميع مقالاته عن الأدب ومنها مقاله أدب الحياة ويقول فيها:

الاتجاه الغالب المميز للأدب الجديد هو ولا شك  أدب الحياة, وأود قبل كل شيء أن أسميه “أدب الحياة” لأن عبارة:” الأدب في سبيل الحياة” قد أثارت لبساَ وغموضاَ في الأذهان, وجعلت الكثيرين يقولون إن كل أدب حتى المأخوذ من بطون الكتب القديمة في السير والحكم والبلاغة إنما هو في سبيل الحياة وتجميلها وتهذيبها. وهذا صحيح.

ولكن ليس هذا ما يقصده الأدب الجديد ولا شك- فشباب الأدب الجديد يريدون من “أدب الحياة” أن يكون شيئاَ آخر غير “أدب الكتب”. وإذا كنت قد فهمت غرضهم جيداَ فهم يريدون أن يقوم الأدب على التجربة الحية لإنسان أو عصر أو شعب, وأن تكون هذه التجربة صادقة- ومن هنا جاء اهتمامهم بالواقعية- فلا تزييف ولا تهويل حتى لا تفسد الصورة وتحجب الحقائق.

تلك الحقائق التي هي وسيلة العصر الحديث لفهم نفسه, ووعي مشكلاته وإدراك مدى قدرته على حلها, والكفاح من أجل التطور بمصيره, وبذلك يخرج الأدب من وظيفة الحلية البديعة الساكنة فوق الصدور, إلى وظيفة النور البراق المتحرك الذي يفتح الأبصار, ويثير ما في داخل النفس البشرية, ويبرز ما في الأذهان من أفكار معاصرة.

إن “أدب الحياة” في بلادنا لن يكون عميقاَ إلا إذا كان الأديب نفسه عميقاَ في اطلاعه وفكره وفنه, كما كان “تولستوي” أو “جوركي” أو “برناردشو

أدب الحياة أصعب من أدب الكتب, لأنه أكثر اتساعاَ وغوراَ, لأنه يشمل الكتب والحياة معاَ!

بل إن أهمال التكوين الثقافي, وعدم الإحاطة بالمعرفة من منابعها الأولى إلى آخر ما وصلت إليه, كل هذا قد أدى إلى شيء كثير من التخبط والخلط وسوء التطبيق لهذا الأدب الجديد “أدب الحياة”, مما نتج عنه قيام صيحات الاستخفاف أو الارتياب أو التجريح ضد هذا الاتجاه والداعين إليه, حتى كادت تضيع قضيتهم. إذا أرادوا إذن انتصار فعليهم أن يتجنبوا الخفة والتسرع, وأن يتمسكوا بالصبر والجلد, وأن يشيدوا على العمل والجهد والاطلاع على ما كان ويكون, ليبرزوا لنا “الحياة” في عمقها واتساعها وشمولها للفكر والمعرفة والتجربة, لأن تلك هي الحياة: تجربة وفكر ومعرفة! .

خالد حسيني في نشر رواية عداء الطائرة الورقية

1352281513610.cached

خالد حسيني كاتب وطبيب أفغاني أمريكي, كتاباته لديها القدرة على هز عاطفة من يقرأها وشخصيات رواياته لا تنسى, عُين كسفير للنوايا الحسنة المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين, عمل على ثلاث روايات لإثبات وجه جديد ونظرة مختلفة لإفغانستان. كتب عداء أو سباق الطائرة الورقية, ألف شمس مشرقة وأخيراَ ورددت الجبال الصدى. وهنا يحكي قصة نشره لأول كتاب وما هو السر وراء إلهامه للبدء ككاتب كما ذكرها في هذه المقابلة التي أجريت معه عن رواية “عداء الطائرة الورقية”.

يوماَ ما في بداية عام 1999م, بينما كنت أتنقل بين القنوات الفضائية استوقفني خبراَ عن أفغانستان. كان خبراَ عن طالبان ومافرضوا من قيود ومحضورات على الشعب الأفغانستاني, وخصوصاَ النساء منهم. ومن بين الأمور التي قد حضرتها حركة طالبان كانت رياضة القتال بالطائرات الورقية, تلك الرياضة التي نشأت وكبرت على لعبها مع أخي وأقاربي في كابول وقد ضرب ذلك على وتر حساس خاصاَ بي فأطفأت جهاز التلفاز وسرعان ما وجدت نفسي جالساَ على الكمبيوتر أكتب قصة قصيرة. ظننت أنني سوف أكتب قصة بسيطة تتوق للوطن وللذكريات عن غلامين وحبهم لرياضة القتال بالطائرات الورقية.

لكن القصص لها إرادتها الخاصة بها, وقصتي أصبحت حكاية سوداوية عن الخيانة, الخسارة, الندم, الآباء والأبناء, فقدان الوطن.. الخ

القصة القصيرة كانت حوالي 25 صفحة, ظلت على حالها لبضع سنوات. كنت مولعاَ بها لكن أعتقدت أنها مليئة بالعيوب. ومع ذلك, كان بها روحاَ لا يمكن انكارها.

كنت متردداَ بشأن نشرها عن طريق إرسالها إلى حيث كنت أعرف –بدون أي شك- أنها ستُرفض من قبلهم

—The New Yorker, Esquire, The Atlantic Monthly—

وقد تم رفضها فعلاَ.

بعد عامين من ذلك, في آذار من عام 2001 وجَدَتْ زوجتي القصة في المرأب. أعدت قرائتها ومع ذلك وجدت نفس العيوب السابقة. ولأول مرة, أيقنت مدى حاجة القصة لعمل أطول, فالبنية القصيرة من القصة لا تعطيها حقها بما فيه الكفاية وتضعف من جوانبها. وبدأت بتوسيعها والعمل عليها ككتاب في آذار من تلك السنة.

وبعد ستة أشهر, عندما كنت أنهي ما يقارب الثلثين من كتابة الكتاب, سقط مركز التجارة العالمي” البرجين التوأمين”.

زوجتي اقترحت علي في ذلك الوقت- في الواقع- أصرت أن أقدم المخطوطة للناشرين, كنت معارضاً لذلك. لسبب واحد, لم أكن متأكداَ أن في ذلك خيراَ لنا والأهم من ذلك, وإن كان خطأَ, اعتقدت أن لا أحد في الولايات المتحدة يريد أن يسمع من أفغاني, يجب أن تفهم أن ذلك كان في الأيام والأسابيع القليلة التي تلت الهجمات إذ مازالت الجروح ملتهبة والمشاعر هائجة.

“الأفغان هم المنبوذين الآن”, قلت لزوجتي بلدتنا كانت موطناَ للأرهابيين الذين هاجموا نيويورك.

بالإضافة إلى ذلك, كنت قلقاَ من أن يظهر هدف قصتي بشكل انتهازي,وكأني أحاول أن أستفيد من هذه الفاجعة.

عارضتني زوجتي في هذا, كمحامية فقد جادلتني بقضيتها بطريقة مقنعة. فهي تعتقد أن الوقت قد حان لنخبر العالم قصة عن أفغانستان, فأغلب ما كتب عن أفغانستان في تلك الأيام ومع الأسف حتى الآن, يدور حول حركة طالبان, بن لادن والحرب ضد الإرهاب. فهنالك الكثير من المفاهيم الخاطئة والأفكار السابقة  حول أفغانستان, فزوجتي ظنت أن كتابي سيظهر للعالم فكرة ونظرة أخرى عن أفغانستان, نظرة إنسانية أكثر. وبحلول كانون الأول من تلك السنة, اقتنعت برأيها فعدت لكتابة هذه القصة.

عندما انتهيت من كتابة الرواية, أرسلتها لمجموعة كبيرة من وكلاء النشر وبدأت بتجميع مذكرات الرفض من قبلهم, استلمت ما يقارب أكثر من 30 مذكرة قبل أن تتصل بي إلين كوستر –والتي بكل حزن, قد توفيت- لتخبرني إنها موافقة لتكون وكيلة أعمالي. وحتى بعد ما وجدت إلين وحتى بعد نشر الرواية وتلقي العديد من التعليقات الجيدة حول العمل, كان مازال لدي شكوك جدية حول ما إذا كان هنالك من يريد أن يقرأ الكتاب. فقد كانت قصة سوداوية, كئيبة في بعض الأحيان. حدثت في بلد أجنبية وأغلب الأخيار ماتوا. فلك أن تتخيل دهشتي من القبول الذي تلقته الرواية”عداء الطائرة الورقية” منذ تاريخ نشرها في عام 2003م. ومازلت متعجباَ من الرسائل التي أتلقاها من الهند, جنوب أفريقيا, تل أبيب, سيدني, لندن, أركنساس ومن القراء الذين يعبرون عن حبهم لي., الكثير رغبوا في التبرع لأفغانستان, حتى أن البعض رغبوا أن يتنبوا يتيم أفغاني.

في تلك الرسائل رأيت كيف يكون للخيال الفريد قدرة في ربط الناس, ورأيت كم هي مشتركة التجارب والمشاعر الإنسانية:

العار، الشعور بالذنب، الندم، الحب، الصداقة، الغفران والتكفير.وكانت التجربة الأكثر سريالية لي هي عندما كنت أقوم بلقاء صحفي لعداء الطائرة الورقية, وكنت جالساَ بجانب شخص في الطائرة يقرأ كتابي.كنت أشعر بالحماس والغرابة في نفس الوقت. وأيضاَ أن أكون أنا من يقدم الإجابة  لسؤال قد يضعني على المحك, يزيد على ذلك الشعور.

ما هو سر شغف ليزا سي بالثقافة الصينية؟

CT  CT books-0827-lisa-see MJW

ليزا سي هي كاتبة أمريكية من جذور صينية أو كما تصف نفسها “نصف صينية”, نشأت في الحي الصيني في مدينة لوس أنجلوس والذي تم تأسيسه من قبل جدها الأكبر. حاولت التمسك بعاداتها الصينية والتعلم عن الثقافة هناك وانعكس ذلك على روايتها ك “فتاتان من شنغهاي” و “زهرة الثلج المروحة السرية” و “أحلام الفرح“.

هنا ترجمة للقاء مع ليزا سي تسرد فيه بعض ملاحظاتها العجيبة وهي تتحدث عن سر ولعها بالصين في كتاباتها المختلفة وأين تجد الإلهام.. حيث تقول:

لقد كتبت روايات في فترات زمنية مختلفة، ففي كتاب” فتاتان من شنقهاي” كانت هناك بضع أشياء ألهمتني للقيام بهذا العمل:

أولاَ: رغبت أن أكتب عن شنقهاي في عام 1937 ميلادية، عن آخر فترة ازدهار لشنقهاي قبل أن تتغير. فهي كانت بمثابة باريس آسيا وكان الناس يأتون من جميع أنحاء العالم لزيارتها. كانت مدينة ساحرة فاتنة من جميع النواحي رغم وجود الفقر المدقع.

فهذه هي الفترة التي أردت تغطيتها بالرواية. ومن ثم غزا اليابان الصين في أغسطس من عام 1937م مما أدى إلى إندلاع  الحرب الصينية اليابانية ومن ثم الحرب العالمية الثانية، وما إن انتهت الحرب العالمية الثانية حتى بدأت الحرب الأهلية في الصين، وبعدها حكمها “ماو” الذي غير البلد الى حال أسوأ وحولها من باريس آسيا إلى  بلد قاتمة في سنوات قصيرة وكأنه يعاقب البلد بطريقة ما، وسرعان مافقدت البلاد بريقها لذلك أردت أن أكتب عن شنقهاي الفاتنة، لأنني أريد أن يتذكرها الناس بهذه الذكرى الجميلة وليس كما أصبحت بعد ذلك.

ثانياَ: أردت أن أكتب عن برنامج الإعتراف “ضمن أحداث الرواية” والذي أعتقد أن هنالك الكثير من يجهل حقيقة حدوثه.

أما فيما يتعلق بكتاب “زهرة الثلج والمروحة السرية” فأهم حقيقة ثقافية مصدمة هي: اللغة السرية-لغة النو شو- والتي كتبت عنها في هذه الرواية وكنت مهووسة ومفتونة بها. فهي لغة اخترعتها النساء قبل آلاف من السنين والتي استمرت حتى ستينات القرن الماضي، وذلك لممارسة بعض الحرية بعيداَ عن أزواجهن في نقل الرسائل وإخبار بعضهن البعض عن آخر الأخبار واليوميات في حياتهن وكتابة هذه اللغة السرية على المراوح وتداولها على هذا النهج .

ولم أجد من يكتب بهذه اللغة عند سفري إلى الصين إلا امرأة كانت بعمر السادسة والتسعين آنذاك، وكانت قدماها قد ربطتا أيضاَ. أخبرتني الكثير عن هذه اللغة المنحدرة وتوفيت بعد ذلك في عام 2004م، ولم أجد الكثير من القطع الأصلية المتبقية بهذه اللغة فالنساء كن يحرقن المراوح عند وفاتهن لأسباب غيبية، و أتلف الجنود اليابانيين الكثير منها وأيضاَ اختلفت الترجمات للقطع القليلة التي وجدتها وهذه بعض الصعوبات التي واجهتني في كتابة الكتاب. وعلى الرغم من أنها لغة سرية فمن البديهي أن يكون هدفها هو ممارسة بعض الحرية ولكن رغم ذلك كانت هنالك قيود على النساء فلا يجوز لهن الكتابة عن رفضهن للحاكم أو عن قضية ربط الأقدام والتي كانت معياراَ للجمال آنذاك .- يفرض على النساء أن يربطن أقدامهن عند سن السادسة أو السابعة ويجب أن تكون بطول لا يزيد عن 3 إنشات، فهذا الطول هو المقبول اجتماعياَ. – هذه حقيقة اجتماعية فرضت على الفتيات الصينيات لأجيال وأجيال. وهذا ما أردت أن أكتب عنه ايضاَ.. عن نظرة النساء لهذا الأمر ولماذا يعرضن حياتهن للخطر من أجل معيار جمال وضعه المجتمع؟

لكن عكست “جمهورية الصين الشعبية موقفها السابق في منع النساء من كتابة هذه اللغة وتعتبر الآن لغة “النو شو” عنصر مهم في كفاح الصين، وقامت الآن بفتح مدرسة لتعليم هذه اللغة في قرية “بو واي”. هذا بالإضافة لترك الكثير من النساء مثل هذه العادة في ربط الأقدام في العصر الحاضر ولم يعد إلزاماَ.

للاستزادة:

مقابلة مع ليزا سي – بالانجليزية

مقال بعنوان “عن الكتابة” بقلم ليزا سي في موقعها – بالانجليزية