خلاصات هذا القسم

الأرشيف | آليات الكتابة، ونصائح في التعبير

الدليل إلى عالم الكتابة والأدب أخذًا وعطاءً، قراءةً وإنتاجاً.

ما هو سر شغف ليزا سي بالثقافة الصينية؟

CT  CT books-0827-lisa-see MJW

ليزا سي هي كاتبة أمريكية من جذور صينية أو كما تصف نفسها “نصف صينية”, نشأت في الحي الصيني في مدينة لوس أنجلوس والذي تم تأسيسه من قبل جدها الأكبر. حاولت التمسك بعاداتها الصينية والتعلم عن الثقافة هناك وانعكس ذلك على روايتها ك “فتاتان من شنغهاي” و “زهرة الثلج المروحة السرية” و “أحلام الفرح“.

هنا ترجمة للقاء مع ليزا سي تسرد فيه بعض ملاحظاتها العجيبة وهي تتحدث عن سر ولعها بالصين في كتاباتها المختلفة وأين تجد الإلهام.. حيث تقول:

لقد كتبت روايات في فترات زمنية مختلفة، ففي كتاب” فتاتان من شنغهاي” كانت هناك بضع أشياء ألهمتني للقيام بهذا العمل:

أولاَ: رغبت أن أكتب عن شنغهاي في عام 1937 ميلادية، عن آخر فترة ازدهار لشنغهاي قبل أن تتغير. فهي كانت بمثابة باريس آسيا وكان الناس يأتون من جميع أنحاء العالم لزيارتها. كانت مدينة ساحرة فاتنة من جميع النواحي رغم وجود الفقر المدقع.

فهذه هي الفترة التي أردت تغطيتها بالرواية. ومن ثم غزا اليابان الصين في أغسطس من عام 1937م مما أدى إلى اندلاع  الحرب الصينية اليابانية ومن ثم الحرب العالمية الثانية، وما أن انتهت الحرب العالمية الثانية حتى بدأت الحرب الأهلية في الصين، وبعدها حكمها “ماو” الذي غير البلد الى حال أسوأ وحولها من باريس آسيا إلى  بلد قاتمة في سنوات قصيرة وكأنه يعاقب البلد بطريقة ما، وسرعان مافقدت البلاد بريقها لذلك أردت أن أكتب عن شنغهاي الفاتنة، لأنني أريد أن يتذكرها الناس بهذه الذكرى الجميلة وليس كما أصبحت بعد ذلك.

ثانياَ: أردت أن أكتب عن برنامج الاعتراف “ضمن أحداث الرواية” والذي أعتقد أن هنالك الكثير من يجهل حقيقة حدوثه.

أما فيما يتعلق بكتاب “زهرة الثلج والمروحة السرية” فأهم حقيقة ثقافية مصدمة هي: اللغة السرية-لغة النو شو– والتي كتبت عنها في هذه الرواية وكنت مهووسة ومفتونة بها. فهي لغة اخترعتها النساء قبل آلاف من السنين والتي استمرت حتى ستينات القرن الماضي، وذلك لممارسة بعض الحرية بعيداَ عن أزواجهن في نقل الرسائل وإخبار بعضهن البعض عن آخر الأخبار واليوميات في حياتهن وكتابة هذه اللغة السرية على المراوح وتداولها على هذا النهج .

ولم أجد من يكتب بهذه اللغة عند سفري إلى الصين إلا امرأة كانت بعمر السادسة والتسعين آنذاك، وكانت قدماها قد ربطتا أيضاَ. أخبرتني الكثير عن هذه اللغة المنحدرة وتوفيت بعد ذلك في عام 2004م، ولم أجد الكثير من القطع الأصلية المتبقية بهذه اللغة فالنساء كن يحرقن المراوح عند وفاتهن لأسباب غيبية، و أتلف الجنود اليابانيين الكثير منها وأيضاَ اختلفت الترجمات للقطع القليلة التي وجدتها وهذه بعض الصعوبات التي واجهتني في كتابة الكتاب. وعلى الرغم من أنها لغة سرية فمن البديهي أن يكون هدفها هو ممارسة بعض الحرية ولكن رغم ذلك كانت هنالك قيود على النساء فلا يجوز لهن الكتابة عن رفضهن للحاكم أو عن قضية ربط الأقدام والتي كانت معياراَ للجمال آنذاك .- يفرض على النساء أن يربطن أقدامهن عند سن السادسة أو السابعة ويجب أن تكون بطول لا يزيد عن 3 إنشات، فهذا الطول هو المقبول اجتماعياَ. – هذه حقيقة اجتماعية فرضت على الفتيات الصينيات لأجيال وأجيال. وهذا ما أردت أن أكتب عنه ايضاَ.. عن نظرة النساء لهذا الأمر ولماذا يعرضن حياتهن للخطر من أجل معيار جمال وضعه المجتمع؟

لكن عكست “جمهورية الصين الشعبية موقفها السابق في منع النساء من كتابة هذه اللغة وتعتبر الآن لغة “النو شو” عنصر مهم في كفاح الصين، وقامت الآن بفتح مدرسة لتعليم هذه اللغة في قرية “بو واي”. هذا بالإضافة لترك الكثير من النساء مثل هذه العادة في ربط الأقدام في العصر الحاضر ولم يعد إلزاماَ.

للاستزادة:

مقابلة مع ليزا سي – بالانجليزية

مقال بعنوان “عن الكتابة” بقلم ليزا سي في موقعها – بالانجليزية

ميلان كونديرا والولع بالكتابة

 

ميلان كونديرا روائي وفيلسوف تشيكي، لديه العديد من الروايات العالمية المشهورة مثل “كائن لا تحتمل خفته“. يتحدث في كتابه “كتاب الضحك والنسيان” عن الولع بالكتابة حيث يقول:

منذ زمن ليس بالبعيد، عبرت باريس على متن سيارة أجرة كان سائقها ثرثارًا. لم يكن يستطيع النوم ليلًا، لأنه يعاني من سهاد مزمن أصيب به أيام الحرب. كان بحّارًا، غرقت سفينته، فسبح ثلاثة أيام وثلاث ليال إلى أن انتُشِل. قضى شهورًا عديدة بين الحياة والموت شُفي بعدها، لكنه أصيب بالسهاد.

قال باسمًا : خلّفت ورائي الثلث من حياتي، وهو الذي أكبرك به.

سألته : وماذا عساك تفعل بهذا الثلث الزائد ؟

أجابني : أكتب.

فوددت أن أعرف ماذا يكتب. كان يكتب حياته. حكاية رجل سبح لمدة ثلاثة أيام في البحر، وصارع الموت، وفقد النوم، لكنه حافظ على رغبته في الحياة.

– أتكتب ذلك لأولادك ؟ يوميات للعائلة ؟

ابتسم بمرارة وقال : لأولادي ؟ هذا لا يهمهم. هو مجرد كتاب أكتبه هكذا. أعتقد أنه قد يساعد كثير من الناس.

هذه المحادثة مع سائق سيارة الأجرة جعلتني أكتشف فجأة جوهر النشاط الذي يمارسه الكاتب. نحن نؤلف الكتب لأن أبناءنا لايهتمون بنا. نخاطب عالمًا مجهولًا  لأن زوجاتنا تغلقن آذانهن عندما نكلمهن.

ستعترضون عليّ بأن سائق الأجرة مهووس بالكتابة عن نفسه وليس بكاتب. لذا يجدر الشروع بتدقيق المفاهيم. فالمرأة التي تكتب لعشيقها أربع رسائل في اليوم ليست مولعة بالكتابة، إنها بالأحرى ولهانة. أما صديقي الذي ينسخ رسائله الأنيقة بغرض نشرها ذات يوم، فمهووس بالكتابة. ذلك أن هوس الكتابة Graphomanie ليس هو الرغبة في كتابة الرسائل أو اليوميات أو مذكرات الأسرة (أي الكتابة للنّفس وللأقربين)، بل هو تأليف الكتب (أي الكتابة لجمهور مجهول). بهذا المعنى يكون ولع سائق الأجرة هو نفسه ولع (غوته). وما يميّز واحدهما عن الآخر ليس اختلاف الولع، بل النتيجة المختلفة لهذا الولع.

فالولع بالكتابة (عادة تأليف الكتب) يصبح بالضرورة وباء حين تتحقق في المجتمع ثلاثة شروط أساسية :

١. مستوى عالٍ من الرفاهية العامة تسمح للناس بالتفرغ لنشاط غير ذي جدوى.

٢. درجة عالية من تفتت الحياة الاجتماعية، ومن ثمة درجة عالية من عزلة الأفراد.

٣. خلو الحياة الداخلية للأمة من التغيرات الكبرى (ومن هذا المنظور، يبدو لي ذا دلالة كون النسبة المئوية لعدد الكتّاب في فرنسا أعلى بواحد وعشرين مرة منه في إسرائيل ).

غير أن النتيجة قد تنعكس على العلة من خلال صدمة مرتدة. فالعزلة العامة قد تولد الهوس بالكتابة، وهوس الكتابة المعمّم بدوره يقوّي العزلة ويفاقمها. ذلك أن اختراع الآلة الطابعة مكّن الناس قديمًا من أن يفهم بعضهم بعضًا. أما في عصر هوس الكتابة الكوني، فقد اكتسب تأليف الكتب معنى مناقض : كل واحد يحيط نفسه بكلماته الخاصة كما لو كان يحتمي بجدار من المرايا لا ينفذ منه أي صوت من الخارج.

كيف تترجم بإبداع وإتقان ؟ سامي الدروبي يجيب

31-17

سامي الدروبي، الأديب والناقد والدبلوماسي السوري، اشتهر بترجماته الفخمة لكثير من الأدب الروسي ذو الأثر الكبير في الأدب المعاصر. يعتبره البعض علامة فارقة في سيرة الترجمة إلى العربية. إلى جانب ترجماته في الأدب والفلسفة والسياسة والتربية وعلم النفس، نشر العديد من الكتب والمقالات التي تدور حول العلاقة بين الأدب وعلم النفس.

في هذه الفقرات المقتبسة من إحدى مقابلاته يوضح سامي الدروبي رؤاه حول وظيفة المترجم وآدابه، حيث يقول

ونعود فنقول أن الترجمة […] قبل كل شيء، إحساس بالمسؤولية تجاه الكلمة التي أترجم بها، إحساس بالمسؤولية مقرون بالواجب يتجاوز حدود الأنا في مستوى أوسع ال”نحن”. وبالتالي، هل يصبّ هذا العمل في مصلحة وخدمة الـ”نحن” وهنا المسؤولية، أم في مصلحة وخدمة الأنا وهنا الأنانية، والشعور بالفوقية، وحب الظهور، والكبرياء، والادّعاء الكاذب، والأقنعة المخيفة.

وبالتالي، فـالترجمة قبل كل شيء، تعني التواضع، لأنه وبدون التواضع ليس بوسعي أن أقدِّر عظمة القيمة المختبئة في العمل الذي أترجمه، هذا من جهة، وبدون التواضع ليس بوسعي احترام الآخر الذي أترجم له هذه القيمة الإبداعية أو الحضارية أو الجمال، فإن كنت متواضعاً لنحَرْتُ أنانيتي وأظهرت الآخر المبدِع إلى الآخر القارئ، أما أنا فأكون قد تواريتُ في عدمي الخاص، في إحساسي بالخجل من أنني لا شيء، ولست شيئاً، ولن أكون يوماً شيئاً ما‍‍.

ولعل أقصى ما يمكن أن تعنيه الترجمة هو الحوار، الحوار بين الحضارات والأديان والمعتقدات، وبعبارة أخرى، إن لم أستطع ترجمة إيماني أو عقيدتي إلى الآخر في ضوء إيمانه وعقيدته، وكذلك إن لم أترجم إيمانه وعقيدته في ضوء إيماني وعقيدتي، فالحوار سيكون حواراً بين الطرشان، أو كل يتكلم بلغته وينعدم التواصل والالتقاء، وهنا يتحقق برج بابل أو «باب إيل» بمعناه السلبي الذي يشير إلى التمزق والضياع والتشتت. ويتوقف علينا الاختيار، هل نريد أن نعيش في برج بابل بمعناه الإيجابي أم بمعناه السلبي؟

وفي سياق الحديث عن الشروط التي يجب توفرها في المترجم -سواء للمواد العلمية أو للمواد الأدبية- قبل أن يباشر الترجمة، يقول

الترجمة العلمية سهلة طبعاً، وكذلك ترجمة الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس، فلغة هذه العلوم لغة لا أقول أنها فقيرة على إطلاقي كلمة الفقر ولكن أقول أنها فقيرة نسبياً، وإنما الفن والثراء في لغة الأدب.

أعتقد أنني لا أضيف جديداً إذا قلت أن الشروط التي يجب أن تتوفر فيمن يتصدى لترجمة الأعمال الأدبية هي كما تحصى عادة وكما يعددها سائر الباحثين في هذا الأمر ثلاثة،

أولاً التمكن من اللغة الأجنبية التي تنقل عنها.

ثانياً التمكن من اللغة العربية التي تنقل إليها.

وثالثاً التمكن من المادة التي هي موضوع الكتاب أو البحث الذي تنقله إلى اللغة العربية.

بالنسبة للتمكن من المادة، هذا طبيعي في الترجمة العلمية والفلسفية والاجتماعية والسيكولوجية والتاريخية، وهو التخصص في هذه المادة والتمكن منها.

أما بالنسبة للأدب هي توفُّر الذوق الأدبي، وهذه موهبة تُصْقَل ولكنها لا تُتعلم، فمن لم يكن ذا موهبة لن يُحْقَن بموهبة ولا يمكن أن يعلم كيف يتذوق الأدب. والتمكن من المادة هنا هو هذه الموهبة، هذا الذوق الأدبي. ولكن ما معنى التمكن من العربية ومن اللغة الأجنبية بالنسبة للأدب؟ لا تمكّن من العربية بدون معرفة آدابها معرفة عميقة.

لا يعرف العربية معرفة تؤهله لأن يمسك القلم وينقل إليها من لا يقرأ القرآن دائماً، من لا يقرأ الجاحظ وأبا حيان التوحيدي، ومن لا يترنم بشعر المتنبي وأبي العلاء المعري وأبي تمام، لا يعرف العربية معرفة تؤهله لأن يمسك بالقلم، وينقل إليها من لم يملك الكنوز الثرة للغة العربية مختزنة في آدابها وتراثها.

نأتي إلى التمكن من اللغة الأجنبية، يصدق هنا ما يصدق على التمكن من اللغة العربية، ليس كل من درس اللغة الفرنسية في المدرسة والجامعة بقادر على أن يترجم منها. وإنما ينبغي للمترجم في ميدان الأدب، أن يعرف اللغة الأجنبية في آدابها. وأجازف فأقول: أن معيار التمكن من اللغة الأجنبية هو الوصول إلى القدرة على تذوق شعرها، الإحساس بموسيقى شعرها، وقبل ذلك لا يكون ثمة معرفة تامة باللغة الأجنبية وأعود إلى التمكن من المادة، فأثير أنه يعني، بالإضافة إلى الذوق الأدبي، مصاحبة ومعاشرة المؤلف المترجم عنه. أعرف أناساً يشرعون في ترجمة رواية قبل أن يقرأوها كاملة.

للاستزادة: نبذة موسعة عن حياة سامي الدروبي ورؤاه / نبذة عن منهج سامي الدروبي في الترجمة وبعض حكاياه

أهم عشر روايات في التاريخ من وجهة نظر أهم 125 روائي معاصر

topten

في محاولة منه لحصر أهم الروايات في التاريخ، قام بيتر زين في 2007 بمراسلة 125 روائي يطلب منهم كتبهم المفضلة لينشرها لاحقاً في كتاب (العشرة الأوائل: كُتاب يختارون كتبهم المفضلة). ولكنه لم يتوقف عند هذا الحد بل وضع في المقدمة قائمة بأهم عشرة روايات وسماها (The Top Top Ten) وكتب شارحاً طريقة الاختيار “المشاركون يستطيعون اختيار أي عمل من أي كاتب ومن أي حقبة.. وذلك بإعطاء عشر نقاط  للعمل الأفضل في كل من هذه التصنيفات، ثم تسع نقاط للعمل التالي، وهكذا. جُمعت النتائج في شكل جدول لنستخرج منه قائمة (The Top Top Ten)… الأفضل من الأفضل”.

وبالطبع لم تسلم هذه القائمة من انتقادات واسعة حيث انتقدها كثيرون بأنها غربية المركز ولايوجد فيها أعمال خارج القارتين الأوروبية والأمريكية. فيما انتقد آخرون معايير اختيار هؤلاء الـ 100 روائي الذين اختاروا رواياتهم المفضلة. وبغض النظر عن هذه الانتقادات، يظل من المثير معرفة أهم الروايات التي غالباً ما ألهمت الأدب المعاصر.

القائمة التالية مزودة بروابط الترجمات من موقع (Goodreads) فيما توجد نسخ الكترونية مترجمة متاحة للتحميل لأغلب الروايات.

1. آنا كارنينا – ليو تولستوي
2. مادام بوفاري – غوستاف فلوبير
3. الحرب والسلام – ليو تولستوي
4. لوليتا – فيلاديمير نابوكوف
5. مغامرات هكلبري فين – مارك توين
6. هاملت – ويليام شكسبير
7. جاتسبي العظيم – سكوت فيتزجيرالد
8. في البحث عن الزمن المفقود – مارسيل بروست
9. الأعمال المختارة – أنطون تشيخوف
10. ميد مارش – جيورج إليوت

كل هذه الأعمال متوفرة مجاناً على الانترنت بكافة الصيغ باللغة الانجليزية. وإذا أحببت قراءة القائمة المفصلة فتجد هنا قائمة الأفضل حسب الكاتب وحسب الحقبة التاريخية.

نصيحة الرافعي لمن أراد أن يكون كاتبًا محترفًا


اللغة هي صوت الوجدان والعقل، أداة نستطيع بها جعل خيالنا ووجداننا وأفكارنا مقروءة، مسموعة، مُجسّدة في كلماتٍ وجُمل، وقدرة تلك الكلمات والجُمل على وصف مشاعرنا وأفكارنا تعتمد في المقام الأول على مدى كياستنا في انتقاء المُفردات والألفاظ، والتي تتحول بالوقت والمُمارسة إلى أسلوب كتابي يُصبح خاص بنا ونُعبر من خلاله عن أنفسنا ونظرتنا للحياة وممارستها ، قد يُضيف إلينا وقد نُضيف إليه، في النهاية هو إبداعنا الخاص، هو تواطؤ الخيال ورغبتنا العميقة في أن يسمعنا الآخر ويفهمنا ويشعر بنا ويُشاركنا، تواطؤ يخرج في هيئة كلمات وجُمل.
تتنوع الأساليب الكتابية بتنوع البشر ومشاعرهم، وباختلاف الموضوعات التي يتناولها كل منهم، لكن تبقى هُناك أرضية مُشتركة تقف عليها جميع تلك الأساليب، هي روح اللغة والتعبير، هي الشعور.
مصطفى صادق الرافعي هو أحد أشهر الأدباء والكتاب المصريين، صدرت له العديد من المؤلفات الأدبية الرفيعة مثل “وحي القلم” وغيرها. يتحدث الرافعي في رسالة بعث بها إلى أحد أصدقائه يرشده فيها إلى الطريق لكي يكون أديبًا وكاتبًا معروفًا -جُمعت لاحقاً في “من رسائل الرافعي“- حيث يقول:

أيُّها الفاضلُ

إنّ أعمالي كثيرةٌ في هذه الأيام ِ ولذا أراني أبطأتُ في الردِ على كتابكَ ، وإنّي مجيبك عنهُ بإيجازٍ ، لأنّ ما سألتَ عنهُ يصعبُ التبسّطُ فيهِ على وجهٍ واحدٍ .

إنّكَ تريدُ امتلاكَ ناصيةِ الأدبِ – كما تقولُ – ، فينبغي أن تكونَ لكَ مواهبُ وراثية ٌ تؤديكَ إلى هذه الغايةِ ، وهي مالا يُعرفُ إلا بعدَ أن تشتغلَ بالتحصيل ِ زمناً ، فإن ظهرَ عليكَ أثرها وإلا كنتَ أديباً كسائرِ الأدباءِ ، الذينَ يستعيضونَ من الموهبةِ بقوّةِ الكسبِ والاجتهادِ .

فإذا رغبتَ في أقربِ الطرق ِ إلى ذلكَ فاجتهدْ أن تكونَ مفكّراً منتقداً ، وعليكَ بقراءةِ كتبِ المعاني قبلَ كتبِ الألفاظِ ، وادرسْ ما تصلُ إليهِ يدكَ من كتبِ الاجتماعِ والفلسفةِ الأدبيةِ في لغةٍ أوربيةٍ أو فيما عرّبَ منها .

واصرف همّكَ من كتبِ الأدبِ العربي – بادىء ذي بدءٍ – إلى كتابِ كليلةَ ودمنة والأغاني ورسائلَ الجاحظِ وكتابَ الحيوان ِ والبيانِ والتبيين لهُ ، وتفقّه في البلاغةِ بكتابِ ” المثل ِ السائرِ ” ، وهذا الكتابُ وحدهُ يكفلَ لكَ ملكةً حسنة ً في الانتقادِ الأدبي ، وقد كنتُ شديدَ الولعُ بهِ .

ثمّ عليكَ بحفظِ الكثيرِ من ألفاظِ كتابِ ” نُجعةِ الرائدِ ” لليازجي والألفاظِ الكتابيّةِ للهمذانيّ ، وبالمطالعةِ في كتابِ ” يتيمةِ الدهرِ ” للثعالبيّ والعقدِ الفريدِ لابن عبدربه وكتابِ ” زهرِ الآدابِ ” الذي بهامشهِ .

وأشيرُ عليكَ بمجلّتينِ تُعنى بقراءتهما كل العنايةِ ” المقتطف والبيان ” ، وحسبكَ ” الجريدةُ ” من الصحفِ اليومية و ” الصاعقة ” من الأسبوعية ، ثم حسبكَ ما أشرتُ عليكَ بهِ فإنّ فيهِ البلاغ كلّهُ ، ولا تنسَ شرحَ ديوان ِ الحماسةِ وكتابَ نهجِ البلاغةِ فاحفظْ منهما كثيراً .

ورأسُ هذا الأمر ِ بل سرّ النجاح ِ فيهِ أن تكونَ صبوراً ، وأن تعرفَ أن ما يستطيعهُ الرجلُ لا يستطيعهُ الطفلُ إلا متى صارَ رجلاً ، وبعبارةٍ صريحةٍ إلا من انتظرَ سنواتٍ كثيرة .

فإن دأبتَ في القراءةِ والبحثِ ، وأهملتَ أمرَ الزمن ِ – طالَ أو قصرَ – انتهى بكَ الزمنُ إلى يوم ٍ يكونُ تاريخاً لمجدكَ ، وثواباً لجدّكَ .

[..]

الإنشاء لا تكون القوة فيه إلا عن تعب طويل في الدرس وممارسة الكتابة والتقلب في مناحيها والبصر بأوضاع اللغة وهذا عمل كان المرحوم الشيخ ” محمد عبده ” يقدر أنه لا يتم للإنسان في أقل من عشرين سنة .

فالكاتب لا يبلغ أن يكون كاتبا حتى يبقى هذا العمر في الدرس وطلب الكتابة .

فإذا أوصيتك فإني أوصيك أن تكثر من قراءة القرآن ومراجعة ” الكشاف ” ( تفسير الزمخشري ) .

ثم إدمان النظر في كتاب من كتب الحديث ” كالبخاري ” أو غيره ، ثم قطع النفس في قراءة آثار ” ابن المقفع ” ” كليلة ودمنة ” ” واليتيمة ” والأدب الصغير ” ، ثم رسائل الجاحظ ، وكتاب ” البخلاء ” ثم ” نهج البلاغة ” ثم إطالة النظر في كتاب ” الصناعتين ” و ” المثل السائر ” لابن الأثير ، ثم الاكثار من مراجعة ” أساس البلاغة ” للزمخشري .

فإن نالت يدك مع ذلك كتاب ” الأغاني ” أو أجزاء منه و ” العقد الفريد ” ، و ” تاريخ الطبري” فقد تمّت لك كتب الأسلوب البليغ .

اقرأ القطعة من الكلام مرارا كثيرة ، ثم تدبرها ، وقلب تراكيبها ، ثم احذف منها عبارة أو كلمة ، وضع ما يسد سدها ولا يقصر عنها ، واجتهد في ذلك ، فإن استقام لك الأمر فترق إلى درجة أخرى ، وهي أن تعارض القطعة نفسها بقطعة تكتبها في معناها ، وبمثل أسلوبها ، فإن جاءت قطعتك ضعيفة فخذ في غيرها ، ثم غيرها ، حتى تأتي قريبا من الأصل أو مثله .

اجعل لك كل يوم درسا أو درسين على هذا النحو فتقرأ أولا في كتاب بليغ نحو نصف ساعة ، ثم تختار قطعة منه فتقرأها حتى تقتلها قراءة ، ثم تأخذ في معارضتها على الوجه الذي تقدم – تغيير العبارة أولا ثم معارضة القطعة كلها ثانيا – واقطع سائر اليوم في القراءة والمراجعة .

ومتى شعرت بالتعب فدع القراءة أو العمل ، حتى تستجم ثم ارجع إلى عملك ولا تهمل جانب الفكر والتصوير وحسن التخييل .

هذه هي الطريقة ولا أرى لك خيرا منها ، وإذا رزقت التوفيق فربما بلغت مبلغا في سنة واحدة .

[..]

وما أرى أحدا يفلح في الكتابة والتأليف إلا إذا حكم على نفسه حكما نافذا بالأشغال الشاقة الأدبية ، كما تحكم المحاكم بالأشغال الشاقة البدنية ، فاحكم على نفسك بهذه الأشغال سنتين أو ثلاثا في سجن ” الجاحظ ” أو ” ابن المقفع ” أو غيرهما ، وهبها كانت في أبي زعبل أو طرة .