أرشيف الكاتب

دور المسلم ورسالته في القرن العشرين عند مالك بن نبي

المفكر-الإسلامي-مالك-بن-نبي[1]

مالك بن نبي (1905-1973م) من أبرز المفكرين في القرن العشرين، أهتم بالبحث في مشكلات الحضارة في العالم الإسلامي واعتمد في بحثه منهجا ً مبنياً على أسس من علم الاجتماع وعلم النفس وسنن التاريخ. المصدر

ختم مالك بن نبي سلسلة كتبه (مشكلات الحضارة) بكتاب (دور المسلم ورسالته في القرن العشرين ) والذي يحتوي على محاضرتين ألقاهما عام 1972، تحدث فيهما عن ضرورة معرفة المسلم لدوره في القرن العشرين والعمل بمقتضيات هذا الدور، ويعزي أهمية هذا الأمر الى واقع هذا العصر الذي تشهد مجتمعاته المتحضرة تغييراً جوهرياً من الناحية العلمية والنفسية والأخلاقية، تغييراً نتج عن تراكم التجارب والخبرات في مجالات عدة، حيث يقول مالك بن نبي في وصفه لهذا العصر:

 هذا الثلث الأخير من القرن العشرين، كأنه النهر قرب شاطئ البحر وقد بلغ المصب، بعد أن تجمعت فيه جميع روافده من المياه، التي انحدرت من أعالي الجبال في أقصى داخل البلاد. فالثلث الأخير يبدو هكذا تلك الفترة من التاريخ التي تتجمع فيها كل روافد التاريخ، بكل نتائجها النفسية والاجتماعية والسياسية والعلمية، وكل التغيرات المترتبة على هذه النتائج. وعليه فإن هذه المسوغات تكفي لتسويغ اختيارنا له بصفته حقبة زمنية استثنائية في التاريخ، يكون دور المسلم فيها شيئا استثنائيا أيضا، يجب إدراجه بطريقة خاصة في الدور العام الذي حدده له القرآن الكريم بوصفه شاهداً…

التغيير الذي شهدته المجتمعات المتحضرة في معتقداتها الاجتماعية والسياسية والأخلاقية أدى الى تخليها عن المسوغات الحضارية التقليدية التي حركت تاريخها في الماضي. وفي هذا يقول (مالك بن نبي):

إن الأجيال في هذا المجتمع المتحضر عاشت على رصيد ثقافي ورثته من الأجيال السابقة، أعني أنها عاشت على رصيد المسوّغات التي دفعت عجلة التاريخ في القرون الماضية، وخصوصاً في القرن التاسع عشر والقرن العشرين. والذي يبدو-خاصة إذا رجعنا إلى فترة ما بعد الحربين العالميتين-أن هذا الرصيد من المسوّغات الضرورية لتحمّل أعباء الحياة، بدأ ينفد، وبدأت الشعوب التي تعيش على محور (واشنطن-موسكو)، الشعوب المتحضرة، بدأت تشعر جميعها بنفاد رصيدها الثقافي، رصيد مسوّغات حياتها التقليدية الموروثة عن أجدادها…لنتصور كيف كان ينشأ الطفل في زمان (كيلنج) مثلاً أو في زمان (أرنست رنان) مثلاً، كان الطفل في ذلك الوقت ينشأ وحوله جو من الأفكار منبتها الاستعمار[…] لذلك لا نستغرب أن نرى رجلاً كـ (ستانلي) في أواخر القرن الماضي، نشأ في هذا الجو وتكونت عنده فكرة الاكتشافات وفكرة الفتوحات، نراه يغادر وطنه وينزل إلى إفريقية الوسطى فيحتل قطاعا كبيراً منها […] أما إذا كان هذا الأوربي جندياً فإن نشأته في هذا الجو، تصور له أن المجال لأداء واجباته الوطنية وواجباته العسكرية، هو قطاع من قطاعات إفريقية وآسية. […] فهذه الأشياء كانت تغمر الحياة الأوربية بفيض من المسوغات. وربما كانت هناك منابع أخرى لهذه المسوغات فقدت أو جَفّ نبعها بعد الحرب العالمية الأولي والثانية، بسبب تطورات تتصل بما حدث مثلاً بشأن الروابط الخفية أو الظاهرة بين مجالي العلم والنفس.

فبقدر ما كانت تتحقق اكتشافات علمية كبرى في أوربة، بقدر ما كانت تترك صداها على المجال النفسي، وأثرها الكبير في التطور الروحي، حتى بدأت تفتر بعض المسوغات الروحية…

فحينما تفقد حياة ما أو مجتمع ما مسوغاته، لابدَّ أن يقوم بعمليات تعويض: يستبدل بمسوغات قديمة أو تقادمت، أو فقدت تأثيرها في الحياة الاجتماعية، بصفتها دوافع قوية للحياة الفكرية والعلمية والعسكرية والاقتصادية، يستبدل بها مسوغات جديدة. […] العالم المتحضر اليوم، يبدو أنه قد أخفق في عملية التعويض، سواء من الجانب الأدبي كمحاولة الوجودية مثلاً، أو من الجانب السياسي كمحاولة الرجوع لأصله الأوربي، بحثاً عن منطلقات جديدة لأفكاره ولنشاطاته الاقتصادية، فكأنما تقطعت أنفاسه، ولم تعد في متداوله تلك الأشياء المتينة التي كان يرتكز عليها في القرن الماضي وبداية هذا القرن.

وفي موضع أخر يقول:

فحضارة القرن العشرين أفقدت أو أتلفت قداسة الوجود، في النفوس وفي الثقافة وفي الضمائر. ولقد أتلفت القداسة لأنها عدتها شيئاً تافهاً لا حاجة لنا به. ولقد انجرت إلى إتلافها بسبب منشأ ثقافتها التي يطلق عليها اليوم (العلمية)، والتي أخضعت كل شيء وكل فكرة إلى مقاييس الكم منذ عهد ديكارت. […] كان الوجود مقدساً في كل تفاصيله، في حياة الحشرات كان مقدساً، وحياة الإنسان كان أكثر قداسة، حتى الأشياء التي تلقى في الشوارع، كانت هناك تفاصيل توحي بقداستها، كان المار في الشارع إذا التقى بصره بِفُتَات الخُبز، ينحني ويلتقط هذا الفتات ثم يقبله ويضعه في مكان طاهر، لأنه كان يشعر بقداسة هذه الأشياء. أما الأوربي فلا يهمه هذا ولا يلتفت إليه لأن هذا الفتات من الخبز، لا قيمة له في نظره الكمي، إذ لا ثمن له، لذا يلقى مع الأشياء الأخرى في سلة المهملات. بقدر ما تراكمت الإمكانيات الحضارية اضمحلت القاعدة الأخلاقية الروحية المعنوية التي تتحمل في كل مجتمع عبء الأثقال الاجتماعية والأثقال المادية، إذ لابدَّ من قاعدة روحية متينة حتى تتحمل هذه الأعباء، هذه الأعباء التي ترزح تحتها أوربة أو الحضارة الغربية اليوم وهي في خضم الأشياء التي تنتجها التكنولوجية.

وعند نفاذ المسوغات الحضارية تحصل أزمة  تضخم الإمكان الحضاري وتضاؤل الإرادة الحضارية، وفي حديثه هن نتائج هذه الأزمة يقول (مالك بن نبي):

إذا ما فقد مجتمع ما مسوغاته ولم يستطع تعويضها بالطرق المشروعة في محاولات مبذولة، عندها يعتريه القلق ويعتريه التيه وتعتريه الحيرة. […] البلد الذي حقق الضمانات الاجتماعية إلى أقصى حد مثل السويد، يتميز بشيء خطير وهو أنه يتصدر رأس القائمة في (إحصائية الانتحار العالمية). فظاهرة الانتحار في العالم، يشغل فيها المكان الأول، البلد الأكثر تقدماً نسبياً من حيث الضمانات الاجتماعية.

إذا شبعت البطون قد تبقى الأرواح متعطشة، تبقى الأرواح متطلعة. وحين لا تجد وجهة تتطلع إليها تفضل الاستقالة من الحياة. هذا إذن ما يحدث، وقد يحدث في بلاد أخرى أكثر من هذا في صورة ما؛ ويبدو أن هناك صوراً أخرى للاستقالة من الحياة… عن طريق الموبقات، عن طريق التدهور الأخلاقي، عن طريق الإدمان على المخدرات، فيصبح المجتمع مهدداً بالخراب، لأن قاعدته الاجتماعية تنهار، أي شبابه ينهار.

وفي موضع أخر يعطي (مالك بن نبي) صورة عن وضع المسلمين حضاريا:benabi_858752684

نحن نعيش أزمتنا الخاصة بنا ونعيشها بكل أبعادها، بعدها الاقتصادي مثلاً، يكفينا أن نذكر، على سبيل المثال، أن أحطَّ المستويات الاقتصادية في العالم، في صورة ما يسمى متوسط دخل الفرد السنوي، هو في البلاد الإسلامية. إن هذا معناه أن أحطَّ الحظوظ في هذه الدنيا أصبح للأمة التي خصها الله بالهداية الإسلامية، وخصها الله برسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في هذه الدنيا. هذه الأمة أصبحت تعاني الأزمات المتنوعة التي قد نجمعها في كلمة واحدة نسميها الأزمة الحضارية، وهي فعلاً أزمة حضارية لا غير إذن نحن نعاني أزمتنا ومن ناحية أخرى تعاني الإنسانية المتحضرة أزمتها.

ولنتقدم كمسلمين فمن الضروري أن نفهم دورنا في هذا العصر ونعمل بمقتضياته، ويرى مالك بن نبي أن دور المسلم يقتضي بناء وتغيير داخلي، حيث أن المسلم إذا أراد ان يبلغ رسالته الى العالم يجب أن يرتقي الى مستوى حضارة هذا العصر، فيبدأ ببناء نفسه اقتصاديا ً وعلميا ً. وفي أهمية هذا التغيير الداخلي يقول مالك بن نبي:

هل ترون الى أرض عطشى تنتظر الري من الماء؟ هل نستطيع ريها بماء يجري تحت مستواها؟ لا لن يسقي الماء الأرض بالصعود إليها، وإنما بالانحدار وذلك بحكم السنن الإلهية عن طريق الجاذبية. سنة الله تقتضي أن ينحدر إلى هذه الأرض إذا كان مستواه يخوله ذلك. إذن إذا أراد المسلم أن يقوم بدور الري بالنسبة للشعوب المتحضرة والمجتمع المتحضر، وأراد-بعبارة أوضح-أن يقدم المسوغات الجديدة التي تنتظرها تلك الأرواح، التي تتألم لفراغها وحيرتها وتيهها، إذا أراد المسلم ذلك، فليرفع مستواه رفعاً يستطيع معه فعلاً القيام بهذا الدور. إذ بمقدار ما يرتفع إلى مستوى الحضارة بمقدار ما يصبح قادراً على تعميم ذلك الفضل، الذي أعطاه الله له (أعني دينه). إذ عندها فقط يصبح قادراً أيضاً على بلوغ قمم الحقيقة الإسلامية، واكتشاف قيم الفضيلة الإسلامية، ومن ثم ينزل إلى هضاب الحضارة المتعطشة، فيرويها بالحقيقة الإسلامية وبالهدى، وبذلك يضيف إليها بعداً جديداً. لأن الحضارة العلمانية، حضارة الصاروخ، حضارة الإلكترون اكتسبت هذه الأشياء، وضيعت بعداً آخر تشعر بفقدانه وهو بُعد السماء.

وليأدي المسلم دوره في القرن العشرين فعليه أمرين الاقتناع والاقناع:

الاقتناع أولاً لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فلا يمكن للمسلم إن لم يقتنع بأن له رسالة أن يبلغ الآخرين هذه الرسالة، أو فحوى هذه الرسالة أو مفعول هذه الرسالة. إذن يجب أن يقتنع هو أولاً. وأنا أعني قناعته برسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين ولا أتكلم عن اقتناعه بدينه.

وفي اقناع الطرف الأخر يقول (مالك بن نبي):

ما هو واضح في تصوري أنا المسلم، ليس واضحاً بالنسبة للآخرين الذين ينبغي علي أن أتقدم إليهم، آخذاً بالاعتبار تصورهم هم لا تصوري أنا عن حقيقة المسلم. لأن حقيقة المسلم محجوبة عن نظر الآخرين. إن حقيقة المسلم، كرامة المسلم، فضيلة المسلم، أخلاق المسلم، شرف المسلم، عزة المسلم؛ كل هذه الأشياء تخفيها عن نظر الآخرين المظاهر الاجتماعية. وهي تشهد بكل أسف في نظر الآخرين على المسلم وضده. فالمسلم فقير، والمسلم جاهل، المسلم كذا … الإحصائيات الموجودة في العالم كذا … إلخ

ومن هنا نرى ما يترتب على المسلم من القيام بواجبات ملحة، حتى يفي بشرط إعجازه في هذا الثلث الأخير نحو نفسه ونحو الآخرين، […] يجب فعلاً أن تتوافر لرسالة المسلم كل شروط الاقتناع وكل شروط الإقناع؟ ولن يتوافر هذا إلا بتغيير. […] يجب على المسلم. الذي يضطلع برسالته أن يفكر في إعجازه، وإعجازه لا يتأتى إلا بتحقيق شرط جوهري، وهو تغيير ما بنفسه وتغيير ما في محيطه مصداقاً للآية الكريمة: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 12/13].

إذن لكي يتحقق التغيير في محيطنا يجب أن يتحقق أولاً في أنفسنا. […]عندها يجب على كل مسلم أن يحقق بمفرده شروطاً ثلاثة:

أولًا: أن يعرف نفسه.

ثانيًا: أن يعرف الآخرين، وألا يتعالى عليهم، وألا يتجاهلهم […] ويجب عليه أن يعلم ذلك لأمرين لا لأمر واحد، إما لكي يتقي شرهم عن معرفة وإدراك لكل معطيات نفوسهم، وإما لتبليغهم إشراق الإسلام وإشراق الهداية الإسلامية. فهو إن لم يعرف النفوس فكيف يقدر أن يتصرف معها بحكمة؟ إن لم يعرف نفوس الآخرين وظلت صناديق مغلقة عليه فكيف يبلغها الهداية الإسلامية؟ إنه لن يستطيع. يجب إذن على المسلم بعد أن يعرف نفسه أن يعرف نفوس الآخرين.

ثالثًا: أن يعرِّف الآخرين بنفسه، لكن بالصورة المحببة، بالصورة التي أجريت عليها كل عمليات التغيير بعد التنقية والتصفية من كل رواسب القابلية للاستعمار والتخلف وأصناف التقهقر، كل أصناف التخلف وأصناف التأخر. ويجب عليه أولاً أن يقوم بهذه التصفية حتى يقدم للآخرين صورة مقبولة محببة بوصفها عينة من العينات البشرية التي يصنعها الإسلام، أما إذا تقدم المسلم إلى الآخرين بوصفه عورة يجب أن يستحى منها، فالعورة تستر ولا تكشف، والعورة لا يمكنها أن تبلغ إشعاعاً. الجهل عورة الفقر الذي يسببه كسلنا، وكسلنا عورة، الفوضى عورة وهذه العورات كلها لا تستطيع ولا تتيح لشخصية المسلم أن تبلغ إشراق الإسلام.

هل تموت حضارات الأمم؟ المؤرخ ويل ديورانت يجيب

  • Will Durant

ويليام جيمس ديورانت (1885-1991) كاتب ومؤرخ أمريكي، حاصل على دكتوراه في الفلسفة، وعَمل أستاذاً في جامعة كولومبيا عاماً واحداً، ثم اتجه إلى إلقاء المحاضرات الحرة في الفلسفة والأدب في الكنيسة، وكتب بعد هذه المحاضرات أشهر كتبه (قصة الفلسفة) و(قصة الحضارة).

في كتابه (دروس التاريخ) جمع (ديورانت) الدروس التي استخلصها من رحلته التي استمرت 40 عاما ً في حضارات الشرق والغرب لكتابة الموسوعة الضخمة (قصة الحضارة). وهي دروس متعلقة بعدة نواحي مثل علاقة التاريخ بالأرض والأعراق والأخلاق والإقتصاد والحكومات. في فصل من فصول الكتاب يناقش ديورانت تطور وتحلل الحضارات عبر التاريخ، ويعرض تساؤلاً عما إذا كانت كل حضارة صائرة إلى الموت لا محالة.

نعرض تعريف (ديورانت) للحضارة والمقتبس من موسوعة (قصة الحضارة):

الحضارة نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي، وإنما تتألف الحضارة من عناصر أربعة: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية، ومتابعة العلوم والفنون، وهي تبدأ من حيث ينتهي الاضطراب والقلق، لأنه إذا أمن الإنسان من الخوف، تحررت في نفسه دوافع التطلع وعوامل الإبداع والإنشاء، وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهضه للمضي في طريقه إلى فهم الحياة وإزهارها.

يرفض ديورانت الفكرة القائلة بإمكانية التنبؤ بتفاصيل مستقبل الحضارات بناء على التاريخ الماضي، والتي يؤمن بها الكثير مثل (فرجيل) (19-70 ق.م) شاعر روماني، و(نيتشة) (1844 – 1900) فيلسوف ألماني. ولكن (ديورانت) يُقر بأن التاريخ يتكرر بشكل عام، حيث أن الحضارة تمر بمراحل عامة من النشوء والازدهار ثم السقوط. ولكن سلوك الجماعات الإنسانية يتغير بتغير الظروف المكانية والزمانية، ولهذا لا يمكننا التأكد من تكرر حوادث الماضي أو التنبؤ بمستقبل الحضارة.

التاريخ يكرر نفسه على نطاق واسع، لأن الطبيعة البشرية تَتَغير بروية جيولوجية، والإنسان مُجَهز كي يستجيب بطرق ثابتة للمواقف والدوافع المتكررة الحدوث، مثل الجوع والخطر والجنس. ولكننا نجد الأفراد في الحضارة المتطورة والمعقدة أكثر تفاضلا ً وتفردا ً من نظائرهم في المجتمع البدائي، كما نجد مواقف كثيرة تحتوي على ظروف جديدة تستلزم تعديلات في الاستجابة الفطرية. وهكذا يتقلص العرف، وينتشر التفكير المنطقي. وليس ثمة يقين بأن المستقبل سيكرر الماضي، فكل سنة جديدة ليست سوى مغامرة جديدة.

تتفق الأغلبية على أن الحضارة تمر بمراحل النهوض والسقوط، وتختفي الحضارة أو تبقى راكدة بدون تطور. وهنا يعرض ديورانت كيفية نشوء الحضارة وعوامل تطورها.

من المرجح أن معظم الدول (أي المجتمعات المنظمة سياسيا ً تشكلت من خلال غزو جماعة لأخرى، وتأسست قوة مستمرة فوق المَغزو على يد الغازي، فكانت مراسيمه أولى القوانين التي عرفوها، ثم خلقت هذه القوانين -مع إضافتها لأعراف الشعب-نظاما ً إجتماعيا ً جديدا ًومن الواضح أن بعض دول أمريكا اللاتينية بدأت بهذه الطريقة. وحين نظم السادة عمل رعاياهم كي يستغلوا نعمة من نعم الطبيعة (مثل نيل مصر أو أنهار أسيا) شكل الحس والتدبير الاقتصاديان أساسا ً أخر للحضارة. وقد يوقظ التوتر الخطير بين الحكام والمحكومين النشاط العقلي والعاطفي، ويعليه على التصدع اليومي عند القبائل البدائية. ويمكن أن تأتي إثارة التطور من أي تغيير في البيئة المحيطة، كأن يقع غزو خارجي أو نقص مستمر في المطر – وهي تحديات قد تواجه بالتحسينات العسكرية أو إنشاء قنوات الري.

وإذا عدنا بالمشكلة الى الماضي البعيد، وتساءلنا عما يحدد مواجهة التحدي من عدمها لكان الجواب أن هذا يتوقف على حضور أو غياب المبادرة، والأفراد المبدعين ذوي العقلية النيرة والإرادة القوية (وهذا يكاد أن يكون تعريف العبقرية) القادرين على الاستجابات الفعالة للمواقف المستجدة (وهذا يكاد يكون تعريف الذكاء) وإذا تساءلنا عما يصنع الفرد المبدع لأعادنا التاريخ الى علم النفس وعلم الأحياء – إلى حيث تأثير البيئة ومراهنات الكروموسومات (الصبغيات) وأسرارها. وعلى أية حال فإن المواجهة الناجحة للتحدي (كما فعلت الولايات المتحدة أعوام 1917، 1933، 1941) إذا لم تستنفذ طاقة المنتصر (كما حدث في إنجلترا عام 1945) ترفع درجة الصلابة والمنزلة في الأمة، وتجعلها أقدر على مواجهة التحديات الأخرى.

أما عن عوامل تحلل الحضارة فيرفض (ديورانت) التفسير القائل بأن الحضارة كائن حي باستطاعته التطور، كما أنه سينتهي بالموت لامحالة.

هذا التفسير لسلوك الجماعات هو من خلال القياس لعلم الأعضاء (الفيزيلوجيا) وعلم الطبيعة. وأن ننسب تدهور المجتمع الى قيد ما كامن في قدرته على الاستعارة والبقاء، أو عطب ما غير قابل للإصلاح في قوته الداخلية.

ولكن الجماعة لا تعني أن كائنا ً حيا ً يُضاف على نحو فيزيائي إلى عناصرها من الأفراد. فليس لها مخ خاص ولا معدة خاصة ويجب أن تفكر وتحس بعقول أفرادها أو أعصابهم. وحين تسقط جماعة أو حضارة لا يكون سقوطها من خلال أي قيد باطني خفي على حياتها المشتركة، وإنما يكون من خلال فشل زعمائها السياسيين أو الفكريين في مواجهة تحديات التغيير.

ثم يكمل عن مصادر التحديات التي تواجه الحضارة:

قد يفشل المطر أو الواحة، ويتركان الأرض جافة الى حد العقم. وقد تستنزف التربة بالزراعة غير المناسبة، أو الاستخدام قصير النظر، وقد يقلل إحلال العمل العبودي محل العمل الحر على حوافز الإنتاج، فيترك الأرض بغير فلاحة والمدن بلا طعام. وقد يؤدي التغيير في أدوات التجارة أو طرقها –مثل غزو المحيط أو الجو-الى توقف المراكز القديمة للحضارة وانحطاطها مثلما حدث لمدينة بيزا أو البندقية بعد عام 1492. وقد ترتفع الضرائب الى حد إحباط إستثمار رأس المال وحوافز الإنتاج. وقد تقضي زيادة المنافسة المغامرة على الأسواق والمواد الخام الأجنبية. وقد تمتص زيادة الواردات على الصادرات المعدن النفيس من الاحتياطات المحلية. وقد يؤدي تركز الثروة الى تمزق الامة في حرب طبقية أو عنصرية. وقد يجبر تركيز السكان والفقر في المدن الكبرى الحكومة على الاختيار بين إضعاف الاقتصاد بمنح الإعانات الحكومية للعاطلين وتحمل مخاطرة الشغب والثورة.

وكلما انتشر التعليم فقدت الأفكار اللاهوتية الاعتقاد فيها، ولاقت امتثالا ً مظهريا ً، دون تأثير على السلوك أو الآمال، فالحياة والأفكار تصبح متزايدة العلمانية، متجاهلة التفسير والمخاوف الخارقة، ويفقد القانون الأخلاقي شذاه وقوته كلما انكشف أصله البشري، وزالت المراقبة والجزائات المقدسة. ففي اليونان القديمة قضى الفلاسفة على العقيدة القديمة عند الطبقات المتعلمة. وفي كثير من أمم أوربا الحديثة حقق الفلاسفة نتائج مماثلة.

وفي العصور القديمة والحديثة على السواء حل الفكر التحليلي محل الدين الذي كان يدعم القانون الأخلاقي. وظهرت أديان جديدة، ولكنها كانت منفصلة عن الطبقات الحاكمة، ولم تقم بأية خدمة للدولة. وجاء عصر من الشك والضجر، والأبيقورية، بعد انتصار العقلانية على الأساطير في القرن الأخير قبل المسيحية، ثم تلاه انتصار مماثل في القرن الأول للمسيحية.

ومع الإشتباك في فترة الإسترخاء التي تقع بين قانون أخلاقي وآخر تال يستسلم جيل متحرر للترف، والفساد، والفوضى القلقة في الأسرة والأخلاق، ولا يستميت بالتعلق في القيود والطرق القديمة سوى نفر قليل.

وقد يؤدي فشل الزعامة بالدولة إلى الضعف من أثر النزاع الداخلي، وفي آخر العملية، قد تؤدي الهزيمة الحاسمة في الحرب إلى ضربة قاضية، أوقد يتحد غزو بربري من الخارج مع بربرية متصاعدة من الداخل فيؤدي اتحادهما إلى نهاية الحضارة.

إن التاريخ مليء بأنقاض حضارات الأمم، وكأنه يخبرنا بأن الموت هو مصير كل حضارة لامحالة، وفي هذا يكمل ديورانت.

هل هذه صورة مقبضة؟

ليس الأمر هكذا تماما ً. فالحياة لا تعرف المطالبة الموروثة بالخلود، سواء في الأفراد أو في الدول. والموت مسألة طبيعية، وإذا جاء في موعده يصبح مغفورا ًومفيدا ً، ولا يشعر العقل الناضج بالإساءة من مجيئه. ولكن هل الحضارات تموت؟

ليس الأمر هكذا تماما ً. فالحضارة اليونانية ليست ميتة تماما ً ولم يذهب إلا إطارها. أما موطنها فقد تغير وانتشر. وهي باقية في ذاكرة الجنس البشري، بوفرة لا يستطيع عمر واحد أن يستوعبها بأسرها، مهما كان طوله وعمره. وهيومرس يتمتع اليوم بقراءة أكثر مما كان له في عصره ووطنه، والشعراء والفلاسفة الإغريق موجودون بكل مكتبة وكلية. وأفلاطون في هذه اللحظة يقوم بدراسته مائة ألف من مكتشفي (البهجة العزيزة) في الفلسفة التي تغمر الحياة بالفكر الفاهم. وهذا البقاء المختار للعقول المبدعة هو أكثر أنواع الخلود حقيقة وخيرا ً.

إن الأمم تموت. والأراضي القديمة تزداد جدبا ً أو تعاني من أي تغيير أخر، والإنسان المرن يلتقط أدواته وفنونه، ثم يمضي، بصحبة ذكرياته. وإذا عَمَق التعليم هذه الذكريات ووسعها فإن الحضارة تهاجر مع صاحبها، وتبني له وطنا ًأخر. وعلى الأرض الجديدة لا يحتاج إلى البدء من جديد كلية، ولا إلى شق طريقه بدون عون ودي، فوسائل النقل والاتصال تربطه ببلده الأم كما لو كان في مشيمة مغذية. وقد استوردت روما الحضارة اليونانية ونقلتها إلى أوربا الغربية. واستفادت أمريكا من الحضارة الأوربية، وها هي تعد العدة لتداولها بتقنية نشر لم يسبق لها مثيل.

إن الحضارات هي ذريات الروح العرقية، وكما تتغلب الحياة على الموت بالإنجاب، تُسلم الثقافة المسنة تركتها لورثتها عبر السنين والبحار. بل وإننا ونحن نكتب هذه السطور، نجد التجارة، والطباعة، والأسلاك، والأمواج، وكواكب الجو غير المرئية، تربط بين الأمم والحضارات، وتحفظ للجميع كل ما أسهمت فيه احداها للبشرية.

وفي موضع أخر يقول (ديورانت):

يجب ألا يزعجنا كثيرا ً احتمال موت حضارتنا مثلما ماتت أية حضارة أخرى، أو كما سأل فريردرك الأكبر قواته التي تقهقرت عند مدينة كولن: (هل تراكم تحيون إلى الأبد؟) وربما كان من المرغوب فيه أن تتخذ الحضارة أشكالا ً جديدة وأن تكون للحضارات والمراكز الجديدة دورتها.

الحضارة العظيمة لا تموت كلية فقد بقيت المنجزات العظيمة بعد كل تقلبات الدول الصاعدة والساقطة: صنع النار والنور، والعجلات وغيرها من الأدوات الأساسية، واللغة والكتابة، والفن، والأغنية، والزراعة والأسرة، والرعاية الأبوية، والتنظيم الاجتماعي، والأخلاق والإحسان، واستخدام التعليم، في انتقال تراث الأسرة والعرق. وهذه هي عناصر الحضارة، تم الحفاظ عليها بصورة متماسكة خلال رحلتها الخطرة من حضارة إلى أخرى تالية تشكل النسيج الرابط للتاريخ الإنساني.

وعن أهمية التعليم في حفظ الحضارة:

والحضارة لا تورث وإنما يجب تعلمها واكتسابها من جديد على كل جيل وإذا توقف الانتقال قرنا ً من الزمان ماتت الحضارة وصرنا همجا ً مرة أخرى. ومن ثمة تكون أرفع منجزاتنا المعاصرة هي إنفاقنا الغير مسبوق على التعليم العالي للجميع.

ماذا سيكون حال الإثمار الكامل للتعليم إذا أُلحق كل طفل في المدرسة حتى سن العشرين على الأقل، وأُتيحت له الفرصة الحرة لدخول الجامعات والمكتبات والمتاحف التي تضم الكنوز الفكرية والفنية للجنس البشري وتبذلها؟

علينا أن لا ننظر للتعليم كعملية تكديس مؤلم للحقائق والتواريخ وعهود الحكم، ولا كمجرد إعداد ضروري للفرد لكسب قوته في الدنيا، وإنما كانتقال لتراثنا العقلي والأخلاقي والتقني والجمالي بكل ما في استطاعتنا الى أكبر عدد ممكن، من أجل توسيع فهم الإنسان للحياة، والسيطرة عليها، وتزيينها، والإستمتاع بها.

حديث أرسطو عن الوسطية كطريق إلى السعادة

تمثال أرسطو

أرسطو (٣٨٤ق.م – ٣٢٢ق.م) فيلسوف يوناني، تتلمذ على يد (أفلاطون)، وقام بتعليم (الاسكندر الأكبر) ابن الملك المقدوني (فيليب). وأنشأ مدرسة (اللوقيون) التي قام فيها بتدريس الأحياء والعلوم الطبيعية. كما كتب (أرسطو) في مواضيع متنوعة ومن كتبه العلمية: (الطبيعيات)، (علم الظواهر الجوي)، (أجزاء الحيوان). ومن كتبه الفلسفية: (الاخلاق)، (السياسة)، (العلم الإلهي).

يقول عنه (ويل ديورانت) في كتابه: (قصة الفلسفة): “إن من مآثر (أرسطو) أنه قام بوصل خطين من الفكر وهما الفيزيائي والأخلاقي. حيث أمسك مرة ثانية بحبل التطور العلمي الذي اتخذ طريقه باليونان في الفترة السابقة لأيام (سقراط)، وجمع النتائج المتراكمة وواصل أعماله بتفصيل أكثر حزما ً، وملاحظات واستقصاء أكثر تعدداً، وجمع كل النتائج المتراكمة في مجموعة هامة من العلم المنظم.

ينقل لنا (ديورانت) حديث أرسطو إلى تلاميذه عن الأخلاق والطريق إلى السعادة. حيث أنه لما كَثُر التلاميذ الشباب حول (أرسطو)، بدأ بالاتجاه إلى المسائل الأخلاقية، ورأى بأن السؤال الأكثر أهمية هو ما هو الطريق الموصل إلى الفضيلة والسعادة؟

تميزت نصائح (أرسطو) بالواقعية حيث، لم يكن يبحث مُثل الكمال العليا الغير قابلة للتطبيق. ولما كان مدركا ً بطبيعة البشر كان يقول:

هدف الحياة ليس الخير في حد ذاته، بل السعادة، لأننا نختار السعادة لذاتها لا لشيء أخر، ونحن نختار الشرف، والسرور، والادراك لأننا نعتقد اننا نصل عن طريقها الى السعادة.

ويأمل (أرسطو) بأن الطريق الموصل للسعادة يكمن في إجابة سؤال ما الذي يميز الانسان عن غيره من المخلوقات الحية؟ فهو يعتقد بأن الانسان يبلغ السعادة عندما يتحلى بصفته الخاصة المميزة له عن بقية الكائنات.

يمتاز الانسان عن غيره بقوة فكره التي بفضلها يتفوق ويحكم جميع اشكال الحياة الأخرى، وبما ان نمو وتطور هذه المقدرة على الفكر مكنته من السيادة، لذلك يمكننا ان نفترض ان تطور هذه المقدرة الفكرية سيحقق له السعادة.
عندئذ يكون العقل شرطا ً للسعادة باستثناء قضاء بعض اللوازم الجسدية.

ثم يكمل بالحديث عن الوسطية كطريق الى الفضيلة والسعادة:

تتوقف الفضيلة أو بالأحرى الفضل على الرأي الواضح وضبط النفس وتناسق الرغبات وفن الاعتدال، وهي ليست ملكا ً للإنسان البسيط أو هبة للقصد البريء ولكنها نتيجة خبرة الانسان المتطور تطورا ً كبيرا ً.

ومع ذلك هناك طريق لبلوغ السعادة، ومرشد لبلوغ الفضل قد يوفر علينا الكثير من التأخير والعناء. وهو الطريق الوسط، أو الوسط الذهبي، حيث تُنَظم الأخلاق في شكل ثلاثي يكون الطرفان الأول والأخير فيه تطرفاً ورذيلة. والوسط فضيلة أو فضل. وهكذا يكون بين التهور والجبن فضيلة الشجاعة، وبين البخل والاسراف فضيلة الكرم، وبين الكسل والجشع فضيلة الطموح، وبين البخل والإسراف فضيلة الكرم، وبين الكتمان والثرثرة فضيلة الأمانة، وبين الكآبة والمزاح فضيلة البشاشة، وبين محبة الخصام والتملق فضيلة الصداقة. عندئذ لا يختلف الصواب في الأخلاق والسلوك عن الصواب في الرياضيات والهندسة، حيث يعني الصحيح والمناسب وأفضل عمل لأفضل نتيجة، على كل حال فإن الوسط الذهبي ليس كالوسط الرياضي، أي متوسط محكم النقيضين محسوبين بدقة. ولكن يتذبذب مع الظروف المحاذية لكل وضع، ويبدي نفسه للعقل الناضج المرن فقط. إن الفضيلة فن يمكن كسبه بالمران والعادة.

ويضيف (أرسطو) أن التحلي بالفضيلة كأسلوب حياة هو شرط للسعادة:

هذه الفضائل تتشكل في الإنسان بعمله لها. إننا عبارة عن عما نفعله دائما ً. إن الفضل أو الخير بالإنسان هو عمل النفس بالطريق إلى الفضيلة طيلة حياته. وكما أن ظهور عصفور الجنة أو السنوفو أو وقوع يوم صحو من الأمطار لا يعني أننا في فصل الربيع، لذلك لا يكفي يوم واحد أو زمن قصير لجعل الانسان صالحاً أو سعيداً.

ثم يعلق (ديورانت) بأن التفريط أو الإفراط قد يصدر من الإنسان نتيجة سوء فهمه للفضيلة بمعناها الصحيح، فيقول:

عندما يرتكب الشباب خطاً فإن هذا الخطأ يجنح إلى التطرف والمبالغة وبهذا فإن الصعوبة في موقف الشباب هي في الخروج من تطرف والوقوع في تطرف معاكس له، وقد رأينا وسمعنا مثل هذه المواقف تحدث بكثرة في مجتمعنا هنا. فمن أقصى اليمين إلى أقصى اليسار دون المرور بالوسط الذهبي إلا قليل منهم وبعد خوض تجارب مريرة وانكسارات روحية ومعنوية لأن التطرف الواحد يؤدي بسهولة إلى الآخر سواء بسبب زيادة التقويم أو غيره.

أولئك الذين يشعرون بتطرفهم في أمر من الأمور لا يطلقون اسم “الفضيلة” على الوسط ولكن على الطرف المقابل لتطرفهم وقد يكون هذا أمراً حسناً في بعض الأحيان لأننا إذا كنا نشعر بأخطائنا في أمر واحد متطرف ينبغي أن نوجه هدفنا إلى الآخر وبهذا قد نصل إلى الموقف الوسط كما يفعل الناس في تقويم جذع الشجرة المنحني، ولكن المتطرفين الذين لا يشعرون بتطرفهم ينظرون إلى الوسط الذهبي على أساس كونه رذيلة فيتقاذفون الإنسان المعتدل كما يتقاذفون الكرة فالجبان على سبيل المثال يعتبر الشجاعة تهوراً واندفاعاً وينظر المتهور للشجاعة على أنها جبن وضعف وقس على ذلك بقية الأمور

الألم مُحفز للتغيير، برأي أندرو ماثيوز

Andrew Mathews

(أندرو ماثيوز) كاتب ومحاضر في مجال تطوير الذات ورسام كاريكتير محترف. درس في (رابطة طلاب الفنون الجميلة) بنيويورك. تتميز كتبه بالبساطة وتقديم الحلول العملية، كما أنها تحتوي على العديد من الرسوم الكاريكاتيرية التي تجعلها أكثر جاذبية ومتعة. حققت كتبه أفضل مبيعات في أمريكا وأروبا وأستراليا، كما تُرجمت إلى 42 لغة. في كتاب (كن سعيدا ً) قدم ماثيوز بلغة سهلة نصائح حياتية شاملة ومتنوعة تتخللها أمثلة وقصص واقعية تُساعد القارئ على فهم نفسه وتوجيهها، حتى يرى الأمور بطريقة إيجابية أكثر.

Being Happy

أحد المواضيع التي تحدث عنها ماثيوز في كتابه (كن سعيدا ً) هو الألم. وهو شعور لابد أن يتعرض له الانسان في حياته، وسواء كان الألم عضوي أو عاطفي فإن له جانب إيجابي. نظرة الانسان الى الألم وطريقته في التعامل معه تختلف من شخص الى أخر والتنبه الى الجانب الإيجابي من الألم هو أمر صعب.

إذا كنت تتحاور مع (جون براون) بعد أن أمضى الساعة ونصف الساعة عند طبيب الأسنان وقلت له: “أليس الألم شيئا ً رائعا ً” فربما يشك جون وقتها في أنك مجنون. وبنفس الطريقة، إذا كنت في المطبخ وحرقت إصبعك فربما يكون من الصعب أن تُقَدر مدى إيجابية هذا الألم.

ولكن دعنا نفترض أنك لم تشعر بالألم على الإطلاق فمن الممكن أن تستند إلى سطح ساخن لمدة عشرين دقيقة ولا تشعر بذلك إلا بعد أن تستدير وترى أن ذراعك قد أصبحت متفحمة. فإذا لم تكن تشعر بالألم فمن الممكن أن تصل الى البيت من العمل وعند انحنائك لتخلع حذاءك تقول: “يا إلهي! لقد فقدت نصف قدمي اليسرى. لابد أنها قطعت في مكان ما. هل فقدتها عند باب المصعد أم أن هذا له علاقة بكلب جاري (الدوبر مان)؟ اعتقد أني لم أكن أمشي بطريقتي المعتادة هذا المساء“.
إن الألم العضوي له ناحية إيجابية. فهو تغذية استرجاعية مستمرة؛ لتخبرنا بما يجب أن نفعله وما لا يجب أن نفعله.
فعندما نفرط في تناول الطعام أو لم نستطع أخذ قسط كافٍ من النوم أو إذا كنا نشعر ببعض الإرهاق أو 11أصبنا بكسر ونحتاج إلى الراحة. فإن نظامنا الذاتي الرائع سوف يطلق جرس إنذار لندرك ذلك.
وينطبق هذا على تجاربنا العاطفية المؤلمة. فإذا جُرحت عواطفنا؛ تَصلنا رسالة معلنة عن حاجتنا لتغيير مسارنا أو حاجتنا لرؤية الأشياء من منظور مختلف. وإذا جُرحت مشاعرنا، وخذلنا شخص ما مقرب لنا في الحياة فقد تكون الرسالة وقتها: “أحب هؤلاء الأشخاص في حياتك دون أن تنتظر منهم شيئا ً، وتقبلهم على حالهم، ولتأخذ منهم فقط ما يريدون إعطاءك إياه دون اعتراض أو طلب المزيد“. وقد تكون الرسالة البديلة لهذه: “لا تدع تصرفات الأخرين تؤثر على تقديرك لذاتك.

التعلم من التجارب المؤلمة هو طريق للتغيير الإيجابي.

إذا احترق منزلك أو سرق أحدهم سيارتك فسوف تشعر بأحاسيس مزعجة. فهذا أمر طبيعي ويشعر به البشر كافة. وإذا اخترت أن تتعلم من الموقف فستعرف جيدًا أنه يمكنك أن تحيا في سعادة دون هذه الأشياء التي كنت مرتبطًا بها للغاية؛ فمثل هذه التجارب العاطفية يمكن ان تعيد ترتيب أولوياتك في الحياة. ولا أعني بذلك أنه يجب أن نعيش بلا منازل أو بلا سيارات. ولكن ما أريد قوله هو أن الأشخاص الناجحين هم الذين يتعلمون من مثل هذه التجارب، ويعيدون ترتيب أنفسهم ليتماشى ذلك مع الوضع الجديد، وبهذا تصبح الشدائد أقل ألمًا.

الخلاصة

2

إن الألم يجعلنا نتأمل ونفكر، فهو يغير اتجاهانا ويحثنا على أن ننظر للأمور بشكل مختلف. فالألم العاطفي مثله مثل الألم الجسدي، فإذا تصرفنا بشكل غير لائق باستمرار، سوف نعرض أنفسنا بشكل مستمر للإيذاء. يمكن أن تقول: “حسنًا، لا يجب أن أتأثر بهذا، فأنا لا أريد أن أتأذى بذلك الأمر” ولكنه شيء مؤذ بالفعل. فهناك من يؤذون أنفسهم أربعًا وعشرين ساعة في اليوم وثلاثمائة وخمسة وستين يومًا في السنة. فهم لا يدركون أبدًا أنه قد حان الوقت ليبعدوا أيديهم عن هذه النيران التي تحرقهم.

فلسفة سقراط

Will Durant

ويليام جيمس ديورانت (1885-1991) كاتب ومؤرخ أمريكي، حاصل على دكتوراه في الفلسفة، وعمل أستاذاً في جامعة كولومبيا عاماً واحداً، ثم اتجه الى إلقاء المحاضرات الحرة في الفلسفة والادب في الكنيسة، وكتب بعد هذه المحاضرات أشهر كتبه (قصة الفلسفة) و(قصة الحضارة). كان أغلب جمهوره من الطبقة العاملة التي إستوجب توصيل المعلومات لها إستخدام أسلوب بسيط وربط التاريخ بالحاضر، ويظهر أسلوبه المبسط واضحا ً في كتاب (قصة الفلسفة) الذي يعتمد على السرد القصصي لحياة الفلاسفة، وشرح مبسط لفلسفاتهم، وقد نجح ويل في جذب القارئ حيث ذُكر أن مبيعات كتابه الطائلة مكنته من التفرغ باقي حياته لمشروعه الكبير كتاب (قصة الحضارة).

في كتاب (قصة الفلسفة) تحدث (ويل) عن (سقراط) أشهر الفلاسفة الذين شكلوا الفلسفة الاوربية، كان (سقراط) معلما ً محبوبا ً ومؤثرا ً في تلاميذه، يجمع الشباب من مختلف الخلفيات والتوجهات السياسية، ويحفزهم على التساؤل ومناقشة أفكارهم.

كانوا الشبان يلتفون حوله في جماعات كثيرة، ساعدته في خلق فلسفة أوربية. وكان بينهم رجال أغنياء مثل (أفلاطون) و(السبيادس)، وكانوا يستمتعون بتحليله وهجومه وقدحه للنظام الديمقراطي في أثينا وكان من بين الشباب بعض الاشتراكيين مثل (انتيثيناس) الذي أحب في سقراط عدم إهتمامه بفقره، وواحد أو إثنين من الفوضويين مثل (اريستيبوس) الذي تاقت نفسه الى عالم لاوجود فيه للأسياد أو العبيد، بحيث يكون سكان هذا العالم جميعهم احراراً بعيدين عن القلق مثل (سقراط)، إن جميع المشاكل التي تثير المجتمع الإنساني اليوم، وتقدم مادة لنقاش الشباب الذي لا ينتهي ؛أثارت وهيجت أيضا تلك الجماعات اليونانية الصغيرة من المفكرين والمحدثين، الذين شعروا مع معلمهم , أن الحياة بغير بحث وحديث، ليست جديرة بأن يعيش فيها الإنسان. لقد مثلت تلك الحلقات جميع الإتجاهات الفكرية والاجتماعية، وربما كانت هذه الاجتماعات أصل هذه الإتجاهات الفكرية الاجتماعية.

كان (سقراط) يقول: “لا أعرف سوى شيء واحد وهو أني لا أعرف شيئا”. فالفلسفة لا تتقدم إلا عن طريق تبني منهج الشك والبحث الدائم.

إن الفلسفة تبدأ عندما يبدأ الانسان يتعلم الشك-خصوصا ً الشك في المعتقدات التي يحبها، والعقائد والبديهيات أو الحقائق المقررة التي يؤمن بها ويقدسها. ومن يعرف كيف أصبحت هذه المعتقدات العزيزة علينا حقائق يقينية بيننا، وفيما إذا كانت لم تلدها خلسة رغبة سرية، ملبسة الرغبة ثوب الفكرة؟ لا وجود للسياسة الحقة مالم يتجه العقل الى فحص نفسه، لقد قال سقراط “اعرف نفسك“.

كان الفلاسفة مثل (طاليس) و(هرقليطس) قبل مجيء (سقراط) يبحثون في الكون وقوانين العالم المادي وأصل الأشياء، اما (سقراط) فقد اتجه في فلسفته الى بحث مسائل متعلقة بالأخلاق وعقل الانسان

إتجه الى سبر غور الروح الإنسانية، يستطلع الافتراضات ويستجوب اليقينيات وإذا تحدث الناس عن العدالة المتعارفة كان يسألهم بـهدوء، ما هي هذه العدالة؟ وماذا تعنون بهذه الكلمات المجردة التي تحلون بها بمثل هذه السهولة مشاكل الحياة والموت؟ وماذا تعنون بكلمة الشرف؟ والفضيلة؟ والأخلاق؟ والوطنية؟ وماذا تعني بنفسك؟

على الرغم من إعتراض البعض على أسلوبه الجدلي وأسئلته التي يرون أنها تثير إضطراب الرجال، إلا أن (سقراط) قدم جوابين لسؤالين مهمين وهما ما معنى الفضيلة؟ وماهي أفضل دولة؟

من خلال بحث إجابات هذه الأسئلة، حاول (سقراط) إصلاح الاخلاق العامة في أثينا، وإيجاد نظام حكم أفضل للدولة.

لقد أضعفت روح الفردية الخلق الأثيني، وتركت المدينة أخيرا ً فريسة أمام الأسبارطة الأشداء بطبعهم. أما بالنسبة الى الدولة أي شيء أشد سخرية من هذه الديمقراطية التي تقودها وتتزعمها الجماهير التي تسوقها العاطفة، هذه الحكومة التي تقوم على النقاش الشعبي، عزل القواد وتنفيذ الإعدام فيهم، هذا الاختيار -الذي لا اختيار فيه- للبسطاء من التجار والمزارعين في تناوب وتعاقب أبجدي كأعضاء للمحكمة العليا للبلاد، وكيف السبيل إلى إيجاد قيم أخلاقية جديدة في أثينا؟ وكيف يمكن إنقاذ الدولة؟

رأى (سقراط) بأن الفضيلة هي المعرفة، حيث أن معرفة الانسان بنفسه وبما ينفعها سيقوده الى التصرف وفقا ً لذلك، وما يصدر من الناس من شر إنما هو نتيجة لجهلهم بأنفسهم وبما ينفعها.

أدرك أن هناك شريعة أخلاقية أبدية لا يمكن أن تقوم على دين ضعيف كالدين الذي آمنت به أثينا في ذلك الوقت. وإذا كان الانسان يقدر على بناء نظام من الأخلاق مستقل تماماً عن المبادئ الدينية، ويطبق على الملحد والقسيس على السواء، عندئذ قد تأتي الديانة وتروح من غير أن تحل الاسمنت الأخلاقي الذي يجعل من الأفراد مواطنين مسالمين في المجتمع. ويرى سقراط أن الدولة يجب أن توعي الناس بما هو في مصلحتهم وتعلمهم أن ينظروا الى النتائج البعيدة لتصرفاتهم الحالية، موافقة وبذلك يكون العقل والحكمة هو أساس المجتمع.

لذلك يجب تقديم المعرفة في اتخاذ القرارات التي هي في صالح الدولة، ولا يجب ان تؤخذ القرارات بناء على رأي الاغلبية فقط كما كان الحال في أثينا

إن الحاجة تقتضي بصيرة واضحة لضمان السلم والنظام والنية الطيبة. ولكن إذا كانت الحكومة نفسها حكومة تسودها الفوضى والسخافة، تحكم ولا تساعد، وتأمر ولا تقود، كيف تستطيع أن تقنع الفرد في مثل هذه الدولة على أن يطيع القوانين، ويحصر بحثه الذاتي داخل دائرة الخير العام؟ فلا غرابة أن تعم الفوضى في البلاد التي يسودها الجهل، حيث تقوم الجماهير بوضع القرارات في سرعة وجهل. أليس من الجهل أن يحل مجرد العدد محل الحكمة؟ وعلى العكس، ألا نرى الناس مجتمعين في جماعات، أكثر سخافة وعنفاً وقسوة منهم وهم منفصلون منفردون؟

وتَقَرر الحكم على سقراط بالموت لأنه استجوب المعتقدات الدينية وانتقد نظام الحكم الأثيني

تصور رد فعل الحزب الشعبي الديمقراطي في أثينا على هذا الإنجيل الأرستقراطي الذي كان يدعو له سقراط، في وقت استدعت في الحرب ضرورة اسكات كل نقد ولوم لسياسة الحكومة. وتصور شعور انايتس الزعيم الديمقراطي الذي رأى ابنه يصبح تلميذاً لسقراط ويتحول عن عبادة آلهة والده ويسخر منه في وجهه.

تقرر مصير (سقراط) وأصبح واضحا. فقد كان الزعيم العقلي للحزب الثائر، مهما كان مسالما هو نفسه. فقد كان مصدر الفلسفة الأرستقراطية البغيضة ومفسد الشباب الذي أسكرهم النقاش، ورأى (انايتس) و(مليتس) زعماء الديمقراطية، ان من الأفضل ان يموت (سقراط).

سجل (أفلاطون) نهاية (سقراط) بنثر حزين يصف فيه كيف تم إعدامه بالسم. وذكر (أفلاطون) في نثره بأن (سقراط) رفض أن يطلب الرحمة، وأَثًر أن يموت شهيد الفلسفة دفاعا ًعن حق حرية الأفكار، كما أنه كان مؤمنا ً بأن هناك حياة أخرى بعد الموت، ولذلك قال لأصدقائه الحزينين “أفرحوا وقولوا إنكم توارون في التراب جسدي فقط“. كتب (أفلاطون) في نثره:

نهض (سقراط) ودخل غرفة الحمام مع (كريتو) الذي طلب منا ان ننتظر، وانتظرنا نفكر ونتحدث. في حزننا الكبير، فقد كان لنا بمثابة الأب الذي سنفقده بعد قليل ونعيش بقية حياتنا يتامى، لقد اقتربت ساعة غروب الشمس، وعندما خرج علينا جلس معنا مرة ثانية، ودخل السجّان ووقف بجانبه قائلا: “اليك يا (سقراط) يا أنبل من جاءوا الى هذا المكان، سوف لا أتهم او أستذنب شعور الرجال الآخرين الذين يثورون ويشتموك عندما أقدم لهم السم واطلب منهم ان يشربوه اطاعة لأوامر السلطة. انت تعرف مأموريتي”، وبعدئذ انفجرت دموعه وخرج.

قال السجان لـ(سقراط):

“عليك ان تمشي فقط الى ان تشعر بثقل قدميك فتستلقي وبهذا يسري السم في جسدك”. وفي الوقت ذاته، قدّم الكأس الى (سقراط) الذي اخذه بأسهل وألطف طريقة، وبدون وجل أو تغيّر في لونه او قسمات وجهه ناظرا إلى الرجل بملء عينيه كعادته دائما. ورفع الكأس الى شفتيه في هدوء تام وإبتهاج.

لقد تمالك معظمنا شعوره حتى ذلك الوقت، ولكن عندما شاهدناه يشرب ورأيناه ايضا ينتهي من شربه لم نعد نقدر على تمالك شعورنا، وانهمرت دموعي على الرغم مني فغطيت وجهي وبكيت على نفسي لمجرد تفكيري في مصيبتي لفقدي مثل هذا الصديق.

واستمر (سقراط) في المشي هنا وهناك الى ان بدأت ساقاه تخونانه فاستلقى على ظهره. وكان الرجل الذي قدم له السم ينظر الى ساقيه وقدميه، وبعد فترة جس قدميه بشدة وسأله فيما إذا كان يشعر، فأجاب (سقراط) بالنفي، فجس ساقه واستمر يضغط على جسمه اعلى فأعلى وقال لنا انه أصبح باردا وجامدا، وشعر (سقراط) بذلك وقال: “ستكون النهاية عندما يصل السم الى القلب” وبدأ البرود يصل الى فخذيه فكشف وجهه (لأنه كان قد غطى نفسه) وقال، وكانت كلماته الاخيرة: “يا (كريتو)، انا مدين الى اسكيبيوس. ارجوك ان لا تنسى دفع هذا الدين“. وقال (كريتو): “سأدفع الدين، هل هناك شيء اخر؟“. ولم يسمع جوابا لهذا السؤال، وبعد دقيقة او اثنتين سمعنا حركة وقام الخادم بتغطيته وقام كريتو بإغلاق عينيه وفمه.

هكذا كانت نهاية صديقنا الذي أسميه بحق أحكم وأعدل وأفضل جميع الرجال الذين عرفتهم في حياتي.