خلاصات هذا القسم

الأرشيف | الإنتاج الفني والسردي

المسرح والموسيقى والأفلام والرسم والأدب والشعر، وجمال ما أنتجه الإنسان

من رحلة أوديسيوس وخلال السرد .. ميديا والنساء في القصة العالمية

(ميديا) .. في حكاية (جيسون)!

أُرسل (جيسون) للحصول على الجُزة الذهبية في كولشيدا في أقصى البحر الأسود، بعد تنحية والده (ايسون) عن الحكم الذي اغتصبه منه أخوه (بلياس). 

تربى (جيسون) على يد خيرون أشهر المعلمين في الملاحم الإغريقية، كبر (جيسون) ليقرر استرداد الحكم المسلوب من والده على يدي عمه (بلياس). كان (بلياس) متوجسا من (جيسون) خيفةً؛ ذلك أن (جيسون) كان مدعوما من الآلهة (هيرا)، فأرسله ليأتي بالجرة طمعاً في هلاكه على يد التنين الحارس. فقبل (جيسون) التحدي، إذ كان أشجع فتيان اليونان.

كان يحرس الجُزة تنين يقتل كل من اقترب منها، تم إرساله لكي يتم قتله على يدي التنين! ركب (جيسون) السفينة أرغو، وأبحر إلى كولشيدا. رأته (ميديا) ينزل من متن السفينة فوقعت في غرامه من فورها على نحو جنوني للغاية، ولم تكن قادرة على رفع عينيها عنه!

تم تكليف (جيسون) بأعمال شاقة وصعبة، وكانت (ميديا) تنقذه دائما من تلك الأعمال. أنقذته من التنين الحارس للجُزة، فلولا (ميديا) لما تمكن (جيسون) من الحصول على الجُزة لاستعادة الحكم!

وقد هيمن عليها حُبّه لدرجة أنها قتلت أخاها قبل أن يقتلهما هي و(جيسون)! وقفت (ميديا) مع (جيسون) ضد أبيها وشعبه، وعندما همّت بالهروب مع (جيسون) دعت أخاها ليهرب معها، وافق أخوها (أبستروس) ورافقها ليتمكن منها، فاستخدمته لتمنع والدها من اللحاق بها، فقتلت أخاها وقطعته وألقت به في البحر قطعة قطعة، فلم يتمكن والدها من تقفي أثرها!

توقفت عن السحر بعد ذلك، رحلت وتزوجت (جيسون)، لكن (جيسون) ما لبث أن سئم منها وتزوج بعدها ابنة الحاكم اليوناني. زواج (جيسون) جعلها تعود إلى السحر! فعادت وقتلت زوجته برداء مسموم أرسلته لها كهدية زفاف. ثم قتلت ابنيها الذين أنجبتهما منه بإلقائهم من سطح القصر، وتنتهي بهذا الذبح أسطورة (ميديا) في (الأوديسة).

قيل قتلت أبناءها انتقاما من أبيهم، وقيل بل قتلتهم رحمة ورأفة بهم.

يذكرني مشهد قتل ميديا لأبنائها بمشهد لبوة تركت وليدها خلفها بعد إصابته بجرح منعه من المشي، تركته خلفها لتتقدم؛ لم تكن لتتقدم خطوة لو توقفت من أجله. هذه هي القوة ألا تترك مكانا للعواطف بالتحكم في مسيرك ومصيرك، أن تتقدم دائما للأمام متجها نحو النصر.

قد يرى البعض هذه قوة، وقد يكون التخلي عن التقدم والنصر هو القوة! هل تكمن القوة في التخلي عن العواطف؟! أو أن الرحمة والعطف منبع القوة الأصلي؟!

لكن ميديا كانت تشعر على نحو دائم أنها على حافة هاوية إن لم تضرب سيتم دفعها للسقوط! لذلك عُرفت عنها مقولتها الشهيرة: “أفضل دفاع هو الهجوم الجيد”. قيل إنها أصبحت زوجة (أخيل) بعد ذلك، وتمت عبادتها في روما كربّة للسحر، وكوسيطة لـ(هيكاتيه)، وجعلوا مركز عبادتها في ثيساليا مركز السحر.

السحر والنسوة في الأدب؛ (ميديا) و(كوركي) أنموذجًا

نلحظ مما سبق تهميش أدوار المرأة في السياقات التاريخية، وفي الأدب العالمي. إن مجرّد افتقار المرأة للحوار في الأدب يعكس جلياً التهميش الحاصل لها.

كما يتم ذكر قوة المرأة غالبا كشرّ! فلنتخيل للحظة لو كانت (ميديا) أو (كيركي) رجالاً! لكانوا أبطالاً شجعانا لا سحرة بكل تأكيد. نقرأ في الأدب عبارات مثل: “كان (جيسون) أشجع فتيان اليونان!” أو: “ضجِر (جيسون) من حماقة (ميديا)! ونقرأ عن (ميديا): “طردها والدها لقتلها أخاها، رغم أنها قتلته إثر وقوعها تحت ضغط هائل من أسرتها، قتلته في محاولة أخيرة للنجاة بنفسها”.. لكنهم أرادوها أن تُضحي ككل النساء.

تعلمت (ميديا) كما (كيركي) أن الناس ولابد سيخطئون عليهن فكان عليهما أن تخطوان الخطوة الأولى كتكنيكٍ دفاعي؛ لذلك عُرفت عبارة ميديا السابقة الذكر “أفضل دفاع هو الهجوم الجيد”. ورغم أن شخصية (كيركي) كانت أكثر تعاطفاً من شخصية (ميديا) إلا أن الاثنتين عوملتا بالمثل: النفي والاتهام بالسحر.

تمتعت (ميديا) بشخصية قوية مستقلة عن مجتمعها، لم تكن مطيعة! لم تكن تابعة؛ بل كانت صاحبة قرار، رفضت أن تتم معاملتها بصفة الابنة أو الزوجة. إن صعوبة تنفيذ المرأة لقراراتها لا يؤدي إلا إلى صعوبة الخيارات التي تتبقى أمامها تحت ظلّ النظام الأبوي الذي تعيش فيه.

إن “للسحر” رمزية تشير إلى كراهية المجتمع لقوة الأنثى. أما رمزية ممارسة السحر للنساء فقد كان يمثل بحثهن عن الأمان والاستقلال في عالمهن الموحش.

أدهشني حقيقة أن أرى نموذج (ميديا) و(كيركي) منذ أقدم العصور، لايزال يتكرر  حتى عصرنا الحاضر. غير أن الاتهام “تطوّر” إلى الجنون والفساد والتمرد والمجون! لم يتغير الكثير في الحقيقة ولاتزال المعركة قائمة.. تُنبذ المرأة القوية ويُطالبون بنفيها بعيدا..

أخذت ابنتي لحضور فيلم (مولان) ٢٠٢٠، لفتت نظري شخصية المرأة المحاربة التي وُهبت طاقة “التشي”، الطاقة التي كانت تعدّ فخرا وشرفا للرجال فقط، أما الفتاة التي تتجرأ على إظهارها فيتم نفيها وإقصاؤها ووصمها بالساحرة بدلا من المحاربة، كالرجل المحارب!

تقول شخصية المرأة المحاربة أو الساحرة التي تم نفيها في الفيلم: “كنت كلما أظهرت قوتي أكثر كلما سحقوني أكثر”!

وتقول (كيركي): “يجعلك الشعور بالوحدة الكبيرة تخلق استقلالاً عظيماً”، وتقول: “أرتقي عندما أذهب إلى الأعشاب، أنا أصنع شيئا.. أُحوّل شيئا.. السحر الخاص بي أقوى من أي وقت مضى.. كم عدد الذين لديهم مثل هذه القوة والترفيه والدفاع مثلي؟!”.

تعتقد (مادلين ميلر) إن الطريقة الوحيدة للتمسك بالسلطة مع أخلاقك كامرأة في وقت واحد لن تكون إلا بالشجاعة! إذا حاولت الاستقلال في هذا العالم فأنت مجبرة على القيام بما قامت به (كيركي) و(ميديا) و(هيدا)، ستضطرين دائما إلى الدفاع عن نفسك ضد الشك، مع أن ذلك سيؤدي في معظم الأحوال إلى خلق المزيد من الشك. أو أن تصبحي مثل ثيا في قصة (هيدا) أو (بينولوبي) زوجة (أوديسوس) المخلصة. 

تجسد “الساحرة” قلق الذكورية بشأن قوة الإناث، إلصاق تهمة “السحر” بالأنثى القوية؛ ليتمكنوا من قول: انظروا ماذا يحدث عندما تُعطى المرأة القوة والاستقلال؟! وغالبا ما تكون الساحرة المشعوذة القبيحة الشريرة مجرد امرأة عزباء حرة ومستقلة! عندما ننظر لـ(كيركي) بتجرد فهي في حقيقة الأمر امرأة حكيمة مستقلة وممرضة وطبيبة، جعلوها ساحرة! لكنهم إذا مرضوا لجأوا إليها بحثا عن العلاج.

يجب أن لا ننسى ذكر ليدي مكبث والساحرات الثلاث ضمن هذا السياق، واللاتي مثلن السحر والشعوذة في انعكاس للمعرفة والقوة والرغبة في السلطة تماما كالرجال!لم تكتفِ المجتمعات باتهام المرأة بالسحر والشعوذة والفساد والمجون والجنون، بل إن الأمر تعدى ذلك إلى التلذذ بإذلال المرأة انتقاما من عزتها وقوتها وصلابتها!

(هيدا جابلر)

عندما أشهر (أوديسوس) سيفه على رقبة (كيركي) في “مشهد بطولي” يملأ أعين الناس فرحاً! ركعت (كيركي) أمامه استجداء عطفه ورحمته، وأهدت نفسها وبيتها له لسنة كاملة، وأرشدته طريق العودة. وكأنه لا يمكن أن تكون هناك قصة مالم تزحف النساء باكية طلباً للرحمة! أما أدوار البطولة والعزة فقد كانت للرجال دوماً.

كانت المرأة تخشى أن تمتعض بشأن أي هضم لحقوقها خوفاً من اتهامها بالاتهامات الباطلة التي يطلقونها جزافاً. صوروا ميديا بصورة الساحرة الشريرة الحاقدة المتهورة اللاعقلانية! مثّلت (ميديا) و(كيركي) المرأة التي لا تقبل التنازل عن حقوقها. تحولت شخصيتاهما عبر الأزمنة من الساحرة القاتلة الشريرة إلى أحد رموز التحرر الأنثوي من النظام الأبوي.

ثم أطلّت علينا شخصية (هيدا جابلر) لـ(هنريك إبستن) في القرن العشرين، (هيدا) من أوائل المطالبات بحقوق المرأة، والتي تم تصويرها من قبل المجتمع على أنها امرأة منحرفة. تعتبر (هيدا) نسخة حديثة من (ميديا)، وهي امرأة أرادت الاستقلال لكنها لم تُعط هذا الحق الأصلي، فكانت ردة الفعل الوحيدة الممكنة هي انعدام الوفاء لأهلها الذين سلبوا منها حقها، لتُتهم تلو ذلك بالشرّ والخيانة ولا غرابة!

كل ردّات فعل هؤلاء النساء حتى الأكثر جموحا لم تكن سوى صرخاتٍ للمطالبة بحقوقهن المسلوبة، لم تكن أكثر من ردودٍ على كل الاتهامات والافتراءات الباطلة. سُلبوا التمكين من التواصل والتعبير، لم يقبلوا حصولهن على صوت؛ خشية من سماعه. يزعجهم ألا تكون المرأة خادمة خاضعة، زوجة وأم فقط في هيكلة ثقافية صنعت مؤسسة الزواج الشبيهة جدا بالعبودية.

إن صورة (هيدا) وهي تمسك بيدها مسدساً أرعبتهم، ترعبهم للغاية فكرة أن تمتلك المرأة القوة! لذلك خلعت (ميديا) الضعف الناتج عن عواطف الحب والذكريات حتى أنها قشعت عنها غريزة الأمومة! كان عليها أن تتجرد لتحكم لتسيطر ففي عالم القوة لا وجود للعاطفة والرحمة.

وهم بالمناسبة يحاربون اللطف بشكل عام، حتى الرجل اللطيف يُحارب! يرون اللطف ضعفاً! فالبقاء للأقوى في معركة البقاء، على الأقل في المجتمعات المتشددة. ليس للألطف كما يرى أصحاب نظرية البقاء للألطف! أو للأجمل رغم أن اختيار الأجمل أمر في غاية القسوة ولا يتعارض مع الأقوى إلا باختلاف الصفة، سحرت معايير الجمال أصحاب هذه النظرية حتى لم يروا مدى قسوتهم!

وفي حقيقة الأمر لا يعدو “الرجل المثالي” بالنسبة لهم أكثر من مجرد خادم متسلط! حتى إن الشريعة الإسلامية تعتبر القوامة تكليفا لا تشريفا! المنظومة بأكملها بكل عناصرها مُجهدة ولم تقم على نحو صحيح، كان “الطفل” ولا زال المستفيد الأول. إن كل هذه الأمور تحدث وتدور حول بناء البيئة الأنسب لتربية الطفل، من أجل استمرار وتطور البشرية.

ربما كان تسلط الذكر على الأنثى هو ما بدأ الذكورية، ربما كذلك كان أول من استدعى كل ذلك امرأة كسولة أو متخاذلة، امرأة كانت أكسل من أن تقوم بأمورها وأمور وليدها، امرأة تدّعي الضعف وعدم القدرة على توفير غذاء طفلها. فيهرع الأب من منبع الأبوة لتوفير احتياجات ابنه! ربما رأوها أخريات وأعجبتهم الخدعة، خدعة كانت أو حالة ضعف فردية!

كُتب الانتشار للخدعة أياً كانت! وكلما استاءت امرأة لا يسُرّها أن تُخدم رغماً عنها ثارت ثائرة بقية النسوة وأقاموا الدنيا عليها خوفاً من انكشاف خدعتهن وزوال مكاسبهن من توفير المعيشة المجاني الذي يقدمه الرجال بكل إخلاص! حتى إن المرأة الكسولة من شدة كسلها أعطت دور المحارب للرجل؛ لينوب عنها، كانت أكثر كسلا من أن تحارب معاركها! أقنعت الرجال أن الشر كل الشر يكمن في استقلال تلك المرأة عن الرجل.

أو ربما.. ربما كان رجلا خدوما بطبعه أراد لشريكته الراحة فأثار إعجاب النساء فقلده بقية الرجال.. ربما.. لن يعلم أحد بشيء على وجه اليقين! ربما لم يكن “الذكر” عدو المرأة، بل كانت قناعة ممكنة الحصول لدى الرجل أو حتى المرأة.

الأنثربولوجيا النسوية، ونظريات تحليل تبعية المرأة

وددت لو أمكنني أن أسترق النظر إلى العصور الأولى للجنس البشري، حتما لن أتفاجأ لو رأيت النساء تصيد! لكان الكسل والتكاسل والرغبة في الاعتماد على الآخرين السببَ الأولَ لظهور الذكورية، التي تطورت وازدادت حدة بمرور الزمن. ولكنت أضفت الكسل إلى أوائل الذنوب جنبا إلى جنب مع الكبر والحسد!

وقد ظهرت الأنثربولوجيا النسوية كحقل فرعي لعلم الأنثروبولوجي، كردة فعل على التحيز الذكوري القائم والظاهر في عملية جمع المعلومات، فقد بُنيت العلوم الاجتماعية تحت أنماط التفكير السائدة في المجتمعات. كنمط التفكير الكنسي على سبيل المثال! مما أدى إلى نتائج كارثية، وفهم ناقص للتجربة الإنسانية!

وقد اعترضن نسويات الأنثروبولوجي على الصبغة الذكورية الظاهرة بحدة في تحليل الآثار، التي ادعت أن القائمين على عمليات الصيد وسنّ الرماح هم من جنس الرجال فقط. بدأت الأنثروبولوجيا النسوية موجتها الأولى بالعمل على تطوير نظريات لتحليل تبعية المرأة، والذي بدا عالمي الحدوث في العديد من الثقافات.

إن عدم وجود نظريات تفسر اضطهاد المرأة على اختلاف أنواعه، جعل تفسير الماركسية للطبقية والقهر الرأسمالي يظهر كتفسير لهذا الاضطهاد. فتبعية النساء في المجتمعات الرأسمالية سواء من حيث دورهن الإنجابي وأعمالهن الأسرية الغير مدفوعة الأجر ناشيء من الاتجاهات التاريخية التي سبقت الرأسمالية نفسها. إذ إن عمل المرأة الأسري بلا أجر أمر داعم لإنتاجية أقوى في الأعمال، مما يؤدي إلى تقليل التكلفة الإنتاجية من أجل تشغيل الاقتصاد الرأسمالي، مما يزيد هوامش الربح للطبقة البرجوازية.

وقد تم عزو بداية اضطهاد المرأة إلى العصر الحجري الحديث عند بداية تملك الرجال للأراضي والقطعان، ورغبتهم في نقل الملكية إلى نسلهم عبر الميراث الأبوي، وتم تحقيق ذلك من خلال الإطاحة بالنسب الأمومي مما أدى إلى الهزيمة التاريخية للجنس الأنثوي.

لكنني أتوقف هنا عن ربط النسب الأمومي بالاضطهاد الحاصل للمرأة؛ لكون الجين المسؤول عن استمرار السلالة البشرية ينتقل عبر الذكور فقط ولا ينتقل عبر الإناث، وإن لم تكن الأجيال السابقة على علم بهذا الأمر. وكان هناك تفسيرات أخرى ذات نهج بنيوي لما تعرضت له المرأة من اضطهاد، بناءا على أن دور الذكر في الإنجاب سمحت للجنس الذكري أو أجبرته على العمل خارج المجال المنزلي الآمن نسبيا.

لكن كلا النموذجين الماركسي والبنيوي يرفضان فكرة أن اضطهاد المرأة كان لسبب فطري أو بيولوجي في الأنثى، بل هي مجرد برمجة مجتمعية للسلوك البشري. فإن ازدواج الشكل الجنسي لدى الإنسان هو سمة بيولوجية للأنواع ولا تُلزم بأي برمجة لسلوك الاضطهاد الحاصل للمرأة.

وتُعتبر الأنثروبولوجيا النسوية أساس ما بعد الحداثة؛ لأنها تشكك في الافتراضات. لطالما كان نموذج الرجل الصياد مسيطرا وداعما لفكرة أن الرجل هو القوة الدافعة للتطور البشري! لكن لم يعد بالإمكان تجاهل الانحياز الثقافي الذكوري في تحليل تاريخ الجنس البشري، وتهميش دور المرأة الضخم في الأنشطة الإنتاجية والإنجابية التي أُسندت لها من قبل الثقافة المجتمعية آنذاك.

ويجعلنا نهج التكوين الثقافي نتساءل: هل تحكم الثقافة البيولوجيا؟! هل كل الرجال سواء؟ وهل كل النساء سواء؟ هل يملك كل الرجال والنساء البنية الجسدية ذاتها؟! بغضّ النظر عن أدوات التكاثر الجنسي!

هكذا ظهرت نظرية كوير كردة فعل ما بعد البنيوي، حيث تتحدى فكرة الفصل بين الجنسين، وتتحدى فكرة أن جنس الإنسان جزءٌ من الذات الأساسية، بل إن الجنس اعتمد بدلا من ذلك على الطبيعة المبنية اجتماعيا للهويات الجنسية المعطاة لها، فالمؤسسات الاجتماعية هي التي صنعت الهياكل الاجتماعية الجنسية المعيارية للبشر.

ونلحظ مدى تأثير البناء الثقافي لكل جنس، وفكرة الثنائيات المتأصلة لدى دوركايم. فالأنثروبولوجيا النسوية تسعى لإظهار النظام الاجتماعي بصورته الديناميكية الحقيقة الواقعية باعتماد الأمر على الفرد بذاته لا على جنسه ذكرا كان أو أنثى. وتم تأسيس هذه النظرية الديناميكية بناءا على فكرة ماركس بأن العلاقات الاجتماعية تتجلى مع الممارسة في الواقع، فالتركيز الآن يجب أن يقع على الهوية لا على الجنس.

وتدرس حاليا الموجة الثالثة من الأنثروبولوجي النسوي الاختلافات بين النساء بعضهن البعض، وليس بين الإناث والذكور كالسابق. فقد أصبحت القوة هي العنصر الحاسم في التحليل الأنثروبولوجي. كل ما علينا الآن فعله كما أشارت ماريان هستر هو أن نكرّم ذكر الساحرات تقديرا وإجلالا للقوة.

فلتحيا الساحرات!

A group of people sitting in front of a building

Description automatically generated

كيركي في (أوديسية) هوميروس .. السحر والساحرات وأوديسيوس

هوميروس

(هوميروس) الشاعر الذي عاصر حرب طروادة في القرن التاسع قبل الميلاد، وكتب شعره الأعظم عنها (الإلياذة) تلتها (الأوديسة).

لم يكن (هوميروس) اسم الشاعر بل كان لقباً للشاعر باللغة الإغريقية القديمة، والذي يعني الأعمى، فقد قيل إنه فقد بصره آخر حياته بعد مشاركته في طراودة. وقيل إن (هوميروس) ليس شخصاً واحداً فقط، بل هو مجموعة من الشعراء، وهو شخصية خيالية لا وجود لها على أرض الواقع، و(هوميروس) هو الاسم الذي يمثّل هذه المجموعة؛ نظراً لاستحالة كون كل هذا العظمة الشعرية والأدبية في رجل واحد فقط! وقال آخرون بل إن (هوميروس) بالفعل شاعر كتب (الإلياذة)، لكنّ شاعراً آخر مجهولاً قد كتب (الأوديسة)؛ نظراً لاختلاف الزمن والأسلوب! ذلك أن (الأوديسة) كُتبت في السبعمائة قبل الميلاد. لكن تم الرد على تغير الأسلوب بأن من الطبيعي أن يتطور الأسلوب مع التقدم في العمر لدى غالب الشُعراء، ولم يتم إثبات تواريخ كتابة القصائد.

وهذه الأقاويل والتكهنات لم تؤثر للحظة على اسم (هوميروس)، فقد لُقّب بالمعلّم الأول في عالم الشعر والأدب.

السحر في عالم (هوميروس)

كان السحر عند (هوميروس) خيالاتٍ لامتلاك القوى .. القوى الخارقة! كان سحر (هوميروس) ألوهية صغرى.. كان القوة في جوهره .. القوة لتغيير العالم! القدرة على التأثير على البشر .. كان شكلا من أشكال السلطة .. كان كذلك شكلا من أشكال التحكم في المصير، وكان دفاعاً عن النفس في قصص أبطال (هوميروس).

لم يفرق (هوميروس) بين السحرة من الجنسين رجالا ونساءً. كان أفراد الأسرة سحرة رجالها ونساؤها دون أدنى تفرقة! كان (آييتس) و(كيركي) الأخ والأخت الشقيقين السحرة الأقوى على الإطلاق. وكانت أختهم (باسيفاي) ساحرة كذلك،

ثم وُلدت ميديا ابنة (آييتس) التي كبرت لتصبح أشهر الساحرات على الإطلاق. 

كان السحر في قصص (هوميروس) مرتبطاً بالحب واللعنات، وكان السحر بالنسبة إليه معرفة وحكمة. كان السحر المعمول باستخدام خلطات الأعشاب والنباتات معرفة خارقة للطبيعة، لم تتواجد المردة والشياطين في عالم سحر (هوميروس)، كان هناك عوالم سفلية من الأموات والأرواح، وكان هناك إراقة للدماء من أجل استدعاء الأرواح.

وكان عالم السحر مرتبطا بالطيور أيضا، حيث ساد الاعتقاد بأن للطيور القدرة على الانتقال بين عوالم الأحياء والموتى، وكانت تأخذ معها الساحر للانتقال من عالم الأحياء إلى عالم الموتى. وكان آييتس يملك قوة إحياء الموتى. وكانت هذه المعارف تعدّ معارف إيجابية وليست شريرة على الإطلاق.

وقد جعل (هوميروس) للسحرة بعض السمات؛ كالعصا في اليد، والتلويح بها في حركة لإلقاء التعاويذ، إضافة إلى العلاقة القوية بين السحرة والحيوانات.

تتواجد القطط دائما حول السحرة، وقد كان لدى (كيركي) قطة تسميها أسدي، بالإضافة لامتلاكها مجموعة كبيرة من الأسود والذئاب. وكان لدى (آييتس) مجموعة كبيرة من التنانين.

عُرفت الساحرات كذلك بالضفائر، في مظهر يوحي بالغرابة والجمال. قيل إن الضفائر آلية لربط وفك العقد لتعاويذ السحر؛ من أجل إطلاق الطاقة السحرية. وقيل بل كانت الجدائل لخشية الساحرات من تعلق خصل شعورهن في أغصان الشجر عند ذهابهن لجمع الأعشاب من أجل عمل السحر.

عُرفت (كيركي) بالضفائر في وصف (هوميروس) لها، فقد كان يقول إن ضفائرها تملك القدرة على الخلق والدمار، وعلى تغيير الأقدار. كانت (كيركي) أول ساحرة في الأدب الغربي. تنافسها في اللقب الساحرة اندور في التوراة لكن وصف “ساحرة” لم يتم إثباته على اندور، وعلى ذلك تتوج (كيركي) كأول ساحرة في الأدب.

(كيركي) .. “الآلهة التي تتحدث كالبشر!

هكذا وصف (هوميروس) (كيركي)؛ ابنة إله الشمس (هيليوس) وحورية البحر (بيرسي). قيل إنها آلهة القمر وأنها ذات أصل بابلي. وقيل إنها آلهة الحب!

عاشت (كيركي) طفولتها وحيدة بين الآلهة، وبعد أن كبرت وقعت في غرام (بيكوس)، الذي سُمي بهذا الاسم لاعتماده على نقار الخشب في العرافة. وقد كان (بيكوس) فارسا ماهرا ووسيما للغاية سعت خلفه الحوريات لجماله. لكنه كان متزوجا من (كانسيس)، لكنّ ذلك لم يمنع (كيركي) من الوقوع في غرامه! إلا أن حبها قُوبل بالرفض والازدراء فما كان من سيدة كـ(كيركي) إلا أن تنتقم أشدّ الانتقام! قامت (كيركي) بتحويل (بيكوس) إلى نقار خشب! وقامت بتحويل رفاقه إلى مجموعة متنوعة من الوحوش. تاهت إثر ذلك زوجة (بيكوس) بجنون في الغابة حتى لقت حتفها على ضفاف نهر التيبر، تاركة خلفها ابنا لها من (بيكوس) يدعى (فاونوس).

تزوجت (كيركي) بعد ذلك أمير كولشيس، وقيل ملك سرماريا. وفور انتهاء شهر العسل تولت (كيركي) السيطرة التامة على عرش مملكة زوجها ثم سممته حتى تستولي استيلاءً كاملاً على الحكم. لكن بمجرد اكتشاف قتلها لزوجها لم يكن أمامها سوى الفرار خياراً. فرّت أو قيل نُفيت من قبل والدها إلى جزيرة آيايا التي تقع وراء الشرق والغرب عند بزوغ الفجر على ساحل إيطاليا..

تم ربط (كيركي) بطيور الموت المعروفة باسم (كيركوس)؛ لأن صرخات هذه الصقور تصدر بصوت: “كيرك كيرك”. وهي صقور تُطوّق فرائسها قبل أن تقتلهم. وكانت (كيركي) تُطوّق فرائسها البشرية داخل منزلها على الجزيرة قبل أن تلقي بتعاويذها السحرية عليهم كذلك.

وقيل من الكلمة اللاتينية سيرك وجذرها “سيرس”، وتعني لعبة جنائزية، وهذا يوافق وصف عرين (كيركي) أو “سيرس| على جزيرتها. ونجد اسم كيركي يُكتب باليونانية بحرف الكي وبالانجليزية بحرف السي، لذلك نجده تارة ينطق كيركي وتارة سيرس!

صقلت (كيركي) مهارتها في حرفة السحر بنفسها على الجزيرة على مدى مائة جيل كما قيل. تقول (كيركي) عن ممارستها للسحر:

كنت أسير في عالم نعسان وبليد وخامل، ثم علمت أنه يمكنني ثني العالم لإرادتي حيث تم ثني القوس للسهم! كنت سأفعل ذلك العمل الشاق ألف مرة للحفاظ على هذه القوة التي في يدي. فكرت هذا ما شعر به زيوس!

ترى (كيركي) العمل كالحب يصنع الحياة، تقول (كيركي) بعد إتقانها السحر: “طوال هذا الوقت كنت حائكا بلا صوف، سفينة بلا بحر”.

رحلة (أوديسوس) إلى إيثاكا

يروي (هوميروس) حكاية (كيركي) الشهيرة و(أوديسوس) في (الأوديسة). كان (أوديسوس) ملك إيثاكا، وكانت (الأوديسة) تركز على رحلة (أوديسوس) البحرية للعودة إلى إيثاكا بعد تروي أو ملحمة طروادة. والتي استغرقت منه عشرة سنوات ضاع فيها هائما في البحر يواجه تحديا تلو الآخر، بسبب غضب إله البحر منه؛ لتهوّر بحارته. حتى ظنت (بينولوبي) زوجة (أوديسوس) أن زوجها قد مات في تروي، وكان عليها رفض العروض الكثيرة التي انهالت عليها بالزواج، خاصة بعد عودة المحاربين من طروادة. وتنتهي (الأوديسة) بعودة (أوديسوس) لزوجته، وانتقامه من كل الرجال الذين حاولوا الوصول إليها.

رست سفينة (أوديسوس) على شاطئ جزيرة آيايا، فأرسل (أوديسوس) ثلاثة وعشرين رجلا من بحارته؛ ليستكشفوا الجزيرة قبل دخوله لها.

صادف رجاله مجموعة متنوعة من الحيوانات البرية، وأثار دهشتهم أن الحيوانات كانت تقترب منهم بطريقة ودية، في محاولة لإلقاء التحية! ورغم كون هذا اللقاء محيرا جدا إلا أن البحارة استمروا في استكشاف الجزيرة، حتى وصلوا لمنتصفها فسمعوا غناءا هادئاً جميلا من بعيد، – شيء ما آسرٌ في الأغاني الهادئة ترغمنا بمحض إرادتنا على استرعاء السمع، تجذبنا تغوينا لملاحقتها بكل انتباه، نحنو لها وكأننا سنلقى السعادة عند الوصول لمصدر الصوت -، ربما لذلك اتبع البحارة الصوت لمعرفة مصدره على الرغم من الغرائب التي شاهدوها، ليتفاجئوا بـ(كيركي) واقفة أمامهم مرحبة بهم! دعتهم (كيركي) إلى منزلها لتقديم الضيافة، وإقامة وليمة على شرفهم. وبمجرد انتهاء البحارة من تناول الطعام حتى شعروا بالخدر، ثم بدأت أجسادهم بالتحول إلى أجساد خنازير. فأخذتهم (كيركي) إلى الحظيرة التي خصصتها لهم. بحّارٌ واحد تمكن من الهرب، فرّ هاربا إلى السفينة ليخبر (أوديسوس) بما حصل لبقية البحارة. واقترح عليه أن يغادر الجزيرة على الفور بلا عودة، لكن (أوديسوس) أبى أن يتخلى عن رجاله ويتركهم لهذا المصير.

ودخل إلى الجزيرة باحثا عنهم من أجل إنقاذهم، فالتقى هناك بـ(هرمس) مبعوث الآلهة؛ ليخبره بكيفية إنقاذ رجاله، وحماية نفسه من كيركي. فلما التقى (أوديسوس) بـ(كيركي) رحبت به بأذرع مفتوحة ظنّا منها أنها وجدت ضحية جديدة من ضحاياها. تظاهر (أوديسوس) بالنوم بعد تناوله الطعام الذي أعدته (كيركي). وجهت (كيركي) عصاها السحرية نحوه ولما ضربته بها تفاجأت به يقفز واقفا موجها سيفه نحو عنقها! تفاجأت (كيركي) واستسلمت فورا راكعة له استجداءً للرحمة.

استجابت (كيركي) لـ(أوديسوس) وأعادت له بحارته، بل إنها قدمت نفسها وبيتها له. طلب منها (أوديسوس) بأن تعيد رجاله أجمل وأطول مما كانوا عليه تعويضا لهم عما أصابهم. لكن (أوديسوس) لما همّ بإعادة رجاله لطبيعتهم كبشر فرّوا منه هربا واختبأوا، وعندما تمكن (أوديسوس) من الإمساك بأحدهم وأعاده لبشريّ، وكان (إلفونروس) تفاجأ بأنه كان أبعد ما يكون عن الشكر والامتنان! بل إنه كان غاضبا حانقا ممتعضا، واشتكى قائلا:

إذاً أعدتني للاشتغال؟! مرة أخرى! أعدتني للتعرض للمضايقة وللتعرض للمخاطر، ولإجبار عقلي وفكري على اتخاذ قرارات جديدة؟! لقد كنت سعيدا جدا بحالي كخنزير، كنت أتمرغ في الوحل طوال اليوم، مستمتعا بأشعة الشمس الدافئة، ألتهم الطعام في أي وقت وبأي كمية. وتخلصت من كل الشكوك وكل الأفكار، لماذا أتيت وأعدتني إلى هذه الحياة البغيضة؟!

يتساءل (باومان) هنا في مقدمة كتاب (الحداثة السائلة): “لماذا أصبحت الحرية لعنة؟!” ويجيب -باعتبار أن الوضع لا يزال مشابها للواقع اليوم-: إننا قد نلقي اللوم على الثقافة الحديثة التي صممت لجعل الناس متعطشين للترفيه، بدلا من الإشباع الفكري. أو أن ننتقد الليبرتارية وارتباط السعادة بمساحة الحرية. ويتفق (باومان) مع (توماس هوبز) و(إميل دوركايم) في التشكيك في فوائد الليبرتارية للحرية.

ونلحظ هنا الفرق الكبير بين الراحة والحرية. الحرية جهد والراحة سكون. غالبا المرتاح لا يُبدع والحرية إبداع! المرتاح ربما يجد متسعا من الوقت ليتعلم أكثر ليطلع أكثر، لكن الضغط وحده من يدفع الإبداع للظهور، أيا كان نوع الضغط، وأيا كان نوع الإبداع. من هنا استحق العظماء عظمتهم؛ لأن للحرية مصاعب وضغوط تحملت عظامهم ثقلها بكل جلادة وصبر حتى تكسرت؛ لتنتج لنا كمية من الإبداع الفكري الرائع!

هل ساعدك الوباء على قراءة الروايات الكلاسيكية الطويلة؟

مبيعات رواية (الحرب والسلم) و(دون كيخوته) و(مدل مارش) تزدهر. قراءة الروايات الطويلة أصبحت أكثر جاذبية أكثر من أي وقت مضى.

ما الذي يفعله الناس لقضاء ساعات فراغهم في المنزل؟ ندفن أنفسنا في روايات طويلة جداً مثل (الحرب والسلم)، و(دون كيخوته)، على ما يبدو. في بداية حظر التجول الأول، طوال طريق العودة في شهر مارس، أُبلغنا أن القراء بدأوا في تخزين الروايات الطويلة والقصص الكلاسيكية. بعد أكثر من سبعة أشهر، أفادت دار النشر راندوم هاوس أن مبيعات نسختها من (الحرب والسلم) – التي تصل إلى ١٤٤٠ صفحة – قد ازدهرت بنسبة ٦٩٪ في المملكة المتحدة حتى الآن هذا العام: وفقاً لشركة نيلسون بوكسكان لمراقبة مبيعات الكتب، فقد تم بيع ٣٧٠٠ نسخة في عام ٢٠١٩ إلى ٦٣٠٠ نسخة في عام ٢٠٢٠ حتى الآن.

كما شهدت دار النشر ارتفاعاً في مبيعات (دون كيخوته) [١٠٥٦ صفحة بزيادة ٥٣٪] و(آنا كارينينا) [٨٦٥ صفحة بزيادة ٥٢٪] و(مدل مارش) [٨٨٠ صفحة بزيادة ٤٠٪] و(الجريمة والعقاب) [٧٢٠ صفحة بزيادة ٣٥%].
يقول (جيس هاريسون)، وهو مدير تحرير بينغوين كلاسيكس:

كنا نتوقع أن نشهد ارتفاعاً كبيراً في القراءات المريحة، مثل روايات الغموض الدافئة أو الروايات الهزلية الخفيفة. وبدلاً من ذلك، يبدو أن القراء قد استلهموا من الإغلاق للتعامل مع الآثار الأدبية العظيمة – الكتب التي ربما كانوا يقصدون دائماً قراءتها، ولكن لم يكن لديهم الوقت من قبل للشروع في ذلك.

يبقى أن نرى ما إذا كان القراء ينتهون من رحلتهم. ولكن هناك بعض قصص النجاح، مثل أكثر من ٣٠٠٠ قارئ شاركوا في Tolstoy Together، وهي مجموعة قراءة لرواية (الحرب والسلم) أشرفت عليها الروائية (ييون لي)، والذي خصص لهم ١٠-١٥ صفحة من القراءة اليومية على مدار ٨٥ يوماً متتالياً.

“لقد وجدت أنه كلما كانت الحياة أكثر غموضاً، كلما زادت الصلابة والبنية التي توفرها روايات (تولستوي)“، تقول (ييون لي“في هذه الأوقات، يريد المرء أن يقرأ مؤلفاً تأثر بشدة بالعالم لدرجة أنه قد يبدو غير متأثر في كتاباته”.

كان هذا بالتأكيد صحيحاً بالنسبة لي. بعد أن دفنت نفسي في الفرح الغامر في (ثلاثية ميرلين) لـ(ماري ستيوارت) [تصل نسختي الشاملة إلى أكثر من ٩٠٠ صفحة] في وقت سابق من هذا الصيف، أقترب حالياً من الانتهاء من إعادة قراءة رواية (كثيب). فقط ٦٠٠ صفحة فردية، تافهة إلى حد ما مقارنة برحلة الروائية (ييون لي) إلى روسيا في القرن التاسع عشر، لكن سيدي، الغرق مرة أخرى في عالم (فرانك هربرت) من الديدان الرملية، والساحرات (ثوبترز) و(بيني جيزيريت)، كان كل ما أحتاجه تماماً. كما أفعل في كل مرة أعيد فيها قراءة (كثيب)، وجدت نفسي أتمتم في سطور مناسبة لنفسي – “الخوف هو الموت الصغير” – وأمارس المشي على الرمال مثل (فريمان) عندما أكون في الملعب مع أطفالي: “يجب أن تحاكي حركتهما أصوات حركة الرمال الطبيعية، وحركة الرياح. لكن عضلاتها اعترضت على نمط السير غير الطبيعي. سحبة… سحبة… خطوة… خطوة… انتظار… سحبة… خطوة.” بعد كل شيء، لا تعرف أبداً متى ستظهر (شاي-هولود) وجهها.

ستؤدي متابعة قراءة (كثيب) مع السلاسل التابعة لها مثل (مسيح الكثبان) و (أطفال الكثبان) إلى رفع عدد صفحاتي إلى مستويات أكثر جدارة بطاقم (الحرب والسلم)، لكنني لست مقتنعاً بعد بأنني سأستمر في الانتقال إلى (فرانك هربرت) (أقل شأناً، في ذاكرتي).

تكملة: أنا بالتأكيد لن أعود إلى تلك الأعمال المكتوبة بعد وفاته. لكن قراءة طويلة أخرى ستغريني بالتأكيد. ما هي كتبك الطويلة المفضلة؟ هل وجدت العزاء في تلك الروايات التي يتطلب حملها بكلتا يديك؟


بقلم: أليسون فلود
ترجمة: سليم الشمري
مراجعة وتحرير: أحمد بادغيش

[المصدر]

في جوهر الفنون والفنان، عند الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر

تبرز أهمية (مارتن هايدغر)، الفيلسوف الألماني، بعدد من كتبه، مثل كتاب (مدخل إلى الميتافيزيقيا) في دراسة وتحليل جوهر الأشياء، بما في ذلك أسئلة الوجود والصيرورة والكينونة والواقع. أو كتابه الآخر (الكينونة والزمان)، والذي يُعد كتابه الرئيسي -كتبه عام 1927- ويُعتبر باتفاق عام بين الباحثين؛ أعظم تحليل للوجود البشري. وقد ظهر في [الفلسفة الوجودية] على امتداد هذه الحركة كلها. ومن الممكن النظر إلى تركيزه في هذا الكتاب على موضوعات مثل: الهم، القلق، والإثم، والتناهي.
في كتابه الصادر عن منشورات الجمل والذي حمل عنوان (أصل العمل الفني) من ترجمة الأستاذ (أبوالعيد دودو)، والذي يقول في مقدمته:

“الصيغة الأولى لهذا البحث تُشكّل محتوى محاضرة، كنت قد ألقيتها في 13 نوفمبر1935 في الجمعية العلمية الفنية في مدينة فبرايبورغ بمنطقة برايسغاو، وأعيد إلقاءها في شهر يناير1936 في زيورخ بدعوة من الجمعية الطلابية في الجامعة.”

يبتدئ بعد ذلك في تعريفه للأصل، فيقول:

“الأصل يعني؛ هنا، من أين، وبماذا يكون هذا الشيء وما هو؟ وكيف هو؟
هذا هو الذي عليه الشيء، وكيف هو، نسميه جوهره. أصل الشيء هو مرجع جوهره، والسؤال عن أصل العمل الفني سؤال عن مرجع جوهره.
والعمل ينبع وفقًا للتصور العادي من نشاط الفنان وعن طريق نشاطه. ولكن عن طريق أي شيء وكيف يستطيع الفنان أن يكون ما هو عليه؟ إنه يكون كذلك عن طريق العمل الفني؛ وإذا كان العمل الفني يُثني على الفنان، فلذلك يعني أن عمله هو الذي يجعل الفنان يبرز بوصفه الفنان.
الفنان هو أصل العمل الفني، والعمل الفني هو أصل الفنان. لا وجود لأحدهما دون الآخر!
على أنه في الوقت نفسه لا يحمل أحدهما الآخر وحده، الفنان والعمل الفني هما دائمًا في ذاتهما، وفي علاقتهما المتبادلة، موجودان عن طريق ثالث.
هو الأول .. أي ذلك الذي اتخذ منه الفنان والعمل الفني اسميهما، وهو طريق الفن.”

ويتحدث في موضع آخر من كتابه، بأن “السؤال عن أصل العمل الفني، يُصبح سؤالًا عن جوهر الفن!”، ثم يقول بعد ذلك في مطلع حديثه عن الفن:

“أما السؤال عن ما هو الفن؟ فينبغي أن يُستمد من العمل الفني. ونحن لا نستطيع أن نعرف ما هو العمل الفني، إلا من جوهر الفن.”

بقلم: علي زين
تحرير: أحلام العمري

سركون بولص، وحديثه عن التحولات الثلاث في فكر نيتشه

سركون بولص (1944 – 2007) شاعر عراقي، قدّم العديد من الدواوين الشعرية، بالإضافة إلى ترجماته للعديد القصائد إلى اللغة العربية لعدد من الشعراء، مثل (تيد هيوز). 

في كتابه (الهاجس الأقوى عن الشعر والحياة)، تطرّق (بولص) إلى “التحولات الثلاث” التي ذكرها الفيلسوف (فريدريك نيتشه) في كتابه الأشهر (هكذا تكلم زرادشت)، وقام بشرحها بشكل لطيف، ضمن مقالة حملت عنوان “ملاحظات على الشعر والتحولات الثلاث”. يقول (بولص):

“هناك مثال يصف علاقة المبدع بالعالم في “التحولات الثلاثة”، وهي أول خطبة يفتتح بها (نيتشه) كتابه (هكذا تكلم زرادشت)، يقول فيها كيف ينبغي للروح أن تصير جَملًا في المرة الأولى، ثم يصبح أسدًا، وفي النهاية يتحول الأسد إلى طفل.”

[سركون بولص] – الهاجس الأقوى عن الشعر والحياة

يبدأ (بولص) في شرح الحالة الأولى، وهي حالة الجَمل، فيقول:

“ويرمز الجمل إلى مهمة القيام بحمل أعباء العالم والمعيشة فيه، بينما يقتات على الشوك والعاقول ليشبع جوعه إلى الحقيقة. إن مشيئة الإنسان الخلّاق، يقول (نيتشه)، ترضخ لضرورة التعلم من الظواهر والوقائع والأشياء بأن تصير جزءًا من مسار العالم، وأن تتفاعل مع قضايا العالم الحديّة، هذه هي الخطوة الأولى.”

[…]

ومن ثم، يبدأ في شرح الحالة الثانية، وهي حالة الأسد، قائلًا:

“لكن الروح، بعد ذلك، تحتاج إلى الاستئساد في صراعها مع العالم لكي تنحر تنين القيم الخارجية، […] بهذا الفعل تتخذ الروح كينونة قادرة على الحرية والخلق من جديد. هذه هي المرحلة التي ينبذ فيها الشاعر جميع الآراء السابقة ليجد منابعه ومراجعه الخاصة.”

[…]

وأخيرًا تكون حالة الطفل، هي ختام التحولات الثلاث. فيقول (بولص):

“وأخيرًا على الأسد أن يصبح طفلًا، لأن الروح الجديدة لن تدخل إلى العالم سوى عن طريق الطفل الذي يملك البراءة والقدرة العفوية على النسيان. وهذه هي لحظة الخلق الأصيل؛ يستدير الشاعر بكامل وجوده إلى لحظة كتابة بعقل البدايات، حرًا من جميع الدوافع الأخرى، ما عدا رغبته في أن يقول ما يريد، كما ينبغي أن يُقال.”

[…]

يعقب على ذلك (بولص)، فيقول عن الفنانين عمومًا، مخصصًا حديثه عن الشعراء منهم:

الشعر بلا رؤيا، لا يمكن أن يحمل أية قيمة جوهرية من حيث كونه شعرًا، وليس لعبة ذهنية أو لفظية. وبالرؤيا، لا أعني هنا شطحة الخيال المغمضة العينين […] ذلك أن رؤيا الشاعر ليست واسطة، ليست جسرًا إلى مدى آخر، بل هدف بحدّ ذاته من حيث أنها تجسيد للعالم بوجهيه، الظاهر والكامن.”

[…]

وربما يصدق على ذلك قوله، في أحد اللقاءات الصحفية، والتي نُشرت في مجلة (السفير) عام 2000م، إذ قال:

طبيعي أن الشاعر الحقيقي يعيش الشعر دائمًا في كل لحظة في حياته.

[…]

فريجينيا وولف؛ عن العلاقة بين العزلة والإبداع

(فيرجينيا وولف)

لو كان بوسعي القبض على ذلك الإحساس، لفعلتها؛ ذلك الشعور بترنُّم العالم الحقيقي، بما أن المرء منقاد بالعزلة والصمت عن الانغماس في هذا العالم.

ثمة نوع من الوحدة التي تفرض نفسها على المرء دون أن تتركه. وأكثرها جلباً للمقت هي التي تغزوك  أثناء وجودك بين رفاقك، وعامة الناس، وليست تلك التي تشعر بها في عزلتك. إن كان للعزلة المقدرة على إثراء خيالك، فإن الوحدة من شأنها أن تفرغه من الحيوية، وتكسو الروح بذلك الضجر من التوق الى التواصل، والتشارك، والنجاة. بالرغم من أن هذا الضجر هو الذي ساهم بولادة أعظم الأعمال الأدبية على مرّ الزمان.

كتبت الصحفية الأمريكية (دوروثي داي) يوماً قائلة: “لقد عشنا، جميعًا، شعور الوحدة الطويلة” بيد أن بعض المبدعين يعرفون هذا الشعور حق المعرفة أكثر من غيرهم من البشر. لكن أحدًا منهم لم يتمكن من الوصول إلى ذلك المستوى من الشفافية المذهلة، والوضوح الرائع الذي وصلت إليه (فرجينيا وولف)  في حديثها عن هذه المعرفة. 

لقد تغلغل شعور الوحدة في  كتابها (يوميات كاتبة) ذلك المصدر الذي لا ينضب لحكمة (وولف) المتعلقة بتلك الأبعاد المتنوعة للوجود، كمفارقات التقدم في العمر، ومرونة الوقت، ومفتاح ديمومة العلاقات الإنسانية، ناهيك عن المنافع الخلاّقة لعادة تدوين اليوميات. إن حالة (وولف)، في واقع الأمر، ليست سوى عملية تحويل لتلك الوحدة التي كانت تشعر بها إلى نوع من الارتباط بتجربة الإنسان الشاملة، والتي أضفت، بدورها، على كتابات (فرجينيا) تلك القوة  الأبدية النافذة. 

في أواخر صيف عام 1928 للميلاد, وقبل شهر واحد من نشر رواية (أورلاندو) التي تمكنت من نسف بعض الصور النمطية وأحدثت ثورة فكرية، وجدت (وولف) نفسها تتصارع، من جديد، مع ثنائية العزلة والإبداع. ففي مقدمة يومياتها التي كتبتها في (منزل مونك)، ذاك المنزل الريفي الذي اشترته وزوجها في مقاطعة “ساسكس” الإنكليزية قبل عقد من الزمن، حيث خطت معظم روائعها الأدبية، تكتب (فرجينيا) ما يلي:

غالباً ما أشعر في هذا المكان أنني دخلت إلى حرم مقدس. إذ تنتابني نزعات من الألم مرة، ومن الرعب مرات أُخر. إنه خوف من الوحدة، ومن رؤية ما يختبئ في آخر النفق.

هذه إحدى التجارب التي مررت بها خلال وجودي هنا في بعض أشهر (أغسطس – آب) لأدرك، عندئذٍ، ما أسميه “واقع” هذا الشيء الذي أراه يلوح أمامي. شيء تجريدي لكنه يسكن في الأرض والسماء. لا شيء يضاهيه في الأهمية، وبه يمكنني أن أستريح وأشعر بكينونتي. هو ما أسميته “واقع” ويخيل لي، أحيانًا، أنه أكثر الأشياء ضرورة بالنسبة لي، وجُل ما أسعى إليه. ولكن، من يدري، حالما يأخذ المرء قلمًا ويبدأ بالكتابة؟  ما مدى صعوبة عدم جعل الواقع على هذا النحو أو ذاك، في حين يكون هو، في الأساس، شيء واحد. ربما تكون هذه هي الهبة التي أمتلكها، وهذا ما يميزني عن غيري من البشر. أعتقد أن من النادر امتلاك إحساس ثاقب كهذا، ولكن، من يدري؟ بودي أن أعبر عنه أيضًا.

فيرجينيا وولف – يوميات كاتبة

في الخريف التالي، وبعد ثلاثين يومًا من نشر كتاب (غرفة تخص المرء وحده)، والذي كان بمثابة ترنيمة للعلاقة بين الوحدة والطاقة الإبداعية، تعود (وولف) لذات الموضوع في يومياتها للتفكر في الأساليب الغريبة التي نتبعها في إنكار، أو منح الصلاحية لشعورنا بالوحدة.  

إن الوحدة، في النهاية، ليست سوى قشعريرة داخلية مستقلة تماماً عن  كافة العوامل الخارجية. وغالبًا ما تتفاقم تلك البرودة الداخلية عندما تبدو ظروفنا، التي نغطي بها واقعنا غير المحتمل، مثالية من منظور العالم الخارجي. تكتب (وولف) في هذا الصدد قائلة:

هذه الأيام من شهر (أكتوبر – تشرين الأول) تبدو لي مرهقة و محفوفة بالصمت. ولا أدري ما الذي أعنيه بالكلمة الأخيرة. لأنني لم أتوقف عن التواصل مع البشر .. لا أقصد الصمت بمعناه العام .. بل أعني ذلك الشعور الداخلي بالوحدة. 

فيرجينيا وولف – غرفة تخص المرء وحده

وبالرغم من ذلك، فلا يمكن الفصل بين الصمت الناشئ عن الوحدة، والدافع الإبداعي بالنسبة لـ(وولف). فقبل نصف قرن من مقولة الكاتبة الأمريكية (أدريان ريتش)؛ “إن العنصر المحفز للإبداع غالباً ما ينشأ داخل نفق من الصمت “ تمكنت (فرجينيا) من شرح هذا الشعور شديد الالتباس بمثال حي، حيث قالت:

في ظهيرة اليوم، وبينما كنت أسير في شارع (بيدفورد بليس)، ذاك الشارع المستقيم الذي تحيط به النزل من كلا جانبيه، قلت لنفسي بعفوية شديدة: “كيف أعاني؟ و لا أحد يعلم حجم معاناتي؟” أسير في هذا الطريق منهمكة بألمي. وكما كنت بعد وفاة (ثوبي)* وحيدة، لا زلت أصارع شيئًا ما، وحيدة أيضًا. كنت أقاتل الشيطان، وقتها، لكنني الآن بمفردي. 

فيرجينيا وولف

عندما أعود إلى منزلي، يخيم الصمت على المكان. إذ تهدأ زوبعة الأفكار في رأسي قليلًا. بيد أنني أواصل الكتابة. إنه فصل الخريف. حيث تشتعل الأضواء. وعملي هذا طويل الأمد، لكنني أصبحت أكثر غنى من ذي قبل، إذ قمت بشراء زوج من الأقراط اليوم. وبالرغم من كل هذا، ثمة فراغ وصمت يسود الأجواء. يغطي كل شيء. غير أني لا أبالي كثيرًا بذلك، فكل ما أسعى إليه هو أن انطلق بحيوية من جانب إلى آخر، مدفوعة بما أسميه واقع.  لو أنني لم أشعر بتلك النزعات الاستثنائية الغامرة، من الراحة والتعب، من السعادة و الضيق، لأذعنت مستسلمة. ثمة شيء يستحق أن نحارب من أجله. فكلما استيقظت في الصباح الباكر أقول لنفسي: “فلتقاتلي!” 

[…]

لو كان بوسعي القبض على ذلك الإحساس، لفعلتها؛ ذلك الشعور بترنُّم العالم الحقيقي، بما أن المرء منقاد بالعزلة والصمت عن الانغماس في هذا العالم. كل شيء ممكن. وهذه الحياة الغريبة حقيقية. هل نجحت إحدى العبارات التي قلتها في إيصال المعنى الذي أقصد؟

[…]

[المصدر]

[*] شقيق (فيريجينيا وولف)

آدم كيرش مدافعًا عن الرواية العالمية

آدم كيرش (مواليد 1976) هو صحفي أمريكي، وناقد أدبي.

نشر (آدم كيرش) مقالة بعنوان (دفاعًا عن الروائي العالمي)، في صحيفة (فاينانشال تايمز) في ٧ أبريل ٢٠١٧. وقد قامت الأستاذة (لطفية الدليمي) بترجمتها، ونشرها في كتاب (اكتمال العالم) مع عدة مقالات أخرى.

يقوم (آدم) معرفًا للرواية العالمية:

إن الرواية العالمية هي الثورة الأحدث التي لا محيد عنها في النوع الأدبي الذي لطالما سعى دومًا للتعامل السردي الخلاق مع الطريقة التي نحيا بها اليوم، وإذا ما بلغت الرواية العالمية أفضل مرتقياتها الإبداعية فستكون حينئذ قادرة على الارتقاء بالخيال الخلاق الذي يتطلبه التعامل مع عالم معولم بالغ الاختلاف كالعالم الذي نعيش فيه.

ثم يشرح أفكاره بشكل أكبر، متخذًا من أحد روايات (أورهان باموك) أنموذجًا:

لكن الرواية يمكن أن تكون عالمية في مخيالها السردي حتى لو كان مجالها مقيدًا في حدود بلدة محلية، وهذا هو ما يحصل مع رواية (أورهان باموك) المسماة (ثلج) المنشورة عام 2002 والتي تجري وقائعها خلال بضعة أيام وحسب في بلدة تركية حدودية تدعى (كارس). تروي رواية (ثلج) حكاية شاعر تركي يدعى (كا) عاد للتو من منفاه السياسي في ألمانيا ليستقر في بلدة (كارس) التي انقطعت بها السبل عن العالم الخارجي بعد وصوله بفعل عاصفة ثلجية.

“لا بد من التنويه هنا أن مفردة ثلج بالتركية هي (كار)؛ الأمر الذي لن يخفى على القارئ ويجعله يستشعر منذ البداية أن هذه الرواية هي ملعبة كلمات “كار”، “كا”، “كارس”، وتحيل موضوعة عدم إمكانية الترجمة الحرفية لهذه المفردات الثلاث إلى الملامة الشديدة التي يختص بها (باموك) فكرة الروائي العالمي الذي يعتقد بضرورة تطهير لغته من كل المفردات ذات الدلالات الخصوصية غير القابلة للنقل أو الترحيل إلى ثقافات جديدة.”

يكمل (آدم) بعد ذلك في مقالته:

يحصل في هذه الفترة الفاصلة من حياة البلدة أن يشهد الناس فيها انقلابًا مدبرًا من قِبل جماعة علمانية لا تتورع عن ممارسة قمع دموي تجاه السكان المسلمين، وهذا ما يشير بوضوح بأن هذه الرواية تدور في مدار السياسات المحلية، وبالكاد ستكون ذات مغزى مقبول لكل قارئ غير ملمّ بشيء من المعرفة المسبقة بالمجتمع والتاريخ التركيين؛ لكن برغم ذلك فإن واحدة من الموضوعات الأثيرة في هذه الرواية والتي تشكل مصدرًا من مصادر الكوميديا “الملهاة” فيها هي الطريقة التي يتلهف بها كل من الفرقاء المتصارعين في بلدة (كارس) لسرد حكايته الخاصة عن مجريات الوقائع التي حصلت في البلدة للعالم الخارجي الواسع وبخاصة الغرب منه.

إن هذه الحاجة الملحة للفوز بفهم الغربيين يتم وصفه من قبل (باموك) على أنه جزء مركّب الشعور بالدونية المتأصلة في الروح القومية التركية: “ليس الأوروبيون هم من يسعون للتقليل من شأننا معظم الوقت”، هذا ما يقوله (بلو) وهو قائد إسلامي، ثم يردف: “إن ما يحصل عندما ندقق في سلوك الأوروبيين هو أننا نحن من نقلل من قدرنا ونستصغر شأننا”، وبهذا تتمكن رواية (ثلج) من أن تكون حكاية رمزية بشأن العلاقة بين أوروبا والعالم الإسلامي من جهة، وبين الحداثة والدين من جهة أخرى، وهي الموضوعات الأكثر أهمية وراهنية في اللحظة العالمية السائدة من غير الاضطرار لمغادرة السياق المحلي لوقائع الحكاية.

تم حظر الرواية في فرنسا ودول عديدة، ووصل الأمر إلى حرقها علناً، ولكن لم يكن ثمة شيء يمكن أن يوقفها عن الانتشار؛ لوليتا .. حلم (نابوكوف) القديم

بعد مرور أكثر من ستة عقود على نشر رواية (لوليتا) للكاتب الروسي- الأميركي (فلاديمير نابوكوف) (1977-1889) ما يزال الإهتمام كبيراً بهذه الرواية، حيث تصدر بين حين وآخر طبعات جديدة منها بشتى لغات العالم، وكأن (نابوكوف) لم يكتب 16 رواية أخرى، والعديد من المجاميع القصصية، والدواوين الشعرية، والمسرحيات، والدراسات الأدبية، فقد كان كاتبا وشاعرا غزير الإنتاج.

كتب (نابوكوف) رواية (لوليتا) في اثناء قيامه برحلات الى بعض انحاء الولايات المتحدة الاميركية، خلال العطلات في أواخر الأربعينات، عندما كان استاذا في جامعة هارفارد، يحاضر عن النماذج العالمية في الأدبين الروسي والأميركي.

و(لوليتا) هي الرواية الثانية عشر لـ(نابوكوف)، والثالثة التي يكتبها بالإنجليزية. وكان حتى ذلك الحين، كاتبا معروفا في الأوساط الأدبية الروسية في المهجر، دون أن يحظى باهتمام كبير من جانب دور النشر والصحافة الأدبية الغربية. وكانت أعماله الأدبية محظورة في الإتحاد السوفيتي، شأنه في ذلك شأن كل الكتّاب والشعراء الروس المهاجرين إلى الدول الغربية هربا من النظام البلشفي.

ولم يتوقع (نابوكوف) أبدا، أن (لوليتا) ستحتل صدارة لائحة الروايات العالمية إلى جانب (مدام بوفاري) و(أوليسيس)، (عشيق الليدي تشاترلي)  و(مدار السرطان). وأن الرواية ستجابه فور نشرها بالشجب والإدانة، ثم الحظر، الذي سيؤدي إلى الرغبة المتزايدة في قراءتها وترجمتها إلى اللغات الاخرى وذيوعها في أنحاء العالم.

كانت فكرة الحب المحرم بين رجل في منتص العمر وصبية على مشارف المراهقة، لا تفارق خيال (نابوكوف) لسنوات طويلة، ويعود إليها بين حين وآخر في قصائده ورواياته. تظهر صورة فتاة جذابة جنسيا لأول مرة في قصيدة (نابوكوف) “ليليث”، التي كتبها في برلين عام 1928:

صبية عارية وقفت بالباب فجأة،

مع زنابق نهرية في ضفائرها.

لمعت شقرة ابطها،

وهي تحجب أشعة الشمس بيدها.

رشيقة كامرأة، ونهداها يزهران بلطف،

وتذكرتُ ربيع الوجود الدنيوي.

كما نجد فكرة الرواية في الفصل الثالث من رواية (نابوكوف) المعنونة (الهدية)، والصادرة في عام 1937، ضمن قصة مثيرة يسردها (شيغوليف) أحد ابطال الرواية.

تخيّل القصة التالية؛ كلب قديم، ولكنه لا يزال قويا، متقد العاطفة، ويتلهف للسعادة. يتعرّف على أرملة لديها طفلة، لم تظهر ملامح الأنوثة عليها بعد، لكنها تمشي بطريقة تصيبك بالجنون. شاحبة الوجه، خفيفة الحركة، مع هالات زرقاء تحت عينيها. وهكذا لم يتردد في الزواج من الأرملة. وعاش ثلاثتهم معا. وبطبيعة الحال لم تكن الصبية تعير الرجل أي اهتمام .. ما العمل إذن؟

هنا يمكنك أن تصف إلى ما لا نهاية؛ الإغواء، والتعذيب الأبدي، والحكة، والأمل المجنون، وكل هذا سوء تقدير. الزمن يمر سريعا، وهو يتقدم في العمر، وهي تزداد جمالا. أحيانا تمر بقربه وتلقي عليه نظرة ازدراء. آه! هل تشمّ هنا رائحة مأساة (دوستويفسكي)؟

لم يكن (نابوكوف) يطيق (دوستويفسكي)، وفي كل فرصة سعى إلى وخزه؛ وخاصة بسبب “دموع الطفل” و”الجمال الذي سينقذ العالم”. وفعل ذلك عن طريق كتابة قصة حب لرجل في العقد الرابع من عمره وفتاة حديثة السن.

و في عام 1939 كتب قصة (الساحر)، وهي ذات حبكة مماثلة لحبكة رواية (لوليتا). ولكن الدافع المباشر لكتابة (لوليتا)، كانت أعمال الطبيب الإنجليزي (هنري هافلوك أليس) الذي يعد الرائد المؤسس للـ(سيكسولوجيا)، أو ما يعرف بعلم الجنس، حيث نشر موسوعة من سبعة مجلدات عن هذا العلم. ويتضمن المجلد السادس من الطبعة الفرنسية للموسوعة ملحقا عن اعترافات (فيكتور ايكس)، وهو رجل من نبلاء اوكرانيا يعيش في الغرب، ويتحدث بصراحة عن حياته الجنسية، بما في ذلك مجموعة متنوعة من الممارسات، بضمنها العلاقة الحميمة مع فتيات يافعات.

ومن المعروف أن (نابوكوف) عندما كان منهمكا في كتابة (لوليتا) في عام 1948، طلب من صديقه، الكاتب الأمريكي (إدموند ويلسون)، أن يرسل له كتاب (أليس)، واستجاب (ويلسون) لطلبه، وأرسل إلى (نابوكوف) المجلدات السبعة مع الملحق. ومن يقارن اعترافات (فيكتور) مع نص رواية (لوليتا) سيكتشف تشابها كبيرا بينهما من حيث الحبكة والمضمون.

بعد الانتهاء من كتابة رواية (لوليتا) انتاب (نابوكوف) إحساس بالرهبة والرعب من أحداثها. وظل فترة من الزمن يفكر في ما ينبغي عمله بصدد الرواية؛ هل يحرق المخطوطة، أم ينشرها بإسم مستعار؟ وبعد تردد طويل، كتب رسالة الى مؤسس دار نشر “نيو دايريكشنس” (جيمس لافلين)، يقول فيها: “هل انت مهتم بالقنبلة الموقوتة التي انتهيت للتو من كتابتها؟”، ولكن الناشر اصيب بصدمة منذ الصفحات الأولى للرواية، ورقض على نحو قاطع نشرها.

كما تم رفض المخطوطة من قبل العديد من دور النشر الأميركية، التي اعتبرت (لوليتا) رواية إباحية. وكما قال صاحب دار نشر “فايكنغ بريس” (باسكال كوفيشي): “فإن نشرها سيؤدي بنا جميعا إلى السجن”. وعندما يئس (نابوكوف) من نشر الرواية في أمريكا، قام بإرسالها إلى دار نشر “أوليمبيا بريس” الفرنسية، التي كانت متخصصة في نشر الكتب الإيروتيكية الخفيفة.

صدر الكتاب في السادس من حزيران عام 1955 في طبعتين منفصلتين؛ الإنجليزية والفرنسية، في آن واحد. أثارت الرواية ضجة كبيرة، وقال (غراهام غرين) في مقابلة صحفية انها أفضل رواية نشرت خلال تلك السنة.

ومع ذلك، سرعان ما تم حظر الرواية في فرنسا ودول عديدة. ووصل الأمر في النمسا إلى حرقها علناً .. ولكن لم يكن ثمة شيء يمكن أن يوقفها عن الانتشار في جميع أنحاء العالم؛ فالثمرة المحرمة حلوة المذاق. أثار أحد النواب في مجلس العموم البريطاني مسالة حظر الرواية في انجلترا. وعندما كان يتحدث عن هذا الموضوع قال له نائب آخر باستحياء:

– أردنا أن نتحدث عن أزمة السويس

رد النائب الأول بغضب:

– لا تقاطعني من اجل هذا الهراء!

ولم تنشر الرواية في أميركا، إلّا بعد ثلاث سنوات من نشرها في فرنسا، حيث قامت دار نشر “بوتنام” الأميركية بطباعة ونشر الدفعة الأولى من الرواية بمائة ألف نسخة في 12 حزيران/ يونيو عام 1958، وسرعان ما نفد الكتاب من السوق. وفرك الناشر يديه فرحا، ولكن أعضاء المجالس المدرسية والكهنة أصيبوا بالهستريا. وكان العنوان الرئيسي لإحدى المقالات النقدية عن الرواية: “القارة العجوز الفاجرة تفسد أمريكا الشابة النقية”.

احتلت (لوليتا) صدارة الكتب الأكثر مبيعا حتى نهاية عام 1958. وأزاحت جانبا رواية (ذهب مع الريح) التي كانت تتصدر لائحة أكثر الكتب مبيعًا في ذلك الوقت. وظلت (لوليتا) في الصدارة حتى نهاية العام أي لمدة خمس وعشرين أسبوعا.

ومن المفارقات، أنه تم دفع (لوليتا) إلى المركز الثاني، حيث تصدرت رواية (بوريس باسترناك) (دكتور زيفاغو) لائحة الكتب الأكثر رواجا في الولايات المتحدة الأميركية وفي العديد من دول العالم، إثر الضجة العالمية التي أثيرت حول قيام النظام السوفيتي بإرغام (باسترناك) على رفض جائزة نوبل في الآداب لعام 1958.

وبطبيعة الحال كان من العسير ترجمة ونشر الرواية في الإتحاد السوفيتي لسببين:

  • أولهما: أن (نابوكوف) كان هاربا من بلاده ولاجئا في المانيا [1922- 1937]، وفي فرنسا [1937 – 1940] ثمّ في أميركا [1940- 1962] وأخيراً في سويسرا [1962 الى وفاته في عام 1977]
  • وثانيهما: أن النظام السوفيتي كان متزمتا جدا. لم تكن ثمة مشاهد ساخنة في الأفلام، ولا أي وصف صريح للعلاقات الحميمة بين الجنسين في الروايات، فكيف برواية عن العلاقة الحميمة بين رجل أربعيني وفتاة صغيرة في بداية سن المراهقة!

ويبدو ان (نابوكوف) أدرك بنظرته الثاقبة، أن الرواية ستترجم إلى اللغة الروسية يوما ما، وسيتلاعب بها مترجم مطيع حسب تعليمات الرقيب، لذا فقد احتاط للأمر مسبقا، وترجم الرواية بنفسه إلى الروسية في منتصف الستينات، وصدرت عن دار نشر “فيدرا” في نيويورك في عام 1967. ولم تكن النسخة الروسية ترجمة للأصل الأنجليزي، بل صياغة جديدة للرواية، يبلغ حجمها ضعف حجم النص الأنجليزي. ولم تنشر الرواية في الإتحاد السوفيتي إلا في عام 1989. ويكاد يجمع النقاد والباحثون على أن (لوليتا) هي أفضل روايات (نابوكوف) وإحدى الروائع الأدبية في القرن العشرين.

مهما بدت مشاهد حيواتنا مشوشة، ومهما كنا، نحن الذين نعيشها، منهكين، بإمكاننا مواجهة تلك المشاهد والسير حتى النهاية

في إحدى ظهيرات مدينة نيويورك الحارة، كنت أجلس مع صديقة لي كانت زميلتي في الدراسة لسنين عدة في أحد المقاهي. وقد كنت، فيحقيقة الأمر، فتاة لا تخلو من بعض الغرور والسذاجة . ولا تلقي بالاً للشعر على الإطلاق. حتى بدأت صديقتي بقراءة بضعة أبيات للشاعر (إدوارد إستالن كانينجز) في مقهى مانهاتن الصاخب ذاك.

في تلك اللحظة، تغير كل شيء. كانت تلك الأبيات هي الشرارة التي أوقدت لدي شغفاً حقيقاً بالشعر.

وبالرغم من وصف الشاعر الروسي (جوزيف بروسكي) للشعر بأنه أداة لتطوير ذائقتنا الأدبية، كما هو حال الشاعر الأمريكي (جيمس ديكي) الذي وصف، بدوره، الشعر قائلاً:

يتيح الشعر للفرد أعمق أنواع التملك للعالم.

إلا أن ردة فعلي، في يوم الثلاثاء الصيفي ذاك، لم تكن مستغربة على الإطلاق. لأن مجتمعنا يضمر نوعاً من المقاومة الغريبة للشعر. بل وربما الرفض المتعنت لفكرة احتواء الشعر على ما وصفه الشاعر الانكليزي (ويليام ووردزوور) بـ”النَفَس والروح المرهفة لكل المعارف” وهذا ماعرضته الشاعرة الأمريكية (موريل روكيسر) في كتابها المعنون بـ(حياة الشعر) والصادر في عام ١٩٤٩، حيث قالت: 

إنه رفض يتسم بالخوف.

إن كتاب (موريل) هذا يعد استكشافًا رائعاً، وبالغ الحكمة لكل الأشكال والأساليب التي نُبعد بها أنفسنا عن تلك الهِبة المتلثمة بذلك الفنالذي الأساسي، المتغلغلة في الروح ، والملم بالحقيقة، والذي لايمكن الاستغناء عنه. تستهل (روكيسر) كتابها قائلة:

إن الشعر هو الطريقة التي تُشعر البشر بتلاقي ضمائرهم مع العالم. وهو الذي يشعرهم بقيمة معاني مشاعرهم وأفكارهم، وبجدوى علاقاتهم مع بعضهم البعض. هو فرصة للإحساس بعذوبة الأشياء واحتمالاتها المتعددة. فالشعر فن ينهبنا كل هذه الأشياء. لكنه، للأسف، فن منبوذ في مجتمعنا. لقد حاولت جاهدة، في كتابي هذا، تتبع أساليب رفض الشعر. بدءً من كل أنواع الملل، ونفاد الصبر، ناهيك عن إطلاق صفات كالنخبوية، والغموض، والاضطراب، و إثارة الشبهات على الشعر.

فهل ثمة ما هو حقيقي من بين تلك الصفات، وهل يمكن أن يفضي ذلك إلى إفساد إدراك الإنسان؟

يمكننا أن نلاحظ أن آراءً كهذه من شأنها أن تؤدي إلى تقييد ملكة الخيال لدى الشاعر وجمهوره، على حد سواء.

أما في سعيها للوقوف على أسباب الرفض للشعر، تعرض (روكيسر) أوجه الشبه بين الشعر والعلم قائلة:

تتشابه روابط الشعر، إلى حد كبير، بروابط العلم. و لا أقصد بذلك النتائج العلمية، بل أعني نقطة التلاقي بين كافة أنواع الخيالات، والتي يمكن للشعر أن يمنحها لقرائه. في الوقت الذي تتكون فيه السيمفونية، مثلاً، من مجموعة من النوتات الموسيقية، والنهر من عدد هائل من قطرات الماء، لا يمكن للقصيدة أن تكون مجرد الصور والكلمات الواردة فيها. فالشعر يعتمد في وجوده على تلك الروابط المتحركة بداخله. هو فن يعيش في زمنه. يعبّر ويستحضر تلك الروابط المتحركة بين إدراك الفرد والعالم. إن آلية عمل القصيدة تقوم على نقل الطاقة الإنسانية . و أظن أن بمقدوري تعريف طاقة الإنسان بكونها قدرته على الإدراك، وعلى إحداث تغيير في ظروف وجوده.

إن تقبل معاني الشعر من شأنه أن يمهد لاستخدام الشعر كتمرين للاستمتاع بإمكانية التعامل مع المعاني الأخرى في العالم وفي حياة الفرد بطريقة مختلف . من الطريف أن نلاحظ أن كافة الأسباب التي عرضتها (روكيسر) في زمن نشر كتابها عام ١٩٤٩ لا زالت موجودة في زمننا الحالي بشكل أكثر وفرة و إلحاحاً من ذي قبل.

في اللحظة التي نواجه فيها آفاقًا وتضادات أكثر اتساعاً مما سبق، غالباً ما نلجأ لمصادرنا الخاصة التي هي مصدر قوتنا. لننظر، مرةأخرى، لأماني الإنسان ومعتقداته. وتلك المصادر هي التي يمكن لخيالنا، من خلالها، أن يقودنا للتفوق على أنفسنا.

إذا حدث وراودنا شعور بفقدان شيء من تلك الوسائل، فربما يكون سبب ذلك الشعور هو عدم استخدام إحداها، أو ضرورة إيجاد الكثير منها والبدء باستخدامها هي الأخرى.

لطالما قيل أنه يتوجب علينا استخدام طاقاتنا البشرية، و بأن ثقافتنا هي التي تحثنا على استخدام كل مافيها من ابتكارات وحقائق. ولكن، ثمة نوع من أنواع المعرفة الثمينة، المتمردة، والتي تفوق الأوابد الأثرية في قدرتها على تحدي الزمن، والتي يجب أن تتناقلها الأجيال فيما بينها بأية طريقة تكن، ألا وهي الشعر.

تعود (روكيسر) هنا للحديث عن الدور الفردي للشعر، وعلاقته بالعلم وباقي الفنون، لتقول:

ولأن من الصعب أن نوقف هذا الكم الهائل من الأحداث والمعاني التي تحدث كل يوم، آن الأوان لنستذكر شكلاً آخر من أشكال المعرفة والمحبة. هذا الشكل الذي لطالما كان وسيلة لبلوغ أقصى أنواع المشاعر والعلاقات تعقيداً. وهذه الوسيلة تشبه غيرها من العلوم والفنون، بيد أنها تمتاز عنها بقدرتها على تأهيل خيالنا للتعامل مع حيواتنا. وأعني بتلك الوسيلة الشعر.

بعد ذلك، تعرض (روكيسر) تعريفًا لا غنى عنه لطبيعة ومغزى الشعر في وجهة نظر عرضها الفيلسوف والكاتب البريطاني (آلان دي بوتون) بعد ما يقارب النصف قرن من الزمن. يقول (بوتون):

يحمل الفن وعداً بالكمال الداخلي.

وفي هذا الصدد تكمل (روكسير) حديثها قائلة:

إن الشعر، فوق كل شيء، هو مقاربة لحقيقة أحاسيسنا، ولكن، ما هي جدوى تلك الحقيقة؟

مهما بدت مشاهد حيواتنا مربكة أو مشوشة، ومهما كنا، نحن الذين نعيش تلك المشاهد، منهكين، بإمكاننا مواجهتها والسير  لبلوغ الكمال.

تذهب (روكيسر) إلى اعتبار الشعر فناً يحضى بأقل قبول بين غيره من الفنون. وتعزو ذلك الى ارتباكنا الأبدي أمام عواطفنا. فضلًا عن تشبثنا الخاطئ بفكرة فصل العاطفة عن الفكر.

أما فيما يتعلق بأصل رفضنا للشعر، والمتمثل بذلك الخوف الذي يعبر عن خلل نفسي، تقول (روكسير):

إن القصيدة الشعرية ليست دعوة فقط، بل هي ضرورة ملحة. فما الذي تدعو إليه القصيدة؟

يمكن للقصيدة أن تحرك فينا العواطف والأحاسيس، بل وربما تتطلب منا استجابة شاملة، وهذه الاستجابة الشاملة لا نصل إليها إلا عن طريق المشاعر. كما أن القصيدة المكتوبة بعناية غالباً ما تستحوذ على خيال قارئها فكرياً. فعندما تدرك القصيدة فكرياً، هي تسلك طريقها إليك عبر المشاعر أو مايمكننا تسميته بالأحاسيس.

ولفهم ذلك، ينبغي عليك، عزيري القارئ، أن تلقي نظرة على النسخة الأصلية من رواية (الأمير الصغير) للكاتب الفرنسي (أنطون سانت إكزوبيري) والصادرة عام ١٩٤٣، والتي تنتمي للأدب الكلاسيكي للطفل، والمكتوبة بلغة شعرية رقيقة تلامس القلب. إذ يقول كاتبها:

سيشرق الأمير الصغير على الأطفال بذلك النور الطاغي الذي سيلمس فيهم شيئاً آخر سوى عقولهم. حتى يأتي للوقت المناسب ليستوعبوا ما حدث.

وفي العودة إلى أولئك الذين لا زالو يستنكرون الشعر، تمعن (روكيسر) النظر في ما أسمته “جذور التواصل” عبر تعريفها للشعر بما يلي:

ينبع الشهر من أعماق ناظمه، إذ يخيل لقارئ الشعر الحقيقي أن مشاعر الشاعر تخاطب مشاعره.

وبما أننا قد حُرمنا تلك الهبة، ألا وهي الشعر، تعيد الشاعرة (روكيسر) صياغة مقولة الرسام الإسباني (بابلو بيكاسو) الشهيرة ” كل طفل فنان” بطريقتها الخاصة. فهي ترى أن كل طفل هو مشروع شاعر، إذ تقول:

إن ذلك الخوف الذي يجعلنا نرفض الشعر هو خوف متعمق في ذواتنا منذ أواخر مرحلة طفولتنا، إذ لم نكن نمتلك ذلك الخوف من قبل. فالطفل الصغير لايعرف هذا الخوف لأنه يثق بمشاعره. بيد أن الحواجز تُبنى على عتبات مرحلة المراهقة. أما في سن الرشد، فغالباً مايرمي الناس الشعر وراء ظهورهم. ولا أعني بذلك المعنى الحرفي للكلمة، أي كما يتخلص الأطفال من ألعابهم القديمة، بل أقصد تلك القناعة الصادمة بكون الشعر يقع خارج نطاق اهتماماتهم.

ولا عجب أن يقوموا بازدراء الشعر أثناء جلوسهم في المقاهي. وهذا الازدراء متأصل فينا جميعاً. لأننا لم نتعلم حب الشعر في مدارسنا البتة. وهذا ما يجعل (روكيسر) تكرر عبارة الكاتب الأمريكي (ريتشارد بوكيمنستر فولر) بشكل شبه حرفي. لتعرض، مرة أخرى، أوجه الشبه بين العلم والشعر، حيث تقول:

إن ثقافتنا في التعليم ثقافة تخصصية. فهي تعمل على تزويدنا بمعلومات وخبرات في مجال محدد دون غيره من المجالات. وهذه الخبرة تؤهلنا للتعامل مع مشكلات محددة هي الأخرى. إذ تسمح لنا بمواجهة الواقع العاطفي والواقع الرمزي بشكل خجول .

يمكن لعالم مبتدئ، أو كاتب محترف أن يتساءل قائلاً: كيف بمكنني الحكم على جودة قصيدة بعينها؟ بإمكاني الجزم بجودة الأشياء الواقعة في مجال تخصصي، بيد أنني أجد نفسي غير قادر على الجزم بكون قصيدة ما جيدة أم لا.

أما في الرد على تساؤل كهذا، فيمكننا القول بأن من قاموا بطرحه هم أناس يفتقرون الثقة بمشاعرهم ورود أفعالهم.

إن فقدان ثقتنا بمشاعرنا هو نوع من أنواع انعدام الشعور بالأمان. ولن نتمكن من التخلص من شعورنا الداخلي بافتقارنا الى الكمال، إذا لم نكن قادرين على دمج كل العناصر المكونة لشخصياتنا من أجل تحقيق التكامل الذي تشكل ملكة تذوق الشعر جزءاً منه.

إن هذا الجمع بين العناصر التي تتحرك سوياً وفق نظام مرئي أصبح واضحاً في كل العلوم، فلا عجب أن يكون حاضراً في كتاباتنا أيضًا. و أينما وجد، فبمقدوره أن يعطينا نوعاً من الخيال الذي يمكننا من التلاقي مع العالم. كما يعزز قدرتنا على التعامل مع أية وحدة مكونة منعناصر متعددة، تعتمد في وجودها على بعضها البعض.


[المصدر]

كيف تجد صوتك الفني؟ (بين فولدز) يكتبُ عن التعاطف والإبداع وشجاعة أن تعرف نفسك

ما يمكن أن يقدمه الفنان واضح لأي شخص عدا للفنان نفسه.

“أفضل ما يمكن قوله عن حياتي حتى الآن هي أنها كانت حياة كفاح، وأفضل ما يمكن قوله عني هو أنني لم أتظاهر بما لم أكن عليه في الحقيقة” هذا ما كتبته عالمة الفلك (ماريا ميتشل) في مذكراتها في ذروة حياتها المهنية المُجددة فيما كانت تتأمل فن عثور المرء عن غاية حياته.
بعد قرن من الزمان عرض (إي إي كامينجز) نصيحته المدهشة للفنانين الشباب : “ألا تكون أحدًا سوى نفسك في عالم يبذل قصارى جهده ليلًا ونهارًا ليجعلك شخصًا آخر يعني أن تحارب في أصعب معركة يمكن لأي إنسان أن يخوضها”.

هذه بالطبع هي المعركة الدائمة لكل شخص مبدع في أي مجال- وهي ما أسماها (جيمس بالدوين) “صراع الفنان لأجل تحقيق نزاهته” وقد تكررت هذه المعركة مرارًا وتكرارًا على نطاق أجيال وحضارات وخاضها كل مبدع ذو رؤية كـ(سافو) و(شكسبير) إلى (كامينجز) و(بالدوين). إنها معركة لا يمكن كسبها إلا بشجاعة الابتكار بدلًا من إرضاء أذواق الآخرين وذلك لتعزيز رؤية الفرد وحساسيته الفريدة ضد المد المتصاعد للتقاليد وما هو متفق عليه. وهكذا ففي أي مجموعة من الأعمال التي تتميز بالأصالة الحقيقية يرتبط الإبداع بالشجاعة ارتباطًا لا انفصام فيه، حيث يتحول الإبداع دون شجاعة إلى أحلام يقظة غير مثمرة وتتحول الشجاعة دون إبداع إلى غطرسة لا تطاق.

كل ذلك وأكثر هو ما يستكشفه الموسيقي (بين فولدز) في مذكراته الجميلة (حلم حول حشرات مضيئة؛ حياة من الموسيقى ودروسٌ رخيصة)، وهو فنان ذو رؤية تكسر التقاليد وذو شجاعة إبداعية عنيدة ، وتعكس مذكراته روحه الظريفة اللامعة الأصيلة والمتعاطفة  ووعيه الذاتي الرحيم والذي غالبًا ما تصاحبه عبقرية متواضعة تتوارى في الظلال هربًا من التواجد في حالة وهج المسرح القاسية وتسليط الأضواء والاهتمام الذي يتخللها. 

حتى عنوان الكتاب يُوصي بنزع سلاح انتقاص الذات، مما يجعل الكتاب عفويًا وممتعًا للغاية. بالتأكيد الدروس ليست رخيصة بالمعنى الحرفي فهي تعليم مُكلّف نتج عن محنٍ لا تُعد ولا تُحصى وتم تلقّي هذه الدروس وتمريرها بإخلاص لا ادعاء فيه وروح مرحة، هذه الدروس سجل أصيل غير محسن لانتصارات فوضوية للنضج والنزاهة الفنية ، وهي بمثابة توكيد تم اختباره ويبث الحياة في نفس القارئ لكون مثل هذه الانتصارات تنتظر أي شخص موهوب بما فيه الكفاية ومستعد بما يكفي للمخاطرة بالإذلال وانفطار القلب والفقر والكدح الذي لا نهاية له ورفض المؤسسة المتكرر من أجل تحويل رؤية مستبعدة الحدوث إلى شيء يغير المشهد الفني للواقع.

في تقليد الحالمين ذوي الرؤية الذين تلقوا ومرروا للآخرين تجربة رمزية من الطفولة أضاءت طريقهم الإبداعي – مثل (بابلو نيرودا) واليد التي تخللت السياج، و(ألبرت أينشتاين) والبوصلة، و(باتي سميث) والبجعة والشراع الأزرق، يفتتح مثلهم (فولدز) بأول حلم يتذكره والذي حلم به عندما كان في الثالثة من عمره:

كانت أحد أوقات الغسق الرطبة في الجنوب التي عرفتها حين كنت طفلًا. أحد تلك الليالي التي كنت أتطلع فيها إلى أن يبرد الجانب السفلي للوسادة، حتى يمكنني قلبها لأحصل على شيء منعش لأريح رأسي عليه لدقيقة أو نحو ذلك. وصف الرفاق قديمًا هذا الطقس بأنه “قريب”. في حلمي كنت مع مجموعة من الأطفال وكنت ألعب في الفناء الخلفي لمنزل عائلتي في جرينسبورو في جنوب كارولينا.

أضاءت اليراعات أو “الحشرات المضيئة” كما كان يسميها الرفاق القدامى في تتابع مذهل وألقت بريقًا حول الفناء الخلفي. بطريقة ما كنت الشخص الوحيد القادر على رؤية هذه الحشرات المضيئة ولكن إذا أشرت إليها أو ألقيت بها في جرّة فسيتمكن حينها الآخرون من رؤيتها أيضًا، وقد جعلهم هذا سعيدين.

كان هذا واحدًا من تلك الأحلام التي تشبه الأفلام، أتذكر لقطة بانورامية عريضة مظللة لمجموعة أطفال، كانت أشبه بتجربة خارج الجسد فيما كنت أقف خارج اللقطة في الأمام. كان هناك ضحك مبتهج فيما كانت سماء سيينا المحترقة منقطة بحشرات مضيئة لم يستطع أحد رؤيتها حتى أريتهم إياها مشيرًا إليها. وأتذكر لقطة أخرى أقوى لوجوه الأطفال وهي تضيء فيما كنت أسلمهم الجرات المتوهجة باليراعات التي قبضت عليها داخلها. شعرت بحاجتهم إليّ وبأنني موهوب في شيء ما.
صنع الفن في أساسه هو تتبع ما يضيء لك ووضعه في جرة لتتشاركه مع الآخرين.

يتفكر (فولدز) مليا ويقول بأن الفنانين مهووسون بالسعي وراء اللمعان والضوء كما أنهم مفعمون بحيوية الدافع الذي لا يمكن كبته لمشاركة هذا الضوء مع الآخرين- ويدل على ذلك إصرار (آني ديلارد) بأن كرم الروح هو أعظم قوة تبعث الحياة في الفن. يكتب (فولدز):

نريد أن نعطي شكلًا لما نشعر به فيما نسرع خلال اللحظات في اليوم الواحد ، ما كان واضحًا ولكنه ضاع في الصخب. نريد أن نعرف أن شخصًا آخر لاحظ هذا الشكل الذي شككنا أنه كان يحوم فوق محيطنا. ونريد لهذا الشكل ووميض تجربة الحياة المشتركة أن يُحبس في زجاجة، وأن يُشغل على شاشة كبيرة، ويزين حائط غرفة معيشتنا، أو يُغنى لنا عبر مكبر صوت. إنه يذكرنا بأين كنّا وما شعرنا به ومن نحن ولماذا نحن هنا.
نرى جميعًا شيئًا يومض في السماء في وقتٍ ما ولكن يتطلب الأمر الكثير من العمل لوضع الوميض في زجاجة. ربما لهذا السبب يصبح البعض منّا فقط فنانين. لأننا مهووسون ومثاليون ومنضبطون أو طفوليون بما يكفي للخوض في كل ما هو ضروري مكرسين الحياة للبحث عن هذا الوميض المراوغ قبل كل شيء.

يجادل بأن الفنانين ليسوا مخترعين ولكنهم يكشفون عن الحقيقة والجمال فهم أشخاص “يشيرون إلى الأشياء التي كانت موجودة هناك دائمًا، والتي كانت تنّقط السماء دائمًا” جاعلينها مرئية للجميع ليتمتعوا بها. ويضيف:

مهمتي هي أن أرى ما يومض في الظلام وأن أشحذ المهارة المطلوبة لوضعه في جرة ليراه الآخرون. تلك الساعات الطويلة من الممارسة والمقاييس المملة واجتياز الألحان الميتة المخبأة خلف الأعين بحثًا عن تلك التي لا تزال تنبض بالحياة، وكل ذلك الفشل المُحبط طوال الطريق، والنقد الداخلي والآتي من الآخرين وكل الأشياء غير اللامعة التي ترافق إتقان الحرفة.  كل هذا لأجل تلك اللحظة التي ترى فيها جرة تضيء وجه شخص ما.

ولكن بالنسبة إلى (فولدز) الذي ولد لعائلة من الطبقة العاملة في الجنوب حيث كان أكثر شيوعا وقبولًا أن يصبح مقاولًا من أن يصبح ملحنًا، ربما كانت الشرارة الإبداعية ستنطفئ في وقتٍ مبكر لولا والدته. فبعد أن نشأت والدته في دار للأيتام وتميزت بنزعة إبداعية متمردة أصبحت محامية دفاع عن ميول ابنها الابداعية القوية.

وكطفل غير عادي مهووس بالموسيقى وعلم الفلك، شديد التركيز وغير قادر على التكيف مع المقاطعة كان بين الصغير يمضي ثماني ساعات في اليوم مبتهجًا أمام المسجل متأملًا كل نوتة موسيقية. وجدت جدته أن هذا الأمر مثير للقلق الشديد وأرسلته إلى طبيب نفسي للأطفال والذي اعتقد أن بين يمر بتحدٍ في نموه وأوصى بإيقافه لمدة عام أو عامين عن المدرسة. رفضت والدته التشخيص بشكل قاطع مستشعرة موهبة استثنائية لدى طفلها. وبدلًا من ذلك سمحت له بقضاء أيامه مع المسجل وبدأت تقرأ له كل ليلة لسنوات وألحقته بالصف الأول قبل أوانه بعام كامل. يكتب (فولدز) متأملًا الحادثة:

رأت فشلي في اختبار الطبيب كدليل على اتقاد مخيلتي. لقد ذكرتها بنفسها.

جلبت طفولته دروسًا أخرى من الحياة اليومية والتي ستختمر لاحقًا في جوهر أخلاقياته الفنية. تواجد في ثقافة الجنوب المهذبة بعض المتعصبين ذوي المكانة الباعثين على الأسى وكان (فولدز) بالكاد يحتمل الالتقاء بهم. ولكن تلك اللقاءات أصبحت أرضية اختبار للعلامة الأهم للفنان “التعاطف” [لكيلا ننسى لم تدخل كلمة “التعاطف” في المعجم الحديث إلا قبل قرن من الزمن لوصف الفعل التخيلي لإسقاط الذات في عمل فني] وفي الجيل الذي تلى (كارل ساجان) وضع الناس في الاعتبار ما الذي يتطلبه الأمر لتجاوز ثنائية [“نحن” ضد “هم”] وتجسير المسافة بين الإدانة والتعاطف، يكتب (فولدز) موضحًا هذا:

باحترام أكثر الشخصيات وضاعة ككائنات بشرية بمنحهم التعاطف الذي نستطيع تقديمه و وتحميلهم مسؤولية خياراتهم أيضًا. لا يمكنك حقًا إدانة الوحش لكونه وحشًا، إنه يحاول فقط أن يكون أفضل وحش يستطيع أن يكونه. بالتأكيد من الأسهل صنع صورة كاريكاتورية لشخص لا تريد أن ترتبط به ولكن كلما زاد عدد الخطوط التي يمكنك تخطيها  كلما اقتربت من الموضوع وأصبحت كتابتك للأغاني أفضل وأكثر تعقيدًا وفعالية. تعلمت من الأثرياء ماديًا إلى الأثرياء بعقولهم أن ألتقي بالناس كل واحد على حدة.

يتأمل (فولدز) هذا الدرس والذي شكّل فيما بعد عملية كتابته للأغاني:

قف في أكبر عدد ممكن من أحذية الآخرين حتى تلك التي تعتبرها بغيضة ومنفرة حتى لو كان ذلك للحظة واحدة فقط.
إذا كنت ستصبح سائحًا كن سائحًا محترمًا. لاحظ، بلّغ، تخيل وابتكر واستمتع بذلك، ولكن لا تكتب أبدًا عن شخصية أو عن وجهة نظرها لأن الجميع هم الشخص الأكثر أهمية في العالم ،على الأقل بالنسبة لذلك الشخص. ضع نفسك على قاعدة صلبة من الصدق ومعرفة الذات حتى تأتي كتابتك من وجهة نظرك الفريدة. اعلم أين تقف وما هي عيوبك، اعرف نفسك. عندها يمكنك نسج ما تشاء وكتابة كل الحكايات الطويلة التي تريد. إن ذلك فن.

أخيرًا، التعاطف ووجهة النظر هما كل شيء، ولا ينبغي أخذ أي منهما كمسلمات. في النهاية هناك دائمًا شخص ما يعتقد أنك الوحش. تذكر أن الأرض تحت قدميك يمكنها أن تتحرك ويجب أن تخضعها للتساؤل دائمًا.

هذا السؤال حول كيفية تثبيت الذات بحزم على “أساس الصدق ومعرفة الذات” هو أمر أساسي لسعي المرء لإيجاد هدفه الإبداعي وتوجهه، أو ما يسميه (فولدز) “الصوت الفني” ويكتب عنه قائلًا:

ما أقصده بالصوت الفني هو بصمة الإبهام الفنية  أي الأشياء المتفردة التي تجعل الفنان فريدًا. إنه ليس علمًا دقيقًا والعثور عليه هو عملية مؤلمة دائمًا. أعتقد أن الأمر يجب أن يكون متعلقًا بالاقتطاع. إنها ليست مسألة طهي شخصية أو أسلوب بقدر ما هي نزع ما يغطي الجوهر وبما هو موجودٌ من الأساس هناك.

يكتب (فولدز) بما يتماشى مع النظرة الثاقبة لعالم الأعصاب الكبير (أوليفر ساكس) حول دور التقليد الحاسم لتطوير الأصالة: 

في بعض الأحيان الأصالة هي مجرد النصوج والانتهاء من مرحلة التقليد. يمر معظم الفنانين بفترة يشبهون فيها موسيقييهم المفضلين، وبمجرد أن يتعلموا من ذلك سيمكنهم النضوج وتجاوز ذلك. في بعض الأحيان يكون الاقتطاع هو التخلص من فكرة خاطئة حول كيفية أداء الموسيقى في الحقيقة أو كيفية صنع الفن. أيًا كان ما ستقتطعه فإن الصوت الفني الذي ستكتشفه سيكون في الوضع المثالي شيئًا لم تره أو تسمعه من قبل.

يكتب (فولدز) مرددًا صدى (نيتشه) الذي أصر قائلًا “لا أحد يستطيع أن يبني لك الجسر الذي عليك أنت فقط أن تبنيه لتعبر نهر الحياة”:

هذا البحث المستحيل عن الصوت هو في النهاية حول أن تكون نفسك. إنه صدق النفس.  وفي تلك اللحظات التي يظهر فيها الصوت الفني وجهه، سيصعب تخيل ما كان صعبًا جدًا في عملية العثور عليه. ولكن يصعب حقًا الوصول إليه. إضافة إلى التحدي المتمثل في البحث عن شيء لا يوجد لديك مثال سابق عليه.
ما يجب أن يقدمه الفنان واضح بالنسبة لأي شخص سوى الفنان نفسه. ليس من العمق الرهيب أو التجريد القول بأن الطريقة التي نسمع فيها صوتنا الناطق فيما يتردد صداه في جمجمتنا  هي ليست ذات الطريقة التي نسمع فيها أصوات الآخرين. لن نحصل أبدًا على فرصة الالتقاء بأنفسنا كما يلتقي بنا الآخرون. الأمر ذاته ينطبق على الصوت الفني، إنه شيء تشعر به في الظلام.

(حلم حول حشرات مضيئة) هو كتاب ممتع في مجمله، يضيء عناصرًا من حياة (فولدز)، الكرم الغامر لأحد كبار السن من عازفي البيانو الذي اكتشف موهبة نادرة لدى المراهق الوغد، والغباء الحصري لحب الشباب، والولادة المنظورية لأطفاله، وتجربة الاقتراب من الموت والتي تتضمن طائرة وسرقة  وكارثة في الأسنان، جمع دروس ثرية عرضت دون قصد حول حياة الفن وفن الحياة. [الكتاب الصوتي مبهج بالتحديد لأن (فولدز) يرويه بنفسه وهو مزين ببعض المؤثرات الصوتية والمقاطع الموسيقية ويضم مفاجئة ساحرة من قبل (أماندا بالمر)].


[المصدر]