أرشيف الكاتب

الرواية الجيدة عند آذار نفيسي

7983_1

آذار نفيسي، من مواليد عام 1955، وهي كاتبة وأكاديمية من إيران، عرفتها من عملها الرائع (أشياء كنت ساكتة عنها)، حيث تسرد فيه سيرة طفولتها وأبنائها، وأيضاَ رواية (جمهورية الخيال: أميركا في ثلاثة كتب)، وأشهر أعمالها رواية (أن تقرأ لوليتا في طهران)، والتي تسرد فيها سيرتها الشخصية في التدريس ومقاومة الثورة الإيرانية إبان سنوات عملها هناك في الفترة الزمنية 1978/1981، وذلك قبل استقالتها من العمل بسبب رفضها للقيود الجديدة في جامعة إيران والتي بنظرها تقلل من إبداعها وحريتها في التدريس والعيش ويخالف قيمها كأستاذة جامعية. وتسرد هنا آراء طالباتها حيث بدأت في ترتيب صفوف في بيتها مع مجموعة من طالبتها المهتمات بالأدب لمناقشة الروايات بكل حرية وعدم تقيد لشروط التدريس في الجامعة.

ونقتبس من هذه الرواية الأخيرة مقولات لـ(آذار نفيسي) عن الرواية الجيدة والتي تم ذكرها في محاضراتها:

إن معظم الأعمال الخيالية العظيمة مغزاها أن تجعلك تحس بأنك مثل غريب وأنت في بيتك أو وطنك، والعمل الأدبي الأفضل هو ذلك العمل الذي يدفعنا دائماَ إلى الشك والارتياب بشأن ثوابتنا، ويجعلنا نشكك في التقاليد والتوقعات والآمال حينما تبدو لنا وكأنها ثوابت لا تقبل الجدل. قلت لطلبتي إنني أتمنى عليهم في قراءتهم أن يتأملوا ويمعنوا النظر في الأسباب التي تجعل من عمل أدبي ما يهز استقرارهم ويحرك القلق في داخلهم، ويحثهم على إعادة تقييم العالم حولهم بعيون أخرى مختلفة، تماماَ مثلما حدث مع (أليس في بلاد العجائب).

فـ(آذار نفيسي) ترى أن الرواية الجيدة هي التي تظهر العقد الداخلية للشخصيات، وتضيف قائلة:

ليست الرواية استعارات ومجاز، إنها تجربة حسية لعالم آخر. فإذا لم تدخلوا ذلك العالم، لتتنفسوا وتحبسوا أنفاسكم مع شخصياته، وتشاركوهم مصيرهم، فلن يكون بإمكانكم الدخول إلى عمق الشخصيات أو التعاطف معها، والتعاطف هو جوهر الرواية. بهذه الطريقة يجب أن تقرأ الرواية: باستنشاق التجربة.

و أخيراَ تقول:

يجب علينا أن نستمر في قراءة الكتب المدمرة العظيمة.

مجموعة من الكتاب والأدباء يجيبون عن سؤال: لماذا نكتب؟

meredith-Maran-006

قدمت الأستاذة بثينة العيسى ومجموعة من المترجمين العرب مجهوداً مُلفتاً في ترجمة كتاب –لماذا نكتب– ضمن مشروع تكوين للكتابة الإبداعية وهو عبارة عن مجموعة مقالات ومقابلات أعدتها ميريدث ماران مع مجموعة من الكُتاب في شتى الأصناف الكتابية للإجابة على أسرار الكتابة ومصادر الإلهام الخاصة بهم، وذلك لتنكشف لك كقارئ معلومات قد ترضي فضولك بالكتابة والكُتاب، أو تساعدك ككاتب في مشوارك الكتابي. ويغطي الكتاب 20 مقابلة ابتداءَ بإيزابيل اللندي حتى ميغ والتيزر. وهنا مجموعة من إجابات الكُتاب في مواجهة سؤال (لماذا نكتب؟) وأيضاَ بعض النصائح المقتبسة من تلك المقابلات:

يقول ريك مودي:

أظن أنني عندما أكتب -أو بشكل أدق- متى ما كتبتُ، سأكون إنساناً أفضل وأكثر سلاماً.

وتقول ميغ واليترز:

لديك سيطرة نافذة، أين تستطيع أن تجد مثل هذا؟

ثم تكمل:

 أنت لا تستطيع السيطرة على الآخرين، على علاقاتك، أو على أطفالك، ولكن في الكتابة تستطيع أن تحصل على فترات متصلة تكون فيها المسيطر تماماَ.

سو غرافتون قالت:

أفضل يوم لي ككاتبة هو أي يوم, أو أي لحظة يسير فيها العمل بشكل جيد وأكون منغمسة تماماَ في المهمة بين يدي. وأصعب وقت هو عندما يكون الأمر عكس ذلك. وهذا الأخير يفوق الأول عدداً، ولكنني فتاة لعينة وعنيدة، أصر كالجدي.

عندما أبدأ العمل على كتاب أدخل في حالة هياج ذهني شديد.

َقال مايكل لويس:

يضطرب نومي ولا أحلم إلا بمشروع الكتاب.. أغيب ذهنياً لعدة أشهر كل مرة، والثمن الذي تدفعه زوجتي ويدفعه أطفالي جراء ذلك باهظ جداً، لحسن حظي أكتب بإسراف على فترات متقطعة وآخذ فترات استراحة بين الكتب، ولكنني مازلت أحظى بعائلة.

“أبدأ كل كتبي في الثامن من يناير”، قالت إيزابيل اللندي, وهي تهز رأسها المسرّح بإتقان:

هل يمكنك تخيل السابع من يناير؟ إنه جحيم… أنا أسجل حضوري أمام شاشة الكومبيوتر وحسب، أحضر وأحضر وأحضر، وبعد مدة سوف تحضر ربة الإلهام أيضاَ.

أما جينيفر إيغان تقول:

إنه لأمر مخيف,أن تسكب الوقت والجهد في مشروع ليس له هوية أدبية واضحة، واحتمال أن الناشر سيقول لك: لا يمكننا أن ننشر كتابك الغريب! المرتبة الثانية من الخوف هي إنه سينشره، وأن الكتاب سيأتي ويذهب دون أن يثير همسة.

وديفيد بالداتشي قال:

الفرصة الوحيدة التي حصلت عليها للنشر في صحيفة النيو يوركر كانت لأنني وقّعت أغلفة رسائلي باسم: جي دي سالينغر.

ويقول والتر موزلي:

 لا أستطيع التفكير في سبب يمنعني من الكتابة. ربما يكون أحدها ألا يشتري أحد كتبي وحتى هذا السبب عندما أفكر به لا يمنعني من الكتابة. سأكتب بأية حال.

وهنا نصائحهم للكُتاب :

ايزابيل الليندي تنصح بأن الأمر جدير بأن تعمل كي تجد الكلمة الدقيقة التي ستخلق شعوراَ أو تصف حالة. استخدم القاموس، استخدم مخيلتك، حك رأسك حتى تخرج إليك. ولكن عليك أن تجد الكلمة الصحيحة.

وعندما تشعر بأن القصة قد بدأت بالتقاط إيقاع، الشخوص تتشكل، ويمكنك أن تراهم، وأن تسمع أصواتهم، وهم يفعلون أشياء لم تخطط لها- عندها تعرف بأن الكتاب موجود في مكان ما، وكل ماعليك فعله هو أن تجده وأن تحضره -كلمة بعد كلمة- إلى هذا العالم.

وعندما تروي قصة في المطبخ لصديق, فهي مليئة بالأخطاء والتكرار، من الجيد أن تتجنب هذا في الأدب ومع ذلك، يجب على القصة أن تبدو كمحاورة لا كمحاضرة.

أما حكمة ديفيد بالدتشي للكُتاب فهي:

مهما كان النوع الأدبي الذي تكتبه، تآلف مع كل ما يستجد فيه. الشيء الذي أثار القارئ قبل عشر سنوات ليس بالضرورة ما يثيره اليوم. انظر إلى المنافسين.

“اكتب لقرائك” هو تعبير ملطف ل “اكتب ما تعتقد أن الناس ستقوم بشرائه”. لا تقع في هذا الخطأ! اكتب للشخص الذي تعرفه جيداً. اكتب لنفسك!

أما جينيفر إيغان فتنصح بأن تقرأ كتب من المستوى الذي ترغب بكتابته. القراءة هي قوت الكتابة. إذا كان ما تحب قراءته من -مستوى ب- ربما سيصعب عليك أن تكتب في -مستوى أ-.

وجيمس فري يقول:

أنه لا توجد قواعد في الفن الحقيقي، ليس عليك الكتابة تحت شكل أدبي معين، ولا يهم إن كنت درست في جامعة متخصصة أو حصلت على شهادة في الكتابة الإبداعية. إما أن تستطيع الكتابة أو لا.

أما سو غرافتون فتقول:

لا توجد هناك أسرار، وليس هناك طرق مختصرة. الأشياء التي عليك معرفتها بصفتك كاتباَ طموحاَ هي أن تعلم الكتابة يأتي عن طريق التعلم الذاتي. وإتقان الكتابة يحتاج لسنوات.

و كاثرين هاريسون تقول:

لا تصور نفسك كما ترغب بأن تصورها، بل صورها كما هي.

مايكل لويس يقول:

كثير من قراراتي اتخذتها في حالة وهم، عندما تحاول بدء حياة عملية في الكتابة.. سيفيدك القليل من التفكير الوهمي.

والتر موزلي يقول:

الكتابة استثمار طويل الأجل.. إذا التزمت به ستصل إلى ما تصبو إليه من نجاحات.

أما سوزان أورلين فتنصح الكاتب:

ببساطة يجب أن تحب الكتابة. وعليك أن تذكر نفسك غالباً بأنك تحبها. ويجب أن تقرأ بقدر ما تستطيع.. تلك هي أفضل طريقة لتتعلم كيف تكتب ولا تتحرج من استخدام القواميس!

وأخيراَ تقول ميغ واليتزر:

لا أحد يستطيع إبعاد الكتابة عنك، ولا أحد يستطيع أن يعطيك إياها أيضاَ.

أدب الحياة عند توفيق الحكيم

 

توفيق الحكيم (1898-1987) كاتب وأديب مصري من رواد الرواية والمسرح الذهني. لطالما تحدث في مقالاته عن الأدب العربي وكيف يمكن أن يتقدم ويفيد ويمتع الشعب. وفي كتاب (أدب الحياة) تم جمع جميع مقالاته عن الأدب ومنها مقاله أدب الحياة ويقول فيها:

الاتجاه الغالب المميز للأدب الجديد هو ولا شك  أدب الحياة، وأود قبل كل شيء أن أسميه “أدب الحياة” لأن عبارة:” الأدب في سبيل الحياة” قد أثارت لبسًا وغموضًا في الأذهان، وجعلت الكثيرين يقولون إن كل أدب حتى المأخوذ من بطون الكتب القديمة في السير والحكم والبلاغة إنما هو في سبيل الحياة وتجميلها وتهذيبها. وهذا صحيح.

ولكن ليس هذا ما يقصده الأدب الجديد ولا شك – فشباب الأدب الجديد يريدون من “أدب الحياة” أن يكون شيئاَ آخر غير “أدب الكتب”. وإذا كنت قد فهمت غرضهم جيداَ فهم يريدون أن يقوم الأدب على التجربة الحية لإنسان أو عصر أو شعب, وأن تكون هذه التجربة صادقة- ومن هنا جاء اهتمامهم بالواقعية – فلا تزييف ولا تهويل حتى لا تفسد الصورة وتحجب الحقائق.

تلك الحقائق التي هي وسيلة العصر الحديث لفهم نفسه، ووعي مشكلاته وإدراك مدى قدرته على حلها, والكفاح من أجل التطور بمصيره، وبذلك يخرج الأدب من وظيفة الحلية البديعة الساكنة فوق الصدور، إلى وظيفة النور البراق المتحرك الذي يفتح الأبصار، ويثير ما في داخل النفس البشرية، ويبرز ما في الأذهان من أفكار معاصرة.

إن “أدب الحياة” في بلادنا لن يكون عميقاَ إلا إذا كان الأديب نفسه عميقاَ في اطلاعه وفكره وفنه، كما كان “تولستوي” أو “جوركي” أو “برناردشو

أدب الحياة أصعب من أدب الكتب، لأنه أكثر اتساعًا وغورًا، لأنه يشمل الكتب والحياة معًا.

بل إن إهمال التكوين الثقافي، وعدم الإحاطة بالمعرفة من منابعها الأولى إلى آخر ما وصلت إليه، كل هذا قد أدى إلى شيء كثير من التخبط والخلط وسوء التطبيق لهذا الأدب الجديد “أدب الحياة” مما نتج عنه قيام صيحات الاستخفاف أو الارتياب أو التجريح ضد هذا الاتجاه والداعين إليه، حتى كادت تضيع قضيتهم. إذا أرادوا إذن انتصار فعليهم أن يتجنبوا الخفة والتسرع، وأن يتمسكوا بالصبر والجلد، وأن يشيدوا على العمل والجهد والاطلاع على ما كان ويكون، ليبرزوا لنا “الحياة” في عمقها واتساعها وشمولها للفكر والمعرفة والتجربة، لأن تلك هي الحياة: تجربة وفكر ومعرفة.

خالد حسيني في نشر رواية عداء الطائرة الورقية

1352281513610.cached

خالد حسيني كاتب وطبيب أفغاني أمريكي, كتاباته لديها القدرة على هز عاطفة من يقرأها وشخصيات رواياته لا تنسى, عُين كسفير للنوايا الحسنة المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين, عمل على ثلاث روايات لإثبات وجه جديد ونظرة مختلفة لإفغانستان. كتب عداء أو سباق الطائرة الورقية, ألف شمس مشرقة وأخيراَ ورددت الجبال الصدى. وهنا يحكي قصة نشره لأول كتاب وما هو السر وراء إلهامه للبدء ككاتب كما ذكرها في هذه المقابلة التي أجريت معه عن رواية “عداء الطائرة الورقية”.

يوماَ ما في بداية عام 1999م, بينما كنت أتنقل بين القنوات الفضائية استوقفني خبراَ عن أفغانستان. كان خبراَ عن طالبان ومافرضوا من قيود ومحضورات على الشعب الأفغانستاني, وخصوصاَ النساء منهم. ومن بين الأمور التي قد حضرتها حركة طالبان كانت رياضة القتال بالطائرات الورقية, تلك الرياضة التي نشأت وكبرت على لعبها مع أخي وأقاربي في كابول وقد ضرب ذلك على وتر حساس خاصاَ بي فأطفأت جهاز التلفاز وسرعان ما وجدت نفسي جالساَ على الكمبيوتر أكتب قصة قصيرة. ظننت أنني سوف أكتب قصة بسيطة تتوق للوطن وللذكريات عن غلامين وحبهم لرياضة القتال بالطائرات الورقية.

لكن القصص لها إرادتها الخاصة بها, وقصتي أصبحت حكاية سوداوية عن الخيانة, الخسارة, الندم, الآباء والأبناء, فقدان الوطن.. الخ

القصة القصيرة كانت حوالي 25 صفحة, ظلت على حالها لبضع سنوات. كنت مولعاَ بها لكن أعتقدت أنها مليئة بالعيوب. ومع ذلك, كان بها روحاَ لا يمكن انكارها.

كنت متردداَ بشأن نشرها عن طريق إرسالها إلى حيث كنت أعرف –بدون أي شك- أنها ستُرفض من قبلهم

—The New Yorker, Esquire, The Atlantic Monthly—

وقد تم رفضها فعلاَ.

بعد عامين من ذلك, في آذار من عام 2001 وجَدَتْ زوجتي القصة في المرأب. أعدت قرائتها ومع ذلك وجدت نفس العيوب السابقة. ولأول مرة, أيقنت مدى حاجة القصة لعمل أطول, فالبنية القصيرة من القصة لا تعطيها حقها بما فيه الكفاية وتضعف من جوانبها. وبدأت بتوسيعها والعمل عليها ككتاب في آذار من تلك السنة.

وبعد ستة أشهر, عندما كنت أنهي ما يقارب الثلثين من كتابة الكتاب, سقط مركز التجارة العالمي” البرجين التوأمين”.

زوجتي اقترحت علي في ذلك الوقت- في الواقع- أصرت أن أقدم المخطوطة للناشرين, كنت معارضاً لذلك. لسبب واحد, لم أكن متأكداَ أن في ذلك خيراَ لنا والأهم من ذلك, وإن كان خطأَ, اعتقدت أن لا أحد في الولايات المتحدة يريد أن يسمع من أفغاني, يجب أن تفهم أن ذلك كان في الأيام والأسابيع القليلة التي تلت الهجمات إذ مازالت الجروح ملتهبة والمشاعر هائجة.

“الأفغان هم المنبوذين الآن”, قلت لزوجتي بلدتنا كانت موطناَ للأرهابيين الذين هاجموا نيويورك.

بالإضافة إلى ذلك, كنت قلقاَ من أن يظهر هدف قصتي بشكل انتهازي,وكأني أحاول أن أستفيد من هذه الفاجعة.

عارضتني زوجتي في هذا, كمحامية فقد جادلتني بقضيتها بطريقة مقنعة. فهي تعتقد أن الوقت قد حان لنخبر العالم قصة عن أفغانستان, فأغلب ما كتب عن أفغانستان في تلك الأيام ومع الأسف حتى الآن, يدور حول حركة طالبان, بن لادن والحرب ضد الإرهاب. فهنالك الكثير من المفاهيم الخاطئة والأفكار السابقة  حول أفغانستان, فزوجتي ظنت أن كتابي سيظهر للعالم فكرة ونظرة أخرى عن أفغانستان, نظرة إنسانية أكثر. وبحلول كانون الأول من تلك السنة, اقتنعت برأيها فعدت لكتابة هذه القصة.

عندما انتهيت من كتابة الرواية, أرسلتها لمجموعة كبيرة من وكلاء النشر وبدأت بتجميع مذكرات الرفض من قبلهم, استلمت ما يقارب أكثر من 30 مذكرة قبل أن تتصل بي إلين كوستر –والتي بكل حزن, قد توفيت- لتخبرني إنها موافقة لتكون وكيلة أعمالي. وحتى بعد ما وجدت إلين وحتى بعد نشر الرواية وتلقي العديد من التعليقات الجيدة حول العمل, كان مازال لدي شكوك جدية حول ما إذا كان هنالك من يريد أن يقرأ الكتاب. فقد كانت قصة سوداوية, كئيبة في بعض الأحيان. حدثت في بلد أجنبية وأغلب الأخيار ماتوا. فلك أن تتخيل دهشتي من القبول الذي تلقته الرواية”عداء الطائرة الورقية” منذ تاريخ نشرها في عام 2003م. ومازلت متعجباَ من الرسائل التي أتلقاها من الهند, جنوب أفريقيا, تل أبيب, سيدني, لندن, أركنساس ومن القراء الذين يعبرون عن حبهم لي., الكثير رغبوا في التبرع لأفغانستان, حتى أن البعض رغبوا أن يتنبوا يتيم أفغاني.

في تلك الرسائل رأيت كيف يكون للخيال الفريد قدرة في ربط الناس, ورأيت كم هي مشتركة التجارب والمشاعر الإنسانية:

العار، الشعور بالذنب، الندم، الحب، الصداقة، الغفران والتكفير.وكانت التجربة الأكثر سريالية لي هي عندما كنت أقوم بلقاء صحفي لعداء الطائرة الورقية, وكنت جالساَ بجانب شخص في الطائرة يقرأ كتابي.كنت أشعر بالحماس والغرابة في نفس الوقت. وأيضاَ أن أكون أنا من يقدم الإجابة  لسؤال قد يضعني على المحك, يزيد على ذلك الشعور.

26 قاعدة للعشق عند شمس الدين التبريزي

شمس الدين التبريزي عالم وشاعر صوفي، وهو درويش متجول تتلمذ على يده جلال الدين الرومي. عُرف بأشعاره ودواوينه وعلاقته مع الرومي والتي حولته من عالم وفقيه إلى شاعر فارسي معروف، مبتكر رقصة الدراويش رقصة سما الصوفية للتعبير عن محبة الله والتقرب منه.

هنا بعض من قواعده في العشق الإلهي المقتبسة من رواية قواعد العشق الأربعون للكاتبة التركية إليف شفق.

في الروحانيات وفلسفة الحياة:

إن الطريقة التي نرى فيها الله ما هي إلا إنعكاس للطريقة التي نرى فيها أنفسنا، فإذا لم يكن الله يجلب إلى عقولنا سوى الخوف والملامة، فهذا يعني أن قدراَ كبيراَ من الخوف والملامة يتدفق في نفوسنا. أما إذا رأينا الله مفعماَ بالمحبة والرحمة فإننا نكون كذلك.

إن الطريق إلى الحقيقة يمر من القلب، لا من الرأس. فاجعل قلبك لا عقلك دليلك الرئيسي. واجه، تحد، وتغلب في نهاية المطاف على “النفس” بقلبك. إن معرفتك بنفسك ستقودك إلى معرفة الله.

يمكنك أن تدرس الله من خلال كل شيء وكل شخص في هذا الكون، لأن وجود الله لا ينحصر في المسجد أو في الكنيسة أو في الكنيس. لكنك إذا كنت لا تزال تريد أن تعرف أين يقع عرشه بالتحديد، يوجد مكان واحد فقط تستطيع أن تبحث فيه عنه : وهو قلب عاشق حقيقي. فلم يعش أحد بعد رؤيته، ولم يمت أحد بعد رؤيته، فمن يجده يبقى معه إلى الأبد.

الوحدة والخلوة شيئان مختلفان. فعندما تكون وحيداَ، من السهل أن تخدع نفسك ويخيل إليك أنك تسير على الطريق القويم. أما الخلوة فهي أفضل لنا، لأنها تعني أن تكون وحدك من دون أن تشعر بأنك وحيد. لكن في نهاية الأمر، من الأفضل لك أن تبحث عن شخص، شخص يكون بمثابة مرآة لك. تذكر أنك لا تستطيع أن ترى نفسك حقاَ، إلا في قلب شخص آخر، وبوجود الله في داخلك.

لا يوجد فرق كبير بين الشرق والغرب، والجنوب والشمال. فمهما كانت وجهتك، يجب أن تجعل الرحلة التي تقوم بها رحلة في داخلك. فإذا سافرت في داخلك، فسيكون بوسعك اجتياز العالم الشاسع وما وراءه.

يوجد معلمون مزيفون وأساتذة مزيفون في هذا العالم أكثر عدداَ من النجوم في الكون المرئي. فلا تخلط بين الأشخاص الأنانيين الذين يعملون بدافع السلطة وبين المعلمين الحقيقين. فالمعلم الروحي الصادق لا يوجه انتباهك إليه ولا يتوقع طاعة مطلقة، أو إعجاباَ تاماَ منك، بل يساعدك على أن تقدر نفسك الداخلية وتحترمها. إن المعلمين الحقيقيين شفافون كالبلور، يعبر نور الله من خلالهم.

لا تحاول أن تقاوم التغيرات التي تعترض سبيلك، بل دع الحياة تعيش فيك. ولا تقلق إذا قلبت حياتك رأساَ على عقب. فكيف يمكنك أن تعرف أن الجانب الذي اعتدت عليه أفضل من الجانب الذي سيأتي؟

يقول القرآن الكريم (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم).* إن الله منهمك في إكمال صنعك، من الخارج ومن الداخل. إنه منهمك بك تماماَ. فكل إنسان هو عمل متواصل يتحرك ببطء لكن بثبات نحو الكمال. فكل واحد منا هو عبارة عن عمل فني غير مكتمل يسعى جاهداَ للإكتمال. إن الله يتعامل مع كل واحد منا على حدة لأن البشرية لوحة جميلة رسمها خطاط ماهر تتساوى فيها جميع النقاط من حيث الأهمية لإكمال الصورة.

إن الماضي تفسير، والمستقبل وهم. إن العالم لا يتحرك عبر الزمن وكأنه خط مستقيم، يمضي من الماضي إلى المستقبل. بل إن الزمن يتحرك من خلالنا وفي داخلنا، في لوالب لا نهاية لها.

إن السرمدية لا تعني الزمن المطلق، بل تعني الخلود. فإن أردت اختبار النور الأبدي، فعليك أن تخرج الماضي والمستقبل من عقلك وتظل داخل اللحظة الراهنة.

لا يعني القدر أن حياتك محددة بقدر محتوم. لذلك ، فإن ترك كل شيء للقدر، وعدم المشاركة في عزف موسيقى الكون دليل على جهل مطلق. إن موسيقى الكون تعم كل مكان وتتألف من أربعين مستوى مختلفاَ. إن قدرك هو المستوى الذي تعزف فيه لحنك. فقد لا تغير آلتك الموسيقية بل تبدل الدرجة التي تُجيد فيها العزف.

يجب ألا يحول شيء بين نفسك وبين الله، لا أئمة ولا قساوسة ولا أحبار ولا أي وصي آخر على الزعامة الأخلاقية أو الدينية ولا السادة الروحيون ولا حتى إيمانك. آمن بقيمك ومبادئك، لكن لا تفرضها على الآخرين، وإذا كنت تحطم قلوب الآخرين. فمهما كانت العقيدة الدينية التي تعتنقها، فهي ليست عقيدة جيدة.

على الرغم من أن المرء في هذا العالم يجاهد ليحقق شيئاَ ويصبح شخصاَ مهما، فإنه سيخلف كل شيء بعد موته. إنك تهدف إلى بلوغ المرحلة العليا من العدم. عش هذه الحياة خفيفاً وفارغاً مثل الرقم صفر. إننا لا نختلف عن أصيص الزرع. فليست الزينة في الخارج، بل الفراغ في داخلنا هو الذي يجعلنا نقف منتصبي القامة. مثل هذا تماماَ، فالوعي بالعدم وليس ما نتطلع إلى تحقيقه، هو الذي يبقينا نواصل الحياة.

لا تهتم إلى أين ستقودك الطريق، بل ركز على الخطوة الأولى. فهي أصعب خطوة ويجب أن تتحمل مسؤوليتها. وما إن تتخذ تلك الخطوة دع كل شيء يجري بشكل طبيعي وسيأتي ما تبقى من تلقاء نفسه. لا تسر مع التيار، بل كن أنت التيار.

لا يعني الصبر أن تتحمل المصاعب سلبًا، بل يعني أن تكون بعيد النظر بحيث تثق بالنتيجة النهائية التي ستتمخض عن أي عملية. ماذا يعني الصبر؟ إنه يعني أن تنظر إلى الشوكة وترى الوردة، أن تنظر إلى الليل وترى الفجر. أما نفاذ الصبر فيعني أن تكون قصير النظر ولا تتمكن من رؤية النتيجة.

مهما حدث في حياتك، ومهما بدت الأشياء مزعجة، فلا تدخل ربوع اليأس. وحتى لو ظلت جميع الأبواب موصدة، فإن الله سيفتح دربًا جديدًا لك.

يقبع الكون كله داخل كل إنسان ـ في داخلك. كل شيء تراه حولك، بما في ذلك الأشياء التي قد لا تحبها، حتى الأشخاص الذين تحتقرهم أو تمقتهم، يقبعون في داخلك بدرجات متفاوتة. لذلك، لا تبحث عن الشيطان خارج نفسك ـ أيضاً. فالشيطان ليس قوة خارقة يهاجمك من الخارج، بل هو صوت عادي ينبعث من داخلك. فإذا تعرفت على نفسك تمامًا، وواجهت بصدق وقسوة جانبيك المظلم والمشرق، عندها تبلغ أرقى أشكال الوعي. وعندما تعرف نفسك، فإنك ستعرف الله.

في الفكر والحب:

إذا أراد المرء أن يغيّر الطريقة التي يعامله فيها الناس، فيجب أن يغير أولاً الطريقة التي يعامل فيها نفسه. وإذا لم يتعلم كيف يحب نفسه، حبًا كاملاً صادقًا، فلا توجد وسيلة يمكنه فيها أن يحب. وعندما يبلغ تلك المرحلة، سيشكر كل شوكة يلقيها عليه الآخرون. فهذا يدل على أن الورود ستنمهر عليه قريبًا.

إن القذارة الحقيقة تقبع في الداخل، أما القذارة الأخرى فهي تزول بغسلها. ويوجد نوع واحد من القذارة لا يمكن تطهيرها بالماء النقي، وهي الكراهية والتعصب التي تلوث الروح. نستطيع أن نطهر أجسامنا بالزهد والصيام، لكن الحب وحده هو الذي يطهر قلوبنا.

إن كل قارى للقرآن الكريم يفهمه بمستوى مختلف بحسب عمق فهمه. وهناك أربع مستويات من البصيرة: يتمثل المستوى الأول في المعنى الخارجي، وهو المعنى الذي يقتنع به معظم الناس؛ ثم يأتي المستوى الباطني. وفي المستوى الثالث، يأتي باطن الباطن؛ أما المستوى الرابع، فهو العمق ولا يمكن الإعراب عنه بالكلمات، لذلك يتعذر وصفه.

إن جهنم تقبع هنا والآن، وكذلك الجنة. توقفوا عن التفكير بجهنم بخوف أو الحلم بالجنة، لأنهما موجودتان في هذه اللحظة بالذات. ففي كل مرة نحب، نصعد إلى السماء. وفي كل مرة نكره، أو نحسد، أو نحارب أحدًا، فإننا نسقط مباشرة في نار جهنم.

يتكون الفكر والحب من مواد مختلفة. فالفكر يربط البشر في عقد, لكن الحب يذيب جميع العقد. إن الفكر حذر على الدوام وهو يقول ناصحاَ:” إحذر الكثير من النشوة”، بينما الحب يقول:” لا تكترث! أقدم على هذه المجازفة”. وفي حين أن الفكر لا يمكن أن يتلاشى بسهولة، فإن الحب يتهدم بسهولة ويصبح ركاماَ من تلقاء نفسه. لكن الكنوز تتوارى بين الأنقاض. والقلب الكسير يخبئ كنوزاَ.

لقد خلقنا جميعاَ على صورته، ومع ذلك فإننا جميعاَ مخلوقات مختلفة ومميزة. لا يوجد شخصان متشابهان، ولا يخفق قلبان لهما الإيقاع ذاته. ولو أراد الله أن نكون متشابهين، لخلقنا متشابهين. لذلك، فإن عدم إحترام الاختلافات وفرض أفكارك على الآخرين، يعني عدم إحترام النظام المقدس الذي أرساه الله.

إن السعي وراء الحب يغيرنا، فما من أحد يسعى وراء الحب إلا وينضج أثناء رحلته. فما إن تبدأ رحلة البحث عن الحب، حتى تبدأ تتغير من الداخل ومن الخارج.

لا قيمة للحياة من دون عشق. لا تسأل نفسك ما نوع العشق الذي تريده، روحي أم مادي، إلهي أم دنيوي، غربي أم شرقي. فالانقسامات لا تؤدي إلا إلى مزيد من الانقسامات. ليس للعشق تسميات ولا علامات ولا تعاريف. إنه كما هو، نقي وبسيط.

تنبع معظم مشاكل العالم من أخطاء لغوية ومن سوء فهم بسيط. لا تأخذ الكلمات بمعناها الظاهري مطلقاَ. وعندما تلج دائرة الحب، تكون اللغة التي نعرفها قد عفى عليها الزمن، فالشيء الذي لا يمكن التعبير عنه بكلمات، لا يمكن إدراكه إلا بالصمت.

من السهل أن تحب إلهاَ يتصف بالكمال والنقاء والعصمة. لكن الأصعب من ذلك أن تحب إخوانك البشر بكل نقائصهم وعيوبهم. تذكر، أن المرء لا يعرف إلا ما هو قادر على أن يحب. فلا حكمة من دون حب. وما لم نتعلم كيف نحب خلق الله، فلن نستطيع أن نحب حقاَ، ولن نعرف الله حقا.

*سورة التين الآية 4.

ما هو سر شغف ليزا سي بالثقافة الصينية؟

CT  CT books-0827-lisa-see MJW

ليزا سي هي كاتبة أمريكية من جذور صينية أو كما تصف نفسها “نصف صينية”, نشأت في الحي الصيني في مدينة لوس أنجلوس والذي تم تأسيسه من قبل جدها الأكبر. حاولت التمسك بعاداتها الصينية والتعلم عن الثقافة هناك وانعكس ذلك على روايتها ك “فتاتان من شنغهاي” و “زهرة الثلج المروحة السرية” و “أحلام الفرح“.

هنا ترجمة للقاء مع ليزا سي تسرد فيه بعض ملاحظاتها العجيبة وهي تتحدث عن سر ولعها بالصين في كتاباتها المختلفة وأين تجد الإلهام.. حيث تقول:

لقد كتبت روايات في فترات زمنية مختلفة، ففي كتاب” فتاتان من شنغهاي” كانت هناك بضع أشياء ألهمتني للقيام بهذا العمل:

أولاَ: رغبت أن أكتب عن شنغهاي في عام 1937 ميلادية، عن آخر فترة ازدهار لشنغهاي قبل أن تتغير. فهي كانت بمثابة باريس آسيا وكان الناس يأتون من جميع أنحاء العالم لزيارتها. كانت مدينة ساحرة فاتنة من جميع النواحي رغم وجود الفقر المدقع.

فهذه هي الفترة التي أردت تغطيتها بالرواية. ومن ثم غزا اليابان الصين في أغسطس من عام 1937م مما أدى إلى اندلاع  الحرب الصينية اليابانية ومن ثم الحرب العالمية الثانية، وما أن انتهت الحرب العالمية الثانية حتى بدأت الحرب الأهلية في الصين، وبعدها حكمها “ماو” الذي غير البلد الى حال أسوأ وحولها من باريس آسيا إلى  بلد قاتمة في سنوات قصيرة وكأنه يعاقب البلد بطريقة ما، وسرعان مافقدت البلاد بريقها لذلك أردت أن أكتب عن شنغهاي الفاتنة، لأنني أريد أن يتذكرها الناس بهذه الذكرى الجميلة وليس كما أصبحت بعد ذلك.

ثانياَ: أردت أن أكتب عن برنامج الاعتراف “ضمن أحداث الرواية” والذي أعتقد أن هنالك الكثير من يجهل حقيقة حدوثه.

أما فيما يتعلق بكتاب “زهرة الثلج والمروحة السرية” فأهم حقيقة ثقافية مصدمة هي: اللغة السرية-لغة النو شو– والتي كتبت عنها في هذه الرواية وكنت مهووسة ومفتونة بها. فهي لغة اخترعتها النساء قبل آلاف من السنين والتي استمرت حتى ستينات القرن الماضي، وذلك لممارسة بعض الحرية بعيداَ عن أزواجهن في نقل الرسائل وإخبار بعضهن البعض عن آخر الأخبار واليوميات في حياتهن وكتابة هذه اللغة السرية على المراوح وتداولها على هذا النهج .

ولم أجد من يكتب بهذه اللغة عند سفري إلى الصين إلا امرأة كانت بعمر السادسة والتسعين آنذاك، وكانت قدماها قد ربطتا أيضاَ. أخبرتني الكثير عن هذه اللغة المنحدرة وتوفيت بعد ذلك في عام 2004م، ولم أجد الكثير من القطع الأصلية المتبقية بهذه اللغة فالنساء كن يحرقن المراوح عند وفاتهن لأسباب غيبية، و أتلف الجنود اليابانيين الكثير منها وأيضاَ اختلفت الترجمات للقطع القليلة التي وجدتها وهذه بعض الصعوبات التي واجهتني في كتابة الكتاب. وعلى الرغم من أنها لغة سرية فمن البديهي أن يكون هدفها هو ممارسة بعض الحرية ولكن رغم ذلك كانت هنالك قيود على النساء فلا يجوز لهن الكتابة عن رفضهن للحاكم أو عن قضية ربط الأقدام والتي كانت معياراَ للجمال آنذاك .- يفرض على النساء أن يربطن أقدامهن عند سن السادسة أو السابعة ويجب أن تكون بطول لا يزيد عن 3 إنشات، فهذا الطول هو المقبول اجتماعياَ. – هذه حقيقة اجتماعية فرضت على الفتيات الصينيات لأجيال وأجيال. وهذا ما أردت أن أكتب عنه ايضاَ.. عن نظرة النساء لهذا الأمر ولماذا يعرضن حياتهن للخطر من أجل معيار جمال وضعه المجتمع؟

لكن عكست “جمهورية الصين الشعبية موقفها السابق في منع النساء من كتابة هذه اللغة وتعتبر الآن لغة “النو شو” عنصر مهم في كفاح الصين، وقامت الآن بفتح مدرسة لتعليم هذه اللغة في قرية “بو واي”. هذا بالإضافة لترك الكثير من النساء مثل هذه العادة في ربط الأقدام في العصر الحاضر ولم يعد إلزاماَ.

للاستزادة:

مقابلة مع ليزا سي – بالانجليزية

مقال بعنوان “عن الكتابة” بقلم ليزا سي في موقعها – بالانجليزية

التعادلية عند توفيق الحكيم

Tawfiq-al-Hakim

أن تقرأ لتوفيق الحكيم هو أن تتجرد عن المادة وتنفصل عن الوجود، هو أن تترك قلبك يشعر وتطلق نطاق عقلك. لتأخذك حروفه إلى ما هو أبعد من الأرض، بجولة فكرية يغلبها الشعور، وأن تحس من خلال كتاباته وكأنك تستمع لترنيمة موسيقية تدخل الفرح لنفسك فرحةً ظاهرة على وجنتيك. كأنها نغمة شجية يلحنها فنان في عصر قديم لا تميزه، يحيطه أفراداً مثلك، أفراداً مجتمعون كالعلب المتناقضة، قدموا بوابل من الأسئلة. لكن وسط اختلاف الآراء، واجتماع الاتجاهات، وتداخل الإيقاع واختلاف التحليلات وتنازع الأديان، وجدوا مدخلاً آخر للسعادة والراحة، كان بعيداً جداً عن الأفق المنظور ألا وهو التعادلية..

الفيلسوف المفكر الأديب والناقد، توفيق الحكيم بصفاته التي قلما أن تجتمع في كاتب واحد، من خلال فكره التنويري يقدم آرائه في كتاب التعادلية مع الإسلام في شكل أجوبة شافية لأسئلة القارئ النهم بخصوص مذهبه في الفن والحياة، القارئ المهتم بدراسة شخصية توفيق الحكيم فكراً وعملاً.

ففي الفكر الحر يقول:

انضمام رجل الفكر إلى حزب من الأحزاب معناه تقيده والتزامه بتفكير الحزب.. وهذا الالتزام يناقض الحرية التي هي جوهر رسالته الفكرية…. لإن التزامه بمذهب حزبه يحرمه مباشرة سلطة الفكر في المراقبة والمراجعة، هذه السلطة الحرة التي هي أساس مسؤوليته الحقيقية.. وهو بذلك إما يخضع ويرضخ لحزبه وينزل راضياَ مختاراَ عن وظيفة رجل الفكر ويصبح رجل عمل.. وإما أن يصر على الصمود والاحتفاظ بسلطة وظيفته الفكرية ويناقش أفكار حزبه ويطورها بمطلق الحرية التي تخولها له مسؤولية رجل الفكر الحر وعندئذ سيجد نفسه مفصولاَ عن الحزب ومطروداَ أو مضطهداَ.

(..)

إن عصرنا الراهن قد ابتكر طريقة يستطيع بها رجل السلطان أن يسكت رجل الفكر، فهو اليوم لا يعذبه ولا يسجنه كما كان يفعل الحكام السابقون، لكنه يستدرجه إلى حظيرة السياسة العملية فيلغي بذلك وجوده لأنك إذا أدمجت الفكر في العمل لم يعد فكراَ.. فواجب رجل الفكر إذاَ أن يحافظ على كيان الفكر وأن يصون وجوده الذاتي حراَ مستقلاَ.

وفي إيمانه و التعادلية يقول:

قطبي الحياة هما الفكر و العمل.. يجب أن يحتفظ كل منهما بقوته الذاتية في نظر المذهب التعادلي حتي يتم بينهما التوازن .. لأن هذا التوازن هو الذي يكبح جماح كل منهما و يحول دون طغيانه المفسد لكيان البشرية العمل إرادة تجمدت و تقيدت و التزمت بوضع خاص. فالالتزام إذن من صفات العمل و الحرية من صفات الفكر و الفكر الذي يلتزم ينقلب إلى عمل و هذا بالضبط هو ما يحدث في الأحزاب السياسية و الاجتماعية .. فالبرنامج الحزبي أي المذهب السياسي أو الاجتماعي هو فكر تقيد به الحزب.

أنا أحس بشعوري الداخلي أن الإنسان ليس وحده في هذا الكون.. و هذا هو الإيمان. و ليس من حق أحد أن يطلب إلى الإيمان تعليلاً أو دليلاً. فإما أن نشعر أو لا نشعر، و ليس للعقل هنا أن يتدخل ليثبت شيئاً.. و إن أولئك الذين يلجأون إلى العقل و منطقه ليثبت لهم الإيمان، إنما يسيئون إلى الإيمان نفسه. فالإيمان لا برهان عليه من خارجه. إنى أومن بأنى لست وحدي … لأنى أشعر بذلك … و لم أفقد إيماني، لأني رجل معتدل.

الرأي عندي هو إعادة النظر فى طريقة الحساب و العقاب … فيما عدا عقوبة الإعدام للقتل العمد، فهي يجب أن تبقى … لا على أنها عقوبة، بل لأنها وضع طبيعي … فطبقاً لمذهب التعادل: لا شئ يعادل حياة الإنسان غير حياة الإنسان أما بقية الجرائم التى يعاقب عليها عادة بالحرمان من الحرية: أي بالحبس و السجن، فهي التى يجب أن تتغير و توضع على أساس جديد على أساس المعادلة-لا بين الحرية والشر-بل المعادلة بين الخير والشر. أي من يرتكب فعلاً يضر الغير يجب أن يعادله بفعل ينفع الغير … و على هذا الوضع يجب أن تلغى السجون، و يقام بدلاً منها مصانع و أدوات إنتاج فمن فعل شراً بالمجموع عليه أن ينتج خيراً يفيد المجموع، دون حاجة إلى أن يطرد من مجتمعه أو يقصى عن أهله و ذويه أو يحرم من حريته فى ممارسة حياته العادية. كل ما يطلب منه هو أن يؤدي ثمن الشر الذى ارتكبه من إنتاجه … يجب أن ينتج لحساب المجتمع ما يعادل فى الزمن و الكم جسامة الشر الذى صدر منه هذا الحساب الإيجابي المنتج أفيد و أنفع للمجتمع من السجن السلبي العقيم، و هو فضلاً عن ذلك مبق لكرامة المذنب، لأنه يبقيه بين مجتمعه و أهله، أي فى البيئة الصالحة لتوبته و تحركه فى اتجاه الخير.