أرشيف الكاتب

حين تنقذ المكتبات الأرواحَ

كتبت (أرسولا لو غوين) في أحد تأملاتها في كتاب (قدسية المكتبات العامة): “تُعتِقنا المعرفة، وتحررنا الفنون، أما المكتبة العظيمة فهي الحرية بعينها”. وكتب (جوزيف ميلز) في قصيدته حول مدح المكتبات: “لو صدقنا أُمناء المكتبات القول لقالوا أنه مامن أحد يمضي وقتًا في المكتبة إلا أصابته نفحات التغيير”.

عهد من جمال قطعته الفتاة الصغيرة (ستورم ريز) التي قضت حياتها بين المشقات والصعوبات لتلك القوة السحرية التي تمتلكا المكتبات العامة. فلقد نشأت (ريز) في مجتمع معتق بالفقر المتقع حيث يفتقد الناس لأبسط مقومات العيشة الكريمة السوية، وبقيت حياتها على هذه السجية حتى وضعتها الصدفة ذات يوم أمام واحدة من المكتبات المتنقلة فقلبت حياتها رأسًا على عقب حتى غدت فيما بعد أمينة مكتبة.

وهذه هي قصة (ريز) حسبما ظهرت في كتاب (شغف العمل والغرض منه).

كانت ظروف العمل والمعيشة في حقول المزارعين المهاجرين قاسية جدًا، فلقد كان والداي مدمنَي كحول وكنت أتعرض للضرب والاعتداء والتجاهل في اليوم غير مرة. وتعلمت كيف أقاتل بالسكين كيما أذود الخطر عن نفسي حتى قبل أن أتعلم ركوب الدراجة.

تشعر بنفسك كحبة تحت طاحونة رحى يومًا بعد يوم ولا شيئ تتطلع إليه أو تحلم به سوى ملء معدتك التي تتضور جوعًا. تحث السير إلى المدينة فيتراءى لك مشهد المنازل بديعة التصميم فاخرة الأثاث باذخة الجمال متناثرة على جانبي الطريق، لكنك تعلم في قرارة نفسك أنه محرم عليك أن تقطن في أي منها وإن بلغت من الكبر عتيًا. فأنت أقل شأنا من أن تحلم وأكثر وضاعة من أن تأمل.

وحين بلغت الحادية عشرة من عمري مرت بنا حافلة كتب متنقلة، خلتها في بادئ الأمر حافلةً للمعمدين فلقد اعتداوا على المجيء لإمدادنا ببعض الأسمال والطعام والبطانيات. وحين أدركت أنها ليست كذلك داعبني الفضول فاختلست النظر إلى الداخل عبر الباب، وما إن فعلت ذلك حتى أخذت بي الدهشة فتراجعت كمن به مس. لم يكن مسموحًا لي باقتناء الكتب لثقل وزنها، وحيث أنك لا تثبت في مكان وسجيتك الترحال، كان يجب الإبقاء على الأمتعة خفيفةً سهلة الحمل. صحيح أنني قرأت بعض الكتب حين كان جائزًا لي ارتياد المدرسة، لكنني لم أمتلك أيًا منها أبدَا.

ولحسن الحظ لمحني الرجل داخل الحافلة فافترّ ثغره عن ابتسامة لطيفة ودعاني إلى الدخول، لقد كنت متوترة جدًا. قال لي: “يمكنك استعارة ما شئتِ من الكتب شريطة إعادتها بعد أسبوعين اثنين“، طالعته بدهشة وسألته: “ومالمقابل؟“، فأنشأ يشرح لي أنه لا مقابل البتة وسألني عن المجالات التي أهتم بالقراءة حولها.

عادت بي الذاكرة حينها إلى ذلك اليوم الذي أخبرنا فيه أحد كبار السن عن اليوم الذي انفجر فيه بركان ماونت رينير وعن الدمار الذي خلفه، فأخبرت الرجل في الحافلة أني قلقة حيال انفجارات البراكين في الجبال فقال لي: “أتعملين أمرًا؟ كلما زادت معرفتك حول أمر ما، قل خوفك منه”، وأعطاني كتابًا عن البراكين. وبينا أنا في طريقي للخروج وقعت عيني على كتاب يتحدث عن الديناصورات فقلت: “يبدو هذا الكتاب أنيقًا”، فأعطاني إياه أيضًا إلى جانب كتاب آخر يتحدث عن صبي لأبوين مزارعين. شكرت الرجل وقفلت عائدةً إلى منزلي والتهمت الكتب التهامًا.

عدت إلى حافلة الكتب بعد انقضاء اسبوعين على زيارتي الأخيرة فأعطاني الرجل مزيدًا من الكتب وكانت هذه هي نقطة البداية. فما إن بلغت الخامسة عشر من عمري حتى أدركت أن هناك عالمًا خارج حدود هذا المخيم يناديني كيما ألِجه وغمرتني ثقة كبيرة بأنني سأجد مكاني هناك. لقد قرأت عن أناس يشبهونني وآخرين مختلفين عني ورأيت مدى اتساع هذا الكون مما أمدني بالشجاعة للمغادرة. لقد فعلتها في النهاية، فلقد كنت مؤمنةً أن الأمل ليس كلمة وحسب.

وما إن خرجت حتى التحقت بواحدة من المدارس المهنية ثم تخرجت منها بدرجة كاتبة اختزالية، وهو نوع من الكتابة الرمزية الغرض منه الإيجاز وزيادة سرعة الكتابة. وبعد ذلك كان افتتاح مكتبة مقاطعة بيرسي فتقدمت للعمل هناك وتم توظيفي. قضيت بعدها ما يربو على اثنين وثلاثين عامًا أساعد الآخرين في بناء الألفة بينهم وبين المكتبة، فلقد نشأ في داخلي التزام عميق ودؤوب تجاهها، فالمكتبات تنقذ الأرواح.


[المصدر]

مفاتيح كورت فونيجت الثمانية لبلوغ قوة الكلمات المكتوبة

كورت فونيجت

كورت فونيجت (1922 — 2007)، كاتب أمريكي مشهور برواياته وقصصه القصيرة.

إن أكبر جُرم ترتكبه في حق نفسك حين لا تعرف ما هو المثير للاهتمام وما هو دون ذلك.

في الحادي عشر من نوفمبر من عام 1922 وحتى الحادي عشر من إبريل من عام 2007 قدم إلينا (كورت فونيجت) جملة من النصائح الخالدة التي عبرت فوق جدار الزمن، والتي كانت تدور حول فن وحرفة الكتابة، فمن نصائحه الثماني لكتابةٍ قصصيةٍ رائعة إلى رؤيته حول أشكال القصص وصولًا  إلى الروتين اليومي العظيم. لكن كان من النادر أن يتناول أي شيء هذا الموضوع بفاعلية تجمع بين النصائح العملية والقلب كما تناولتها مقالة فونجيت “كيف تكتب بأسلوب” التي نشرت في عام 1985 ضمن مقتطفات أدبية رائعة في كتابه (كيفية استخدام قوة الكلمات المطبوعة)، فكانت إضافة مذهلة إلى أفضل نصيحة حول الكتابة حول الكتابة، نترجمها لكم بشكل حصري في ساقية.

بدأ (فونيجت) حملة تقريع ضد التقارير الصحفية الخالية من العاطفة -وهو أمر جوهري في خضم النقاشات المعاصرة حول ما يجب أن تكون عليه شخصية الكاتب- بالإضافة إلى تأمل أحد العناصر المهمة جدًا في الأسلوب:

يُدرب المراسلون الصحفيون والكتّاب الفنيون على عدم إظهار ما يشير إلى شخصياتهم في كتاباتهم. مما يجعلهم غريبي أطوار في عالم الكتابة في حين أن الكثير من الكتّاب الآخرين يقدمون أنفسهم لقرّائهم من خلال كتاباتهم. ونحن نشير إلى هذه الإيحاءات -بقصد أو من غير قصد- بعناصر الأسلوب.

فهذه الإيحاءات تخبرنا نحن القرّاء عن الشخص الذي نقضي وقتنا بالقراءة له. تخبرنا فيما إذا كان على قدر من العلم أم جاهلًا، ذكيًا أم ساذجًا، جادًا أم هازلًا؟ وغيرذلك الكثير.

لم يجب عليك أن تُمعن النظر في أسلوبك الكتابي مع فكرة تطويره؟ لأن هذا يُعد بمثابة احترام تُظهره لقرّائك أيا كان ما تقوم بكتابته. إن أنت بثثت أفكارك دون أن تلقي لها بالًا، فمن المؤكد أن يساور قرّاءك شعور بعدم اهتمامك بهم، وستُصنف كأحد مهووسي الأنا ولربما ذهب بعضهم شأوًا أبعد من ذلك فعزفوا عن القراءة لك. إن أكبر جُرم ترتكبه في حق نفسك حين لا تعرف ما هو المثير للاهتمام وما هو دون ذلك. ألست أنت في قرارة نفسك تبدي إعجابًا بكتّاب وتُقصي آخرين وذلك حسب اختيارهم لأطروحاتهم أو اختيار ما يدفعك للتفكير في شأنه؟ هل نال استحسانك يومًا كاتب أو كاتبة برأس فارغ لمجرد البراعة والإتقان في استخدام اللغة؟ لا.

ولذلك يجب أن يبدأ أسلوبك الخاص من بنات أفكارك.

وأنشأ (فونيجت) يخط لنا القواعد الثمانية لكتابة إبداعية:

أولًا: جِد موضوعًا تهتم بشأنه

جد موضوعًا تهتم بشأنه وتشعر في داخلك بأن الآخرين سيبدون اهتمامًا به أيضًا. إن ما سيكون عنصرًأ مقنعًا وجذابًا في أسلوب كتابتك هو الاهتمام الصادق الذي يشعره القرّاء بما تكتب وليس تلاعبك بألفاظ اللغة.

بالمناسبة، لست أحاول دفعك لكتابة رواية ما –رغم أنني لن أكون آسفًا إن فعلت– تمنحك شعورًا صادقًا بالاهتمام بشيء ما. لكن ربما كانت كتابة عريضة لرئيس البلدية تخبره فيها عن حفرة في الطريق أمام باب منزلك، أو رسالةً تعبر فيها عن حبك للفتاة التي تقطن بجوارك، كفيلةً بمنحك شعور الاهتمام الذي تصبو إليه.

ثانيًا: لا تثرثر بلا هدف، وإن شعرب برغبة في ذلك

لن أُسهب في الحديث عن هذا الأمر.

ثالثًا: تحلى بالبساطة

وفيما يخص استخدامك للغة، تذكر دومًا أن جهابذة الأدب كـ(ويليام شيكسبير) و(جيمس جويس) كتبا عبارات بمستوًى طفولي في حين أن أطروحاتهم كانت عميقة حد اللانهاية.

“أكون أو لا أكون؟ To be or not to be”

سؤال طرحه (هاملت) (شكسبير). أطول كلمة شكّلتها ثلاثة حروف وحسب. وحين كان (جويس) متحمسًا، كان بمقدوره أن يخطّ عبارات معقدة ومتألقة كقلادة كليوباترا، ولكن هناك جملة استأثرت بإعجابي دون غيرها وهي “لقد كانت متعبة”. في تلك المرحلة من القصة، لم تستطع أي كلمة أن تهز قلب القارئ كما فعلت هذه الكلمات الثلاث.

البساطة في اللغة ليست أمرًأ مستحبًا فحسب، بل لربما وصلت إلى القداسة. ولقد كانت الجملة “في بادئ الأمر خلق الله السماء والأرض” التي استُهل بها الإنجيل خير مثال على المهارة الكتابية لشخص في عامه الرابع عشر.

رابعًا: امتلك شجاعة الاقتطاع

لربما كنت أنت أيضًأ قادرًا على صناعة قلادات لكليوباترا، إن صح التعبير. ولكن يجب أن تكون فصاحتك خادمة لكل تلك الأفكار في رأسك. وقد تكون هذه قاعدتك: اقتطع من كتابتك كل جملة لا تضيف أدنى توضيح لموضوعك بطريقة أو بأخرى، مهما كانت تلك الجملة جيدة وبليغة.

خامسًا: كن نفسك

أسلوب الكتابة، والذي يٌعد أكثر أمر طبيعي بالنسبة إليك، يتوقف على صدى ما تردد على مسامعك من حديث أيام الطفولة. كانت اللغة الإنجليزية هي اللغة الثالثة للروائي (جوزيف كونراد). وأسلوبه اللاذع حين يستخدم اللغة الإنجليزية في حديثه ليس سوى تأثره باللغة البولندية بلا شك و التي كانت لغته الأم. ومحظوظ حقًا هو الكاتب الذي نشأ في إيرلندا، حيث للغة الإنجليزية هناك وقع عذب موسيقي ومحبب جدًا. أما أنا فلقد نشأت في إنديانابوليس، حيث اللغة الدارجة هناك  تشبه صوت مجموعة مناشير تقطع صفيحًا مطليًا بالزنك، وتستخدم الكلمة خالية من أي جماليات.

لا حظت أنني أثق بكتاباتي أكثر من غيرها، وكذلك يفعل الآخرون حين أبدو على حقيقتي كشخص من إنديانابوليس. ما هي البدائل التي أملكها؟ إنها تلك النصيحة التي يوصي بها الأساتذة بشدة، ولا بد أنها قد أُلقيت على مسامعك ذات يوم: اكتب كمثقف إنجليزي من القرن الماضي أو من قرون سالفة.

سادسًا: قل ما تريد أنت قوله

اعتاد الأساتذة أن يصبوا جام غضبهم علي، ولكن لم يعد الأمر كذلك. فلقد أدركت الآن أن كل تلك المقالات التي اعتدت مقارنة عملي بها لم تكن مهمة بسبب قِدمها أو غرابتها، بل لأن كتّابها قالوا ما يريدون قوله تمامًا. لطالما سألني أساتذتي أن أكتب بدقة، وأن أختار أكثر الكلمات تأثيرًا وعمقًا، وأن أربط فيما بينها بصرامة ودون لبس كما تُجمع أجزاء الآلة. لم يشأ أساتذتي تحويلي إلى رجل إنجليزي في نهاية المطاف. لقد كانوا آملين أن أغدو كاتبًا يسهل فهمه. وأخذ بي الحلم إلى أن أحذو حذو (بابلو بيكاسو) في تعامله مع الطلاء، أو عمالقة موسيقى الجاز في تعاملهم مع الموسيقى. إن أنا خرقت قواعد علامات الترقيم، وكتبت عبارات لا تحمل من المعاني سوى ما أردت لها أن تحمل، وجمعت هؤلاء معًا على وتر واحد خلطت فيه الحابل بالنابل، فإنني وبكل بساطة لن أستحيل كاتبًا يسهل فهمه. والأمر سيان بالنسبة إليك، لا تتبع أسلوب (بيكاسو) أو عازفي موسيقى الجاز في كتاباتك إن كنت تملك حقًا ما يستحق أن يُقال وتريد أن يفهمك الآخرون.

يطلب منا القرّاء أن تبدو صفحاتنا كتلك الصفحات التي رأوها سابقًا، ولماذا؟ لأن لديهم عملًا  صعبًا، ويحتاجون منا كل صنوف المساعدة التي يمكن أن نقدمها لهم في سبيل إنجاز ذلك العمل.  

سابعًا: كن رحيمًا بالقرّاء

لدى القرّاء الآلاف من العلامات الصغيرة التي يجب عليهم قراءتها وتفسيرها في الوقت عينه. عليهم أن يقرؤوا، والقراءة فن صعب جدًا حتى أن معظمهم لا يتقنه تمامًا على الرغم من دراسته له خلال إثني عشر عامًا في المدارس الابتدائية والثانوية.

إذن، فإن هذا النقاش يجب أن يُفضي إلى أن خياراتنا الأسلوبية ككتّاب يجب أن تكون بعيد كل البعد عن كونها مبهرةً ومتعددة في حين أن قراءنا ليسوا فنانين محترفين.

يسألنا قرّاؤنا أن نكون أساتذة ودودين كثيري الصبر، مستعدين دائمّا للتبسيط والإيضاح، حتى وإن كان باستطاعتنا أن نعلو فوق الحشود عوضًا عن ذلك ونغني كالعنادل.

كانت تلك هي الأخبار السيئة، أما الجيد منها فهو أننا نحن الأمريكيون نعيش في ظل دستور فريد من نوعه، يمنحنا حق الكتابة في كل ما نريد الكتابة عنه دون الخوف من العقاب. ولذلك فإن الجانب الأكثر معنًى ووضوحًا في الأساليب لدينا، ألا وهو اختيارنا لما نريد الكتابة عنه، غير محدود البتة.

ثامنًا: لنصيحة مفصلة حقًا

ولمناقشة الأسلوب في نطاق أضيق وأكثر مهنية، أود لفت انتباهك إلى عناصر الأسلوب التي وضعها (ويليام سترانك) و(إلواين بروكس وايت). يُعد (إلواين وايت) أحد أكبر جهابذة مصممي أساليب الأدب الذين أنجبتهم هذه البلاد.

وعليك أن تعي أيضًا أنه ما من أحد كان ليلقي بالًا  لمدى إجادة أو إخفاق السيد (وايت) في التعبير عن ذاته إن لم يكن لديه أشياء ساحرة ليقولها.

 

Continue Reading →