أرشيف الكاتب

اسمح لأطفالك بارتكاب الأخطاء _ إيكارت تول

Eckhhart_Tolle_frontإيكارت تول (مواليد 1948)، كاتب ألماني، ومعلم روحي شهير، أطلقت عليه جريدة (نبويورك تايمز) لقب: “المعلم الروحي الأشهر في عصره”، ألهمت كتبه الكثيرين ونال كتابه (قوة الآن) شهرة عظيمة.

يدعو (إيكارت تول) لأرض جديدة تشاد على قيم السلام والحضور والسكون والوعي واليقظة، ويفرق في فلسفته الروحانية بين الجوهر “الكينونة” والمظهر “الهوية والأنا“، وبين الذكاء intellegent  والبراعة clever، وبين الدين والروحانية، وفي تعاليمه لا يسعى لإقناع أحد بأفكار جديدة أو إضافة معارف ومعلومات، ولكن الوعي واليقظة هو ما يركز عليه ويصبو إليه ويرى أن الوجود أعمق بكثير من الوجود الفيزيائي والفسيولوجي. وعلى صعيد التربية يرى أن مساحة الحرية  لازمة للأطفال في طريقهم للنضج، قائلًا  في كتابه (أرض جديدة):
كتاب أرض جديدة

 إذا كان لديك أولاد يافعون، فقدم لهم العون والإرشاد والحماية قدر ما تستطيع، لكن أهم من ذلك كله إمنحهم المساحة، المساحة لكي يحققوا أنفسهم، لقد جاؤوا إلى العالم من خلالك، لكنهم ليسوا “ملكك“، وقد تكون فكرة “أنا أدرى بصالحك” صحيحة في طفولة الأولاد، لكن كلما كبروا، قلت صحة هذا الإفتراض.

وعن أهمية هذه المساحة رغم الأخطاء والأخطار التي قد تحملها وبسببها، ينبه الآباء أن لا يتقمصوا دور (الواعظ/ الحامي من التجارب) وأن يتركوا لأطفالهم فرصة للنضوج،يقول :

قد يرتكب الأطفال الأخطاء من منظورك أنت فحسب، فما قد تعتبره خطأ هو بالضبط ما يحتاج أولادك إلى فعله أو إختباره، قدم لهم قدر ما تستطيع من العون والإرشاد، لكن فلتدرك أنك قد تضطر أحيانًا إلى السماح لهم بارتكاب الأخطاء، لاسيما حين يبدأون ببلوغ سن النضوج، أحيانًا قد تضطر أيضًا إلى أن تدعهم يعانون، قد يعانون الألم بلا أي سبب محدد وقد يكون هذا الألم نتيجة أخطائهم هم.

ويتساءل البعض : “ألن يكون رائعًا أن توفر على أولادك كافة أشكال الألم؟”  فيجيب (إيكارت): لا، هذا ليس برائع، ففي هذه الحال لن يتطوروا كبشر وسيبقون سطحيين، متماهين مع الشكل الخارجي للأشياء، أما الألم فيأخذك أعمق.

يركز (إيكارت) في تعاليمه على “الحضور” فالحياة رقصة ولا بد أن ندعها تمر عبرنا وأن نعيشها بأصالة ووعي حاضر،  والأمر لا يختلف بالنسبة لتربية الأطفال، وعن ذلك يقول:

كثير من الأطفال يكتمون غضبًا وامتعاضًا خفيين تجاه ذويهم وغالبًا ما يكون السبب هو عدم صدق العلاقة ولا أصالتها، فالطفل لديه شوق عميق لكي يكون والده موجودًا وحاضرًا ككائن بشري لا كدور، بصرف النظر عن النية التي ترافق لعب هذا الدور، فقد تفعل كل ما هو مناسب وصحيح لطفلك، لكن حتى فعل الأفضل ليس بكاف، في الحقيقة فإن الفعل ليس بكاف على الإطلاق إذا ما أهملت الكينونة.

 

 

الفن كخطر على المعاناة الإنسانية عند كازاتاكيس

نيكوس كازانتاكيس
نيكوس كازانتاكيس (1883-1961) كاتب يوناني، مؤلف رواية (زوربا اليوناني) التي تعدّ أكثر أعماله شهرة، والتي أَنتج عنها المخرج (مايكل كاكويانيس) فيلمًا، ولد (نيكوس) في جزيرة كريت اليونانية، وترشح لجائزة نوبل للآداب 1957 لكنها خسرها ليفوز بها (ألبير كامو) بفارق صوت واحد، وفي كتابه (تقرير إلى غريكو) الذي كان صرخته الأخيرة قبل وفاته والذي نشرته زوجته بعد وفاته، يحكي (نيكوس) عن قدرة الفن على الخداع وإغواء الإنسان لجعله ينسى مصابه، ويقول:

ذات مساء كنت متعبًا من مشاعر النهار المرهقة، انكببت على مكتبي وبدأت أقلب كتابًا عن فن عصر النهضة محاولًا  أن أنسى كل ما رأيته وسمعته وعانيته وأنا أتجول منذ الصباح الباكر. أكثر من الخمرة والحب، أكثر خداعًا من الأفكار، هي قدرة الفن على إغراء الإنسان وجعله ينسى. يحل الفن محل الواجب، بكفاحه لتحويل الزائل إلى أزلي ولتحويل معاناة الإنسان إلى جمال.

ويتساءل :

ماذا يهم إن كانت طروادة قد انتهت إلى رماد، وإذا كان بريام وأبناؤه قد قتلوا؟ بأي طريقة كان العالم سيستفيد، وكم كانت روح الإنسان ستزداد فقرًا، لو أن طروادة استمرت في الحياة السعيدة، ولو أن هوميروس لم يأت لتحويل المذبحة إلى أبيات خالدة؟
تمثال، بيت شعر، مأساة، لوحة .. تلك هي النصب التذكارية السامية التي أقامها الإنسان على الأرض
سامية ولكنها أيضًا الأكثر خطرًا على المعاناة الإنسانية اليومية، الفن يعلمنا أن نحتقر الإهتمام اليومي الصغير بالطعام وحتى العدل، إننا ننسى أن هذا هو الجذر الذي غذى الزهرة الخالدة، لقد كان المسيحيون الأوائل على حق في أن يريدوا من فنانيهم أن لا يجعلوا العذراء جميلة في لوحاتهم الدينية، جمالها يغوينا فننسى أنها أم الله.

إرادة البحث عند برتراند راسل

Bertrand Russell

براترند راسل (1872-1970) فيلسوف وعالم منطق ورياضي ومؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني، في محاضرته “البروباغندا الرسمية والتفكير الحر” والتي ترجمها عدي الزعبي يبشر راسل “بإرادة الشك” في مقابل “إرادة الاعتقاد” وفي ذلك يقول:

اعتاد وليم جيمس أن يبشر “بإرادة الاعتقاد” من جهتي أريد أن أبشر بإرادة الشك، فكل معتقداتنا ليست صحيحة تمامًا، في كل منها غمامة من الغموض والخطأ، طرق زيادة درجة صحة معتقداتنا معروفة جيدًا، وتكمن في الإنصات إلى كل الأطراف، ومحاولة التحقق من كل الوقائع ذات الصلة والسيطرة على انحيازاتنا عن طريق النقاش مع من يحملون انحيازات مختلفة، وتطوير استعداد للتخلي عن أي فرضية تثبت خطلها، تُمارَس هذه الطرق في العلوم، وقد أسست مجموع المعرفة العلمية، كل من يملك النظرة العلمية حقيقة مستعد للاعتراف بأن ما نعتبره معرفة علمية في الوقت الحاضر يتطلب بالتأكيد تصحيحًا مع تقدم الاكتشافات، مع ذلك، هذه المعرفة قريبة بما يكفي من الحقيقة في معظم الأمور العملية، وليس جميعها. في العلوم، حيث نجد ما يقارب المعرفة الأصيلة فقط، موقف الإنسان متردد ومليء بالشك.

على العكس من ذلك، في الدين والسياسة، وعلى الرغم من غياب ما يقارب المعرفة العلمية حتى الآن، يرى كل إنسان أنه من الضروري أن يملك رأيًا دوغمائيًا، وأن يدعم موقفه بنشر المجاعات والسجون والحروب، وأن يحرس نفسه جيدًا من أي منافسة مع الحجج المختلفة، لو أمكن فقط إقناع الناس بتبني إطار فكري مؤقت لا أدري في هذه الأمور، لأمكن علاج تسعة أعشار الشرور في العالم، ستصبح الحرب مستحيلة، لأن كل طرف سيدرك أن كلا الطرفين على خطأ، سيتقلص الاضطهاد، سيهدف التعليم إلى توسيع العقل، لا إلى تقليصه، سيتم اختيار الناس للعمل بناء على ملاءمتهم له، وليس لقبول الدوغمات اللاعقلانية لأولئك الذين في السلطة، الشك العقلاني وحده، إن وجد، سيكفي للوصول إلى الألفية.

ثم يتحدث عن النظرية النسبية لأينشتاين واستقبالها عالميًا كنموذج رائع عن المزاج العلمي في السنوات الأخيرة، رغم أنها قلبت كامل الإطار النظري للفيزياء التقليدية، وتضرر منها علم الديناميك التقليدي بنفس الطريقة التي أضر داروين بها سفر التكوين، ورغم ذلك أبدى الفيزيائيون استعدادهم للتقبل طالما حضر الدليل دون ادعاء منهم أو من أينشتاين بأنه قال الكلمة الأخيرة ويرى أن هذا التقبل المنفتح النقدي هو السلوك الحقيقي للعلم .. ويتساءل:

ما الذي سيحدث لو قام أينشتاين بتقديم شيء مساوٍ في جدته في حقل الدين أو السياسة؟ سيجد الإنكليز عناصر من البروسانية في نظريته، وأعداء السامية سيعتبرونها خطة صهيونية، القوميون في جميع البلدان سيجدونها ملوثة بدعوة سلمية مفرطة، وسيعلنون أنها مجرد محاولة للتهرب من خدمة العلم، كل بروفيسور من الطراز القديم سيطلب من “اسكوتلند-يارد” أن تمنع استيراد كتبه وسيطرد الأساتذة المقتنعون بنظرياته.

أما هو سيسيطر على أحد البلدان المتأخرة حيث سيصبح من غير القانوني تعليم أي شيء عدا نظرياته، التي ستنمو لتصبح مجموعة تعاليم مبهمة لا يفهمها أحد، سيتم تقرير صحة أم خطل معتقداته على أرض المعركة، دون جمع أي دليل جديد معها أو ضدها. هذه الطريقة هي النتيجة المنطقية لتعاليم وليم جيمس في إرادة الإيمان.

المطلوب ليس إرادة الإيمان، بل إرادة البحث، والتي تشكل بالضبط النقيض لها.