خلاصات هذا القسم

الأرشيف | الإنتاج الفني والسردي

المسرح والموسيقى والأفلام والرسم والأدب والشعر، وجمال ما أنتجه الإنسان

أهم عشر روايات في التاريخ من وجهة نظر أهم 125 روائي معاصر

topten

في محاولة منه لحصر أهم الروايات في التاريخ، قام بيتر زين في 2007 بمراسلة 125 روائي يطلب منهم كتبهم المفضلة لينشرها لاحقاً في كتاب (العشرة الأوائل: كُتاب يختارون كتبهم المفضلة). ولكنه لم يتوقف عند هذا الحد بل وضع في المقدمة قائمة بأهم عشرة روايات وسماها (The Top Top Ten) وكتب شارحاً طريقة الاختيار “المشاركون يستطيعون اختيار أي عمل من أي كاتب ومن أي حقبة.. وذلك بإعطاء عشر نقاط  للعمل الأفضل في كل من هذه التصنيفات، ثم تسع نقاط للعمل التالي، وهكذا. جُمعت النتائج في شكل جدول لنستخرج منه قائمة (The Top Top Ten)… الأفضل من الأفضل”.

وبالطبع لم تسلم هذه القائمة من انتقادات واسعة حيث انتقدها كثيرون بأنها غربية المركز ولايوجد فيها أعمال خارج القارتين الأوروبية والأمريكية. فيما انتقد آخرون معايير اختيار هؤلاء الـ 100 روائي الذين اختاروا رواياتهم المفضلة. وبغض النظر عن هذه الانتقادات، يظل من المثير معرفة أهم الروايات التي غالباً ما ألهمت الأدب المعاصر.

القائمة التالية مزودة بروابط الترجمات من موقع (Goodreads) فيما توجد نسخ الكترونية مترجمة متاحة للتحميل لأغلب الروايات.

1. آنا كارنينا – ليو تولستوي
2. مادام بوفاري – غوستاف فلوبير
3. الحرب والسلام – ليو تولستوي
4. لوليتا – فيلاديمير نابوكوف
5. مغامرات هكلبري فين – مارك توين
6. هاملت – ويليام شكسبير
7. جاتسبي العظيم – سكوت فيتزجيرالد
8. في البحث عن الزمن المفقود – مارسيل بروست
9. الأعمال المختارة – أنطون تشيخوف
10. ميد مارش – جيورج إليوت

كل هذه الأعمال متوفرة مجاناً على الانترنت بكافة الصيغ باللغة الانجليزية. وإذا أحببت قراءة القائمة المفصلة فتجد هنا قائمة الأفضل حسب الكاتب وحسب الحقبة التاريخية.

سيد درويش وإحياء الموسيقى العربية

444417-5

سيد درويش (1892 – 1923) هو فنان وملحن مصري، يلقب أحياناً ب “باعث النهضة الموسيقية العربية”. كان له دور كبير في تجديد الموسيقى. حيث قال عنه الأديب عباس العقاد في مقالة موسيقية رثائية له:

فضْل سيد درويش – وهو أكبر ما يذكر للفنان الناهض من الفضل – أنه أدخل عنصر الحياة والبساطة في التلحين والغناء بعد أن كان هذا الفن مثقلاً كجميع الفنون الأخرى بأوقار من أسجاعه وأوضاعه وتقاليده وبديعياته وجناساته التي لا صلة بينها وبين الحياة، فجاء هذا النابغة الملهم فناسب بين الألفاظ والمعاني، وناسب بين المعاني والألحان، وناسب بين الألحان والحالات النفسية التي تعبّر عنها، بحيث نسمع الصوت الذي يضعه ويلحنه ويغنيه فنحسب أن كلماته ومعانيه وأنغامه وخوالجه قد تزاوجت منذ القدم فلم تفترق قط ولم نعرف لها صحبة غير هذه الصحبة اللزام. ولم يكن الغناء الفني كذلك منذ عرفناه.

كانت لأغانيه الوطنية دور كبير في ثورة 1919 حيث لحّن وغنّى لأول مرة قصيدة “بلادي بلادي” التي كتبها الشاعر محمد القاضي، والتي أصبحت بعد ذلك نشيدًا وطنيًا للجمهورية المصرية، وكان مطلع هذه القصيدة مقتبس من خطبة ألقاها قائد الحركة الوطنية بمصر مصطفى كامل، والتي قال فيها “بلادي بلادي لك حبي وفؤادي.. لك حياتي ووجودي، لك دمي، لك عقلي ولساني، لك لُبّي وجناني، فأنت أنت الحياة.. ولا حياة إلا بك يا مصر” والتي يُذكر أن كلّا  من سيد درويش ومحمد القاضي قد حضراها فألهمتهم لكتابة الأغنية ووضع اللحن.. واستمرت ثنائياتهم الوطنية فكتب محمد القاضي ولحّن سيد درويش “أهو ده اللي صار”، “بلح زغلول” وغيرها من الألحان التي سرعان من التقطها الشعب بجميع فئاته وأصبحوا يغنونها في الشوارع والمقاهي والمظاهرات، وعندما نُفي سعد زغلول وقفت هذه الأغاني وترديد الشعب الدائم لها موقف الضغط على قوى الاستعمار، واضطر المستعمِر على إعادة زغلول ولمّ حقائبه تاركًا مصر لأهلها.. غنى سيد درويش إلى جانب الألحان الوطنية أغاني (كانت الأغنية تُعرف في ذلك الوقت بـ”الدور” أو “الطقطوقة”) شعبية من واقع الشعب، فغنى “لحن السقايين” و”لحن البترول” و”لحن التحفجية” (الحشاشين) و ”لحن الصنايعية” ذاك الذي قال فيه: “الديك بيدّن كوكو كوكو في الفجرية يلا بنا على باب الله يا صنايعية يجعل صباحك صباح الخير ياسطه عطية”..

وغنى الرويات المسرحية مثل “أوبريت العشرة الطيبة” و ” أوبريت شهرزاد”، و “الباروكة” التي غنى في نهايتها مونولوج الشيطان: “دي حكاية أزلية ورواية تاريخية وارثها عن ابويا وواخدها من اخويا شوف بختك في مراتك زي أختك وحماتك قلتلهم عملوها وسعادتهم لقيوها مالناش أبدًا غير باروكتنا هي حيلتنا”.. وكانت تؤدَّى هذه الروايات المسرحية على خشبة المسرح وكانت هي التي تشكّل العقلية الفنية والمسرحية في رؤوس المصريين لأول مرة.. أيضًا مما تغنى به سيد درويش بكل صدق هو علاقته بحبيبته “جليلة” التي عزف في حبها أعذب الألحان منها “أنا هويت” و”أنا عشقت” و “والله تستاهل يا قلبي” وغيرها الكثير. ويُذكر أنه كان يغني اسمها عرضًا بين كلمات الأغاني أحيانًا، فغدت “جليلةُ” سيّد ذائعة الصيت والشهرة.. وأصابت هذه الألحان قلوب المصريين لما فيها من توافق بين اللحن والكلمات وآداء غنائي شجي لسيد درويش.. فاهتم بها العامة والأدباء ورجال القصر..

كان الأديب توفيق الحكيم هو الذي تتبعه في المسارح والمقاهي ليستمع إلى فنّه وليكتب عنه بعد ذلك:

كانت أغاني سيد درويش…وألحانه الشعبية…تسري في الناس كالنار في الهشيم..ولكني ما كنت أرى منه أن هذا هو الذي يملؤه بالفخر. لقد كان تواقًا إلى الفن في صورته العليا…وأنه لعجيب أن يكون لمثل سيد درويش بثقافته البسيطة صورة عليا للفن.. إنني لا أعتقد أن سيد درويش كان يتعمد التجديد قهرًا أو افتعالًا ولم أسمعه يتحدث في ذلك.. كما يتحدث أصحاب النظريات أو قادة النهضات.. ولكن التجديد عنده فيما أرى كان شيئا متصلًا بفنه ممزوجًا به… لا حيلة له فيه.. شيئًا يتدفق من ذات نفسه …كما يتدفق السيل الهابط من القمم.. كانت الألحان تنفجر منه كأنها تنفجر من ينبوع خفي…

يمكنك الاستماع إلى مجموعة أغاني السيد درويش في اليوتيوب عبر هذه القائمة.

موسيقى الفادو: حياة وتاريخ

tumblr_m9rgzoIdNs1qfbkomo1_500

فادو لون غنائي برتغالي يلخص مفهوم المعاناة والألم نشأ في عام 1820 
أو ربما قبل ذلك. يستخدم في هذا اللون من الموسيقى آلة الجيتار لكنها تحمل في صوتها وطريقة العزف عليها الطابع الأفريقي والأندلسي العربي قليلاً وذلك لتأثرها بالموسيقى الإسبانية والفلامنكو. فادو لشبونة يعتبر اليوم من التراث البرتغالي الذي يحكي تاريخ البرتغال والثورات ومنها ثورة القرنفل التي عرف أنها حدثت في القرن الماضي حين وضع الشعب زهور القرنفل في فوهات بنادق الجنود حتى أنها كانت الأكثر سلمية على مر تاريخ البرتغال.

يحمل هذا الفن في طياته لوعة وحزن وشجن ويتمحور حول كلمة (saudade) البرتغالية، والتي قد تعني الحزن الممزوج بالأمل، أو ما يتفجر لحظة لقاء المحبوب، وربما كانت تعني (الوجد) أو (الشجن) والذي هو مزيج عجيب من مجموعة مشاعر متضاربة من العشق و الحزن و الأمل. تقول رجاء عالم

يذهب البعض للقول بأن الفادو موسيقى جاءت كرقصة من أفريقيا في القرن 19 ، و تبناها الفقراء في شوارع مدينة لشبونة ، أو ربما بدأت في البحر كتراجيع الأمواج لحنين و أغاني البحارة الحزينة . و مهما كان مصدر الفادو فلقد التزمت مواضيعه القدر ، و الخيانة و اليأس و الموت ، و يقال إن حفل الفادو لا يُعَدُّ ناجحاً مالم تهمي دموع الجمهور . و في أوائل القرن العشرين كان الفادو هو موسيقى المأزق الأرضي ، موسيقى معجونة بتراب و عرق الأحلام المستحيلة للطبقة العاملة ، واشتهر مغنوه بالفاديست ، ينتشرون أزقة أقدم أحياء برشلونة ، و في حاناتها و ملاهيها الطافحة بالفقراء ، تصدح حناجرهم بالغناء مع المساء و تخترق جوف الليل كختام ليوم عمل شاق و تنفيث لهمومه ، هو التوق الذي لا يُشبع على هذه الأرض ، بينما يستحضر الفادو للمهاجرين البرتغال الوطنَ الذي خلفوه وراءهم.

كسائر الموسيقى الشعبية، تعتبر الفادو لغة الروح للروح؛ لأنها تحكي البحر والموج والفقد. لدرجة أنه ذات مرة حاول أحد رؤساء البرتغال التضييق على هذا الفن واخراجه في شروط معينة دون ابتذال. ولأن الفادو أحد ثروات البرتغال استمر هذا الفن ونمى بين أجيالها حتى غدا اليوم هو الإحساس بالحياة.

وأما الطقوس، فللفادو  طقوسه أيضاً. فإلى جانب أنه حكايا إنسان ومعاناة وطن، فلحضوره هيبة عند جمهوره في الإصغاء. حيث أنه لمجرد أن يبدأ العزف على الجيتار ينغمس الجمهور إنغماسا كليا ليشاهد الصورة كاملة في السواد الذي يغطي كامل جسد مغنيات الفادو العريقات، ويرى في طريقة الغناء ولغة اليد خاصة قصة إما بوضعها خلف الخصر ليخرج الصوت من العمق أو أنها تكون بمحاذاة مقر الألم حيث القلب!

ولرجاء عالم وصف لطقوس اميليا رودريغوس التي تعتبر هي ملكة الفادو والعزفيين المرافقين لها حيث تقول

يبدأ العازفون الثلاثة منكبين على جيتاراتهم ، برؤوسهم منحنية على أجساد الآلات التي يضمونها و يغوصون بأصابعهم في أوتار قلوبهم ، لينبعث جيشانها موقِّعاً لوعته على حبال حنجرة صوت كريستينا ، و التي بدأت بيديها خلف خاصرتها ، و ترتعد مع كل اختلاج للحن .. اليد جزء من طقس الفادو ، فهي إما خلف الجسد مثل ركيزة لتسمح للحنجرة و الصدر بالانبثاق في الهواء ليرسل الصوت طليقاً من أسفل الجذع البشري ، أو هي عصافير جنة تُحَلِّق مرتعدة قليلاً في الهواء و لا تلبث أن تغوص منغرسة في الصدر ، تضرب عليه لتشق أبوابه للقلوب المنصتة..

من هنا يمكن مشاهدة ملكة الفادو اميليا رودريغوس وهي تغني إحدى أغانيها ، كما يمكنك الاستماع إلى مجموعة أغانيها في اليوتيوب من هذه القائمة.

وهنا يمكنك مشاهدة أغنية أخرى لهذا الطابع من الفن.

للاستزادة :

الفادو تروي حنين القنفل / مقال “الفادو” للكاتبة رجاء العالم / موسيقى الفادو إحساس بالحياة

يعقوب صنوع وبدايات الكوميديا الساخرة في العالم العربي

370

ليس من السهل أنْ أروي قصة مسرحي، ذلك المسرح الذي كان في الواقع يستدر دموع الفرح من عيني، غير أنها كانت في الغالب مصحوبة بالألم. وُلِدَ هذا المسرح في مقهى كبير، كانت تعزف فيه الموسيقى في الهواء الطلق، وذلك في وسط حديقتنا الجميلة (الأزبكية) في ذلك الحين، أي في سنة 1870، كانت ثمة فرقة فرنسية قوية تتألَّف من الموسيقيِّين والمطربين والممثلين، وفرقة تمثيلية إيطالية، وكانتا تقومان بتسلية الجاليات الأوروبية في القاهرة، وكنت أشترك في جميع التَّمثيليات التي تُقَدَّمُ في ذلك المقهى… وإذا كان لا بد لي من أنْ أعترف، فلأقل إذن إنَّ الهزليات والملاهي والغنائيات والمسرحيات العصرية التي قُدِّمت على ذلك المسرح هي التي أوحت إليَّ بفكرة إنشاء مسرحي العربي. – يعقوب صنّوع

كان القرن التاسع عشر يشرف على نهايته حين ظهرت لأول مرة محاولات جادة لتأسيس قاعدة للفن الغنائي المسرحي العربي والخروج من عادة تخصيص الغناء لإحياء الأفراح والموالد والملاهي .. وكان أغلب أصحاب هذه المحاولات -أمثال جورج أبيض ومارون النقاش– ممن زاروا أوروبا وفتنوا بفن المسرح الغنائي هناك، فاقتصرت محاولاتهم على ترجمة الأعمال المسرحية الغربية مثل : أوديب الملك وشارل السادس وعطيل، وتمثيل بعض القصص الكلاسيكية العربية مثل: هارون الرشيد، وصلاح الدين الأيوبي.. ولأن طبيعة تلك المسرحيات كانت بعيدة جدًا عن مستوى تذوق الفرد العربي للفن، وبعيدة كل البعد عن طبيعة حياته ومعاناته، فلم يستطع العرب تشرّبها ومن ثم التغنّي بها وإعدادها وسيلةً للتعبير!

وفي تلك الفترة أيضًا ظهر بمصر يعقوب صنوع، الذي يُعد من قِبل الكثير من الباحثين هو المؤسس الحقيقي للمسرح العربي، لأنه قدّم للجمهور المصري مسرحيات تتعلق بمشاكلهم الاجتماعية والسياسية، واستخدم فيها اللغة العامية وأيضًا الأغاني والرقصات الشعبية.. فكانت إحدى مسرحياته -مثلًا- تتحدث عن تعدد الزوجات أسماها “الضرّتين”، وتتكون هذه المسرحية من فصل واحد مختوم بالجملة الغنائية:

اللي بده يعيش عيشة مرّة، يدخّل على أم ولاده ضرّة.. أما اللي يعيش فرحان، ما يعملوش قلادة من النسوان..

image

وهكذا حاول “صنوع” لأول مرة صناعة الفن المسرحي والغنائي بالعالم العربي، وبالطبع كانت مهمته ثقيلة لأبعد حدّ إن لم تكن تعجيزية، فكان يعقوب يقوم كل مرة بشرح فكرة “فن التمثيل المسرحي” و فكرة “فن الغناء” للجمهور قبل أن تبدأ المسرحية! لأنهم ببساطة لم يعلموا شيئًا عن المسرح بعد… ولم يكن لديه أي ممثلين أو ملحنين أو مغنين في بادئ الأمر، لأنه لم يوجد هناك أحد ليمثل أو يلحّن بمصر.. فاشتغل هو أيضًا باكتشاف المواهب التمثيلية والغنائية، واضطر لأن يعطي أدوار النساء والفتيات لصبيان يافعي العمر في البداية، حتى وجد فتاتين متشردتين فاستطاع إقناعهن أن يشاركن بالتمثيل والغناء..

بهذه الطريقة كوّن يعقوب جوقته وقدم مسرحياته وذاع صيته حتى سمع به حاكم مصر “الخديوي اسماعيل” واستقطبه لآداء المسرحيات بقصره، وظل على هذا الحال سنوات قليلة إلى أن نُفي من مصر في آواخر القرن التاسع عشر بعد أن قدم مسرحية ساخرة باسم “الوطن والحرية” والتي سخر فيها من فساد القصر والنظام الحاكم (ويمكن اعتبار هذه المسرحية فاتحة فن الكوميديا الساخرة بالعالم العربي).. إلا أن فكرة المسرح العربي لم تُنف مع يعقوب صنوع.. بل استشْرت، وأخذت الجوقات المسرحية تتكاثر في بداية القرن العشرين، فظهرت جوقة سلامة حجازي وجوقة منيرة المهدية وجوقة علي الكسار و نجيب الريحاني.. وكانت جميع هذه الجوقات تؤدي ما يسمى بـ”الرواية” الملحّنة، وهي مسرحية غنائية قصيرة تؤدى على المسرح الذي كان يسمى آن ذاك بالـ”تياترو” (التسمية الإيطالية للمسرح).. لكن مواضيع تلك الروايات ومستواها الفني لم يرتقي لجذب جميع فئات الشعب واستقطابها إلى أن جاء “السيد درويش” في العقد الثاني من القرن العشرين، حاملًا معه التغيير على كافة الأصعدة والمستويات الغنائية والمسرحية.

للاستزادة: يعقوب صنوع في ويكيبيديا / يعقوب صنوع في موقع المعرفة / تقرير الجزيرة نت / موقع اللغة والثقافة العربية / موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

العري في الفن: فضيلةٌ أم خطيئة ؟

b20910
تحفل اللوحات الفنية بالأجساد العارية بداية من حضارات ما قبل التاريخ، وصولا إلى الفن المعاصر. بيد أن العري كان ملمحا مهما من ملامح لوحات و منحوتات حضارة اليونان لتصوير الميثولوجيا ثم ازدهر كثيرا في عصر النهضة. لا يقتصر استخدام الجسد العاري على الفن بلوحاته و منحوتاته بل يمتد إلى التصوير الفني و الإعلام و حتى الاحتجاج مؤخرا. سأتناول هنا جانب الفن فقط و لعله يوفر مدخلا بسيطا لفهم مضامين العري في البقية.

هناك بطبيعة الحال رأيٌ يحتفل بالعري و رأي آخر يضيق به.  فهل ننظر إذن إلى الفن العاري باعتباره خطيئة أم فضيلة؟

لنتناول ما يدعمه أولا -باعتباره الأبعد عن ثقافتنا- ملخّصا في نقاط:

قد ينظر إلى الثياب ككونها أحد العناصر الدخيلة على علاقة الإنسان ببيئته. يقول عالم الأنثروبولوجيا Ian Gilligan بشأن الملابس:

الملابس هي الشيء الذي يفصلنا عن الطبيعة؛ حرفياً و رمزياً. إنها تؤثر على الطريقة التي ندرك بها أنفسنا و بيئتنا. الملابس حائلٌ بيننا و بين العالم، بيننا و بين نفسنا الفيزيائية، و لها بالتالي انعكاسات على الكيفية التي نرى بها أنفسنا بالمقارنة مع الأشياء الأخرى حولنا ، و الكيفية التي تتفاعل بها أجسادنا مع العالم. لقد لفّــقنا بيئة مصطنعة بالكامل، و هي بشكل ما كالكساء الخارجي. جوانب عديدة من حضارتنا تعزلنا عن العالم الخارجي الطبيعي.

التعري قد يكون شكلا من أشكال التعبير عن الحرية و رفض القيود السلطوية؛ في ذلك يقول الفنان Fred Hatt:

بالنسبة للأصوليين المتعصبين  من كافة الثقافات و الذين يخافون الحرية الفردية، فإن صورة الجسد العاري تهديد للنظام ! لأنها تذكر الناس بالمتعة الحيوانية الخالصة. الجسد الحر يرعب السلطويين. إذا اختبر الناس الحرية على مستوى الجسد، فقد لا يعود بالإمكان السيطرة عليهم. لذا، ينبغي أن يفرض الاحتشام بصرامة.

الفن العاري قد يكون وسيلة للثورة على الفصل الحاد بين الروح و الجسد و الذي يميل إلى جانب الروح بشكل غير عادل. إنها وسيلة للقول بأن هذا التباين ليس حقيقا بالدرجة التي يبدو عليها، يوضح  Fred Hatt:

نحن نصوّر العقل أو الروح كـ سماوي، ملائكي، و نقي، بينما نصور الجسد المادي كشيء يربطنا بالموت، بالرغبات المُـتلِفة، و بالمعاناة. بالتالي: صورة الفن العاري تذكّرنا بأننا أجسادُنا.. أن الجنسانية و الغريزة و الوفاة طبيعتنا الفعلية.. أن جمال الطبيعة الحيوانية فينا لا يمكن فصله عن جمال روحانيتنا.

الجسد و الطبيعة و ما هو حي على الأرض.. تم اختزالهم إلى مجرد أشياء.. أشياء  وجدت لِـتُستغل و تروّض بلا رحمة في سبيل ترقية الروح المفترض بأنها طاهرة.  لقد عانت الأرض كثيرا بسبب هذا الفصل داخل الإنسان، و لكن نحن بدورنا كمخلوقات من هذه الأرض لم نهرب من هذا الألم أيضا.

قد يكون العري وسيلة لضبط المقاييس المقلوبة، أي لإظهار ما هو حقيقي .. ما هو جميلٌ فعلا. في معنىً شبيهٍ يقول مايكل آنجلو :

أيّ روحٍ فارغة و عمياء لدرجة أنها لا تدرك حقيقة أن القدم أنبلُ من الحذاء، و أن الجلد أجمل من الحلل التي تغطيه؟

ما ذكر إلى الآن هو بعض ما يمكن أن يمثله الفن العاري بالنسبة للمتأمل، فمالذي يمكن أن يمثله بالنسبة للفنان نفسه؟  عند الفنان؛ رسم الجسد العاري معقد و بعث الحياة فيه أعقد ، و هذا يمثل تحديا لذيذا. يقول الفنان Jacob Collins:

لقد أردت أن أصب كل طاقتي في أعظم تحد يمكن أن يواجهه رسام. لا شيء أصعب من أن ترسم قواما ببساطة و وضوح، بجمال و قوة. أن ترسم الإنسان داخل الشخص من خلال جسده الخارجي هو الهدف الأصعب و الأسمى. أن ترسم بمهارة خبراء الماضي و تشعر بأنك لا زلت منتعشا رغم ذلك.. أن ترسم قوالبا تشريحية تنبض بالحياة.. أن ترسم رأسا و كأنه مثقل بالأفكار يعني أن تقفز إلى عالم عظماء رسامي العصور الماضية.

بالإضافة إلى ذلك، فالعري يعبر عن انفعالات الجسد:

الجسد العاري يعطي الفنان مساحة أكبر ليعبر عن مشاعر مثل التوتر، الغضب، القوة، و اليأس و للتعبير عن الحركة أيضا: العضلات المتقلصة، الأوردة الممتلئة، الجذع الملتوي، الساق المليئة بالأوتار.. تعطي كلها إحساسا بالحركة.

أما بالنسبة للرأي المخالف؛ فإن نصيبا كبيرا من المعارضة كان بسبب عري المرأة تحديدا. لماذا؟ بعض أقدم اللوحات اليونانية أتت لتصور الأساطير بصريا، فتُظهر الآلهة المذكرة و المؤنثة عارية، و تُسبغ على عريها معاني الطهارة و السمو و البهاء. لما تغيرت مواضيع اللوحة و اتجهت لتصوير مظاهر الحياة، ظهر جليا أنها تميل لتصوير الرجال كمحاربين أشداء أو شهداء. أصبح هناك تمايز كبير بين الدور الفاعل الذي يصور فيه الرجل و بين الدور السلبي الخاضع الذي تصور فيه المرأة، إذ غالبا ما تكون مسترخية، متكئة أو مستلقية.

في السبعينات؛ نشر الكاتب و الناقد الفني John Berger نقده لعري الإناث في الفن في برنامج تلفزيوني و نصوص، ألخص فيما يلي بعض نقاطه للتعرف على وجهة النظر المعارضة:

ترافق المرأة صورتها لنفسها دائما، إلا عندما تكون وحدها – و ربما حينها أيضا- . لقد عُلـِّــمت بأن تفحص و تتقصى شكلها باستمرار. لوحات الفن العاري أيضا تصوّر المرأة كـ “منظر” لِـيُطالع، و نادرا ما تمثل اللوحة شخصيةً أو صفة. إذن؛ على العارية أن تكون غرضا ليعاينها و يقيمها و يحكم عليها مشاهد ذكر.

عريّــها هنا ليس تعبيرا عن مشاعرها الداخلية، و إنما “علامة” على خضوعها للطلب. العري هنا ليس احتفالا بالحب الجنسي الحيوي بين اثنين، و الذي تكون المرأة فاعلةً فيه كما الرجل، و تمتص  فيه أفعال أحدهما الآخر. بل على العكس؛ فإن الشخص الآخر الذي يهم هنا هو الغريب المتفرج الذي يطالع الأنثى العارية. – غالبا ما يُلاحظ في هذه اللوحات (النظرة إلى الرجل) ؛ أي أن اهتمام الأنثى منصب على المشاهد و ليس منسجما مع مشهد اللوحة- . تظهر المرأة غالبا بليدة و خاملة، و كأنها هنا لِتُشبع غريزةً و ليس لتحظى بواحدة لنفسها… إن الجنس ليس داخل المشهد بل أمامه!

لقد أصبح العري نوعا من الأزياء الموحدة الغير قابلة للخلع و التي تقول: أنا مستعدة الآن للإرضاء الجنسي. تبعا لذلك، لا يمكن أن نطابق بين العري و بين الحرية باعتبارهما شيئا واحدا.

يقال: أن تكون عاريا هو أن تكون حاسرا ، و هو أن تكون بلا ملابس ، و هو نوع من الفن.

أنا أضعها بالصورة التالية: أن تكون عاريا هو أن تكون ذاتك. أن تكون حاسرا/ مكشوفا هو أن تُرى عاريا من قبل الآخرين و لا يُتعرَّف على ذاتك بالرغم من ذلك.

أن تكون عاريا يعني أن تكون بلا تنكّــر أو تخــفٍّ. أن تكون معروضا يعني أن يصبح سطح جلدك قناعا لا يمكن التخلص منه.

* اللوحة : Spring All Around by Aleksander Gorbunov

* للمزيد حول العري في الفن من ويكيبيديا

المصادر:

Understanding paintings

Fred Hatt’s Bolg

ways of seeing

Wikipedia