خلاصات هذا القسم

الأرشيف | الإنتاج الفني والسردي

المسرح والموسيقى والأفلام والرسم والأدب والشعر، وجمال ما أنتجه الإنسان

الفلامنكو.. حينما يلتقي السحر الغجري مع الطرب العربي

raycoiacarlota121503

حين نقلب صفحات التاريخ لنتعرف على سبب نشأة وعراقة بعض أنواع الموسيقى نجد أن السبب الحقيقي الأول هو الاضطهاد وما الموسيقى والغناء والرقص إلا أدوات للتنفيس، نوع من المطالبة السلمية بالحرية . والفلامنكو الفن الاسباني العريق أحد أنواع الموسيقى التي بدأت كمزيج من أحزان وآلام أقوام مهزومين وهم المسلمين، مع أقوام تائهين عابرين للقارات وهم الغجر من شمال الهند، وأخيرًا سكان الأندلس الأصليين أنفسهم من المسيحيين، الذين عانوا في نهاية الأمر أيضًا كالمسلمين واليهود عندما أقرت إيزابيلا ملكة إسبانيا قانونًا تُجبر فيه المُقيمون في الأندلس على تغيير ديانتهم وإتباع المسيحية بمذهبها الكاثوليكي بعد سقوط غرناطة المعقل الأخير للمسلمين في أيدي الإسبان، ليجد السكان الأصليين من المسحيين أنفسهم مُضطرين أيضًا لتغيير مذهبهم والمثول أمام محاكم التفتيش، أو مواجهة اتهامات الهرطقة والموت والعقوبات والطرد.
هكذا تكونت موسيقى الفلامنكو عبر التاريخ، خليطًا من ثقافات مختلفة ونغمات منسجمة تعلن عن نفسها بعذوبة. فحين تستمع إلى عازف الجيتار وهو يضرب بأنامله الأوتار، تجد أن الموسيقى قائمة على نوتات شرقية أساسية، أما باقي الملحمة فهي تحتوي على شعر غجري منتظم يحكي الظلم ويفسر المعاناة الإنسانية التي يعيشها كل منهم. يقول محمد فايد في حديثه عن موسيقى الفلامنكو :

أعلن الفلامنكو عن نفسه في القرن 18 وعلى الرغم من أن العديد من تفاصيل تطوره مفقودة اليوم فإن جل الدراسات تشير إلى أن هذا الفن مرتبط بالغجر وبثقافات أخرى تعايشت في المنطقة ومن بينها الثقافة المورسكية ذات الأصول العربية الإسلامية إضافة إلى الثقافة الاسبانية المحلية. وتطور بفضل اجتهادات الغجر الذين لم يتخلوا عنه ولا عن لغاتهم وثقافتهم الأصلية خلال ترحالهم عبر ربوع الأندلس وغيرها من البلاد، فقد جلبوا موسيقاهم الخاصة لتمتزج مع ما هو قائم في البلاد التي احتضنتهم. ومازال الفلامنكو يحتفظ بعلامات تدل على أصوله الشرقية بشكل واضح، كاعتماد الحنجرة في الغناء، والطابع الشرقي في التأليف الموسيقي الذي يعتمد الهارموني العربي، مثلما هو شائع في العزف العربي على العود وغيره من الآلات التي تعطي التون ونصف التون، كما أن التشابه القائم بين مقامات الفلامنكو ومقامات الغناء العربي بارز العيان.

ذلك المزيج لم يتوقف عند تلك النقطة فقط، بل تموج تأثير الفلامنكو بين بحري العرب والغجر. فكلما أوغلنا في تفاصيل الفلامنكو من حيث تركيبة الموسيقى والكلمة نجد أن بعض المؤرخين أمثال بلاس انفانتي أرجأوا معنى “الفلامنكو” لأصل عربي وهي “فلاح منكم”. كما قال البعض أيضا أن “Ole – أولي”  الكلمة التي يقولها جمهور الفلامنكو لفرط إعجابهم الشديد بالعرض والموسيقى على شكل صرخات هي في حقيقتها كانت “الله” تأثًرا بالموركسيين لكنها تغيرت مع الزمن إلى “أولي”. حيث يفصل محمد فايد :

ولقد اختلف الباحثون والمؤرخون في تأصيل تسمية الفلامنكو فهناك من ينسبها إلى طائر الفلامنكو الوردي الراقص المهاجر وآخرون أرجعوها للكلمة العربية «فلاح منكوب» أو « فلاح منكم» وطبقا لبلاس انفانتي يرجع «فلاح منغو» إلى «فلاح من غير أرض» وهم الفلاحون الموريسكيون الذين اضطهدوا وأصبحوا بدون أرض فاندمجوا مع الغجر وأسسوا الفلامنكو كمظهر من مظاهر الألم التي يشعر بها الناس بعد إبادة ثقافتهم.

لاينتهي جمال الفلامنكو هنا.. بل إنه لا يكتمل إلا في عنفوان راقصات الفلامنكو، أولئك اللواتي يعلن برقصهن الثورة ضد الألم فيضربن بأرجلهن أرضًا ثم يحركن أيديهن معلنات عن الحياة والحرية. فنلاحظ هنا أن الفلامنكو رقصة لا تتمحور حول قصة رومانسية بقدر أنها ملحمة إنسانية شامخة.. يواصل محمد فايد :

فن الفلامنكو يعكس بجلاء تقاليد وأعراف التنظيم الاجتماعي الغجري الذي يحتل فيه الذكور المكانة البارزة بينما تحتجب المرأة وراء أدوارها التقليدية. ولكن في حفل الرقص تبدو الطقوس مخالفة لهذا العرف متحررة منه. فبداية الرقصة تكرس بشكل قوي هيمنة النساء وتحكمهن في حلبته، بعد ذلك يلتحق الرجال بالحلبة بشكل تدريجي. ورقص النساء يستحث المغني على التفنن في تلاوة قصائد الغزل التي تتغنى بجمال وأنوثة الراقصة حيث يتيح حفل الرقص للغجريات فرصا كبيرة ومهمة لتغيير وضعهن الاجتماعي. تلبس الراقصة لباسا زاهيا ملونا عريضا فضفاضا على غرار لباس الغجر بينما يلبس الراقص قميصا ضيقا ملونا أو أبيض وسروالا أسود ضيقا أيضا وينتعل الذكور والإناث أحذية قوية تحدث فرقعات مسموعة خلال ضرب الأرض بها. وكان سلفهم يلبسون أحذية ذات كعوب عالية لإحداث الصوت القوي المسموع ويضعون على رؤوسهم قبعات تقليدية لم يعد يستسيغها الراقصون ولا المغنون اليوم. وهي تختلف عن الرقص الهادئ المتمايل كالرقص الشرقي أو الكلاسيكي حيث تعتمد راقصة الفلامنكو في حركاتها على قوتها الجسدية هذا بالإضافة  إلى حركات ذراعيها وقدمها بعنف مما يترجم الثورة على القيود. ويختلف أداء الراقصة عن أداء الراقص ببعض الحركات العنيفة عند الراقص التي تعبر بقوة عن هذا العنف مما يجعل الراقص الماهر يثير الإعجاب على الرغم من مكانته الثانوية في حفل الرقص في ظل مكانة المرأة التي تهيمن عليه تعبر راقصة الفلامنكو في رقصها عن الكبرياء والأنفة من خلال حركة الذراعين والقدمين مترجمة أحاسيسها الداخلية بحركات سريعة وقوية كالتصفيق والضرب بالقدمين والإغناء السريع للجسد وشموخ الهامة في كل الايقاعات.. وتعتمد الراقصة على حركة الأطراف (الأيدي والأرجل) وهذه الحركة لا تتجه نحو الهدر والرومانسية بقدر ما تتجه نحو التصعيد الحركي أو الدينامية المتنامية.

هنا تجد بعض فقرات رقصة الفلامنكو الإسباني الغجري ، كما تستطيع الاستماع لسحر جيتارها

 


للإستزادة: ورقة محمد فايد عن الفلامنكو بعنوان (الفلامنكو.. الغنائيات والعزف والراقصات) من دورية الثقافة الشعبية / مقال عن (تاريخ موسيقى الفلامنكو) من أكاديمية الفنون

غناء البلوز.. خطوة نحو الحرية

BBKing_36x48_120002

البلوز هو نوع من أنواع الموسيقى والغناء نشأ في ولاية المسيسيبي على يد السود الأفارقة حين كانوا تحت حكم الأمريكان ذات البشرة البيضاء، حيث كانوا يرددون الأغاني بطريقة صيحات يبدؤها واحد ويردد خلفه الباقيين. تتبع صيحاتهم أصوات الفأس لتعطي نغماً موسيقياً متناسقاً. كان هذا الغناء في بدايته تعبيراً عن الغضب وطمعاً في الحرية، وكان أحد سبل الخلاص. أما عن الكلمة، فكثيرا ما نسمع تعبير “بلو” على المزاج الحزين، وكذلك هي أغاني البلوز تحمل طابع الحزن والألم بقدر المعاناة التي عاناها الزنوج في تلك المرحلة. ولعل هذا التعبير له علاقة مباشرة بأغاني البلوز فقد قيل أن البلوز يعني “ممسوس بعفاريت زرق” أي الشخص الواقع تحت تأثير العفاريت التي تسبب الحزن والألم. وربما لا علاقة للون الأزرق بالتعبير (بلو) المعروف بالإنجليزية عن المزاج الحزين، لكن نستطيع القول أن “بلو” مصطلح أدخله الأفارقة للغة الإنجليزية تزامنا مع غناء البلوز حيث كلاهما يعبران عن الحزن. تقول رشا عبدالمنعم :

ولا يعرف على وجه اليقين من الذي قام بإدخال هذا المصطلح “البلوز” إلى قاموس اللغة الإنجليزية، ولكننا نعلم أن أصول المصطلح ترجع مباشرة إلى الأمريكان الأفارقة الأوائل الذين نظموا كلمات هذه النوعية من الأغاني، وكذلك رجال الدين السود الذين ترنموا بهذه الأناشيد التي غلب عليها طابع الحزن. موسيقى الأحزان ويجمع بين أصول هذا النوع من الغناء أنها كلها كانت من أهم صور التعبير عما يجيش بصدور هؤلاء الفئة المضطهدة ولاسيما في الأعوام الأولى التي عاش فيها السود في أميركا بعد هجرتهم القسرية إليها، ومن ثم تأثر الموسيقيون والمغنون السود بقصائد الشعر الغنائية الاسكتلندية، والترانيم الكنسية لأصحاب مذهب الميثوديست والمعمدان.

تطور هذا الفن بعد تحرر السود ولكن لم ينتهي الألم بعد قصدهم الحرية ونيلها، بل ظلوا يعانون من الفقر والجهل الشديدين، لكن غناءهم أخذ منحنى جيد بعد دخول آلتي الهرمونيكا والجيتار ومن ثم لاحقاً البيانو.. حتى أصبح من أشهر أنواع الغناء الأمريكية.

وللبلوز طريقته وأسلوبه الفريد، فقد ذكرت رشا عبد المنعم :

تُؤدى موسيقى البلوز التقليدية في شكل 12 فاصلة موسيقية، تنقسم إلى ثلاثة مقاطع ويتكون كل مقطع من أربعة فواصل موسيقية. وتتألف معظم كلمات أغاني البلوز من العديد من المقاطع الشعرية كل منها مكون من ثلاثة أسطر. ويكون السطر الثاني من كل مقطع تكراراً للسطر الأول، ويعبّر السطر الثالث عن جواب للسطرين الأولين. وتعكس معظم الكلمات الشعرية لموسيقى البلوز الوحدة والحزن، ويعكس البعض الآخر ردود الفعل الساخرة والتحدي لمشاكل الحياة. وتعتمد موسيقى البلوز على الصوت والموسيقى (آلة الغيتار تحديداً) وعلى ما يسمى بالـ blue nots وهي النوتات المنخفضة والتي هي أساس موسيقى البلوز والجاز وهو الاسم الذي أخذته واحدة من أهم وأشهر شركات الإنتاج Blue Note والتي تخصصت في إنتاج البلوز والجاز ولها فضل كبير في نشر هذه الموسيقى في أنحاء العالم ودعم معظم الموسيقيين الذين أصبحوا أعلاماً في تاريخ الموسيقى.

ومن أشهر موسيقي البلوز هي قطع كريستوفر هاندي الموسيقية التي نشأت عام 1912، وأحد هذه القطع هي “ممفيس بلوز” وأول تسجيل لها كان عبارة عن ٣ دقائق فقط.

ولعل الأكثر شهرة في هذا الغناء اليوم هو بي بي كنغ (المولود في 1925) حيث حازت ألبوماته على توزيعات هائلة وشهرة كبيرة. (للاستماع)

للاستزادة : تقرير من بي بي سي الانجليزية عن مقطوعة كريستوفر هاندي “ممفس بلوز” / «البلوز» .. موسيقى حصاد الزنوج زمن العبودية وصيحات الانعتاق” بقلم رشا عبد المنعم في صحيفة البيان

أهم عشر روايات في التاريخ من وجهة نظر أهم 125 روائي معاصر

topten

في محاولة منه لحصر أهم الروايات في التاريخ، قام بيتر زين في 2007 بمراسلة 125 روائي يطلب منهم كتبهم المفضلة لينشرها لاحقاً في كتاب (العشرة الأوائل: كُتاب يختارون كتبهم المفضلة). ولكنه لم يتوقف عند هذا الحد بل وضع في المقدمة قائمة بأهم عشرة روايات وسماها (The Top Top Ten) وكتب شارحاً طريقة الاختيار “المشاركون يستطيعون اختيار أي عمل من أي كاتب ومن أي حقبة.. وذلك بإعطاء عشر نقاط  للعمل الأفضل في كل من هذه التصنيفات، ثم تسع نقاط للعمل التالي، وهكذا. جُمعت النتائج في شكل جدول لنستخرج منه قائمة (The Top Top Ten)… الأفضل من الأفضل”.

وبالطبع لم تسلم هذه القائمة من انتقادات واسعة حيث انتقدها كثيرون بأنها غربية المركز ولايوجد فيها أعمال خارج القارتين الأوروبية والأمريكية. فيما انتقد آخرون معايير اختيار هؤلاء الـ 100 روائي الذين اختاروا رواياتهم المفضلة. وبغض النظر عن هذه الانتقادات، يظل من المثير معرفة أهم الروايات التي غالباً ما ألهمت الأدب المعاصر.

القائمة التالية مزودة بروابط الترجمات من موقع (Goodreads) فيما توجد نسخ الكترونية مترجمة متاحة للتحميل لأغلب الروايات.

1. آنا كارنينا – ليو تولستوي
2. مادام بوفاري – غوستاف فلوبير
3. الحرب والسلام – ليو تولستوي
4. لوليتا – فيلاديمير نابوكوف
5. مغامرات هكلبري فين – مارك توين
6. هاملت – ويليام شكسبير
7. جاتسبي العظيم – سكوت فيتزجيرالد
8. في البحث عن الزمن المفقود – مارسيل بروست
9. الأعمال المختارة – أنطون تشيخوف
10. ميد مارش – جيورج إليوت

كل هذه الأعمال متوفرة مجاناً على الانترنت بكافة الصيغ باللغة الانجليزية. وإذا أحببت قراءة القائمة المفصلة فتجد هنا قائمة الأفضل حسب الكاتب وحسب الحقبة التاريخية.

سيد درويش وإحياء الموسيقى العربية

444417-5

سيد درويش (1892 – 1923) هو فنان وملحن مصري، يلقب أحيانًا بباعث النهضة الموسيقية العربية. كان له دور كبير في تجديد الموسيقى. حيث قال عنه الأديب عباس العقاد في مقالة موسيقية رثائية له:

فضْل سيد درويش – وهو أكبر ما يذكر للفنان الناهض من الفضل – أنه أدخل عنصر الحياة والبساطة في التلحين والغناء بعد أن كان هذا الفن مثقلاً كجميع الفنون الأخرى بأوقار من أسجاعه وأوضاعه وتقاليده وبديعياته وجناساته التي لا صلة بينها وبين الحياة، فجاء هذا النابغة الملهم فناسب بين الألفاظ والمعاني، وناسب بين المعاني والألحان، وناسب بين الألحان والحالات النفسية التي تعبّر عنها، بحيث نسمع الصوت الذي يضعه ويلحنه ويغنيه فنحسب أن كلماته ومعانيه وأنغامه وخوالجه قد تزاوجت منذ القدم فلم تفترق قط ولم نعرف لها صحبة غير هذه الصحبة اللزام. ولم يكن الغناء الفني كذلك منذ عرفناه.

كانت لأغانيه الوطنية دور كبير في ثورة 1919 حيث لحّن وغنّى لأول مرة قصيدة “بلادي بلادي” التي كتبها الشاعر محمد القاضي، والتي أصبحت بعد ذلك نشيدًا وطنيًا للجمهورية المصرية، وكان مطلع هذه القصيدة مقتبس من خطبة ألقاها قائد الحركة الوطنية بمصر مصطفى كامل، والتي قال فيها “بلادي بلادي لك حبي وفؤادي.. لك حياتي ووجودي، لك دمي، لك عقلي ولساني، لك لُبّي وجناني، فأنت أنت الحياة.. ولا حياة إلا بك يا مصر” والتي يُذكر أن كلّا  من سيد درويش ومحمد القاضي قد حضراها فألهمتهم لكتابة الأغنية ووضع اللحن.. واستمرت ثنائياتهم الوطنية فكتب محمد القاضي ولحّن سيد درويش “أهو ده اللي صار”، “بلح زغلول” وغيرها من الألحان التي سرعان من التقطها الشعب بجميع فئاته وأصبحوا يغنونها في الشوارع والمقاهي والمظاهرات، وعندما نُفي سعد زغلول وقفت هذه الأغاني وترديد الشعب الدائم لها موقف الضغط على قوى الاستعمار، واضطر المستعمِر على إعادة زغلول ولمّ حقائبه تاركًا مصر لأهلها.. غنى سيد درويش إلى جانب الألحان الوطنية أغاني (كانت الأغنية تُعرف في ذلك الوقت بـ”الدور” أو “الطقطوقة”) شعبية من واقع الشعب، فغنى “لحن السقايين” و”لحن البترول” و”لحن التحفجية” (الحشاشين) و ”لحن الصنايعية” ذاك الذي قال فيه: “الديك بيدّن كوكو كوكو في الفجرية يلا بنا على باب الله يا صنايعية يجعل صباحك صباح الخير ياسطه عطية”..

وغنى الرويات المسرحية مثل “أوبريت العشرة الطيبة” و ” أوبريت شهرزاد”، و “الباروكة” التي غنى في نهايتها مونولوج الشيطان: “دي حكاية أزلية ورواية تاريخية وارثها عن ابويا وواخدها من اخويا شوف بختك في مراتك زي أختك وحماتك قلتلهم عملوها وسعادتهم لقيوها مالناش أبدًا غير باروكتنا هي حيلتنا”.. وكانت تؤدَّى هذه الروايات المسرحية على خشبة المسرح وكانت هي التي تشكّل العقلية الفنية والمسرحية في رؤوس المصريين لأول مرة.. أيضًا مما تغنى به سيد درويش بكل صدق هو علاقته بحبيبته “جليلة” التي عزف في حبها أعذب الألحان منها “أنا هويت” و”أنا عشقت” و “والله تستاهل يا قلبي” وغيرها الكثير. ويُذكر أنه كان يغني اسمها عرضًا بين كلمات الأغاني أحيانًا، فغدت “جليلةُ” سيّد ذائعة الصيت والشهرة.. وأصابت هذه الألحان قلوب المصريين لما فيها من توافق بين اللحن والكلمات وآداء غنائي شجي لسيد درويش.. فاهتم بها العامة والأدباء ورجال القصر..

كان الأديب توفيق الحكيم هو الذي تتبعه في المسارح والمقاهي ليستمع إلى فنّه وليكتب عنه بعد ذلك:

كانت أغاني سيد درويش…وألحانه الشعبية…تسري في الناس كالنار في الهشيم..ولكني ما كنت أرى منه أن هذا هو الذي يملؤه بالفخر. لقد كان تواقًا إلى الفن في صورته العليا…وأنه لعجيب أن يكون لمثل سيد درويش بثقافته البسيطة صورة عليا للفن.. إنني لا أعتقد أن سيد درويش كان يتعمد التجديد قهرًا أو افتعالًا ولم أسمعه يتحدث في ذلك.. كما يتحدث أصحاب النظريات أو قادة النهضات.. ولكن التجديد عنده فيما أرى كان شيئا متصلًا بفنه ممزوجًا به… لا حيلة له فيه.. شيئًا يتدفق من ذات نفسه …كما يتدفق السيل الهابط من القمم.. كانت الألحان تنفجر منه كأنها تنفجر من ينبوع خفي…

يمكنك الاستماع إلى مجموعة أغاني السيد درويش في اليوتيوب عبر هذه القائمة.

موسيقى الفادو: حياة وتاريخ

tumblr_m9rgzoIdNs1qfbkomo1_500

الموسيقى إيقاع مشاعر الشعوب، نبض الشارع، تعبيرَا صادقًا عن ما يجول في روح البلاد، تعبيرًا موازيًا بلا مواربة، أحيانًا الموسيقى ثورة مُستترة، أحيانًا هي كناية عن شيء ما، صرخةٌ ما، إتجاهٌ ما، وحتى رأيٌ ما، ودومًا هي لُغة، وإن كُنا سنمنحها وصفًا سنقول عنها أنها  أحيانًا لغة الأفواه المُكممة واللامحكي.
فادو
لون غنائي برتغالي يلخص مفهوم المعاناة والألم نشأ في عام 1820، أو ربما قبل ذلك. يستخدم في هذا اللون من الموسيقى آلة الجيتار لكنها تحمل في صوتها وطريقة العزف عليها الطابع الأفريقي والأندلسي العربي قليلاً وذلك لتأثرها بالموسيقى الإسبانية والفلامنكو. فادو لشبونة يعتبر اليوم من التراث البرتغالي الذي يحكي تاريخ البرتغال والثورات، ومنها ثورة القرنفل التي حدثت في القرن الماضي، وعُرفت بهذا الاسم حين وضع الشعب زهور القرنفل في فوهات بنادق الجنود تعبيرًا عن سلمية نواياهم، حتى أنها كانت الأكثر سلمية على مر تاريخ البرتغال.

يحمل هذا الفن في طياته لوعة وحزن وشجن ويتمحور حول كلمة (saudade) البرتغالية، والتي قد تعني الحزن الممزوج بالأمل، أو ما يتفجر لحظة لقاء المحبوب، وربما كانت تعني (الوجد) أو (الشجن) والذي هو مزيج عجيب من مجموعة مشاعر متضاربة من العشق والحزن والأمل. وعن الفادو تقول رجاء عالم:

يذهب البعض للقول بأن الفادو موسيقى جاءت كرقصة من أفريقيا في القرن 19 ، و تبناها الفقراء في شوارع مدينة لشبونة ، أو ربما بدأت في البحر كتراجيع الأمواج لحنين و أغاني البحارة الحزينة . و مهما كان مصدر الفادو فلقد التزمت مواضيعه القدر ، و الخيانة و اليأس و الموت ، و يقال إن حفل الفادو لا يُعَدُّ ناجحاً مالم تهمي دموع الجمهور . و في أوائل القرن العشرين كان الفادو هو موسيقى المأزق الأرضي ، موسيقى معجونة بتراب و عرق الأحلام المستحيلة للطبقة العاملة ، واشتهر مغنوه بالفاديست ، ينتشرون أزقة أقدم أحياء برشلونة ، و في حاناتها و ملاهيها الطافحة بالفقراء ، تصدح حناجرهم بالغناء مع المساء و تخترق جوف الليل كختام ليوم عمل شاق و تنفيث لهمومه ، هو التوق الذي لا يُشبع على هذه الأرض ، بينما يستحضر الفادو للمهاجرين البرتغال الوطنَ الذي خلفوه وراءهم.

كسائر الموسيقى الشعبية، تعتبر الفادو لغة الروح للروح؛ لأنها تحكي البحر والموج والفقد. وهي مؤثرة بمكان دفع أحد رؤساء البرتغال لمحاولة  التضييق على هذا الفن واخراجه في شروط معينة دون ابتذال. ولأن الفادو أحد ثروات البرتغال استمر هذا الفن ونمى بين أجيالها حتى غدا اليوم هو الإحساس بالحياة.

وأما الطقوس، فللفادو طقوسه أيضًا. فإلى جانب أنه حكايا إنسان ومعاناة وطن، فلحضوره هيبة عند جمهوره في الإصغاء. حيث أنه بمجرد أن يبدأ العزف على الجيتار ينغمس الجمهور إنغماسا كليًا ليشاهد الصورة كاملة، في السواد الذي يغطي كامل جسد مغنيات الفادو العريقات، ويرى في طريقة الغناء ولغة اليد خاصة قصة إما بوضعها خلف الخصر ليخرج الصوت من العمق أو أنها تكون بمحاذاة مقر الألم حيث القلب!

ولرجاء عالم وصف لطقوس اميليا رودريغوس التي تعتبر هي ملكة الفادو والعزفيين المرافقين لها حيث تقول:

يبدأ العازفون الثلاثة منكبين على جيتاراتهم ، برؤوسهم منحنية على أجساد الآلات التي يضمونها و يغوصون بأصابعهم في أوتار قلوبهم ، لينبعث جيشانها موقِّعاً لوعته على حبال حنجرة صوت كريستينا ، و التي بدأت بيديها خلف خاصرتها ، و ترتعد مع كل اختلاج للحن .. اليد جزء من طقس الفادو ، فهي إما خلف الجسد مثل ركيزة لتسمح للحنجرة و الصدر بالانبثاق في الهواء ليرسل الصوت طليقاً من أسفل الجذع البشري ، أو هي عصافير جنة تُحَلِّق مرتعدة قليلاً في الهواء و لا تلبث أن تغوص منغرسة في الصدر ، تضرب عليه لتشق أبوابه للقلوب المنصتة..

من هنا يمكن مشاهدة ملكة الفادو اميليا رودريغوس وهي تغني إحدى أغانيها ، كما يمكنك الاستماع إلى مجموعة أغانيها في اليوتيوب من هذه القائمة.

وهنا يمكنك مشاهدة أغنية أخرى لهذا الطابع من الفن.

للاستزادة :

الفادو تروي حنين القنفل / مقال “الفادو” للكاتبة رجاء العالم / موسيقى الفادو إحساس بالحياة

يعقوب صنّوع وبدايات الكوميديا الساخرة في العالم العربي

370

ليس من السهل أنْ أروي قصة مسرحي، ذلك المسرح الذي كان في الواقع يستدر دموع الفرح من عيني، غير أنها كانت في الغالب مصحوبة بالألم. وُلِدَ هذا المسرح في مقهى كبير، كانت تعزف فيه الموسيقى في الهواء الطلق، وذلك في وسط حديقتنا الجميلة (الأزبكية) في ذلك الحين، أي في سنة 1870، كانت ثمة فرقة فرنسية قوية تتألَّف من الموسيقيِّين والمطربين والممثلين، وفرقة تمثيلية إيطالية، وكانتا تقومان بتسلية الجاليات الأوروبية في القاهرة، وكنت أشترك في جميع التَّمثيليات التي تُقَدَّمُ في ذلك المقهى… وإذا كان لا بد لي من أنْ أعترف، فلأقل إذا إنَّ الهزليات والملاهي والغنائيات والمسرحيات العصرية التي قُدِّمت على ذلك المسرح هي التي أوحت إليَّ بفكرة إنشاء مسرحي العربي. – يعقوب صنّوع

كان القرن التاسع عشر يشرف على نهايته حين ظهرت لأول مرة محاولات جادة لتأسيس قاعدة للفن الغنائي المسرحي العربي والخروج من عادة تخصيص الغناء لإحياء الأفراح والموالد والملاهي .. وكان أغلب أصحاب هذه المحاولات -أمثال جورج أبيض ومارون النقاش– ممن زاروا أوروبا وفتنوا بفن المسرح الغنائي هناك، فاقتصرت محاولاتهم على ترجمة الأعمال المسرحية الغربية مثل : أوديب الملك وشارل السادس وعطيل، وتمثيل بعض القصص الكلاسيكية العربية مثل: هارون الرشيد، وصلاح الدين الأيوبي.. ولأن طبيعة تلك المسرحيات كانت بعيدة جدًا عن مستوى تذوق الفرد العربي للفن، وبعيدة كل البعد عن طبيعة حياته ومعاناته، فلم يستطع العرب تشرّبها ومن ثم التغنّي بها وإعدادها وسيلةً للتعبير!

وفي تلك الفترة أيضًا ظهر بمصر يعقوب صنّوع، الذي يُعد من قِبل الكثير من الباحثين هو المؤسس الحقيقي للمسرح العربي، لأنه قدّم للجمهور المصري مسرحيات تتعلق بمشاكلهم الاجتماعية والسياسية، واستخدم فيها اللغة العامية وأيضًا الأغاني والرقصات الشعبية.. فكانت إحدى مسرحياته -مثلًا- تتحدث عن تعدد الزوجات أسماها “الدّرتين”، وتتكون هذه المسرحية من فصل واحد مختوم بالجملة الغنائية:

اللي بده يعيش عيشة مرّة، يدخّل على أم ولاده ضرّة.. أما اللي يعيش فرحان، ما يعملوش قلادة من النسوان

image

وهكذا حاول “صنوع” لأول مرة صناعة الفن المسرحي والغنائي بالعالم العربي، وبالطبع كانت مهمته ثقيلة لأبعد حدّ إن لم تكن تعجيزية، فكان يعقوب يقوم كل مرة بشرح فكرة “فن التمثيل المسرحي” و فكرة “فن الغناء” للجمهور قبل أن تبدأ المسرحية! لأنهم ببساطة لم يعلموا شيئًا عن المسرح بعد… ولم يكن لديه أي ممثلين أو ملحنين أو مغنين في بادئ الأمر، لأنه لم يوجد هناك أحد ليمثل أو يلحّن بمصر.. فاشتغل هو أيضًا باكتشاف المواهب التمثيلية والغنائية، واضطر لأن يعطي أدوار النساء والفتيات لصبيان يافعي العمر في البداية، حتى وجد فتاتين متشردتين فاستطاع إقناعهن أن يشاركن بالتمثيل والغناء..

بهذه الطريقة كوّن يعقوب جوقته وقدم مسرحياته وذاع صيته حتى سمع به حاكم مصر “الخديوي إسماعيل” واستقطبه لأداء المسرحيات بقصره، وظلّ على هذا الحال سنوات قليلة إلى أن نُفي من مصر في أواخر القرن التاسع عشر بعد أن قدم مسرحية ساخرة باسم “الوطن والحرية” والتي سخر فيها من فساد القصر والنظام الحاكم (ويمكن اعتبار هذه المسرحية فاتحة فن الكوميديا الساخرة بالعالم العربي).. إلا أن فكرة المسرح العربي لم تُنف مع يعقوب صنوع.. بل استَشْرَت، وأخذت الجوقات المسرحية تتكاثر في بداية القرن العشرين، فظهرت جوقة سلامة حجازي وجوقة منيرة المهدية وجوقة علي الكسار و نجيب الريحاني.. وكانت جميع هذه الجوقات تؤدي ما يسمى بـ”الرواية” الملحّنة، وهي مسرحية غنائية قصيرة تؤدى على المسرح الذي كان يسمى آن ذاك بالـ”تياترو” (التسمية الإيطالية للمسرح).. لكن مواضيع تلك الروايات ومستواها الفني لم يرتق لجذب جميع فئات الشعب واستقطابها إلى أن جاء “السيد درويش” في العقد الثاني من القرن العشرين، حاملًا معه التغيير على كافة الأصعدة والمستويات الغنائية والمسرحية.

للاستزادة: يعقوب صنوع في ويكيبيديا / يعقوب صنوع في موقع المعرفة  / موقع اللغة والثقافة العربية

العري في الفن: فضيلةٌ أم خطيئة ؟

b20910
تحفل اللوحات الفنية بالأجساد العارية بداية من حضارات ما قبل التاريخ، وصولا إلى الفن المعاصر. بيد أن العري كان ملمحا مهما من ملامح لوحات و منحوتات حضارة اليونان لتصوير الميثولوجيا ثم ازدهر كثيرا في عصر النهضة. لا يقتصر استخدام الجسد العاري على الفن بلوحاته و منحوتاته بل يمتد إلى التصوير الفني و الإعلام و حتى الاحتجاج مؤخرا. سأتناول هنا جانب الفن فقط و لعله يوفر مدخلا بسيطا لفهم مضامين العري في البقية.

هناك بطبيعة الحال رأيٌ يحتفل بالعري و رأي آخر يضيق به.  فهل ننظر إذن إلى الفن العاري باعتباره خطيئة أم فضيلة؟

لنتناول ما يدعمه أولا -باعتباره الأبعد عن ثقافتنا- ملخّصا في نقاط:

قد ينظر إلى الثياب ككونها أحد العناصر الدخيلة على علاقة الإنسان ببيئته. يقول عالم الأنثروبولوجيا Ian Gilligan بشأن الملابس:

الملابس هي الشيء الذي يفصلنا عن الطبيعة؛ حرفياً و رمزياً. إنها تؤثر على الطريقة التي ندرك بها أنفسنا و بيئتنا. الملابس حائلٌ بيننا و بين العالم، بيننا و بين نفسنا الفيزيائية، و لها بالتالي انعكاسات على الكيفية التي نرى بها أنفسنا بالمقارنة مع الأشياء الأخرى حولنا ، و الكيفية التي تتفاعل بها أجسادنا مع العالم. لقد لفّــقنا بيئة مصطنعة بالكامل، و هي بشكل ما كالكساء الخارجي. جوانب عديدة من حضارتنا تعزلنا عن العالم الخارجي الطبيعي.

التعري قد يكون شكلا من أشكال التعبير عن الحرية و رفض القيود السلطوية؛ في ذلك يقول الفنان Fred Hatt:

بالنسبة للأصوليين المتعصبين  من كافة الثقافات و الذين يخافون الحرية الفردية، فإن صورة الجسد العاري تهديد للنظام ! لأنها تذكر الناس بالمتعة الحيوانية الخالصة. الجسد الحر يرعب السلطويين. إذا اختبر الناس الحرية على مستوى الجسد، فقد لا يعود بالإمكان السيطرة عليهم. لذا، ينبغي أن يفرض الاحتشام بصرامة.

الفن العاري قد يكون وسيلة للثورة على الفصل الحاد بين الروح و الجسد و الذي يميل إلى جانب الروح بشكل غير عادل. إنها وسيلة للقول بأن هذا التباين ليس حقيقا بالدرجة التي يبدو عليها، يوضح  Fred Hatt:

نحن نصوّر العقل أو الروح كـ سماوي، ملائكي، و نقي، بينما نصور الجسد المادي كشيء يربطنا بالموت، بالرغبات المُـتلِفة، و بالمعاناة. بالتالي: صورة الفن العاري تذكّرنا بأننا أجسادُنا.. أن الجنسانية و الغريزة و الوفاة طبيعتنا الفعلية.. أن جمال الطبيعة الحيوانية فينا لا يمكن فصله عن جمال روحانيتنا.

الجسد و الطبيعة و ما هو حي على الأرض.. تم اختزالهم إلى مجرد أشياء.. أشياء  وجدت لِـتُستغل و تروّض بلا رحمة في سبيل ترقية الروح المفترض بأنها طاهرة.  لقد عانت الأرض كثيرا بسبب هذا الفصل داخل الإنسان، و لكن نحن بدورنا كمخلوقات من هذه الأرض لم نهرب من هذا الألم أيضا.

قد يكون العري وسيلة لضبط المقاييس المقلوبة، أي لإظهار ما هو حقيقي .. ما هو جميلٌ فعلا. في معنىً شبيهٍ يقول مايكل آنجلو :

أيّ روحٍ فارغة و عمياء لدرجة أنها لا تدرك حقيقة أن القدم أنبلُ من الحذاء، و أن الجلد أجمل من الحلل التي تغطيه؟

ما ذكر إلى الآن هو بعض ما يمكن أن يمثله الفن العاري بالنسبة للمتأمل، فمالذي يمكن أن يمثله بالنسبة للفنان نفسه؟  عند الفنان؛ رسم الجسد العاري معقد و بعث الحياة فيه أعقد ، و هذا يمثل تحديا لذيذا. يقول الفنان Jacob Collins:

لقد أردت أن أصب كل طاقتي في أعظم تحد يمكن أن يواجهه رسام. لا شيء أصعب من أن ترسم قواما ببساطة و وضوح، بجمال و قوة. أن ترسم الإنسان داخل الشخص من خلال جسده الخارجي هو الهدف الأصعب و الأسمى. أن ترسم بمهارة خبراء الماضي و تشعر بأنك لا زلت منتعشا رغم ذلك.. أن ترسم قوالبا تشريحية تنبض بالحياة.. أن ترسم رأسا و كأنه مثقل بالأفكار يعني أن تقفز إلى عالم عظماء رسامي العصور الماضية.

بالإضافة إلى ذلك، فالعري يعبر عن انفعالات الجسد:

الجسد العاري يعطي الفنان مساحة أكبر ليعبر عن مشاعر مثل التوتر، الغضب، القوة، و اليأس و للتعبير عن الحركة أيضا: العضلات المتقلصة، الأوردة الممتلئة، الجذع الملتوي، الساق المليئة بالأوتار.. تعطي كلها إحساسا بالحركة.

أما بالنسبة للرأي المخالف؛ فإن نصيبا كبيرا من المعارضة كان بسبب عري المرأة تحديدا. لماذا؟ بعض أقدم اللوحات اليونانية أتت لتصور الأساطير بصريا، فتُظهر الآلهة المذكرة و المؤنثة عارية، و تُسبغ على عريها معاني الطهارة و السمو و البهاء. لما تغيرت مواضيع اللوحة و اتجهت لتصوير مظاهر الحياة، ظهر جليا أنها تميل لتصوير الرجال كمحاربين أشداء أو شهداء. أصبح هناك تمايز كبير بين الدور الفاعل الذي يصور فيه الرجل و بين الدور السلبي الخاضع الذي تصور فيه المرأة، إذ غالبا ما تكون مسترخية، متكئة أو مستلقية.

في السبعينات؛ نشر الكاتب و الناقد الفني John Berger نقده لعري الإناث في الفن في برنامج تلفزيوني و نصوص، ألخص فيما يلي بعض نقاطه للتعرف على وجهة النظر المعارضة:

ترافق المرأة صورتها لنفسها دائما، إلا عندما تكون وحدها – و ربما حينها أيضا- . لقد عُلـِّــمت بأن تفحص و تتقصى شكلها باستمرار. لوحات الفن العاري أيضا تصوّر المرأة كـ “منظر” لِـيُطالع، و نادرا ما تمثل اللوحة شخصيةً أو صفة. إذن؛ على العارية أن تكون غرضا ليعاينها و يقيمها و يحكم عليها مشاهد ذكر.

عريّــها هنا ليس تعبيرا عن مشاعرها الداخلية، و إنما “علامة” على خضوعها للطلب. العري هنا ليس احتفالا بالحب الجنسي الحيوي بين اثنين، و الذي تكون المرأة فاعلةً فيه كما الرجل، و تمتص  فيه أفعال أحدهما الآخر. بل على العكس؛ فإن الشخص الآخر الذي يهم هنا هو الغريب المتفرج الذي يطالع الأنثى العارية. – غالبا ما يُلاحظ في هذه اللوحات (النظرة إلى الرجل) ؛ أي أن اهتمام الأنثى منصب على المشاهد و ليس منسجما مع مشهد اللوحة- . تظهر المرأة غالبا بليدة و خاملة، و كأنها هنا لِتُشبع غريزةً و ليس لتحظى بواحدة لنفسها… إن الجنس ليس داخل المشهد بل أمامه!

لقد أصبح العري نوعا من الأزياء الموحدة الغير قابلة للخلع و التي تقول: أنا مستعدة الآن للإرضاء الجنسي. تبعا لذلك، لا يمكن أن نطابق بين العري و بين الحرية باعتبارهما شيئا واحدا.

يقال: أن تكون عاريا هو أن تكون حاسرا ، و هو أن تكون بلا ملابس ، و هو نوع من الفن.

أنا أضعها بالصورة التالية: أن تكون عاريا هو أن تكون ذاتك. أن تكون حاسرا/ مكشوفا هو أن تُرى عاريا من قبل الآخرين و لا يُتعرَّف على ذاتك بالرغم من ذلك.

أن تكون عاريا يعني أن تكون بلا تنكّــر أو تخــفٍّ. أن تكون معروضا يعني أن يصبح سطح جلدك قناعا لا يمكن التخلص منه.

* اللوحة : Spring All Around by Aleksander Gorbunov

* للمزيد حول العري في الفن من ويكيبيديا

المصادر:

Understanding paintings

Fred Hatt’s Bolg

ways of seeing

Wikipedia

آلام الشيخوخة، كما يصفها د.جلال أمين

جلال أمين [١٩٣٥-٢٠١٨]

يصف الكاتب المصري (جلال أمين) في كتابه (ماذا علّمتني الحياة) وبقلم مؤثر عن أواخر أيام والده (أحمد أمين)، مستعرضاً من خلالها مشاهد الشيخوخة وآلامها الدفينة. فيقول:

لا زلت أشعر ببعض الألم ووخز الضمير حتى الآن، كلما تذكرت منظر أبي وهو جالس في الصالة وحده ليلا، في ضوء خافت، دون أن يبدو مشغولا بشيء على الإطلاق، لا كتابة ولا قراءة، ولا الاستماع إلى راديو، وقد رجعت أنا لتوي من مشاهدة فيلم سينمائي مع بعض الأصدقاء. أحيي أبي فيرد التحية، وأنا متجه بسرعة إلى باب حجرتي وفي نيّتي أن أشرع فورًا في النوم، بينما هو يحاول استبقائي بأي عذر هروبًا من وحدتهو وشوقًا إلى الحديث في أي موضوع. يسألني أين كنت فأجيبه، وعمن كان معي فأخبره، وعن اسم الفيلم فأذكره، كل هذا بإجابات مختصرة أشد الاختصار وهو يأمل في عكس هذا بالضبط. فإذا طلب مني أن أحكي له موضوع الفيلم شعرت بضيق، وكأنه يطلب مني القيام بعمل ثقيل، أو كأن وقتي ثمين جدًا لا يسمح بأن أعطي أبي بضع دقائق.

[…]
أحمد أمين [١٨٨٦-١٩٤٥]

لا أستطيع حتى الآن أن أفهم هذا التبرم الذي كثيرًا ما يشعر به شاب صغير إزاء أبيه أو أمه، مهما بلغت حاجتهما إليه، بينما يبدي منتهى التسامح وسعة الصدر مع زميل أو صديق له في مثل سنه مهما كانت سخافته وقلة شأنه. هل هو الخوف المستطير من فقدان الحرية والاستقلال، وتصور أي تعليق أو طلب يصدر من أبيه أو أمه وكأنه محاولة للتدخل في شؤونه الخاصة أو تقييد لحريته ؟ لقد لاحظت أحيانًا مثل هذا التبرم من أولادي أنا عندما أكون في موقف مثل موقف أبي الذي وصفته حالا، وإن كنت أحاول أن أتجنب هذا الموقف بقدر الإمكان لما أتذكره من شعوري بالتبرم والتأفف من مطالب أبي. ولكني كنت أقول لنفسي إذا اضطررت إلى ذلك “لا أرغب في أكثر من الاطمئنان على ابني هذا، أو في أن أعبر له عن اهتمامي بأحواله ومشاعره، فلماذا يعتبر هذا السلوك الذي لا باعث له إلا الحب، وكأنه اعتداء على حريته واستقلاله ؟”.

جلال أمين – ماذا علمتني الحياة


المصدر: