أرشيف الكاتب

بين فهمين: الفرق بين لماذا وكيف

 

قد لايبدو التمييز بين الأمرين من السطح سهلاً، لكن هناك مسافة شاسعة وعميقة بين النتائج التي تسعى للإجابة عن سؤال (لماذا) وتلك التي تسعى للإجابة عن سؤال (كيف). في هذه التدوينة سنتعرض لظاهرة ما يتناولها علي الوردي من منظار (كيف) وفي المقابل يتناولها عبد الله العلايلي من منظار (لماذا)، لنرى جلياً الفرق الشاسع بين الفهمين على السطح كما نتعلم جيداً كيف أن حصر التفكير في جانب يُعميناً عن الجانب الآخر.

فماهو الفرق الدقيق بين (لماذا) و (كيف) ؟

يقول علي الوردي في كتابه “أسطورة الأدب الرفيع” مُسْتَخْلِصَاً لنا (كيفَ) كانَتْ هذهِ القِصِّة :

Ali_elwardi

وهناك قصة أخرى من هذا النوع ( يقصد نوع القيم البدوية )  لها دلالة اجتماعية وتاريخية كبيرة وخلاصتها أن شاعراً اسمه قُريط بن أنيف اعتدى عليه جماعة من ببني شيبان فنهبوا إبلَه ولم ينهض لغوثه قومه . فنظم قصيدة يذم بها قومه ويمدح بني مازن حيث اعتبرهم أكثر من قومه شهامةً و شجاعة فقال [وقد ذكر كامل القصيدة ولكن نكتفي بالشاهد] :

لا يسألون أخاهم حين يندبهم
في النائبات على ما قال برهانا

إن الشاعر هنا ربما كان كاذباً في وصف قومه لو وصف بني مازن . ولعل عاطفته الهائج هي التي أوحت إليه بما قال ولكن القيم الإجتماعية التي أقام الشاعر عليها ذمه ومدحه لا بد أن تكون واقعية على وجه من الوجوه .

من الممكن أن نستنتج من الأبيات المذكورة بعض القيم التي كان الناس في أيام الشاعر يخضعون لها في حياتهم الإجتماعية وهي كما يلي :

١- القبيلة الفاضلة هي التي تطير إلى الشر حالاً من غيرِ سؤالٍ أو تردد .
٢- وهي التي تنصر أبناءَها سواءً أكانوا مظلومين أو ظالمين .
٣- وهي التي تجزي الظلم بالظلم الإساءة بالإساءة . وليس للحِلم أو العفو عندها نصيب .
٤- وهي التي لا تخشى الله عندما تظلم أو تنتقم بل تذهب في أقصى ذلك إلى أقصى حد ممكن .

وفي المقابل، وبعد أن قدّم بمقدمة تشرح كينونة القبيلة كقيمة و رمز للوجود مغايراً، ومنطلقاً من السؤال (لماذا) لدى ذلك الشاعر المتعصِّب في الصورة التي قدَّمها لنا علي الوردي، يقول عبدالله العلايلي في كتابه “مقدمات لفهم التاريخ العربي” –  :

p12_20110609_pic1_0

والقبيلة من وجه عام ، وحدة العرب الإجتماعية ، ونظامها يميل إلى الإشتراكية الساذجة إلا أنها استطاعت أن تذيب الفردية تماما من جهة ، وأن تحقق صلة الجماعة بالفرد من جهة أخرى ، فكما لم يكن له استقلال شخصي فيما تتجه إليه الجماعة ، كان عليها أن تكلأ جانب الفرد وتحوطه من العدوان ، وكان يشرف على هذا النظام رئيس له شبه سلطة مطلقة ، ومن فرط خضوعهم لنوع هذا النظام استجابة لمطالب البيئة التي لا تسمح للفرد أن يعيش وحده ، فيطلب دائما الإندماج في الجماعة ، سيطر عليهم الحماس للقبيلة وتوهج بناره في نفوسهم ، وهكذا تكونت العصبية العنيفة عند القبيلة للفرد وعند الفرد للقبيلة ، هذه العصبية التي كان من شعارها ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما ) وقول (قريط بن أنيف) :

لا يسألون أخاهم حين يندبهم
في النائبات على ما قال برهانا

حنت نفوس العرب على اعتبارات شديدة الخطورة في توزيع الشعور وبدوات الإحساس وأقامت ميولهم على قاعدة بالغة الضيق بالغة الحرج وبرغم أضرارها كانت ضرورة من ضرورات المحافظة على البقاء في حدود القبيلة من حيث ركزت في طباعهم وحدة المطالب والغايات والأفكار والعادات ووسمتهم بسمة التكافل والتضامن السابغين ، فكان هذا الوضع الحيوي لديهم يشبه نظيره عن ( الإسبرطيين ) وإن كان وضع الحياة في ( إسبرطة) أكثر ميلا إلى اللون الحضاري والطابع القومي .

إن ضرورة التعاون في الدفاع عن النفس صير بين القبيلة آصرة قوية ولحمة تكاد تكون عضلية مجتمعة الألياف وأقامت المجتمع العربي على العصبية النكراء ، ولقد غلت بهم حتى امتدت بآثارها إلى القانون والعرف وحتى استحال تاريخ العرب القبلي إلى تاريخ للدماء وإذا أردنا أن نحصر بواعث التاريخ لديهم ، فلا نجد شيئا وراء هذه الدعاية العنيفة وقد نكون أكثر تحقيقا إذا قررنا أنها كانت المحرك الحيوي العام ، فقد ظهرت بألوانها في الإجتماع والأخلاق والأدبيات وفي المثل أيضا.

التجربة أم الفلسفة ؟ منهج جون ستيوارت ميل والمنطق

 

John_Stuart_Millإذا أردت أن تختبر فرضية ما، فهل تلجأ للتجربة المباشرة أم تجلس في غرفتك وتحاول أن تختبرها بمجرد التفكير ؟ هذا التفريق بين المنهج التجريبي والمنهج الفلسفي العقلاني مسألة احتدم الجدل واللغط حولها كثيراً. وحاول بعضهم أن يستغني بأحد المنهجين عن الآخر تطرفاً ، لكننا نضع بعض النقاط التي توضح العلاقة المنطقية بين المنهجين كما أوضحها بطريقة مبتكرة وبسيطة ، الدكتور عبد الهادي الفضلي في كتابه “أصوله البحث” حينما تعرض لمنهج جون ستيورات مِل التجريبي.

يقوم منهج (جون ستيوارت مِل) على الإستقراء عن طريق الملاحظة والتجربة .

ومجاله : المعرفة التي مصدرها الحس. أما خطواته فكالتالي :

١- تحديد المشكلة / موضوع البحث .
٢- صياغة الفرضية ، و هي مقولة مؤقتة عن صلة بين حادثتين أو أكثر ، أو متحولَين ِ أو أكثر.
٣- إجراء الملاحظة أو التجربة.
٤- النتيجة.

و القوانين التي وضعها مِل لضبط عمليات البحث التجريبي لتؤدي إلى نتائج سليمة ومعرفة علمية صحيحة ، هي – كما جاءت في موسوعة الفلسفة ٢/٤٧٠ الطبعة ١٩٨٤ م :

١- منهج الإتفاق Method of agreement :

ومُفادُهُ : أن ننظر في مجموع الأحوال المولِّدة لظاهرةٍ ما نريد دراسة أسبابها، فإذا وجدنا أن هناك عاملاً  واحداً يظلُّ موجوداً باستمرار على الرغم من تغير بقية العناصر أو المقوِّمات ، فيجب أن نُعدَّ هذا الشيء الثابتَ الواحدَ هو علة حدوث هذه الظاهرة .

٢- منهج الإفتراق Method of difference :

ولكي نتأكد من صحة الإستنتاج وفقاً للمنهج السابق – منهج الإتفاق – لا بُدَّ أن نأتي بمنهج مضاد في الصورة ، لكنه مؤيد في النتيجة ، فنجري ما يُسمى بالبرهان العكسي .

ويقول : إذا اتفقت مجموعتان من الأحداث من جميع الوجوه إلا وجهاً واحداً ، فتغيَّرت النتيجة من مجرد اختلال هذا الوجه الواجد فإن ثمةَ صلة علية بين هذا الوجه وبين الظاهرةِ الناتجة .

٣- منهج المتغيرات المُساوقة Method of concomitant variations ويُمكن أن يُسمى أيضا باسم ( منهج المتغيرات المتضايفة ) أو ( التغيرات المساوقة النسبية ) :

يقول هذا المنهج : إننا لو أتينا بسلسلتين من الظاهر فيها مقدمات ونتائج ، وكان التغير في المقدمات في كلتا السلسلتين من الظاهر ينتج تغيراً في النائج في كلتا السلسلتين كذلك ، وبنسبةٍ معينة ، فلا بُدَّ أن تكون ثمة صلة عليِّة بين المقدمات وبين النتائج .

٤- المنهج المشترك ( للإتفاق والإفتراق ) The joint method of agreement and difference :

ويصوغه ( مِل) هكذا : إذا كان شاهدان أو أكثر من الشواهد التي تتجلى فيها الظاهرة تشترك في ظرفٍ  واحدٍ ، بينما شاهدان أو أكثر من الشواهد التي لا تتجلى فيها الظاهرة ليس فيها شيءٌ مشترك غير الخلو من هذا الظرف ، فإن هذا الظرف الذي فيه وحده تختلف مجموعتا الشواهد هو المعلول أو العلة أو جزء لا غنى عنه من الظاهرة .

٥- منهج البواقي Method of residues :

وهو منهج للتكهن بالعلة استنتاجاً من فحص موقف يحتوي على ظاهرة واحدة بقي علينا أن نفسرها .
وهذا المنهج يتضمن تطبيقاً لمبدأ الإفتراق ابتداءً من المعلول لنكشف العلة .

ونستخلص من هذه المناهج :

١- أن ستيوارت مِل اعتمد في وضع قوانينه الخمسة المذكورة على ( مبدأ العليِّة / السببية ) و ( مبدأ الإطراد في الحوادث ) .
٢- يريد بمنهج الإتفاق : التلازم في الوجود بين العلة والمعلول ، بمعنى أنه إذا وجدت العلة وجد المعلول .
٣- يريد بمنهج الإفتراق : التلازم في العدم بين العلة والمعلول ، بمعنى أنه إذا عُدمت العلة عُدم المعلول . وبتعبير آخر : إذا لم توجد العلة لم يُوجد المعلول .
٤- يريد بالمنهج المشترك : أنّ العلة إذا وجدت وجد المعلول ، وإذا عدمت عُدم المعلول .
٥- يريد منهج التغيرات المتساوقة : أن أي تغير يحدث في العلة لا بُدَّ أن يحدث في المعلول .
٦- يريد بمنهج البواقي : أن علةَ الشيء لا تكون علة – في الوقت نفسه – علة لشيء آخر مختلف عنه .

ونلاحظ أن ما خلص إليه وهو أن الزبدة المرادة من المنهج التجريبي هي قوانين منطقية / ميتافيزيقية أصلاً.. فهل هناك فرق فعلي بين المنهج التجريبي والمنهج الفلسفي ؟ أم أن خلف المنهج التجريبي فلسفة لم نحدد ملامحها فحسب ؟

للاستزادة حول أصول المنطق والمنهج من د. عبد الهادي الفضلي: كتاب أصول البحث / كتاب مذكرة المنطق

لماذا تتنافر المعرفة مع الغرور والتكبر؟ الجواب عند الديناني

n00002281-b

في كتابه المهيب “مناجاة الفيلسوف” يقف أستاذ الفلسفة الإلهية والوضعية الإيراني الكبير الدكتور غلام حسين الديناني واعظاً متفلسفاً عن الغرور والتكبر و عدم انسجامهما مع العقل والمعرفة مطلقاً..

… يمكن أن ندرك بسهولة أن جوهر العقل ليس ما ليس ينسجم مع الغرور والتكبر فحسب ، وإنما يحول دائماً دون وقوع الإنسان في هذه المصيدة الخطيرة . فالغرور يُعدُّ من سِنْخِ مآرب الإنسان ورغباته ؛ وليس بالضرورة أن تكون مآرب الإنسان من مقتضيات العقل . فهذه المآرب والرغبات مقبولة ومجازة حينما تقترن بحكم الجواز العقلي . ولهذا نرى الخطأ يبدأ من النقطة التي يتعرض فيها الإنسجام بين المآرب والعقل ، للخلل . وهذا ما دفع أهل التحقيق للقول بأن دائرة التكاليف تقوم على مركز العقل ، وكلما تمتع المرء بعقل أكبر ، تحمل مسؤوليةً أكبر . وقد قال الله تعالى ( يا نساء النبي لستن كأحدٍ من النساء ) وهذا يعني أن هناك تفاوتاً بين نساء النبي وغيرهن من النساء ( لقربهن من النبي بمعنى قربهم أيضاً من المعرفة ) ، وقد قيل الكثير عن هذا التفاوت وطرحت الآراء العديدة في هذا المضمار ، ولسنا في معرض تفسير الآية الشريفة ، وإنما نريد أن نؤكد من خلال الإستشهاد بها على أن حجم دائرة التكليف يعتمد على حجم دائرة العقل والمعرفة ؛ وطلما تكررت العبارة التالية في كلمات أهل المعرفة (( حسنات الأبرار سيئات المقربين )) أي أن ما يُعدُّ حسنةً للأبرار ، من الممكن أن يعد سيئةً للمقربين من الله تعالى.

وعلى ضوء ذلك يمكن القول بأن ذلك الذي يتبع العقل ويسير بإيحاء منه لا يُمكن أن يُصاب بالغرور والتكبر ؛ لأن العقل أدرك وقبل أي موجودٍ آخر عظمة الفعل الإلهي ، فمن الطبيعي أن إدراك عظمة الفعل الإلهي ، يمحو كل نوعٍ من أنواع التكبر والغرور ، وعظمة الفعل الإلهي ظاهرةٌ بلا ريب في الأمور المحسوسة والمعقولة والمعنوية ومن الممكن هذه العظمة عن طريق العقل . أما أولئك الذين يتحدثون عن عظمة الله وفعله بوحيٍ من التقليد ، فإنما يتحدثون في الحقيقة عن عظمة تقليدية . فالغرور والتكبر يُعدَّان جزءاً من أخلاق وطبيعة أولئك الذين حُرموا من ادراك فعل الحقِّ تبارك وتعالى وعظمته  والحرمان من إدراك ذلك يُعدُّ هو الآخر ظاهرةٌ ناجمةٌ عن الإبتعاد عن العقل والمعرفة.

ومن هنا يمكن القول بابتعاد الفيلسوف عن كل شكلٍ من أشكال الغرور والتكبر والعجب انطلاقاً من صدوره عن العقل و عمله بأحكامه وأولئك الذين يتهمون الفلاسفة بالغرور يجهلون هذه الحقيقة وهي أن الفيلسوف لا يتصف بهذه الصفة إلا حينما يتنصل من أحكام العقل ويطأطئ رأسه أمام أهوائه النفسية. 

والإستسلام للأهواء النفسية يعمل ولا شكّ على هبوط مستوى الإنسان واتسامه بالغرور ، سواءً كانت هذه الصفة في الفيلسوف أو غير الفيلسوف . والفيلسوف انطلاقاً من تعامله مع الأحكام العقلية والإستدلال ، لا يمكن أن يكون مغروراً أو متكبراً . لأن العقل – وكما قلنا – يقوم بمهمة إدراك الحقائق . والغرور لا يظهر إلا إذا حُرم الإنسان من إدراك الحقيقة ، ولا يختص هذا النوع من الحرمان إلا بأولئك الذين يناصبون أحكام العقل الصريحة العداء.

المصدر

التفكير في معنى الحياة عند عبد الكريم سروش

soroush-berlin sorosh

 قد تلتفت إلى جانب وتغفل عن جانب آخر لا لشيء إلا أنك قد غفلت فقط . من هنا يذكر د. عبدالكريم سروش الفيلسوف والباحث الإيراني الشهير حكاية الحطّاب والأفعى في كتابه “التراث والعلمانية” تنبيهاً للغافل ومشيراً لكوامن النفوس وهو يشرح حكاية أسطورية لجلال الدين الرومي . 

عندما يطرح جلال الدين الرومي في ديوانه المثنوي قصة الحطّاب والأفعى فإنه يقصد هذا المعنى منها حيث يقول إن هذا الحطّاب عثر في الجبل على أفعى متجمدة فأخذها وجاء بها إلى المدينة ليتفرج الناسُ عليها ويكتسب بذلك بعض المال. فكان هذا الحطاب يتصور أن هذه الأفعى ميتة فجاء بها إلى إحدى مدن العراق ولكن تلك الأفعى لم تكن ميتة بل متجمدة. وعندما جاء الحطاب بهذه الأفعى إلى المدينة وضعها على الجسر ليتفرج عليها الناس الذين اجتمعوا من كل مكان ليشاهدوا هذه الأفعى وحينذاك وبسبب حرارة أشعة الشمس دبَّت الحياة في الأفعى من جديد ، وتحركت روحها وهجمت على الناس وقتلت بعض الأفراد . 

هذه الحكاية الأسطورية التي يذكرها المولوي في ديوانه المثنوي يقصد منها بيان عدة نتائج مهمة إحداها نتيجة أخلاقية وعرفانية مهم وهي أن معظم الناس يعيشون في باطنهم عناصر الرذيلة والخصال السيئة بصورة متجمدة فإذا أشرقت عليها الشمس واكتسبت حرارة منها فإنها ستحيى من جديد ولذلك من الأفضل للأشخاص الذين ما زالوا يملكون خصالاً ذميمة في أعماق وجودهم ألا يعرضوها للحرارة ، لأن تلك الحيَّات والعقارب ستنشط وستقضى على صاحبها .

وهذا الموضوع يصدق في كثير من الموادر على العاملين في الحقل السياسي معظمهم أشخاص جيدون أو عاديون ولكنهم عندما يصلون إلى مرتبة معينة أو منصب رسمي فإن شمس السياسة ستشرق على الأفاعي النائمة في أنفسهم من قبيل الأنانية والحرص وستحيى هذه الأفاعي من جديد وإذا بهذا الشخص سيتحول فجأة إلى شيطان يمارس سلوكيات عجيبة بعيدة عن القيم والمثل الإنسانية . هؤلاء الأشخاص إذا استمروا في حياتهم الطبيعية فسوف يكون حالهم حال الأشخاص الآخرين ويسلكون طريقاً معروفاً ولا يلحقون ضرراً بالآخرين ، ولكن عندما تشرق عليهم شمس العراق فإنهم ( على حد تعبير الرومي ) سيعيشون الشيطنة  ويبتلون بالآفات وهذا المعنى يصدق على كل شخص .

الأمر الآخر إن المولوي يستنتج من هذه القصة نتيجة أخرى تنفعنا في هذا البحث ، حيث يقول : انظر إلى عمل الناس حيث إنهم بدلاً من التفرِّج على أنفسهم فإنهم يتفرجون على الأفعى ، في حين أن الإنسان في حدِّ ذاته مخلوق عجيب يستحق التفرج عليه وأن سائر المخلوقات يجب أن يتفرجوا على هذا الإنسان .

إذا عاش الإنسان الغفلة في حياته من خلال وسائل المرح والترفيه الحديثة فسوف يرى أن الغاية من حياته قد تغيرت وأن الناس يهربون من التفكير في الغاية من حياتهم ولا يحبون التفكير في معنى الحياة .

امبرتو إيكو وتمرير الرأي الشخصي من خلال الخبر الموضوعي

tumblr_inline_mnj0v7VyVa1qz4rgp

يحلل البروفيسور في السيميائيات والروائي الإيطالي إمبورتو إيكو في كتابه ( دروس في الأخلاق ) إمكانية تمرير الآراء الشخصية من خلال تقديم أخبار بالغة الموضوعية.

انصب السجال في الستينات والسبعينيات على طبيعة الصحافة و وظيفتها مركزاً على موضوعين :

أ – الفرق بين الخبر والتعليق ، وهو ما يعني دعوة صريحة إلى الموضوعية

ب ـ الجرائد هي أدوات للسلطة ، تديرها أحزاب أو مجموعات اقتصادية وتستعمل لغة مسننة عن قصد ذلك أن وظيفتها الحقيقية ليس إخبار الناس ، بل بعث رسائل مسننة إلى لوبيات السلطة ، ولن يكون القراء سوى وسيلة . إن اللغة السياسية مستوحاة من المبادئ نفسها ، ولقد ظلت العبارة الشهيرة (( الإجماع الموازي )) في أدبيات وسائل الإعلام رمزاً لهذه اللغة التي لا يفهمها سوى أقلية موجودة في ردهات البرلمان ، أما الشعب فلا يفهم منها شيء .

وكما سنرى فإن هذين الموضوعين رديئان إجمالاً . فمن جهة كان هناك سجال عريض حول الموضوعية والكثير منا كان يعتقد ألا وجود لخبر موضوعي على الإطلاق عدا النشرة الجوية . وحتى في الحالة التي يتم فيها الفصل الدقيق بين الخبر والتعليق فإن اختيار الخبر في ذاته وطريقة تقديمه يشكلان ذاتهما حكماً ضمنياً . ولقد فرض في العشريات الأخيرة أسلوب الثيمية الشهير : تخصيص صفحة واحدة لأخبار الطبيعة نفسها . فلنأخذ على سبيل المثال الصفحة ١٧ من la republica ليوم الأحد ٢٢ يناير . أربع مقالات : (( بريسيا . ولدت رضيعها وقتلته )) ، (( روما . فتاة في الرابعة تُركت وحدها في المنزل ، كانت تلعب على حافة الشرفة ، وأُدخلَ الأب السجنَ )) (( روما . أصبح من الممكن وضع الحمل في المستشفى حتى لو لم نكن نود الاحتفاظ بالرضيع )) ، (( تريفيس . أم مطلقة ، لا تريد أن تقوم بدور الأمومة )) ..

وكما تلاحظون ، فإن موضوع الثيمة هو الطفولة المتخلى عنها ، بقي أن نعرف هل يتعلق الأمر بقضية راهنة خاصة بهذه المرحلة ؟ فهل نملك كل المعلومات حول هذه الإحالات ؟ فلو كان هناك أربع حالات فقط ، فلن تكون للإحصائيات أية قيمة ، ولكن الثيمة تضع هذه القصة فيما كانت تسميه البلاغة القضائية والإستشارية التقليدية ، المثل : حالة واحدة يمكن أن نستنتج منها قاعدة ( أو نوحي بإمكانية ذلك ) . فلو لم يكن هناك سوى أربع حالات ، فإن الجريدة توحي بأن هناك عدداً أكبر من هذا ، ولو لم يكن العدد أكبر لما نشرته الجريدة . إن الثيمية لا تقدم لنا أربع قصص : إنها تعبر عن رأي موجه حول وضعية الطفولة ، وذلك في استقلال عن إرادة رئيس التحرير الذي قد يكون اختار في آخر لحظة هذا الشكل التقديمي ، لأنه لم يكن يعرف ماذا سيضع في الصفحة ١٧ من الجريدة . ومن هنا لا أود التأكيد أن تقنية الثيمية هي تقنية خاطئة وخطيرة : أقول فقط إنها تكشف لنا كيف يمكن أن نعبر عن آراء من خلال تقديم أخبار بالغة الموضوعية .