خلاصات هذا القسم

الأرشيف | الإنتاج الفني والسردي

المسرح والموسيقى والأفلام والرسم والأدب والشعر، وجمال ما أنتجه الإنسان

فريجينيا وولف؛ عن العلاقة بين العزلة والإبداع

(فيرجينيا وولف)

لو كان بوسعي القبض على ذلك الإحساس، لفعلتها؛ ذلك الشعور بترنُّم العالم الحقيقي، بما أن المرء منقاد بالعزلة والصمت عن الانغماس في هذا العالم.

ثمة نوع من الوحدة التي تفرض نفسها على المرء دون أن تتركه. وأكثرها جلباً للمقت هي التي تغزوك  أثناء وجودك بين رفاقك، وعامة الناس، وليست تلك التي تشعر بها في عزلتك. إن كان للعزلة المقدرة على إثراء خيالك، فإن الوحدة من شأنها أن تفرغه من الحيوية، وتكسو الروح بذلك الضجر من التوق الى التواصل، والتشارك، والنجاة. بالرغم من أن هذا الضجر هو الذي ساهم بولادة أعظم الأعمال الأدبية على مرّ الزمان.

كتبت الصحفية الأمريكية (دوروثي داي) يوماً قائلة: “لقد عشنا، جميعًا، شعور الوحدة الطويلة” بيد أن بعض المبدعين يعرفون هذا الشعور حق المعرفة أكثر من غيرهم من البشر. لكن أحدًا منهم لم يتمكن من الوصول إلى ذلك المستوى من الشفافية المذهلة، والوضوح الرائع الذي وصلت إليه (فرجينيا وولف)  في حديثها عن هذه المعرفة. 

لقد تغلغل شعور الوحدة في  كتابها (يوميات كاتبة) ذلك المصدر الذي لا ينضب لحكمة (وولف) المتعلقة بتلك الأبعاد المتنوعة للوجود، كمفارقات التقدم في العمر، ومرونة الوقت، ومفتاح ديمومة العلاقات الإنسانية، ناهيك عن المنافع الخلاّقة لعادة تدوين اليوميات. إن حالة (وولف)، في واقع الأمر، ليست سوى عملية تحويل لتلك الوحدة التي كانت تشعر بها إلى نوع من الارتباط بتجربة الإنسان الشاملة، والتي أضفت، بدورها، على كتابات (فرجينيا) تلك القوة  الأبدية النافذة. 

في أواخر صيف عام 1928 للميلاد, وقبل شهر واحد من نشر رواية (أورلاندو) التي تمكنت من نسف بعض الصور النمطية وأحدثت ثورة فكرية، وجدت (وولف) نفسها تتصارع، من جديد، مع ثنائية العزلة والإبداع. ففي مقدمة يومياتها التي كتبتها في (منزل مونك)، ذاك المنزل الريفي الذي اشترته وزوجها في مقاطعة “ساسكس” الإنكليزية قبل عقد من الزمن، حيث خطت معظم روائعها الأدبية، تكتب (فرجينيا) ما يلي:

غالباً ما أشعر في هذا المكان أنني دخلت إلى حرم مقدس. إذ تنتابني نزعات من الألم مرة، ومن الرعب مرات أُخر. إنه خوف من الوحدة، ومن رؤية ما يختبئ في آخر النفق.

هذه إحدى التجارب التي مررت بها خلال وجودي هنا في بعض أشهر (أغسطس – آب) لأدرك، عندئذٍ، ما أسميه “واقع” هذا الشيء الذي أراه يلوح أمامي. شيء تجريدي لكنه يسكن في الأرض والسماء. لا شيء يضاهيه في الأهمية، وبه يمكنني أن أستريح وأشعر بكينونتي. هو ما أسميته “واقع” ويخيل لي، أحيانًا، أنه أكثر الأشياء ضرورة بالنسبة لي، وجُل ما أسعى إليه. ولكن، من يدري، حالما يأخذ المرء قلمًا ويبدأ بالكتابة؟  ما مدى صعوبة عدم جعل الواقع على هذا النحو أو ذاك، في حين يكون هو، في الأساس، شيء واحد. ربما تكون هذه هي الهبة التي أمتلكها، وهذا ما يميزني عن غيري من البشر. أعتقد أن من النادر امتلاك إحساس ثاقب كهذا، ولكن، من يدري؟ بودي أن أعبر عنه أيضًا.

فيرجينيا وولف – يوميات كاتبة

في الخريف التالي، وبعد ثلاثين يومًا من نشر كتاب (غرفة تخص المرء وحده)، والذي كان بمثابة ترنيمة للعلاقة بين الوحدة والطاقة الإبداعية، تعود (وولف) لذات الموضوع في يومياتها للتفكر في الأساليب الغريبة التي نتبعها في إنكار، أو منح الصلاحية لشعورنا بالوحدة.  

إن الوحدة، في النهاية، ليست سوى قشعريرة داخلية مستقلة تماماً عن  كافة العوامل الخارجية. وغالبًا ما تتفاقم تلك البرودة الداخلية عندما تبدو ظروفنا، التي نغطي بها واقعنا غير المحتمل، مثالية من منظور العالم الخارجي. تكتب (وولف) في هذا الصدد قائلة:

هذه الأيام من شهر (أكتوبر – تشرين الأول) تبدو لي مرهقة و محفوفة بالصمت. ولا أدري ما الذي أعنيه بالكلمة الأخيرة. لأنني لم أتوقف عن التواصل مع البشر .. لا أقصد الصمت بمعناه العام .. بل أعني ذلك الشعور الداخلي بالوحدة. 

فيرجينيا وولف – غرفة تخص المرء وحده

وبالرغم من ذلك، فلا يمكن الفصل بين الصمت الناشئ عن الوحدة، والدافع الإبداعي بالنسبة لـ(وولف). فقبل نصف قرن من مقولة الكاتبة الأمريكية (أدريان ريتش)؛ “إن العنصر المحفز للإبداع غالباً ما ينشأ داخل نفق من الصمت “ تمكنت (فرجينيا) من شرح هذا الشعور شديد الالتباس بمثال حي، حيث قالت:

في ظهيرة اليوم، وبينما كنت أسير في شارع (بيدفورد بليس)، ذاك الشارع المستقيم الذي تحيط به النزل من كلا جانبيه، قلت لنفسي بعفوية شديدة: “كيف أعاني؟ و لا أحد يعلم حجم معاناتي؟” أسير في هذا الطريق منهمكة بألمي. وكما كنت بعد وفاة (ثوبي)* وحيدة، لا زلت أصارع شيئًا ما، وحيدة أيضًا. كنت أقاتل الشيطان، وقتها، لكنني الآن بمفردي. 

فيرجينيا وولف

عندما أعود إلى منزلي، يخيم الصمت على المكان. إذ تهدأ زوبعة الأفكار في رأسي قليلًا. بيد أنني أواصل الكتابة. إنه فصل الخريف. حيث تشتعل الأضواء. وعملي هذا طويل الأمد، لكنني أصبحت أكثر غنى من ذي قبل، إذ قمت بشراء زوج من الأقراط اليوم. وبالرغم من كل هذا، ثمة فراغ وصمت يسود الأجواء. يغطي كل شيء. غير أني لا أبالي كثيرًا بذلك، فكل ما أسعى إليه هو أن انطلق بحيوية من جانب إلى آخر، مدفوعة بما أسميه واقع.  لو أنني لم أشعر بتلك النزعات الاستثنائية الغامرة، من الراحة والتعب، من السعادة و الضيق، لأذعنت مستسلمة. ثمة شيء يستحق أن نحارب من أجله. فكلما استيقظت في الصباح الباكر أقول لنفسي: “فلتقاتلي!” 

[…]

لو كان بوسعي القبض على ذلك الإحساس، لفعلتها؛ ذلك الشعور بترنُّم العالم الحقيقي، بما أن المرء منقاد بالعزلة والصمت عن الانغماس في هذا العالم. كل شيء ممكن. وهذه الحياة الغريبة حقيقية. هل نجحت إحدى العبارات التي قلتها في إيصال المعنى الذي أقصد؟

[…]

[المصدر]

[*] شقيق (فيريجينيا وولف)

آدم كيرش مدافعًا عن الرواية العالمية

آدم كيرش (مواليد 1976) هو صحفي أمريكي، وناقد أدبي.

نشر (آدم كيرش) مقالة بعنوان (دفاعًا عن الروائي العالمي)، في صحيفة (فاينانشال تايمز) في ٧ أبريل ٢٠١٧. وقد قامت الأستاذة (لطفية الدليمي) بترجمتها، ونشرها في كتاب (اكتمال العالم) مع عدة مقالات أخرى.

يقوم (آدم) معرفًا للرواية العالمية:

إن الرواية العالمية هي الثورة الأحدث التي لا محيد عنها في النوع الأدبي الذي لطالما سعى دومًا للتعامل السردي الخلاق مع الطريقة التي نحيا بها اليوم، وإذا ما بلغت الرواية العالمية أفضل مرتقياتها الإبداعية فستكون حينئذ قادرة على الارتقاء بالخيال الخلاق الذي يتطلبه التعامل مع عالم معولم بالغ الاختلاف كالعالم الذي نعيش فيه.

ثم يشرح أفكاره بشكل أكبر، متخذًا من أحد روايات (أورهان باموك) أنموذجًا:

لكن الرواية يمكن أن تكون عالمية في مخيالها السردي حتى لو كان مجالها مقيدًا في حدود بلدة محلية، وهذا هو ما يحصل مع رواية (أورهان باموك) المسماة (ثلج) المنشورة عام 2002 والتي تجري وقائعها خلال بضعة أيام وحسب في بلدة تركية حدودية تدعى (كارس). تروي رواية (ثلج) حكاية شاعر تركي يدعى (كا) عاد للتو من منفاه السياسي في ألمانيا ليستقر في بلدة (كارس) التي انقطعت بها السبل عن العالم الخارجي بعد وصوله بفعل عاصفة ثلجية.

“لا بد من التنويه هنا أن مفردة ثلج بالتركية هي (كار)؛ الأمر الذي لن يخفى على القارئ ويجعله يستشعر منذ البداية أن هذه الرواية هي ملعبة كلمات “كار”، “كا”، “كارس”، وتحيل موضوعة عدم إمكانية الترجمة الحرفية لهذه المفردات الثلاث إلى الملامة الشديدة التي يختص بها (باموك) فكرة الروائي العالمي الذي يعتقد بضرورة تطهير لغته من كل المفردات ذات الدلالات الخصوصية غير القابلة للنقل أو الترحيل إلى ثقافات جديدة.”

يكمل (آدم) بعد ذلك في مقالته:

يحصل في هذه الفترة الفاصلة من حياة البلدة أن يشهد الناس فيها انقلابًا مدبرًا من قِبل جماعة علمانية لا تتورع عن ممارسة قمع دموي تجاه السكان المسلمين، وهذا ما يشير بوضوح بأن هذه الرواية تدور في مدار السياسات المحلية، وبالكاد ستكون ذات مغزى مقبول لكل قارئ غير ملمّ بشيء من المعرفة المسبقة بالمجتمع والتاريخ التركيين؛ لكن برغم ذلك فإن واحدة من الموضوعات الأثيرة في هذه الرواية والتي تشكل مصدرًا من مصادر الكوميديا “الملهاة” فيها هي الطريقة التي يتلهف بها كل من الفرقاء المتصارعين في بلدة (كارس) لسرد حكايته الخاصة عن مجريات الوقائع التي حصلت في البلدة للعالم الخارجي الواسع وبخاصة الغرب منه.

إن هذه الحاجة الملحة للفوز بفهم الغربيين يتم وصفه من قبل (باموك) على أنه جزء مركّب الشعور بالدونية المتأصلة في الروح القومية التركية: “ليس الأوروبيون هم من يسعون للتقليل من شأننا معظم الوقت”، هذا ما يقوله (بلو) وهو قائد إسلامي، ثم يردف: “إن ما يحصل عندما ندقق في سلوك الأوروبيين هو أننا نحن من نقلل من قدرنا ونستصغر شأننا”، وبهذا تتمكن رواية (ثلج) من أن تكون حكاية رمزية بشأن العلاقة بين أوروبا والعالم الإسلامي من جهة، وبين الحداثة والدين من جهة أخرى، وهي الموضوعات الأكثر أهمية وراهنية في اللحظة العالمية السائدة من غير الاضطرار لمغادرة السياق المحلي لوقائع الحكاية.

لوليتا … حلم (نابوكوف) القديم

                                                                                                     

بعد مرور أكثر من ستة عقود على نشر رواية (لوليتا) للكاتب الروسي- الأميركي (فلاديمير نابوكوف) (1977-1889) ما يزال الإهتمام كبيراً بهذه الرواية، حيث تصدر بين حين وآخر طبعات جديدة منها بشتى لغات العالم، وكأن (نابوكوف) لم يكتب 16 رواية أخرى، والعديد من المجاميع القصصية، والدواوين الشعرية، والمسرحيات، والدراسات الأدبية، فقد كان كاتبا وشاعرا غزير الإنتاج.

كتب (نابوكوف) رواية (لوليتا) في اثناء قيامه برحلات الى بعض انحاء الولايات المتحدة الاميركية، خلال العطلات في أواخر الأربعينات، عندما كان استاذا في جامعة هارفارد، يحاضر عن النماذج العالمية في الأدبين الروسي والأميركي.

و(لوليتا) هي الرواية الثانية عشر لـ(نابوكوف)، والثالثة التي يكتبها بالإنجليزية. وكان حتى ذلك الحين، كاتبا معروفا في الأوساط الأدبية الروسية في المهجر، دون أن يحظى باهتمام كبير من جانب دور النشر والصحافة الأدبية الغربية. وكانت أعماله الأدبية محظورة في الإتحاد السوفيتي، شأنه في ذلك شأن كل الكتّاب والشعراء الروس المهاجرين إلى الدول الغربية هربا من النظام البلشفي.

ولم يتوقع (نابوكوف) أبدا، أن (لوليتا) ستحتل صدارة لائحة الروايات العالمية إلى جانب (مدام بوفاري) و(أوليسيس)، (عشيق الليدي تشاترلي)  و(مدار السرطان). وأن الرواية ستجابه فور نشرها بالشجب والإدانة، ثم الحظر، الذي سيؤدي إلى الرغبة المتزايدة في قراءتها وترجمتها إلى اللغات الاخرى وذيوعها في أنحاء العالم.

كانت فكرة الحب المحرم بين رجل في منتص العمر وصبية على مشارف المراهقة، لا تفارق خيال (نابوكوف) لسنوات طويلة، ويعود إليها بين حين وآخر في قصائده ورواياته. تظهر صورة فتاة جذابة جنسيا لأول مرة في قصيدة (نابوكوف) “ليليث”، التي كتبها في برلين عام 1928:

صبية عارية وقفت بالباب فجأة،

مع زنابق نهرية في ضفائرها.

لمعت شقرة ابطها،

وهي تحجب أشعة الشمس بيدها.

رشيقة كامرأة، ونهداها يزهران بلطف،

وتذكرتُ ربيع الوجود الدنيوي.

كما نجد فكرة الرواية في الفصل الثالث من رواية (نابوكوف) المعنونة (الهدية)، والصادرة في عام 1937، ضمن قصة مثيرة يسردها (شيغوليف) أحد ابطال الرواية.

تخيّل القصة التالية؛ كلب قديم، ولكنه لا يزال قويا، متقد العاطفة، ويتلهف للسعادة. يتعرّف على أرملة لديها طفلة، لم تظهر ملامح الأنوثة عليها بعد، لكنها تمشي بطريقة تصيبك بالجنون. شاحبة الوجه، خفيفة الحركة، مع هالات زرقاء تحت عينيها. وهكذا لم يتردد في الزواج من الأرملة. وعاش ثلاثتهم معا. وبطبيعة الحال لم تكن الصبية تعير الرجل أي اهتمام .. ما العمل إذن؟

هنا يمكنك أن تصف إلى ما لا نهاية؛ الإغواء، والتعذيب الأبدي، والحكة، والأمل المجنون، وكل هذا سوء تقدير. الزمن يمر سريعا، وهو يتقدم في العمر، وهي تزداد جمالا. أحيانا تمر بقربه وتلقي عليه نظرة ازدراء. آه! هل تشمّ هنا رائحة مأساة (دوستويفسكي)؟

لم يكن (نابوكوف) يطيق (دوستويفسكي)، وفي كل فرصة سعى إلى وخزه؛ وخاصة بسبب “دموع الطفل” و”الجمال الذي سينقذ العالم”. وفعل ذلك عن طريق كتابة قصة حب لرجل في العقد الرابع من عمره وفتاة حديثة السن.

و في عام 1939 كتب قصة (الساحر)، وهي ذات حبكة مماثلة لحبكة رواية (لوليتا). ولكن الدافع المباشر لكتابة (لوليتا)، كانت أعمال الطبيب الإنجليزي (هنري هافلوك أليس) الذي يعد الرائد المؤسس للـ(سيكسولوجيا)، أو ما يعرف بعلم الجنس، حيث نشر موسوعة من سبعة مجلدات عن هذا العلم. ويتضمن المجلد السادس من الطبعة الفرنسية للموسوعة ملحقا عن اعترافات (فيكتور ايكس)، وهو رجل من نبلاء اوكرانيا يعيش في الغرب، ويتحدث بصراحة عن حياته الجنسية، بما في ذلك مجموعة متنوعة من الممارسات، بضمنها العلاقة الحميمة مع فتيات يافعات.

ومن المعروف أن (نابوكوف) عندما كان منهمكا في كتابة (لوليتا) في عام 1948، طلب من صديقه، الكاتب الأمريكي (إدموند ويلسون)، أن يرسل له كتاب (أليس)، واستجاب (ويلسون) لطلبه، وأرسل إلى (نابوكوف) المجلدات السبعة مع الملحقومن يقارن اعترافات (فيكتور) مع نص رواية (لوليتا) سيكتشف تشابها كبيرا بينهما من حيث الحبكة والمضمون.

بعد الانتهاء من كتابة رواية (لوليتا) انتاب (نابوكوف) إحساس بالرهبة والرعب من أحداثها. وظل فترة من الزمن يفكر في ما ينبغي عمله بصدد الرواية؛ هل يحرق المخطوطة، أم ينشرها بإسم مستعار؟ وبعد تردد طويل، كتب رسالة الى مؤسس دار نشر “نيو دايريكشنس” (جيمس لافلين)، يقول فيها: “هل انت مهتم بالقنبلة الموقوتة التي انتهيت للتو من كتابتها؟”، ولكن الناشر اصيب بصدمة منذ الصفحات الأولى للرواية، ورقض على نحو قاطع نشرها.

كما تم رفض المخطوطة من قبل العديد من دور النشر الأميركية، التي اعتبرت (لوليتا) رواية إباحية. وكما قال صاحب دار نشر “فايكنغ بريس” (باسكال كوفيشي): “فإن نشرها سيؤدي بنا جميعا إلى السجن”. وعندما يئس (نابوكوف) من نشر الرواية في أمريكا، قام بإرسالها إلى دار نشر “أوليمبيا بريس” الفرنسية، التي كانت متخصصة في نشر الكتب الإيروتيكية الخفيفة.

صدر الكتاب في السادس من حزيران عام 1955 في طبعتين منفصلتين؛ الإنجليزية والفرنسية، في آن واحد. أثارت الرواية ضجة كبيرة، وقال (غراهام غرين) في مقابلة صحفية انها أفضل رواية نشرت خلال تلك السنة.

ومع ذلك، سرعان ما تم حظر الرواية في فرنسا ودول عديدة. ووصل الأمر في النمسا إلى حرقها علناً .. ولكن لم يكن ثمة شيء يمكن أن يوقفها عن الانتشار في جميع أنحاء العالم؛ فالثمرة المحرمة حلوة المذاق.

أثار أحد النواب في مجلس العموم البريطاني مسالة حظر الرواية في انجلترا. وعندما كان يتحدث عن هذا الموضوع قال له نائب آخر باستحياء:

أردنا أن نتحدث عن أزمة السويس

رد النائب الأول بغضب:

لا تقاطعني من اجل هذا الهراء!

ولم تنشر الرواية في أميركا، إلّا بعد ثلاث سنوات من نشرها في فرنسا، حيث قامت دار نشر “بوتنام” الأميركية بطباعة ونشر الدفعة الأولى من الرواية بمائة ألف نسخة في 12 حزيران/ يونيو عام 1958، وسرعان ما نفد الكتاب من السوقوفرك الناشر يديه فرحا، ولكن أعضاء المجالس المدرسية والكهنة أصيبوا بالهستريا. وكان العنوان الرئيسي لإحدى المقالات النقدية عن الرواية: “القارة العجوز الفاجرة تفسد أمريكا الشابة النقية”.

احتلت (لوليتا) صدارة الكتب الأكثر مبيعا حتى نهاية عام 1958. وأزاحت جانبا رواية (ذهب مع الريح) التي كانت تتصدر لائحة أكثر الكتب مبيعًا في ذلك الوقت. وظلت (لوليتا) في الصدارة حتى نهاية العام أي لمدة خمس وعشرين أسبوعا.

ومن المفارقات، أنه تم دفع (لوليتا) إلى المركز الثاني، حيث تصدرت رواية (بوريس باسترناك) (دكتور زيفاغو) لائحة الكتب الأكثر رواجا في الولايات المتحدة الأميركية وفي العديد من دول العالم، إثر الضجة العالمية التي أثيرت حول قيام النظام السوفيتي بإرغام (باسترناك) على رفض جائزة نوبل في الآداب لعام 1958.

وبطبيعة الحال كان من العسير ترجمة ونشر الرواية في الإتحاد السوفيتي لسببين:

  • أولهما: أن (نابوكوف) كان هاربا من بلاده ولاجئا في المانيا [1922- 1937]، وفي فرنسا [1937 – 1940] ثمّ في أميركا [1940- 1962] وأخيراً في سويسرا [1962 الى وفاته في عام 1977]
  • وثانيهما: أن النظام السوفيتي كان متزمتا جدا. لم تكن ثمة مشاهد ساخنة في الأفلام، ولا أي وصف صريح للعلاقات الحميمة بين الجنسين في الروايات، فكيف برواية عن العلاقة الحميمة بين رجل أربعيني وفتاة صغيرة في بداية سن المراهقة!

ويبدو ان (نابوكوف) أدرك بنظرته الثاقبة، أن الرواية ستترجم إلى اللغة الروسية يوما ما، وسيتلاعب بها مترجم مطيع حسب تعليمات الرقيب، لذا فقد احتاط للأمر مسبقا، وترجم الرواية بنفسه إلى الروسية في منتصف الستينات، وصدرت عن دار نشر “فيدرا” في نيويورك في عام 1967. ولم تكن النسخة الروسية ترجمة للأصل الأنجليزي، بل صياغة جديدة للرواية، يبلغ حجمها ضعف حجم النص الأنجليزي. ولم تنشر الرواية في الإتحاد السوفيتي إلا في عام 1989. ويكاد يجمع النقاد والباحثون على أن (لوليتا) هي أفضل روايات (نابوكوف) وإحدى الروائع الأدبية في القرن العشرين.

مهما بدت مشاهد حيواتنا مشوشة، ومهما كنا، نحن الذين نعيشها، منهكين، بإمكاننا مواجهة تلك المشاهد والسير حتى النهاية

في إحدى ظهيرات مدينة نيويورك الحارة، كنت أجلس مع صديقة لي كانت زميلتي في الدراسة لسنين عدة في أحد المقاهي. وقد كنت، فيحقيقة الأمر، فتاة لا تخلو من بعض الغرور والسذاجة . ولا تلقي بالاً للشعر على الإطلاق. حتى بدأت صديقتي بقراءة بضعة أبيات للشاعر (إدوارد إستالن كانينجز) في مقهى مانهاتن الصاخب ذاك.

في تلك اللحظة، تغير كل شيء. كانت تلك الأبيات هي الشرارة التي أوقدت لدي شغفاً حقيقاً بالشعر.

وبالرغم من وصف الشاعر الروسي (جوزيف بروسكي) للشعر بأنه أداة لتطوير ذائقتنا الأدبية، كما هو حال الشاعر الأمريكي (جيمس ديكي) الذي وصف، بدوره، الشعر قائلاً:

يتيح الشعر للفرد أعمق أنواع التملك للعالم.

إلا أن ردة فعلي، في يوم الثلاثاء الصيفي ذاك، لم تكن مستغربة على الإطلاق. لأن مجتمعنا يضمر نوعاً من المقاومة الغريبة للشعر. بل وربما الرفض المتعنت لفكرة احتواء الشعر على ما وصفه الشاعر الانكليزي (ويليام ووردزوور) بـ”النَفَس والروح المرهفة لكل المعارف” وهذا ماعرضته الشاعرة الأمريكية (موريل روكيسر) في كتابها المعنون بـ(حياة الشعر) والصادر في عام ١٩٤٩، حيث قالت: 

إنه رفض يتسم بالخوف.

إن كتاب (موريل) هذا يعد استكشافًا رائعاً، وبالغ الحكمة لكل الأشكال والأساليب التي نُبعد بها أنفسنا عن تلك الهِبة المتلثمة بذلك الفنالذي الأساسي، المتغلغلة في الروح ، والملم بالحقيقة، والذي لايمكن الاستغناء عنه. تستهل (روكيسر) كتابها قائلة:

إن الشعر هو الطريقة التي تُشعر البشر بتلاقي ضمائرهم مع العالم. وهو الذي يشعرهم بقيمة معاني مشاعرهم وأفكارهم، وبجدوى علاقاتهم مع بعضهم البعض. هو فرصة للإحساس بعذوبة الأشياء واحتمالاتها المتعددة. فالشعر فن ينهبنا كل هذه الأشياء. لكنه، للأسف، فن منبوذ في مجتمعنا. لقد حاولت جاهدة، في كتابي هذا، تتبع أساليب رفض الشعر. بدءً من كل أنواع الملل، ونفاد الصبر، ناهيك عن إطلاق صفات كالنخبوية، والغموض، والاضطراب، و إثارة الشبهات على الشعر.

فهل ثمة ما هو حقيقي من بين تلك الصفات، وهل يمكن أن يفضي ذلك إلى إفساد إدراك الإنسان؟

يمكننا أن نلاحظ أن آراءً كهذه من شأنها أن تؤدي إلى تقييد ملكة الخيال لدى الشاعر وجمهوره، على حد سواء.

أما في سعيها للوقوف على أسباب الرفض للشعر، تعرض (روكيسر) أوجه الشبه بين الشعر والعلم قائلة:

تتشابه روابط الشعر، إلى حد كبير، بروابط العلم. و لا أقصد بذلك النتائج العلمية، بل أعني نقطة التلاقي بين كافة أنواع الخيالات، والتي يمكن للشعر أن يمنحها لقرائه. في الوقت الذي تتكون فيه السيمفونية، مثلاً، من مجموعة من النوتات الموسيقية، والنهر من عدد هائل من قطرات الماء، لا يمكن للقصيدة أن تكون مجرد الصور والكلمات الواردة فيها. فالشعر يعتمد في وجوده على تلك الروابط المتحركة بداخله. هو فن يعيش في زمنه. يعبّر ويستحضر تلك الروابط المتحركة بين إدراك الفرد والعالم. إن آلية عمل القصيدة تقوم على نقل الطاقة الإنسانية . و أظن أن بمقدوري تعريف طاقة الإنسان بكونها قدرته على الإدراك، وعلى إحداث تغيير في ظروف وجوده.

إن تقبل معاني الشعر من شأنه أن يمهد لاستخدام الشعر كتمرين للاستمتاع بإمكانية التعامل مع المعاني الأخرى في العالم وفي حياة الفرد بطريقة مختلف . من الطريف أن نلاحظ أن كافة الأسباب التي عرضتها (روكيسر) في زمن نشر كتابها عام ١٩٤٩ لا زالت موجودة في زمننا الحالي بشكل أكثر وفرة و إلحاحاً من ذي قبل.

في اللحظة التي نواجه فيها آفاقًا وتضادات أكثر اتساعاً مما سبق، غالباً ما نلجأ لمصادرنا الخاصة التي هي مصدر قوتنا. لننظر، مرةأخرى، لأماني الإنسان ومعتقداته. وتلك المصادر هي التي يمكن لخيالنا، من خلالها، أن يقودنا للتفوق على أنفسنا.

إذا حدث وراودنا شعور بفقدان شيء من تلك الوسائل، فربما يكون سبب ذلك الشعور هو عدم استخدام إحداها، أو ضرورة إيجاد الكثير منها والبدء باستخدامها هي الأخرى.

لطالما قيل أنه يتوجب علينا استخدام طاقاتنا البشرية، و بأن ثقافتنا هي التي تحثنا على استخدام كل مافيها من ابتكارات وحقائق. ولكن، ثمة نوع من أنواع المعرفة الثمينة، المتمردة، والتي تفوق الأوابد الأثرية في قدرتها على تحدي الزمن، والتي يجب أن تتناقلها الأجيال فيما بينها بأية طريقة تكن، ألا وهي الشعر.

تعود (روكيسر) هنا للحديث عن الدور الفردي للشعر، وعلاقته بالعلم وباقي الفنون، لتقول:

ولأن من الصعب أن نوقف هذا الكم الهائل من الأحداث والمعاني التي تحدث كل يوم، آن الأوان لنستذكر شكلاً آخر من أشكال المعرفة والمحبة. هذا الشكل الذي لطالما كان وسيلة لبلوغ أقصى أنواع المشاعر والعلاقات تعقيداً. وهذه الوسيلة تشبه غيرها من العلوم والفنون، بيد أنها تمتاز عنها بقدرتها على تأهيل خيالنا للتعامل مع حيواتنا. وأعني بتلك الوسيلة الشعر.

بعد ذلك، تعرض (روكيسر) تعريفًا لا غنى عنه لطبيعة ومغزى الشعر في وجهة نظر عرضها الفيلسوف والكاتب البريطاني (آلان دي بوتون) بعد ما يقارب النصف قرن من الزمن. يقول (بوتون):

يحمل الفن وعداً بالكمال الداخلي.

وفي هذا الصدد تكمل (روكسير) حديثها قائلة:

إن الشعر، فوق كل شيء، هو مقاربة لحقيقة أحاسيسنا، ولكن، ما هي جدوى تلك الحقيقة؟

مهما بدت مشاهد حيواتنا مربكة أو مشوشة، ومهما كنا، نحن الذين نعيش تلك المشاهد، منهكين، بإمكاننا مواجهتها والسير  لبلوغ الكمال.

تذهب (روكيسر) إلى اعتبار الشعر فناً يحضى بأقل قبول بين غيره من الفنون. وتعزو ذلك الى ارتباكنا الأبدي أمام عواطفنا. فضلًا عن تشبثنا الخاطئ بفكرة فصل العاطفة عن الفكر.

أما فيما يتعلق بأصل رفضنا للشعر، والمتمثل بذلك الخوف الذي يعبر عن خلل نفسي، تقول (روكسير):

إن القصيدة الشعرية ليست دعوة فقط، بل هي ضرورة ملحة. فما الذي تدعو إليه القصيدة؟

يمكن للقصيدة أن تحرك فينا العواطف والأحاسيس، بل وربما تتطلب منا استجابة شاملة، وهذه الاستجابة الشاملة لا نصل إليها إلا عن طريق المشاعر. كما أن القصيدة المكتوبة بعناية غالباً ما تستحوذ على خيال قارئها فكرياً. فعندما تدرك القصيدة فكرياً، هي تسلك طريقها إليك عبر المشاعر أو مايمكننا تسميته بالأحاسيس.

ولفهم ذلك، ينبغي عليك، عزيري القارئ، أن تلقي نظرة على النسخة الأصلية من رواية (الأمير الصغير) للكاتب الفرنسي (أنطون سانت إكزوبيري) والصادرة عام ١٩٤٣، والتي تنتمي للأدب الكلاسيكي للطفل، والمكتوبة بلغة شعرية رقيقة تلامس القلب. إذ يقول كاتبها:

سيشرق الأمير الصغير على الأطفال بذلك النور الطاغي الذي سيلمس فيهم شيئاً آخر سوى عقولهم. حتى يأتي للوقت المناسب ليستوعبوا ما حدث.

وفي العودة إلى أولئك الذين لا زالو يستنكرون الشعر، تمعن (روكيسر) النظر في ما أسمته “جذور التواصل” عبر تعريفها للشعر بما يلي:

ينبع الشهر من أعماق ناظمه، إذ يخيل لقارئ الشعر الحقيقي أن مشاعر الشاعر تخاطب مشاعره.

وبما أننا قد حُرمنا تلك الهبة، ألا وهي الشعر، تعيد الشاعرة (روكيسر) صياغة مقولة الرسام الإسباني (بابلو بيكاسو) الشهيرة ” كل طفل فنان” بطريقتها الخاصة. فهي ترى أن كل طفل هو مشروع شاعر، إذ تقول:

إن ذلك الخوف الذي يجعلنا نرفض الشعر هو خوف متعمق في ذواتنا منذ أواخر مرحلة طفولتنا، إذ لم نكن نمتلك ذلك الخوف من قبل. فالطفل الصغير لايعرف هذا الخوف لأنه يثق بمشاعره. بيد أن الحواجز تُبنى على عتبات مرحلة المراهقة. أما في سن الرشد، فغالباً مايرمي الناس الشعر وراء ظهورهم. ولا أعني بذلك المعنى الحرفي للكلمة، أي كما يتخلص الأطفال من ألعابهم القديمة، بل أقصد تلك القناعة الصادمة بكون الشعر يقع خارج نطاق اهتماماتهم.

ولا عجب أن يقوموا بازدراء الشعر أثناء جلوسهم في المقاهي. وهذا الازدراء متأصل فينا جميعاً. لأننا لم نتعلم حب الشعر في مدارسنا البتة. وهذا ما يجعل (روكيسر) تكرر عبارة الكاتب الأمريكي (ريتشارد بوكيمنستر فولر) بشكل شبه حرفي. لتعرض، مرة أخرى، أوجه الشبه بين العلم والشعر، حيث تقول:

إن ثقافتنا في التعليم ثقافة تخصصية. فهي تعمل على تزويدنا بمعلومات وخبرات في مجال محدد دون غيره من المجالات. وهذه الخبرة تؤهلنا للتعامل مع مشكلات محددة هي الأخرى. إذ تسمح لنا بمواجهة الواقع العاطفي والواقع الرمزي بشكل خجول .

يمكن لعالم مبتدئ، أو كاتب محترف أن يتساءل قائلاً: كيف بمكنني الحكم على جودة قصيدة بعينها؟ بإمكاني الجزم بجودة الأشياء الواقعة في مجال تخصصي، بيد أنني أجد نفسي غير قادر على الجزم بكون قصيدة ما جيدة أم لا.

أما في الرد على تساؤل كهذا، فيمكننا القول بأن من قاموا بطرحه هم أناس يفتقرون الثقة بمشاعرهم ورود أفعالهم.

إن فقدان ثقتنا بمشاعرنا هو نوع من أنواع انعدام الشعور بالأمان. ولن نتمكن من التخلص من شعورنا الداخلي بافتقارنا الى الكمال، إذا لم نكن قادرين على دمج كل العناصر المكونة لشخصياتنا من أجل تحقيق التكامل الذي تشكل ملكة تذوق الشعر جزءاً منه.

إن هذا الجمع بين العناصر التي تتحرك سوياً وفق نظام مرئي أصبح واضحاً في كل العلوم، فلا عجب أن يكون حاضراً في كتاباتنا أيضًا. و أينما وجد، فبمقدوره أن يعطينا نوعاً من الخيال الذي يمكننا من التلاقي مع العالم. كما يعزز قدرتنا على التعامل مع أية وحدة مكونة منعناصر متعددة، تعتمد في وجودها على بعضها البعض.


[المصدر]

كيف تجد صوتك الفني؟ (بين فولدز) يكتبُ عن التعاطف والإبداع وشجاعة أن تعرف نفسك

ما يمكن أن يقدمه الفنان واضح لأي شخص عدا للفنان نفسه.

“أفضل ما يمكن قوله عن حياتي حتى الآن هي أنها كانت حياة كفاح، وأفضل ما يمكن قوله عني هو أنني لم أتظاهر بما لم أكن عليه في الحقيقة” هذا ما كتبته عالمة الفلك (ماريا ميتشل) في مذكراتها في ذروة حياتها المهنية المُجددة فيما كانت تتأمل فن عثور المرء عن غاية حياته.
بعد قرن من الزمان عرض (إي إي كامينجز) نصيحته المدهشة للفنانين الشباب : “ألا تكون أحدًا سوى نفسك في عالم يبذل قصارى جهده ليلًا ونهارًا ليجعلك شخصًا آخر يعني أن تحارب في أصعب معركة يمكن لأي إنسان أن يخوضها”.

هذه بالطبع هي المعركة الدائمة لكل شخص مبدع في أي مجال- وهي ما أسماها (جيمس بالدوين) “صراع الفنان لأجل تحقيق نزاهته” وقد تكررت هذه المعركة مرارًا وتكرارًا على نطاق أجيال وحضارات وخاضها كل مبدع ذو رؤية كـ(سافو) و(شكسبير) إلى (كامينجز) و(بالدوين). إنها معركة لا يمكن كسبها إلا بشجاعة الابتكار بدلًا من إرضاء أذواق الآخرين وذلك لتعزيز رؤية الفرد وحساسيته الفريدة ضد المد المتصاعد للتقاليد وما هو متفق عليه. وهكذا ففي أي مجموعة من الأعمال التي تتميز بالأصالة الحقيقية يرتبط الإبداع بالشجاعة ارتباطًا لا انفصام فيه، حيث يتحول الإبداع دون شجاعة إلى أحلام يقظة غير مثمرة وتتحول الشجاعة دون إبداع إلى غطرسة لا تطاق.

كل ذلك وأكثر هو ما يستكشفه الموسيقي (بين فولدز) في مذكراته الجميلة (حلم حول حشرات مضيئة؛ حياة من الموسيقى ودروسٌ رخيصة)، وهو فنان ذو رؤية تكسر التقاليد وذو شجاعة إبداعية عنيدة ، وتعكس مذكراته روحه الظريفة اللامعة الأصيلة والمتعاطفة  ووعيه الذاتي الرحيم والذي غالبًا ما تصاحبه عبقرية متواضعة تتوارى في الظلال هربًا من التواجد في حالة وهج المسرح القاسية وتسليط الأضواء والاهتمام الذي يتخللها. 

حتى عنوان الكتاب يُوصي بنزع سلاح انتقاص الذات، مما يجعل الكتاب عفويًا وممتعًا للغاية. بالتأكيد الدروس ليست رخيصة بالمعنى الحرفي فهي تعليم مُكلّف نتج عن محنٍ لا تُعد ولا تُحصى وتم تلقّي هذه الدروس وتمريرها بإخلاص لا ادعاء فيه وروح مرحة، هذه الدروس سجل أصيل غير محسن لانتصارات فوضوية للنضج والنزاهة الفنية ، وهي بمثابة توكيد تم اختباره ويبث الحياة في نفس القارئ لكون مثل هذه الانتصارات تنتظر أي شخص موهوب بما فيه الكفاية ومستعد بما يكفي للمخاطرة بالإذلال وانفطار القلب والفقر والكدح الذي لا نهاية له ورفض المؤسسة المتكرر من أجل تحويل رؤية مستبعدة الحدوث إلى شيء يغير المشهد الفني للواقع.

في تقليد الحالمين ذوي الرؤية الذين تلقوا ومرروا للآخرين تجربة رمزية من الطفولة أضاءت طريقهم الإبداعي – مثل (بابلو نيرودا) واليد التي تخللت السياج، و(ألبرت أينشتاين) والبوصلة، و(باتي سميث) والبجعة والشراع الأزرق، يفتتح مثلهم (فولدز) بأول حلم يتذكره والذي حلم به عندما كان في الثالثة من عمره:

كانت أحد أوقات الغسق الرطبة في الجنوب التي عرفتها حين كنت طفلًا. أحد تلك الليالي التي كنت أتطلع فيها إلى أن يبرد الجانب السفلي للوسادة، حتى يمكنني قلبها لأحصل على شيء منعش لأريح رأسي عليه لدقيقة أو نحو ذلك. وصف الرفاق قديمًا هذا الطقس بأنه “قريب”. في حلمي كنت مع مجموعة من الأطفال وكنت ألعب في الفناء الخلفي لمنزل عائلتي في جرينسبورو في جنوب كارولينا.

أضاءت اليراعات أو “الحشرات المضيئة” كما كان يسميها الرفاق القدامى في تتابع مذهل وألقت بريقًا حول الفناء الخلفي. بطريقة ما كنت الشخص الوحيد القادر على رؤية هذه الحشرات المضيئة ولكن إذا أشرت إليها أو ألقيت بها في جرّة فسيتمكن حينها الآخرون من رؤيتها أيضًا، وقد جعلهم هذا سعيدين.

كان هذا واحدًا من تلك الأحلام التي تشبه الأفلام، أتذكر لقطة بانورامية عريضة مظللة لمجموعة أطفال، كانت أشبه بتجربة خارج الجسد فيما كنت أقف خارج اللقطة في الأمام. كان هناك ضحك مبتهج فيما كانت سماء سيينا المحترقة منقطة بحشرات مضيئة لم يستطع أحد رؤيتها حتى أريتهم إياها مشيرًا إليها. وأتذكر لقطة أخرى أقوى لوجوه الأطفال وهي تضيء فيما كنت أسلمهم الجرات المتوهجة باليراعات التي قبضت عليها داخلها. شعرت بحاجتهم إليّ وبأنني موهوب في شيء ما.
صنع الفن في أساسه هو تتبع ما يضيء لك ووضعه في جرة لتتشاركه مع الآخرين.

يتفكر (فولدز) مليا ويقول بأن الفنانين مهووسون بالسعي وراء اللمعان والضوء كما أنهم مفعمون بحيوية الدافع الذي لا يمكن كبته لمشاركة هذا الضوء مع الآخرين- ويدل على ذلك إصرار (آني ديلارد) بأن كرم الروح هو أعظم قوة تبعث الحياة في الفن. يكتب (فولدز):

نريد أن نعطي شكلًا لما نشعر به فيما نسرع خلال اللحظات في اليوم الواحد ، ما كان واضحًا ولكنه ضاع في الصخب. نريد أن نعرف أن شخصًا آخر لاحظ هذا الشكل الذي شككنا أنه كان يحوم فوق محيطنا. ونريد لهذا الشكل ووميض تجربة الحياة المشتركة أن يُحبس في زجاجة، وأن يُشغل على شاشة كبيرة، ويزين حائط غرفة معيشتنا، أو يُغنى لنا عبر مكبر صوت. إنه يذكرنا بأين كنّا وما شعرنا به ومن نحن ولماذا نحن هنا.
نرى جميعًا شيئًا يومض في السماء في وقتٍ ما ولكن يتطلب الأمر الكثير من العمل لوضع الوميض في زجاجة. ربما لهذا السبب يصبح البعض منّا فقط فنانين. لأننا مهووسون ومثاليون ومنضبطون أو طفوليون بما يكفي للخوض في كل ما هو ضروري مكرسين الحياة للبحث عن هذا الوميض المراوغ قبل كل شيء.

يجادل بأن الفنانين ليسوا مخترعين ولكنهم يكشفون عن الحقيقة والجمال فهم أشخاص “يشيرون إلى الأشياء التي كانت موجودة هناك دائمًا، والتي كانت تنّقط السماء دائمًا” جاعلينها مرئية للجميع ليتمتعوا بها. ويضيف:

مهمتي هي أن أرى ما يومض في الظلام وأن أشحذ المهارة المطلوبة لوضعه في جرة ليراه الآخرون. تلك الساعات الطويلة من الممارسة والمقاييس المملة واجتياز الألحان الميتة المخبأة خلف الأعين بحثًا عن تلك التي لا تزال تنبض بالحياة، وكل ذلك الفشل المُحبط طوال الطريق، والنقد الداخلي والآتي من الآخرين وكل الأشياء غير اللامعة التي ترافق إتقان الحرفة.  كل هذا لأجل تلك اللحظة التي ترى فيها جرة تضيء وجه شخص ما.

ولكن بالنسبة إلى (فولدز) الذي ولد لعائلة من الطبقة العاملة في الجنوب حيث كان أكثر شيوعا وقبولًا أن يصبح مقاولًا من أن يصبح ملحنًا، ربما كانت الشرارة الإبداعية ستنطفئ في وقتٍ مبكر لولا والدته. فبعد أن نشأت والدته في دار للأيتام وتميزت بنزعة إبداعية متمردة أصبحت محامية دفاع عن ميول ابنها الابداعية القوية.

وكطفل غير عادي مهووس بالموسيقى وعلم الفلك، شديد التركيز وغير قادر على التكيف مع المقاطعة كان بين الصغير يمضي ثماني ساعات في اليوم مبتهجًا أمام المسجل متأملًا كل نوتة موسيقية. وجدت جدته أن هذا الأمر مثير للقلق الشديد وأرسلته إلى طبيب نفسي للأطفال والذي اعتقد أن بين يمر بتحدٍ في نموه وأوصى بإيقافه لمدة عام أو عامين عن المدرسة. رفضت والدته التشخيص بشكل قاطع مستشعرة موهبة استثنائية لدى طفلها. وبدلًا من ذلك سمحت له بقضاء أيامه مع المسجل وبدأت تقرأ له كل ليلة لسنوات وألحقته بالصف الأول قبل أوانه بعام كامل. يكتب (فولدز) متأملًا الحادثة:

رأت فشلي في اختبار الطبيب كدليل على اتقاد مخيلتي. لقد ذكرتها بنفسها.

جلبت طفولته دروسًا أخرى من الحياة اليومية والتي ستختمر لاحقًا في جوهر أخلاقياته الفنية. تواجد في ثقافة الجنوب المهذبة بعض المتعصبين ذوي المكانة الباعثين على الأسى وكان (فولدز) بالكاد يحتمل الالتقاء بهم. ولكن تلك اللقاءات أصبحت أرضية اختبار للعلامة الأهم للفنان “التعاطف” [لكيلا ننسى لم تدخل كلمة “التعاطف” في المعجم الحديث إلا قبل قرن من الزمن لوصف الفعل التخيلي لإسقاط الذات في عمل فني] وفي الجيل الذي تلى (كارل ساجان) وضع الناس في الاعتبار ما الذي يتطلبه الأمر لتجاوز ثنائية [“نحن” ضد “هم”] وتجسير المسافة بين الإدانة والتعاطف، يكتب (فولدز) موضحًا هذا:

باحترام أكثر الشخصيات وضاعة ككائنات بشرية بمنحهم التعاطف الذي نستطيع تقديمه و وتحميلهم مسؤولية خياراتهم أيضًا. لا يمكنك حقًا إدانة الوحش لكونه وحشًا، إنه يحاول فقط أن يكون أفضل وحش يستطيع أن يكونه. بالتأكيد من الأسهل صنع صورة كاريكاتورية لشخص لا تريد أن ترتبط به ولكن كلما زاد عدد الخطوط التي يمكنك تخطيها  كلما اقتربت من الموضوع وأصبحت كتابتك للأغاني أفضل وأكثر تعقيدًا وفعالية. تعلمت من الأثرياء ماديًا إلى الأثرياء بعقولهم أن ألتقي بالناس كل واحد على حدة.

يتأمل (فولدز) هذا الدرس والذي شكّل فيما بعد عملية كتابته للأغاني:

قف في أكبر عدد ممكن من أحذية الآخرين حتى تلك التي تعتبرها بغيضة ومنفرة حتى لو كان ذلك للحظة واحدة فقط.
إذا كنت ستصبح سائحًا كن سائحًا محترمًا. لاحظ، بلّغ، تخيل وابتكر واستمتع بذلك، ولكن لا تكتب أبدًا عن شخصية أو عن وجهة نظرها لأن الجميع هم الشخص الأكثر أهمية في العالم ،على الأقل بالنسبة لذلك الشخص. ضع نفسك على قاعدة صلبة من الصدق ومعرفة الذات حتى تأتي كتابتك من وجهة نظرك الفريدة. اعلم أين تقف وما هي عيوبك، اعرف نفسك. عندها يمكنك نسج ما تشاء وكتابة كل الحكايات الطويلة التي تريد. إن ذلك فن.

أخيرًا، التعاطف ووجهة النظر هما كل شيء، ولا ينبغي أخذ أي منهما كمسلمات. في النهاية هناك دائمًا شخص ما يعتقد أنك الوحش. تذكر أن الأرض تحت قدميك يمكنها أن تتحرك ويجب أن تخضعها للتساؤل دائمًا.

هذا السؤال حول كيفية تثبيت الذات بحزم على “أساس الصدق ومعرفة الذات” هو أمر أساسي لسعي المرء لإيجاد هدفه الإبداعي وتوجهه، أو ما يسميه (فولدز) “الصوت الفني” ويكتب عنه قائلًا:

ما أقصده بالصوت الفني هو بصمة الإبهام الفنية  أي الأشياء المتفردة التي تجعل الفنان فريدًا. إنه ليس علمًا دقيقًا والعثور عليه هو عملية مؤلمة دائمًا. أعتقد أن الأمر يجب أن يكون متعلقًا بالاقتطاع. إنها ليست مسألة طهي شخصية أو أسلوب بقدر ما هي نزع ما يغطي الجوهر وبما هو موجودٌ من الأساس هناك.

يكتب (فولدز) بما يتماشى مع النظرة الثاقبة لعالم الأعصاب الكبير (أوليفر ساكس) حول دور التقليد الحاسم لتطوير الأصالة: 

في بعض الأحيان الأصالة هي مجرد النصوج والانتهاء من مرحلة التقليد. يمر معظم الفنانين بفترة يشبهون فيها موسيقييهم المفضلين، وبمجرد أن يتعلموا من ذلك سيمكنهم النضوج وتجاوز ذلك. في بعض الأحيان يكون الاقتطاع هو التخلص من فكرة خاطئة حول كيفية أداء الموسيقى في الحقيقة أو كيفية صنع الفن. أيًا كان ما ستقتطعه فإن الصوت الفني الذي ستكتشفه سيكون في الوضع المثالي شيئًا لم تره أو تسمعه من قبل.

يكتب (فولدز) مرددًا صدى (نيتشه) الذي أصر قائلًا “لا أحد يستطيع أن يبني لك الجسر الذي عليك أنت فقط أن تبنيه لتعبر نهر الحياة”:

هذا البحث المستحيل عن الصوت هو في النهاية حول أن تكون نفسك. إنه صدق النفس.  وفي تلك اللحظات التي يظهر فيها الصوت الفني وجهه، سيصعب تخيل ما كان صعبًا جدًا في عملية العثور عليه. ولكن يصعب حقًا الوصول إليه. إضافة إلى التحدي المتمثل في البحث عن شيء لا يوجد لديك مثال سابق عليه.
ما يجب أن يقدمه الفنان واضح بالنسبة لأي شخص سوى الفنان نفسه. ليس من العمق الرهيب أو التجريد القول بأن الطريقة التي نسمع فيها صوتنا الناطق فيما يتردد صداه في جمجمتنا  هي ليست ذات الطريقة التي نسمع فيها أصوات الآخرين. لن نحصل أبدًا على فرصة الالتقاء بأنفسنا كما يلتقي بنا الآخرون. الأمر ذاته ينطبق على الصوت الفني، إنه شيء تشعر به في الظلام.

(حلم حول حشرات مضيئة) هو كتاب ممتع في مجمله، يضيء عناصرًا من حياة (فولدز)، الكرم الغامر لأحد كبار السن من عازفي البيانو الذي اكتشف موهبة نادرة لدى المراهق الوغد، والغباء الحصري لحب الشباب، والولادة المنظورية لأطفاله، وتجربة الاقتراب من الموت والتي تتضمن طائرة وسرقة  وكارثة في الأسنان، جمع دروس ثرية عرضت دون قصد حول حياة الفن وفن الحياة. [الكتاب الصوتي مبهج بالتحديد لأن (فولدز) يرويه بنفسه وهو مزين ببعض المؤثرات الصوتية والمقاطع الموسيقية ويضم مفاجئة ساحرة من قبل (أماندا بالمر)].


[المصدر]