خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | التاريخ

كيف يسهم فهم التاريخ في فهم الحاضر والمستقبل ؟ وهل هناك من حقائق تاريخية قد تعطينا لمحة لحل مشاكلنا الحاضرة ؟

الثورة النيوليثية

 

حياة مستقرة

عندما يفكر الإنسان في العصر النيوليثي –الثورة الزراعية- يستحضر آثار ستونهنج الصخراوية الشهيرة الواقعة في سهل ساليسبري  بإنجلترا. ترجع هذه الآثار إلى ٣٠٠٠  ما قبل الميلاد، ما قبل المسيح، وهي مكونة من مجموعة صخور مركبة على شكل دائري يفوق أي عمل فني بأوروبا آنذاك. تمثل  آثار ستونهنج التطورات الثقافية التابعة للثورة النيوليثية – أهم تطور في تاريخ الإنسان. طريقة حياة الإنسان اليوم بداخل المنازل المستقرة في مدن مختلفة الأحجام بجانب عدد من السكان تحت ظلال مجموعة قوانين تحمي حقوقه ومحاصيل يجني منها غذائه، وأوقات الفراغ التي يستغلها متابعة العلم، الاختراع، والاستكشاف ترجع إلى الثورة النيوليثية التي وقعت ما قبل ٥٠٠٠ – ١١,٥٠٠٠ سنة تقريباً. هذه الثورة أدت إلى تكوين نمط حياة الإنسان اليوم وهي نتيجة تطور الأدوات اللازمة لجني وزراعة المحاصيل، وترويض الحيوانات لتهيئتها للعمل على المزارع.

قبل الثورة النيوليثية كان الإنسان يعيش بين عشيرته بمساكن مؤقتة يرحل عنها بعد شهور قليلة باحثاً عن الغذاء ولا يملك إلا ما يمكن حمله بداخل جيبه أو حقيبته. التحول المهول الذي حدث بعد الثورة النيوليثية أدى إلى ظهور المتع والرخاء الذي نتنعم به اليوم مثل: تنوع الأغذية وتوفرها، المساكن المريحة، والأصدقاء.

saqya

1ستونهنج، ٣,٠٠٠ قبل التاريخ، سهل ساليسبري بمقاطعة ويلتشير جنوب غرب إنجلترا.

الفن النيوليثي

التغيرات المهولة في طرق حياة الإنسان أدت إلى تحول في أنواع الفنون التي يصنعها الإنسان. أعمال النحت النيوليثي أصبحت أضخم نظراً لعدم حاجة الإنسان إلى حملها وصناعة الفخار أصبحت أكثر انتشاراً بين الإنسان لحفظ ما جنى من المحاصيل الزراعية. في هذه الحقبة ظهرت الخمور والأعمال المعمارية بما فيها من التصميم الداخلي والخارجي. سنة تلو الأخرى بدأ الإنسان بالاستقرار في مكان واحد.

من الغير محتمل أن تكون آثار ستونهنج الصحراوية أعمال العصر الباليوثي، وهو العصر السابق للعصر النيوليثي ويسمى بالعصر الحجري القديم الذي بدأ منذ ٢,٣٠٠,٠٠٠ سنة خلت في أفريقيا، الرحل. أن ينصب رجل باليوثي عمل فني أو تذكاري بهذا الحجم في منطقة من غير المحتمل أن يرجع إليه أو يمر به مرة أخرى مضيعة للوقت والجهد. فالجهد المطلوب لبناء هكذا عمل ضخم فقد بلغ ستونهنج تقريباً ٣٢٠٠ قدم في المحيط والحجارة التي يتألف منها الطوق الخارجي تزن بقدر ٥٠ طن. كانت الأحجار الصغيرة، التي يصل وزنها إلى ٦ أطنان، مستخرجة من مسافات بعيدة تصل إلى ٤٥٠ ميلاً. معنى ستونهنج واستعماله غير واضح، لكن تصميمه، تخطيطه، وإخراجه لا يمكن تنفيذه إلا من خلال ثقافة ذات سلطة لا يمكن التشكيك أو الاعتراض عليها. هنا ثقافة كانت قادرة على تجميع مجموعة من البشر على عمل شاق على فترات طويلة من الزمن. هذه خاصية أخرى من خصائص العصر النيوليثي.

جماجم الجص (جبس)

وجدت أوائل الأدلة على الطقوس الدينية أثناء العصر النيوليثي ولطالما كانت الطقوس الدينية إلهام دائم للفنون الجمالية، الفنون الجمالية هي تلك الفنون التي ترتبط بالجمال والحس المرهف اللازم لتذوقها. عند بدء استخدامه كان يستخدم في وصف عدد محدود من الفنون المرئية كالنحت والطباعة وبشكل أساسي الرسم. ربما أكثر ما يجب الإنتباه لبلاد الشام/سوريا التاريخية، اسم تاريخي لجزء من المشرق العربي يمتد على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط إلى حدود بلاد الرافدين، هي جماجم الجص (الجبس) المنتشرة في ستة مناطق بما فيها أريحا التي تعرف بمدينة فلسطينية تاريخية تقع علي الضفة الغربية بالقرب من نهر الأردن وعند شمال البحر الميت. في الحقبة النيوليثية ٧,٠٠٠ – ٦,٠٠٠ ما قبل الميلاد غالباً ما كانوا الموتى يدفنون تحت أرضية المسكن وفي بعض الحالات كانت رؤوس الموتى تقلع وتغطى بالجص (الجبس) للحفاظ على الهيئة الإنسانية للوجه حيث كانت توضع الأصداف مكان العيون وتستعمل الأصباغ لرسم الشعر والشارب.

2جماجم الجص (الجبس)  من العصر النيوليثي  قبل استعمال الفخار ٧,٠٠٠- ٦,٠٠٠ قبل الميلاد، وجدت في موقع يفتاهيل الأثري في الجليل الأسفل، إسرائيل

التفسير التقليدي للحفاظ على هذه الجماجم كانت راجعة إلى أسباب الحفظ وعبادة الأجداد الذكور. لكن الأبحاث المؤخرة كشفت عن عدد ليس بالقليل من جماجم الجص (الجس) راجعة للنساء والأطفال بين الواحد وستون من الجماجم التي عثر عليها. ربما الجماجم لم تكن ذات صلة بالطقوس الدينية بل كانت وسيلة للحفاظ على ذكرى الأموات من قبل أحبابهم.

لم يكن لدى الإنسان النيوليثي لغة كتابية فلا يمكننا أن نجزم معرفة الأسباب. )أول نماذج تطور الكتابة ظهرت في الحضارة السومرية في بلاد مابين النهرين في أواخر الألفية الرابعة قبل الميلاد ولكن هناك علماء يعتقدون أن الكتابة بشكلها الأولية وضعت خلال العصر الحجري الحديث -النيوليثي)

 

الكاتبة: الدكتورة سنتا جيرمان، استاذة مساعدة في الكلاسيكيات والإنسانيات، جامعة ولاية مونتيكلير

المترجمة: جمانة سلامة

المصدر: (German, 2013)

الرابط:https://www.khanacademy.org/humanities/ap-art-history/global-prehistory-ap/paleolithic-mesolithic-neolithic/a/the-neolithic-revolution

 

شكسبير يكتب دفاعًا عن اللاجئين

نشرت المكتبة البريطانية على موقعها الالكتروني العام الماضي النص الوحيد المكتوب بخط يد الشاعر والكاتب المسرحي البريطاني الشهير (وليم شكسبير). النص الناجي جزء من مسرحية شارك شكسبير بكتابتها مع كتاب آخرين بين الأعوام ١٥٩٦-١٦٠١، وهو مسودة يسترجع الخطاب الذي ألقاه نائب نقيب الشرطة في لندن (السير توماس مور) في الأول من أيار/مايو عام ١٥١٧، حاول فيه السير مور استمالة رحمة الحشود الساخطة على توارد وصول اللاجئين وحضهم على معاملتهم بشكل انساني. النص يُفصح عن معتقدات (شكسبير) الأخلاقية التي عبر عنها بكتابته الداعية للتآخي والتعاطف والمشاركة، وكذلك موقفه من السلطة. المسرحية التي حملت عنوان (كتاب السير توماس مور)، لم تُعرض على خشبة المسرح بسبب زعم السلطة الملكية آنذاك بالخوف من موجة عنف جديدة في الوقت الذي كانت فيه إنجلترا وجهة المزيد من اللاجئين.

وصل لشواطئ إنجلترا بين الأعوام ١٣٣٠-١٥٥٠ آلاف اللاجئين الهاربين من عدد من الدول الأوروبية، معظمهم لاذ بحياته بسبب الاضطهاد الديني، وبعضهم جاء يبحث عن حياة أفضل. إلا أن رُهاب الأجانب استعر في قلوب السكان الأقدم في المملكة المتحدة، والذين اتهموا القادمين الجدد بالسعي وراء مصادر رزقهم وتغيير ثقافتهم. استمرت موجة الكراهية بالارتفاع إلى أن انفلتت العنصرية من عقالها ولم يستطع المعادون للأجانب كبح جماح غضبهم فخرجوا في مدينة لندن مسلحين بالعصي والحجارة والمياه المغلية، يهاجمون اللاجئين وينهبون بيوتهم، عُرف ذلك اليوم بالأول من أيار الملعون. في ذلك اليوم خرج نائب نقيب الشرطة في المدينة (السير مور) لتهدئة المحتجين واستمالة منطقهم الإنساني، إلا أن التعصب الأعمى قاد الحشود الغاضبة نحو التنكيل بمن لاذ بهم.

هنا ترجمة النص الشكسبيري بتصرف، ننقله لكم بشكل حصري في ساقية:


كتاب السير توماس مور

الفصل الثاني

المشهد الرابع

فليرحلوا إذا حاملين جلالة إنجلترا

التي نزعتها ضوضائكم

فكروا بالغرباء المعذبين

أطفالهم على ظهورهم

أمتعتهم الفقيرة على أكتافهم

جارّين أقدامهم للمرافئ والشواطئ بحثاً عن قارب نجاة

أما أنتم، هنا تتنازعُكم أهوائكم

وتصمت السلطة عن رغائكم

وتحيط برقابكم آرائكم

إلى ماذا ترمون؟ سأجيبكم:

غلبة العجرفة والبطش

كيف يمكن للقانون أن يسود على هذا المنوال؟

لن يشيخ أي منكم

تصورات الأوغاد هي نفسها

بصنائع أيديهم، بذرائعهم، بأنانيتهم

كالقرش والسمك ينهش بعضكم بعضا

ماذا لو ضاق الملك ذرعا بكم؟

ماذا لو قرر نفيكم؟

إلى أين ترحلون؟

من يؤويكم حسب طبيعة مزاجكم؟ فرنسا أم فلاندرز؟

أي مقاطعة ألمانية؟ إلى اسبانيا أم البرتغال؟

لا ملجأ غير إنجلترا

وإن قَلبَتْكُم الأنواء لغرباء

هل يرضيكم أن تجدوا أمة تحمل مثل هذا المزاج المتوحش؟

أمة تنفجر بعنف بشع

أمة لا تمنحكم موطئ قدم على الأرض

وتشحذ سكاكين الكراهية على رقابكم

وإن طردوكم كالكلاب؟ كأن الرب لم يخلقكم سواسية

ألا يُقلق راحتكم

عندما تضعون أنفسكم في أمكنتهم

ما رأيكم عندما تُستغلون؟

هذا قول عُجاب

وهذا توحشكم اليباب


[المصدر الأول]، [المصدر الثاني]

كيف تعرّف تودوروف على الشر؟

تودوروف

تزفيتان تودوروف (1939-2017)، فيلسوف ومنظِّر أدبي  بلغاري – فرنسي، طلب اللجوء السياسي في فرنسا أثناء دراسته فيها وأقام ولا زال ، له كتب مهمة مشهورة في النظرية الأدبية والنظرية الثقافية و مثل (مقدمة الشاعرية) و(الأدب في خطر) و (روح الأنوار) و(الخوف من البرابرة).

في كتابه (نحن والآخرون) والذي ترجمته الأستاذة (ربى حمود) إلى اللغة العربية، تحدّث (تودوروف) في مقدمة الكتاب عن تعرّفه على الشر. فيقول:

تعرّفت على الشر خلال الجزء الأول من حياتي، عندما كنت أقيم في بلد خاضع للنظام الستاليني. تعرُّف تدريجي، ففي السنوات الأولى التي تلت الحرب، كنت أصغر من أن أفهم جيدًا نبأ الاختفاء المفاجئ لقريب ما أو صديق للعائلة، نبأ إقامته القسرية في مدينة صغيرة من مدن الأرياف أو نبأ التخفيض المباغت لموارده المالية. وبعد ذلك أيَّدت عائلتي بدايات هذا النظام وانتمت إلى المنتفعين منه. اختلطت الأمور في نهاية العام ١٩٤٨ عندما وجد بعض أصدقاء أهلي، والمنتمين إلى محيطهم ذاته، أنفسهم في السجن، أو عندما كان يُشهّر بهم في الصحف، التي كنت قادرًا على قراءتها آنذاك. أو عندما بدأ أبي يلاقي متاعب في عمله. غير أنني بقيت رائدًا متحمسًا للستالينية حتى عام ١٩٥٢. كان موت (ستالين) بعد ذلك واكتشافي تدريجيًا، أثناء تقدمي في مرحلة المراهقة، لفراغ الخطاب الرسمي الذي كنت أحتك به يوميًا.

لم أكن أبدًا ضحية مباشرة للنظام، إذ إن ردة فعلي، كردة فعل كثير من مواطنيّ على كل حال، لم تكن في الاعتراض، أو الانخراط بنزاع، وإنما بالتحلّي بشخصيتين؛ إحداهما علنيّة وخاضعة طيّعة، والأخرى خاصة لا تفعل إلا ما يروق لها. غير أني وبمعنى آخر للكلمة كنت فعلًا ضحية رغم كل شيء، تمامًا كأي قاطن لبلدي، إذ لم تكن شخصيتي الخاصة، كما كنت أتخيل، نتاجًا صرفًا لإرادتي، فقد كانت تتشكل كردة فعل على ما كان يحيط بي. وبهذا تعرّفت على الشر. كان يكمن في الاختلاف الصارخ بين الجمل التي كان ممثلو السلطة يحيطون أنفسهم بها والحياة التي كانوا يعيشونها من جهة، وتلك التي كانوا يحملوننا على عيشتها والتي كانت على ما يبدو مستوحاة بالتحديد من مبادئ مختلفة تمامًا؛ كان يكمن في الإجبار على التصريح علنًا على تأييد هذه المذاهب الرسمية وفي الفقدان الذي ينتج عن ذلك لمعنى الكلمات الأكثر نبلًا ؛ حرية، مساواة أو عدالة. وكانت هذه الكلمات تُستخدم في تغطية القمع والمحسوبية والتباينات الصارخة في طريقة معاملة الأفراد، وكان يكمن في التأكيد الذي يستوجب أن يكون على كل موضوع موقف جيد وجيد، وفي الإثبات الذي كان يُقام على أن هذا الموقف كان محددًا من قِبل ولمصلحة المتنفذين في ذلك الوقت. فلا تكون “الحقيقة” إلا نتيجة القوة ؛ ويكمن في السلطة اللامحدودة والاعتباطية التي كان يُشعر بها موضوعة بين أيدي الشرطة وأجهزة الأمن من الحزبيين والمسؤولين والموظفين الإداريين القادرين في كل لحظة على تجريدة من عملك، من منزلك، من أصدقائك أو من حريتك ؛ يكمن في التحريض على الخضوع والوضاعة، في نظام الوشاية المُنشأ على كافة المراتب، والذي كان قد أصبح في الوقت ذاته الوسيلة الأسرع لشق طريق في الحياة ؛ يكمن في الخوف من الخوف. العقبات المادية، نقص المواد الاستهلاكية أو الطوابير الطويلة للتسوق، لم تكن شرًا بحد ذاتها، ولكنها كانت تصبح شرًا بمقدار ما كانت تنتج بوضوح عن الصفات الأخرى للنظام وتبدو كشعارات له. لم يكن هذا الشر واحدًا في كل الميادين طبعًا وإلا كانت الحياة مستحيلة ؛ كنت لا أزال ألتقي بأناس مدهشين أو أستفيد من البوادر المذهلة لأناس لم يكونوا دومًا على هذا النحو. وفي غياب حياة علنية لائقة، كانت الحياة الخاصة على أشدّها، حتى لو لم أكن قد تنبهت إلى ذلك آنذاك ؛ كانت العلاقات العاطفية، الصداقات، الاهتمامات الفكرية أو الفنية حادة.

لماذا يُكتبُ التاريخ الأدبيّ ؟

frenchlibrary3-1024x768
كليمان موازان، ولدت في باريس ودرست اللغات الشرقية في جامعة لومونوسوف في موسكو. كتبت موازان عددًا من الكتب، بالإضافة إلى ترجماتها ومشاركاتها الصحفية.

في كتاب (ما التاريخ الأدبي؟) من تأليف (كليمان موازان)، تحدث في أحد فقراته عن سبب كتابة التاريخ الأدبي. فيقول مستفتحًا حديثه باقتباس عن (رولان بارت) بالمصدر التتالي (تدريس الأدب، باريس، من منشورات Plon)، يقول فيه:

تاريخ الأدب موضوع مدرسيّ أساسًا ولا وجود له، بالضّبط، إلاّ من خلال تدريسه، فالأدب هو ما يُدرس و كفى. إنه موضوع للتّدريس.
رولان بارت، تدريس الأدب، باريس، من منشورات Plon.

ثم يُتبع (موازان) حديثه فيقول:

لقد أجاب (رولان بارت) جوابًا حاسمًا عن سؤال: “لماذا يُكتب التّاريخ الأدبيّ؟” من أجل تدريسه. فالتّاريخ الأدبيّ هو، أولاً وقبل كل شيء، أداة تدريس، و من ثم فهو وسيلة لنقل المعارف، تصبحُ بسبب هذا المؤسساتي، شكلاً من أشكال التربية بكل معاني الكلمة؛ الوطنيّة، الأخلاقية، الدّينية، السياسية، القوميّة و غيرها، لكن قبل أن يصل التاريخ الأدبي إلى هذه الغاية وحتى يصل إليها كذلك فإنه يتبنى مجموعة من الأدوات التي تقوم على أنماطٍ مختلفةٍ من فهم الحدث التاريخي، وعلى مناهج تسمح بتفسيرها و وصفها. وبما أن الأمر يتعلق بتدريس معين، فمن السهولة بمكان أن نفهم أن غاية التاريخ الأدبي إنما تمكن، في المقام الأوّل، في تنظيم الوقائع و منحها معنى معينًا، وفي حالتنا هذه، منح معنى إلى الكتّاب و الأعمال الأدبية اللذين يشكلان موضوع حكاية أو سرد.

ثثم يقول بعد ذلك:

غير أن التدريس لم يكن أبدًا نشاطًا محايدًا، فنحن لا ننقل معارف موضوعية خالصة بل ننقل، على العكس من ذلك تمامًا، معارف ذاتية خالصة. إننا نتداول الوقائع و الأفكار، رغم أنفنا وبعلم منا، ونغلفها بطرقنا الخاصة في النظر إليها وفي فهمها، إن العامل المحول هو ذلك الأستاذ الذي يختار النصوص، على غرار الكتاب المدرسي، ويقطعها تبعا لرغباته، محددًا معناها السياقي، وذلك بهدف تقييمها وتكريسها للحصول على إقرار المؤسسة في نهاية المطاف.

شوقي ضيف، والتطور الدلالي لكلمة “الأدب”

شوقي ضيف

أحمد شوقي عبد السلام ضيف (1910-2005)، الشهير بـ(شوقي ضيف)، أديب وعالم لغوي مصري، والرئيس السابق لمجمع اللغة العربية المصري. في سلسلته الشهيرة (سلسلة تاريخ الأدب العربي)، قام بتدوين تطور كلمة “الأدب” في الثقافة العربية، فيقول ابتداءً:

كلمة أدب من الكلمات التي تطوّر معناها بتطوّر حياة الأمّة العربيّة وانتقالها من دور البداوة إلى أدوار المدنيّة والحضارة. وقد اختلفت عليها معان متقاربة حتى أخذت معناها الذي يتبادر إلى أذهاننا اليوم: وهو الكلام الإنشائيّ البليغ الذي يُقصد به إلى التّأثير في عواطف القرّاء والسامعين، سواء أكان شعرًا أم نثرًا.

ثم ينتقل بعد ذلك إلى عصر ما قبل النبوة المحمدية، فيقول:

وإذا رجعنا إلى العصر الجاهليّ ننقّب عن الكلمة فيه لم نجدها تجري على ألسنة الشعراء، إنما نجد لفظة آدِب بمعنى الداعي إلى الطعام، فقد جاء على لسان (طرفة بن العبد):

نحنُ في المشتاةِ ندعو الجَفَلَى         لا ترى الآدب فينا ينتقر [1]

ومن ذلك المأدبة بمعنى الطعام الذي يُدعى إليه الناس. وإشتقّوا من هذا المعنى أدُبَ يأدُب بمعنى صنع مأدبة أو دعا إليها.

وليس وراء بيت (طرفة) أبيات أخرى تدل على أنّ الكلمة انتقلت في العصر الجاهلي من هذا المعنى الحسيّ إلى معنى آخر، غير أننا نجدها تُستخدم على لسان الرسول -صلى الله عليه وسلم- في معنى تهذيبيّ خلقيّ، ففي الحديث النبوي: “أدّبني ربي فأحسن تأديبي”، ويستخدمها شاعر مخضرم يُسمّى (سهم بن حنظلة الغَنَوي) بنفس المعنى إذ يقول:

لا يمنعُ الناس مني ما أردت ولا         أعطيهم ما أرادوا؛ حُسن ذا أدبا

وربما إستخدمت الكلمة في العصر الجاهليّ بهذا المعنى الخلقي، غير أنه لم تصلنا نصوص تؤيّد هذا الظن. وذهب (نالينو) [=مستشرق إيطالي] إلى أنّها إستخدمت في الجاهليّة بمعنى السنّة وسيرة الآباء مفترضًا أنها مقلوب دأب، فقد جمع العرب دأبًا على آداب كما جمعوا بئرًا على آبار ورأيًا على آراء، ثم عادوا فتوهّموا أن آدابًا جمع أدب، فدارت في لسانهم كما دارت كلمة دأب بمعنى السنّة والسيرة، ودلّوا بها على محاسن الأخلاق والشّيم.

وهو فرض بعيد وأقرب منه أن تكون الكلمة إنتقلت من معنى حسيّ وهو الدّعوة إلى الطّعام إلى معنى ذهنيّ وهو الدّعوة إلى المحامد والمكارم، شأنها في ذلك شان بقيّة الكلمات المعنويّة التي تُستخدم أولًا في معنى حسيّ حقيقيّ، ثم تخرج منه إلى معنى ذهنيّ مجازيّ.

ثم ينتقل بعد ذلك إلى العصر الذي سادت فيه الدولة الأموية، فيقول:

ولا نمضي في عصر بني أميّة حتى نجد الكلمة تدور في المعنى الخلقيّ التهذيبيّ، وتضيف إليه معنى ثانيًا جديدًا، وهو معنى تعليميّ؛ فقد وُجدت طائفة من المعلمين تُسمّى بالمؤدبين، كانوا يُعلّمون أبناء الخلفاء ما تطمح إليه نفوس آبائهم فيهم من معرفة الثقافة العربية، فكانوا يُلقّنونهم الشّعر والخطب وأخبار العرب وأنسابهم وأيّامهم في الجاهليّة والإسلام. وأتاح هذا الإستخدام الجديد لكلمة الأدب أن تصبح مقابلة لكلمة العلم الذي كان يُطلق حينئذ على الشريعة الإسلاميّة وما يتّصل بها من دراسة الفقه والحديث النبوي وتفسير القرآن الكريم.

وبعد ذلك إلى عصر سيادة الدولة العباسية، فيقول:

وإذا إنتقلنا إلى العصر العبّاسيّ وجدنا المعنيين التهذيبي والتعليمي يتقابلان في إستخدام الكلمة، فقد سمّى (ابن المقفّع) رسالتين له تتضمنان ضروبًا من الحكم والنصائح الخُلقيّة والسياسيّة باسم (الأدب الصغير) و(الأدب الكبير) وبنفس هذا المعنى سمّى (أبو تمّام) المتوفّى سنة 232 هـ الباب الثالث من (ديوان الحماسة) الذي جمع فيه مختارات من طرائف الشعر، باسم “باب الأدب”. وينطبق هذا المعنى تمام الإنطباق على كتاب الأدب الذي عقده (البخاري) المتوفّى سنة 256 هـ في مؤلَّفه المشهور في الحديث والمعروف باسم (الجامع الصحيح)، كما ينطبق على كتاب الأدب الذي صنّفه (ابن المعتز) المتوفى سنة 296 هـ.

وفي هذه الأزمنة أي في القرنين الثاني والثالث للهجرة وما تلاهما من قرون كانت الكلمة تُطلق على معرفة أشعار العرب وأخبارهم، وأخذوا يؤلفون بهذا المعنى كتبًا سموها كتبَ أدب مثل (البيان والتبيين) لـ(الجاحظ) المتوفى سنة 255 هـ وهو يجمع ألوانًا من الأخبار والأشعار والخطب والنوادر، مع ملاحظات نقدية وبلاغية كثيرة، ومثله كتاب (الكامل في اللغة والأدب) لـ(المبرّد) المتوفى سنة 285 هـ وقد وجّه اهتمامه إلى اللغة لا إلى البلاغة والنقد كما صنع (الجاحظ)، وقدّم فيه صورًا من الرسائل النثرية التي ارتقت صناعتها في تلك العصور […] ومما أُلّف في الأدب بهذا المعنى كتاب (عيون الأخبار) لـ(ابن قتيبة) المتوفى سنة 276 هـ و(العقد الفريد) لـ(ابن عبد ربه) المتوفى سنة 328 هـ وزهر الآداب للحصري المتوفى سنة 453هـ.

ولم تقف الكلمة عند هذا المعنى التعليمي الخاص بصناعتي النظم والنثر وما يتصل بهما من الملح والنوادر، فقد إتسعت أحيانًا لتشمل كل المعارف غير الدينية التي ترقى بالإنسان من جانبيه الاجتماعي والثقافي؛ فقد جاء على لسان (الحسن ابن سهل) المتوفى سنة 236 هـ:

“الآداب عشرة، فثلاثة شهرجانية[2] وثلاثة أنوشروانية[3] وثلاثة عربية، وواحدة أربت عليهن؛ فأما الشهرجانية فضرب العود ولعب الشطرنج ولعب الصوالج، وأما الأنوشروانية فالطب والهندسة والفروسية، وأما العربية فالشعر والنسب وأيام الناس، وأما الواحدة التي اربت عليهن فمقطعات الحديث والسمر وما يتلقاه الناس بينهم في المجالس”.

ثم يقول في موضع آخر:

وبهذا المعنى الواسع نجدها عند (إخوان الصفاء) في القرن الرابع للهجرة، فقد دلّوا بها في رسائلهم إلى جانب علوم اللغة والبيان والتاريخ والأخبار على علوم السحر والكيمياء والحساب والمعاملات والتجارات.

ويصل بعد ذلك إلى المؤرخ العظيم (ابن خلدون)، فيقول:

ولا نصل إلى (ابن خلدون) المتوفى سنة 808 هـ حتى نجدها تطلق على جميع المعارف دينية وغير دينية، فهي تشمل جميع ألوان المعرفة وخاصة علوم البلاغة واللغة، ومن ثم قال : “الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارهم والأخذ من كل علم بطرف”.

ويقول بعدها:

ومنذ القرن الثالث للهجرة نجد الكلمة تدل -فيما تدل عليه- على السنن التي ينبغي أن تراعى عند طبقة خاصة من الناس، وألفت بهذا المعنى كتب كثيرة مثل (أدب الكاتب) لـ(ابن قتيبة) و(أدب النديم) لـ(كشاجم) المتوفى حوالي سنة 350 هـ. وتوالت كتب مختلفة في (أدب القاضي) و(أدب الوزير) وأخرى في أدب الحديث وأدب الطعام وأدب المعاشرة وأدب السفر إلى غير ذلك. على أن أكثر ما كانت تدل عليه مقطعات الأشعار وطرائف الأخبار.

ووصولًا إلى العصر الحديث، يقول:

وأخذت الكلمة منذ أواسط القرن الماضي [يقصد القرن التاسع عشر، فقد كتب هذا النص في القرن العشرين] تدل على معنيين:

معنى عام يُقابل معنى كلمة LITTÉRATURE الفرنسية التي يُطلقها الفرنسيون على كل ما يُكتب في اللغة مهما يكن موضوعه ومهما يكن أسلوبه، سواء أكان علمًا أم فلسفة أم أدبًا خالصًا، فكل ما يُنتجه العقل والشعور يُسمى أدبًا. ومعنى خاص هو الأدب الخالص الذي لا يُراد به إلى مجرد التعبير عن معنى من المعاني، بل يراد به أيضًا أن يكون جميلًا  بحيث يؤثر في عواطف القارئ والسامع على نحو ما هو معروف في صناعتي الشعر وفنون النثر الأدبية مثل الخطابة والأمثال والقصص والمسرحيات.

Continue Reading →