أرشيف الكاتب

ضرورة سيادة القانون في أعين برتراند راسل

Bertrand Russell

الفيلسوف البريطاني وعالم الرياضيات والمؤرخ والناقد الاجتماعي برتراند راسل (1972-1970) واحد من المفكرين الأكثر تنوعاً وتأثيراً في العصر الحديث. يتحدث برتراند راسل في كتابه (أثر العلم في المجتمع) عن أثر عدم توسيع سيادة القانون مما ينتج فوضى طبقية:

كنت أعيش على قمة تل تحيط به الأشجار ٫ حيث أستطيع بسهولة جداً تجميع حاجتي من الخشب للمدفأة ٫ ولكن الاستحصال على الوقود بهذه الطريقة يكلف جهدا انسانيا أكبر من ذلك المطلوب لجلبه عبر انجلترا بصورة فحم حجري ٫ وذلك لأن الفحم يستخرج وينقل بطرق أكثر علمية ٫ في حين أستخدم أنا وسائل بدائية لجمع الخشب.

لم ينتج الفرد في العهود السابقة أكثر بكثير من حاجته ٫ لذا فإن نسبة ضئيلة من المجتمع وهي الطبقة الأرستقراطية عاشت في رخاء كبير وعاشت الطبقة الوسطى المحدودة العدد في راحة لا بأس بها ٫ أما غالبية الشعب فلم تمتلك أكثر من المطلوب لبقائها على قيد الحياة ٫ و الصحيح أننا لا نستغل فائض الجهد بطريقة عقلانية دوما فنحن نستطيع أن نكرس جزءاً أكبر منه للحرب مقارنة بما كرسه أجدادنا . لكن سبب غالبية المشاكل الكبرى في زمننا هذا هو فشلنا في توسيع سيادة القانون لتشمل فض النزاعات التي تصبح ذاتها أكثر ضرراً مما كانت عليه في القرون الماضية .

إن بقاء هذه الفوضى التي كان بالإمكان تحملها سابقاً يجب أن يعالج إذا ما أردنا لحضارتنا البقاء . و حيث تكون الحرية ضارة يجب أن نلجأ إلى القانون .

حول الشعور بالجميل والسامي لدى كُانت.

إيمانويل كانت
إيمانويل كانت (1724 – 1804)، فيلسوف من القرن الثامن عشر ألماني من بروسيا ومدينة كونغسبرغ تحديدًا. يُعد كانت آخر فيلسوف مؤثر في أوروبا الحديثة في التسلسل الكلاسيكي لنظرية المعرفة خلال عصر التنوير. وتعد أهم أعماله هي ثلاثيته “نقد العقل الخالص”، “نقد العقل العملي” وهو ما نقلنا لكم منه هذا الاقتباس، وأخيرًا كتابه المتعلق بالجمال ؛ “نقد القدرة على التحكيم”.
عُثرَ على ورقةٍ في أرشيف إمانويل كَانْت مكتوبةً بخط يده يعود تاريخها إلى سنة ١٧٦٤ وفيها ملاحظة ( حول الشعور بالجميل والسامي ) جاء فيها:

يجب أن نُعلِّمَ الشبيبة احترام الفهم العامِّي، لأسبابٍ أخلاقية ومنطقيةٍ على حدٍ سواء. أنا، شخصياً، بطبيعة ميلي باحثٌ أشعر بتعطُّشٍ شاملٍ للمعرفة وبقلقٍ متلهِّفٍ للتقدم فيها، أو بالرضا عن كلِّ تقدِّم أقومُ به. لقد ولَّى زمنٌ كنتُ فيه أعتقد أنَّ هذا يمكن أن يكفي وحده ليصنع شرفَ الإنسانية وكنتُ أحتقرُ الرعاعَ الذين يجهلون كلَّ شيء. جان جاك روسو هو الذي قادني إلى الصواب. تلاشت هذه المزية التي تعمي القلبَ، وأخذتُ أتعلَّمُ احترام الناس. وإنني سأجدُ نفسي عديم المنفعة وأقلَّ بكثيرٍ من العاملِ البسيط، إن لم أؤمن بأن الاعتبار قابلٌ لأن يَمنح كلَّ مَن تبقى قيمةً تعمل على إقامةِ حقوق الإنسانية

في مديح الإخفاق بقلم كوستيكا براداتان

the-seventh-seal-chess-game

كوستيكا براداتان بروفيسور مساعد في كلية الشرف في تكساس ، يُدِّرسُ الأديان والدراسات المقارنة ومحرر في لوس أنجلس تايمس قسم مراجعة الكتب ، ومؤلف لكتاب “الموت للأفكار: حياة الفلاسفة الخطيرة” ، يحدُّثنا في هذه المقالة -من ترجمتي- والمعنونة ب “في مديح الإخفاق” عن ثلاثة أسباب تجعل من الإخفاق الموجود في طبيعتنا مهماً.

ولكن قبل أن يبدأ بسرد الأسباب، يستفتح براداتان مقالته بالحديث عما يجعل هذا الموضوع مهماً، أو لم على الفلسفة أن تهتم بالإخفاق حيث يقول

لو كان هناك وقتٌ للتفكير بجدية عن الإخفاق ، فهو الآن .

إننا في عصرٍ محكوم بالنمو المتسارع . نحن نشهد التطورات في العلوم ، الفنون ، التكنولوجيا ، الطب و تقريباً كلُّ أشكال الإنجازات البشرية في مستوى لم يشاهد من قبل . نعلم أكثر عن عمل الدماغ ومسافات المجرات أكثر مما يمكن أن يتصور أسلافنا . تصميم الإنسان الخارق ـ الأصح ، الأذكى ، الأقوى ، الأكثر وسامةً ، الأطول بقاءً – يبدو أننا نعمل عليه . حتى الخلود يبدو الآن ممكناً بالمخرجات المحتملة من الهندسة الأحيائية.

الوعد باستمرار النمو والتطور الإنساني فاتنٌ بالتأكيد و لكنَّ هناك خطراً أيضا، أن في ذاك الكمال المستقبلي ، سيكون الإخفاق بائداً .

لمَ علينا أن نقلق ؟ وبشكلٍ أدق، لمَ على الفسلفة أن تهتم بالإخفاق؟

أليس لديها ما هو أهم ؟ والجواب لهذا بسيط : فالفلسفة في أفضل وضعها تبحث عن الإخفاقات، لأنها تعرفها بشكل حميمي . فتاريخ الفلسفة الغربية على الأقل لم يكن إلا سلسلةً طويلةً من الإخفاقات، إنْ كانت منتجةً فاتنة بالطبع. و أي فيلسوف مختص عملياً يثبت نفسه بدراسة “الإخفاقات “ ، “ الأخطاء “ ، “ المغالطات “ أو “ السذاجات” من الفلاسفة الأخرين . فقط ليكون في المقابل غير متجاهلٍ من الآخرين كفاشلٍ آخر . كل جيل فلسفي يأخذها كمناوبة ليلاحظ الإخفاقات السابقة : وعليه ، بغض النظر عن ما تفعله ، الفلسفة محكومٌ عليها بالإخفاق . لكن من إخفاقٍ إلى إخفاقٍ ، ازدهرت عبر العصور . كما عمانوئيل ليفينس يضعها في الذاكرة ( في مقابلة مع ريتشارك كيرني ) “ ما يميِّز الفلسفة هو الإخفاق “ فهو يبدو غذائها ، و يبقيها على قيد الحياة . كما كانت ، نجاحات الفلسفة ، كانت إلى الآن تخفقها .

ومن هنا يبدأ براداتان بسرد الثلاثة أسباب التي التي تجعل من الإخفاق والفشل عنصراً مهماً لنا.

الإخفاق مهم لعدد من الأسباب أريد أن أناقش ثلاثة منها

الإخفاق يدعنا نرى الوجود في وضعه المجرد :

فأينما يظهر، الإخفاق يشرح كيف يقترب وجودنا إلى نقيضه. خارج غريزة البقاء ، أو الماورائيات المحضة ، نميل لرؤية العالم كمادة ، معتمدة ، بل مكان غير قابل للهدم . و نجد صعوبة حادة في تقبل وجود هذا العالم بدوننا . “ إنه من المستحيل كلياً لموجود عاقل أن يتعقل نفسه غير موجودة ، في السياق المعقول والحياة “ كما لاحظ غوثي . نخدع أنفسنا وننسى كيف أننا قريبون من العدم دائماً . لك أن تقول أن إخفاق مكينة طائرة تستطيع أكثر من اللازم أن تضع نهايةً لكل شيء ، حتى سقوط حجر أو خلل فرامل سيارة يقوم بالمهمة . وبما أنه ليس دائماً ينسب للقدر ، فالإخفاق يحمل معه درجةً مؤكدةً من تهديد الوجود .

الإخفاق هو ظهورٌ فجائيٌ من اللاشيء (العدم) خلال الوجود. ولتجريب الإخفاق هو أن تبدأ بالنظر إلى الشقوق في نسيج الوجود وهذه اللحظة بالتحديد – ربما استوعبت – عندما الإخفاق يتحول إلى مبارِكٍ لذاك التماهي. لأن هذا الكمون يثبِّت التهديد اللازم لجعلنا متنبهين لما فوق الإعتيادي فينا كموجودين . فالمعجزة أننا وجدنا دفعةً واحدةً عندما لم يكن هناك سببٌ يوجب ذلك و معرفة هذا تعطينا شيئاً من الكرامة. في هذا الدورة ، يملك الإخفاق أيضاً الدور العلاجي المميز و كثيرٌ منا ( كالأكثر نباهةً أو متنوِّراً استثنائياً ) يعاني بإزمان من تسويةٍ فقيرةٍ في الوجود . نحن جبرياً ، نحد ذاوتنا بأهمية أكثر مما نحن عليه ونتصرف كأن العالم كان من أجلنا . وفي أسوء لحظاتنا نضع أنفسنا كالأطفال في المركز من كلِّ شيء ونستثني بقية الكون ليكون تحت خدمتنا . نفترس بقية المخلوقات ، بنهمٍ نعرِّي الكوكب من الحياة ونملؤه بالقذارة . الإخفاق يمكن أن يكون دواءً ضد هذا الغرور و الغطرسة ، مما يأتي بالوضاعة عادةً .

قابليتنا للإخفاق أمرٌ جوهريٌ في تكويننا :

نحن نحتاج للحفظ ، للرعاية ، حتى نحافظ على إمكاناتنا . نحن نظل على سبيل الحسم جوهرياً غير كاملين ، غير مكتملين و مخلوقات خطاءة. بمعنى آخر ، هناك فجوة دائماً موجودة بين (ما نحن) و (ما نستطيع أن نكون). أياً كانت إنجازات الإنسان في التاريخ فقد كانت مضبوطةً بسبب هذا المساحة الفارغة . هي في هذا الفاصل ، بين الناس ، الأفراد سواءً والمجتمعات قادرةٌ على إنجاز أي شيء . لا يعني هذا أننا انتقلنا إلى شيء أفضل ، سنظل في هذا الضعف ، أشياء تخطئ. لكن في هذا المشهد يكون نقصنا غير مطاق لأنه بعض الأحيان يصيبنا بالعار أثناء فعل الخير. و من السخرية أن جهادنا مع مشاعرنا الخاصة قد يأتي بأفضل ما لدينا .

الفجوة بين “ ما نحن “ وما “ نستطيع أن نكون “ أيضا هي المساحة بين ما تتخيله المثالية . أدبيات المثالية ، في أفضل أحوالها ، توثق بالتفاصيل كفاحنا مع ما هو شخصي وماهو إخفاق اجتماعي . و في حين عادةً بُنيَت ( المثاليات ) عن عوالم كاملة وفائضة ، المثاليات ردات فعلٍ على النواقص و الصدوع في الوجود . إنها التعبير الأفضل لما نحتاجه بشدة . كتاب توماس مور لم يكن عن جزيرةٍ خياليةٍ ( مبتكر اليوتوبيا ) ولكن كان عن إنجلترا في زمانه . المثاليات تبدو محتفيةً بالكمال الإنساني ولكن في المقابل ، قبولَها المذهل للإخفاق و عدم الكمال والحيرة .

و الآن بشكل محسوم نظل نحلم ونجري مع المثاليات ولو لم توجد لبعض الحالمين لعشنا في عالم أكثر قبحاً اليوم. ولكن فوق ذلك كله ، بدون الأحلام والمثاليات سنجف كأنواع حية. افترض في يومٍ ما أن العلم استطاع حل جميل معضلاتنا . سنصير بتمام الصحة ، نعيش مطلقاً وأدمغتنا – مع الشكر لبعض المساعدات – ستعمل مثل الكمبيوتر . في ذلك اليوم يمكن أن نكون شيئاً مثيراً جداً ، لكنني لست متأكداً إذا ما كنا سنملك ما نعيش لأجله . سنكون مكتملين افتراضياً لكننا ميتين فعلياً.

وفي نهاية المطاف، قابليتنا للإخفاق هي التي تجعل منا مَن نحن. فأدمغتنا في جوهرها مخلوقات مخفقة موجودة في عمق أي طموح . إنَّ الخشية من الإخفاق والتعلم وكيفية تجنبه في المستقبل كلها أجزاء من عملية التشكيل والقدر الإنساني للقرار . ولهذا ذكرت فيما سبق ، أن قابليتنا للإخفاق يجب أن تحفظ. ولا يهمنا قول محترفي التفاؤل ، فهكذا شيء يستحق الإحتفاظ كقطعة فنية مميزة ، كذكرى أو كأي إنجاز آخر . لأن القابلية للإخفاق – بشكلٍ ما- مهمة أكثر من أي إنجازات فردية بشرية . لأنها تجعل هذه الإنجازات ممكنة التحقق .

نحن مصمَّمونَ لنخفق :

لا يهم كم هي حياتنا تحولت لناجحة ، و كم صارت ذكية ، ولا كدحنا و كدُّنا .. فذات النهاية تنتظرنا كلنا “ الإخفاق”. إنه في مكوَّنِنَا الأحيائي ( البيولوجي ). فالتهديد الوجودي من الإخفاق يلازمنا طوال الوقت ، لكن من أجل أن ننجو في الحكم النسبي للقناعة ، أغلبنا تظاهر أنه لا يرى الإخفاق . تظاهرنا، على أنه لم يوقفنا عن المسير قدما لقدرنا : أسرع ، ” أسرع بنسبة عكسية لربع المسافة من الموت “ كما شرح العملية شخصية إيفان في رواية تلستوي ، إلا أن شخصية تلستوي لا تساعدنا كثيراً هنا ، فالسؤال الجوهري عن كيفية الوصول إلى الإخفاق الأكبر ، كيف نواجهه ونعانقه ونملكه – أمرٌ أخفق فيه إيفان في فعله .

الموديل الأفضل يمكن أن يكون إنغمار بيرغميان (Ingmar Bergman’s) وشخصيته أنتونيوس بلوك ، من فلم “ الختم السابع ” (The seventh seal) . يعود الفارس من كروسادس وينغمر في أزمة إيمان ، بلوك تواجَهَ مع الإخفاق الكبير على هيئة رجل . لم يتردد في الدخول في الموت مباشرةً . لم يهرب ، لم يسأل الرحمة ، فقط تحداه في لعبة شطرنج . لا حاجة للقول أنه لم يستطع النجاح في هكذا لعبة – فلا أحد يستطيع – لكن النصر ليس المسألة . أنت تلعب ضد الإخفاق الأكبر النهائي لا لينتصر ، لكن لتتتعلم كيف تخفق .

بيرجمان الفيلسوف يعلمنا درساً عظيماً هنا . كلنا في النهاية سنخفق . لكن هذا ليس الأمر الأهم . ما يهمنا هو كيف سنخفق وماذا سنكسب من العملية . خلال هذا الوقت الوجيز من اللعبة مع الموت ، أنتونيوس بلوك لابد أنه خبرَ ما لم يخبره طوال حياته . بدون تلك اللعبة كان سيعيش للاشيء . في النهاية بالطبع خسر ، لكن أنجز شيئاً نادراً  هو لم يحول الإخفاق إلى فن فحسب.. بل أداره ليجعل منه فناً في الإخفاق وجزءً حميمياً من فنِّ الحياة.!

للاستزادة:

المقال بنسخته الأصلية في جريدة النيويورك تايمز.

رابط فلم “الختم السابع”

سمتان للهوية عند تودوروف

Tzvetan_Todorov-Strasbourg_2011_(3)

تزفيتان تودوروف ، فيلسوف ومنظِّر أدبي  بلغاري – فرنسي طلب اللجوء السياسي في فرنسا أثناء دراسته فيها وأقام ولا زال ، له كتب مهمة مشهورة في النظرية الأدبية والنظرية الثقافية و مثل (مقدمة الشاعرية) و(الأدب في خطر) و (روح الأنوار) و(الخوف من البرابرة). في هذا القبَس من كتابه (الخوف من البرابرة) ترمز كلمة البربري إلى كل ما هو أجنبي ومتغير عن ثقافة ما، لا بمعنى متوحش. ويشير تودوروف إلى تصادم الذات الفردية والجماعية أمام التغيرات والتبدلات الحاصلة لها ببيان رشيق. فلا شك أن الفرد يولد في بيئة ما ذات معالم ثقافية معينة دون اختيار منه كما يبدأ هذا الفصل في الكتاب و يقرر تودوروف أنه لا توجد ثقافة خالصة أو مختلطة فكل الثقافات مركبة هجينة أو مهجنة بما فيها الهوِّيات الفردية والجماعية كممثل للثقافة من جراء التواصلات الإنسانية بين البشر. ثم ينعرج بتحديد سمتين أساسيتين للثقافة حتى تحافظ على وجودها  هما التعدد والتبدّل :

إذا أبقينا هاتين السمتين للثقافة – أي تعدديتها وتبدليتها – حاضرتين في ذهننا ، نرى كم هي مضللة الإستعارات التي غالباً ما نستعملها للدلالة عليها. كأن نقول عن كائن بشري بأنه “مقتلعٌ من جذوره “ ونرثي لحاله : إلا أن تشبيه البشر بالنباتات هو أمر غير مشروع لأن الإنسان ليس أبداً نتاج ثقافة واحدة ، هذا بالإضافة إلى أن العالم الحيواني يتمايز عن العالم النباتي تحديداً بحركته . ليس للثقافات جوهر ولا “روح “ بالرغم من الصفحات الجميلة التي كُتبت في هذا الخصوص . نتكلم أيضاً عن “بقاء” ثقافة (فنؤنسن هذه المرة التمثُّلات بدل أن ننزع الصفة البشرية عن الإنسان) ، ونعني بذلك استمرارها على ما هي عليه . والحال تلك ، إن الثقافة التي لا تتغير أبداً هي بالتحديد ثقافة ميتة. وعبارة “ لغة ميتة “ تقع في مكانها الصحيح: لقد ماتت اللغة اللاتينية في اليوم الذي لم تعد تستطيع فيه أن تتغير . وما من شيء طبيعي أكثر ، ولا اعتيادي أكثر من أن تزول حالة سابقة لثقافة وتحل محلها حالة جديدة .

ثم يذهب في تبيين وقوف الذات الجماعية أمام التغيرات:

إلا أنه ولأسباب يسهل فهمها ، يصعب على أعضاء المجموعة أن يتقبلوا هذه البديهية . والفرق بين الهوية الفردية والهوية الجماعية يكشف لنا الكثير في هذا المجال . فحتى لو حلمنا يوماً بأن نكتشف في ذواتنا أنا “ عميقة “ و “ أصيلة “ – كما لو كانت تنظرنا بصبرٍ قابعة في مكان ما في داخلنا – ، فإننا نعي التغيرات التي تفرض على كياننا سواء رغبنا بها أم لا ، ونحن ننظر إليها على أنها طبيعية. إن كلَّ واحد منا يذكر الأحداث البارزة في ماضيه ، كما يمكننا اتخاذ قرارات تحول في مسار هويتنا من خلال تبديل العمل أو الرفيق أو البلاد . إن الشخص ليس إلا حصيلة التفاعلات العديدة التي تواكب حياته .

لكن الأمر يختلف فيما يخص الهوية الجماعية ، ذاك أنها تكون مكتملة حين يكتشفها الفرد ، وهي تصبح الأساس غير المرئي الذي يبني عليه هويته. وحتى لو كانت أية ثقافة ننظر إليها من الخارج تبدو مختلطة ومتبدلة ، فإنها بالنسبة لأعضاء المجموعة التي ينتمون إليها كيان ثابت ومتميز ، وهو مرتكز هويتهم الجماعية . لهذا السبب فإن أي تغيير يطال الثقافة أشعر به وكأنه مس بكياني . وليس أدلَّ على ذلك سوى المقارنة بين البساطة التي أتقبل بها فكرة التكلم بلغة جديدة ، إذا كان ذلك بمستطاعي ، أثناء زيارتي لبلد أجنبي ( حدث فردي ) والإزعاج الذي أحس به حين لا يعود يُسمع في الشارع الذي عشت فيه على الدوام سوى كلمات ولهجات غير مفهومة ( حدث جماعي ) . إن ما نجده في الثقافة التي نشأنا فيها لا يصدم ألبتة ، بما أنها ساهمت في تكوين الشخص بالذات. في المقابل ، يُنظر إلى ما يتغير بحكم الظروف التي لا يستطيع المرء التحكم بها على أنه تراجع ، لأن ذلك يُضعف شعورنا بأننا موجودون. إن الزمن الحالي الذي ترى فيه الهويات الجماعية نفسها مدفوعة للتحول بسرعة أكبر ، هو أيضاً الزمن الذي تتبنى فيه الجماعات موقفاً دفاعياً يتنامى في كل يوم، من خلال المطالبة بضراوة عن حقها في الحفاظ على هويتها الأصيلة.

الغاية الحقيقية من القراءة عند مصطفى ناصف

Mustapha_Abdo_Nasif08ar

الدكتور مصطفى ناصف، ناقد ولغوي المصري، ألف عدد من الكتب الفذة في الأدب العربي ك “قراءة ثانية لشعرنا القديم” و “محاورات مع النثر العربي“. في كتابه المهم “اللغة والتفسير والتواصل” (نسخة الكترونية) المنشور ضمن سلسلة “عالم المعرفة” أفرد فصلاً هاماً عن أنماط القراء والقراءة؛ يوضح عدد من الآراء النافذة حول الطريقة التي يجب أن نرى بها القراءة بالعموم.

يبدأ ناصف الفصل بفقرات توضح نوعين من القُراء بينهم فرق كبير للغاية، حيث يقول

الناس مشغولون بالحكم على ما يقرؤون. وهم يقسمون الكتب قسمين كبيرين ، ماذا علينا لو جعلنا همنا التفريق بين قراءة جيدة وقراءة رديئة ؟ ألا نستطيع أن نزعم أن الكتاب الجيد كتاب يُقرأ بطريقة خاصة ؟ هذه محاولة تستحق العناء. لنفرض أننا نقول إن (أ) معجب بمجلات النساء ، و إن (ب) معجب بشعر أبي العلاء ، هنا نتصور أن كلمة معجب ذات معنى واحد في الحالين، أو نتصور أن النشاط الذهني متشابه وإن كان موضوع الإعجاب مختلفاً، وهذا خطأ. [ولإيضاح الخطأ] فيكفي أن نذكر الفروق بين القراء: فالذين يقرأون المجلات الإسبوعية ربما لا يتمتعون بالنشاط الذهني نفسه الذي يتمتع به قارئ لمجلة أدبية رفيعة. لا بد أن نتمعن في أنماط القُرَّاء وأنماط القراءة. كثير من الناس لا يقرؤون شيئاً واحداً أكثر من مرة ، فإذا عرضت عليهم كتاباً كان الجواب المتبادر : لقد قرأت هذا من قبل ، كيف إذن يفكر في إعادة قراءته؟

كثير من الناس يكتفون بقراءة واحدة. وهم يعاملون الكتاب بطريقة خاصة. مَثَلُ الكتاب عندهم مثل عود الثقاب يشتعل مرة واحدة، أو مثل تذكرة القطار تستعمل مرة واحدة أو مثل الصحيفة اليومية. ولكن قليلاً من الناس يقرؤون الكتاب مرات متعددة في حياتهم. كثير من الناس يقرؤون مضطرين.. القراءة عندهم لهوٌ ينصرفون إليه في الأسفار والمرض ولحظات الوحشة واستدعاء النوم، وقد تصحب القراءة عندهم نشاط ثانٍ مثل الاستماع إلى الراديو. لكن قليلاً من الناس يقرؤون قراءة مُصغية نشيطة متأنية. وقد يشعرون -إذا لم تتح لهم هذه القراءة- بأنهم فقراء. تراهم في بعض الأحوال يقرؤون قراءة محب أو قراءة متدين أو محروم، هؤلاء تغير القراءة عقولهم وأشخاصهم.. لكن معظم الناس في مجتمعاتنا لا يكادون يتأثرون بما يقرؤون.

القراءة إذن نشاط مختلف الأنواع. قلة قليلة تستمتع بما تقرأ وتستمتع بتذكره وقد نردد بعض فقراته إذا خلونا إلى أنفسنا، وقد يحلو لنا أيضاً أن نتحدث إلى الآخرين عما قرأنا. لكن معظم الذين يدرسون في المدارس والجامعات نادراً ما يفعلون. إذا تحدثوا عن الكتاب كان حديثهم خلوا من الحماسة، إنهم يتهمون الآخرين بالسرف في العناية. لايزال الكتاب عند جمهور كبير من الناس هامشياً . وبعبارة بسيطة هناك اتجاهات مختلفة من الكتاب والقراءة. لقد قل الإهتمام بتجربة القراءة ذاتها، كثر الكلام فيما يسمونه مناهج البحث والنقد وصناعة الرسائل وإخضاع الكتاب لطائفة من النزوات والأدوات والتقاتل حولها . كل ذلك ظاهره العافية وباطنه غير ذلك.

ثم يواصل حديثه في موضع آخر عن الحال المؤسفة التي وصلنا إليها في تضييع الهدف الحقيقي من القراءة، حيث يقول

لقد جعلنا الجدل حول الكتاب والنص صناعة ماهرة مغرية. وفي خضم هذه الصناعة ضاع قدر من الإهتمام الإنساني الحق ، واختلط البحث عن الدراسة وقراءة الكتاب. إننا نتحدث عن الكتاب أحياناً حديث من يريد أن يفسح لنفسه السبيل في الدنيا. إننا حتى الآن لا نعرف يقيناً كيف يمكن أن تكون القارءة أداة نمو وكمال ، أداةَ كسبٍ للإخلاص والتواضع وحسن الإصغاء.

[…]

إن الناس يتوهمون أنهم يحبون الأدب والكتاب القيم، وهم يحبون في الغالب أنفسهم، لا يريدون أن يفارقوها أو لا يستطيعون. قد يخيل إلينا أننا معنيون بما يسمونه الثقافة، إننا نتناسى الأصل الاشتقاقي للكلمة، ومن ثم تصبح الثقافة مطلباً أو إطاراً محدوداً… وفاتنا -كما فات الشباب- أعز شيء في الحياة: أن نحب صوت إنسان، أن نقرأ بقلب خالص، أو نستقبل النص أو الكتاب في احتفاء و وُد وتكريم. فاتنا أن نتحرر: ألا نخجل من قراءة شيء قُصد به الإضحاك والتسلية.. فاتنا أن نصغي للشيء البسيط لا تعقيد فيه ولا تركيب، فاتنا أن نفضل الإصغاء على الكلام، أن نفضل القراءة على النقد، أن نحتوي ما نقرأ لا أن نضعه في قالب معلوم.

ولكن؛ ماهو الهدف الحقيقي من القراءة -في نهاية المطاف- ؟

والسؤال هو هل نحب ما يحقق أمانينا الشخصية فحسب (من القراءة) ؟ إن القراءة هدفها الحقيقي هو تربية الحرية، أن نرى ما يجاوز مخاوفنا وتطلعاتنا وهمومنا الخاصة. ليست المسألة إذن وقفاً على أن ننتقل مع الطلاب من بدع نقدي إلى بدع ثالث، إننا بشر لا أدوات مسخرة في أيدي البارعين من صناع النظرية الذين لا يحفلون باستقلال أفق الممارسة أو تميزه أو استعلاء.