خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | التاريخ

كيف يسهم فهم التاريخ في فهم الحاضر والمستقبل ؟ وهل هناك من حقائق تاريخية قد تعطينا لمحة لحل مشاكلنا الحاضرة ؟

لماذا يُكتبُ التاريخ الأدبيّ ؟

frenchlibrary3-1024x768
كليمان موازان، ولدت في باريس ودرست اللغات الشرقية في جامعة لومونوسوف في موسكو. كتبت موازان عددًا من الكتب، بالإضافة إلى ترجماتها ومشاركاتها الصحفية.

في كتاب (ما التاريخ الأدبي؟) من تأليف (كليمان موازان)، تحدث في أحد فقراته عن سبب كتابة التاريخ الأدبي. فيقول مستفتحًا حديثه باقتباس عن (رولان بارت) بالمصدر التتالي (تدريس الأدب، باريس، من منشورات Plon)، يقول فيه:

تاريخ الأدب موضوع مدرسيّ أساسًا ولا وجود له، بالضّبط، إلاّ من خلال تدريسه، فالأدب هو ما يُدرس و كفى. إنه موضوع للتّدريس.
رولان بارت، تدريس الأدب، باريس، من منشورات Plon.

ثم يُتبع (موازان) حديثه فيقول:

لقد أجاب (رولان بارت) جوابًا حاسمًا عن سؤال: “لماذا يُكتب التّاريخ الأدبيّ؟” من أجل تدريسه. فالتّاريخ الأدبيّ هو، أولاً وقبل كل شيء، أداة تدريس، و من ثم فهو وسيلة لنقل المعارف، تصبحُ بسبب هذا المؤسساتي، شكلاً من أشكال التربية بكل معاني الكلمة؛ الوطنيّة، الأخلاقية، الدّينية، السياسية، القوميّة و غيرها، لكن قبل أن يصل التاريخ الأدبي إلى هذه الغاية وحتى يصل إليها كذلك فإنه يتبنى مجموعة من الأدوات التي تقوم على أنماطٍ مختلفةٍ من فهم الحدث التاريخي، وعلى مناهج تسمح بتفسيرها و وصفها. وبما أن الأمر يتعلق بتدريس معين، فمن السهولة بمكان أن نفهم أن غاية التاريخ الأدبي إنما تمكن، في المقام الأوّل، في تنظيم الوقائع و منحها معنى معينًا، وفي حالتنا هذه، منح معنى إلى الكتّاب و الأعمال الأدبية اللذين يشكلان موضوع حكاية أو سرد.

ثثم يقول بعد ذلك:

غير أن التدريس لم يكن أبدًا نشاطًا محايدًا، فنحن لا ننقل معارف موضوعية خالصة بل ننقل، على العكس من ذلك تمامًا، معارف ذاتية خالصة. إننا نتداول الوقائع و الأفكار، رغم أنفنا وبعلم منا، ونغلفها بطرقنا الخاصة في النظر إليها وفي فهمها، إن العامل المحول هو ذلك الأستاذ الذي يختار النصوص، على غرار الكتاب المدرسي، ويقطعها تبعا لرغباته، محددًا معناها السياقي، وذلك بهدف تقييمها وتكريسها للحصول على إقرار المؤسسة في نهاية المطاف.

شوقي ضيف، والتطور الدلالي لكلمة “الأدب”

شوقي ضيف

أحمد شوقي عبد السلام ضيف (1910-2005)، الشهير بـ(شوقي ضيف)، أديب وعالم لغوي مصري، والرئيس السابق لمجمع اللغة العربية المصري. في سلسلته الشهيرة (سلسلة تاريخ الأدب العربي)، قام بتدوين تطور كلمة “الأدب” في الثقافة العربية، فيقول ابتداءً:

كلمة أدب من الكلمات التي تطوّر معناها بتطوّر حياة الأمّة العربيّة وانتقالها من دور البداوة إلى أدوار المدنيّة والحضارة. وقد اختلفت عليها معان متقاربة حتى أخذت معناها الذي يتبادر إلى أذهاننا اليوم: وهو الكلام الإنشائيّ البليغ الذي يُقصد به إلى التّأثير في عواطف القرّاء والسامعين، سواء أكان شعرًا أم نثرًا.

ثم ينتقل بعد ذلك إلى عصر ما قبل النبوة المحمدية، فيقول:

وإذا رجعنا إلى العصر الجاهليّ ننقّب عن الكلمة فيه لم نجدها تجري على ألسنة الشعراء، إنما نجد لفظة آدِب بمعنى الداعي إلى الطعام، فقد جاء على لسان (طرفة بن العبد):

نحنُ في المشتاةِ ندعو الجَفَلَى         لا ترى الآدب فينا ينتقر [1]

ومن ذلك المأدبة بمعنى الطعام الذي يُدعى إليه الناس. وإشتقّوا من هذا المعنى أدُبَ يأدُب بمعنى صنع مأدبة أو دعا إليها.

وليس وراء بيت (طرفة) أبيات أخرى تدل على أنّ الكلمة انتقلت في العصر الجاهلي من هذا المعنى الحسيّ إلى معنى آخر، غير أننا نجدها تُستخدم على لسان الرسول -صلى الله عليه وسلم- في معنى تهذيبيّ خلقيّ، ففي الحديث النبوي: “أدّبني ربي فأحسن تأديبي”، ويستخدمها شاعر مخضرم يُسمّى (سهم بن حنظلة الغَنَوي) بنفس المعنى إذ يقول:

لا يمنعُ الناس مني ما أردت ولا         أعطيهم ما أرادوا؛ حُسن ذا أدبا

وربما إستخدمت الكلمة في العصر الجاهليّ بهذا المعنى الخلقي، غير أنه لم تصلنا نصوص تؤيّد هذا الظن. وذهب (نالينو) [=مستشرق إيطالي] إلى أنّها إستخدمت في الجاهليّة بمعنى السنّة وسيرة الآباء مفترضًا أنها مقلوب دأب، فقد جمع العرب دأبًا على آداب كما جمعوا بئرًا على آبار ورأيًا على آراء، ثم عادوا فتوهّموا أن آدابًا جمع أدب، فدارت في لسانهم كما دارت كلمة دأب بمعنى السنّة والسيرة، ودلّوا بها على محاسن الأخلاق والشّيم.

وهو فرض بعيد وأقرب منه أن تكون الكلمة إنتقلت من معنى حسيّ وهو الدّعوة إلى الطّعام إلى معنى ذهنيّ وهو الدّعوة إلى المحامد والمكارم، شأنها في ذلك شان بقيّة الكلمات المعنويّة التي تُستخدم أولًا في معنى حسيّ حقيقيّ، ثم تخرج منه إلى معنى ذهنيّ مجازيّ.

ثم ينتقل بعد ذلك إلى العصر الذي سادت فيه الدولة الأموية، فيقول:

ولا نمضي في عصر بني أميّة حتى نجد الكلمة تدور في المعنى الخلقيّ التهذيبيّ، وتضيف إليه معنى ثانيًا جديدًا، وهو معنى تعليميّ؛ فقد وُجدت طائفة من المعلمين تُسمّى بالمؤدبين، كانوا يُعلّمون أبناء الخلفاء ما تطمح إليه نفوس آبائهم فيهم من معرفة الثقافة العربية، فكانوا يُلقّنونهم الشّعر والخطب وأخبار العرب وأنسابهم وأيّامهم في الجاهليّة والإسلام. وأتاح هذا الإستخدام الجديد لكلمة الأدب أن تصبح مقابلة لكلمة العلم الذي كان يُطلق حينئذ على الشريعة الإسلاميّة وما يتّصل بها من دراسة الفقه والحديث النبوي وتفسير القرآن الكريم.

وبعد ذلك إلى عصر سيادة الدولة العباسية، فيقول:

وإذا إنتقلنا إلى العصر العبّاسيّ وجدنا المعنيين التهذيبي والتعليمي يتقابلان في إستخدام الكلمة، فقد سمّى (ابن المقفّع) رسالتين له تتضمنان ضروبًا من الحكم والنصائح الخُلقيّة والسياسيّة باسم (الأدب الصغير) و(الأدب الكبير) وبنفس هذا المعنى سمّى (أبو تمّام) المتوفّى سنة 232 هـ الباب الثالث من (ديوان الحماسة) الذي جمع فيه مختارات من طرائف الشعر، باسم “باب الأدب”. وينطبق هذا المعنى تمام الإنطباق على كتاب الأدب الذي عقده (البخاري) المتوفّى سنة 256 هـ في مؤلَّفه المشهور في الحديث والمعروف باسم (الجامع الصحيح)، كما ينطبق على كتاب الأدب الذي صنّفه (ابن المعتز) المتوفى سنة 296 هـ.

وفي هذه الأزمنة أي في القرنين الثاني والثالث للهجرة وما تلاهما من قرون كانت الكلمة تُطلق على معرفة أشعار العرب وأخبارهم، وأخذوا يؤلفون بهذا المعنى كتبًا سموها كتبَ أدب مثل (البيان والتبيين) لـ(الجاحظ) المتوفى سنة 255 هـ وهو يجمع ألوانًا من الأخبار والأشعار والخطب والنوادر، مع ملاحظات نقدية وبلاغية كثيرة، ومثله كتاب (الكامل في اللغة والأدب) لـ(المبرّد) المتوفى سنة 285 هـ وقد وجّه اهتمامه إلى اللغة لا إلى البلاغة والنقد كما صنع (الجاحظ)، وقدّم فيه صورًا من الرسائل النثرية التي ارتقت صناعتها في تلك العصور […] ومما أُلّف في الأدب بهذا المعنى كتاب (عيون الأخبار) لـ(ابن قتيبة) المتوفى سنة 276 هـ و(العقد الفريد) لـ(ابن عبد ربه) المتوفى سنة 328 هـ وزهر الآداب للحصري المتوفى سنة 453هـ.

ولم تقف الكلمة عند هذا المعنى التعليمي الخاص بصناعتي النظم والنثر وما يتصل بهما من الملح والنوادر، فقد إتسعت أحيانًا لتشمل كل المعارف غير الدينية التي ترقى بالإنسان من جانبيه الاجتماعي والثقافي؛ فقد جاء على لسان (الحسن ابن سهل) المتوفى سنة 236 هـ:

“الآداب عشرة، فثلاثة شهرجانية[2] وثلاثة أنوشروانية[3] وثلاثة عربية، وواحدة أربت عليهن؛ فأما الشهرجانية فضرب العود ولعب الشطرنج ولعب الصوالج، وأما الأنوشروانية فالطب والهندسة والفروسية، وأما العربية فالشعر والنسب وأيام الناس، وأما الواحدة التي اربت عليهن فمقطعات الحديث والسمر وما يتلقاه الناس بينهم في المجالس”.

ثم يقول في موضع آخر:

وبهذا المعنى الواسع نجدها عند (إخوان الصفاء) في القرن الرابع للهجرة، فقد دلّوا بها في رسائلهم إلى جانب علوم اللغة والبيان والتاريخ والأخبار على علوم السحر والكيمياء والحساب والمعاملات والتجارات.

ويصل بعد ذلك إلى المؤرخ العظيم (ابن خلدون)، فيقول:

ولا نصل إلى (ابن خلدون) المتوفى سنة 808 هـ حتى نجدها تطلق على جميع المعارف دينية وغير دينية، فهي تشمل جميع ألوان المعرفة وخاصة علوم البلاغة واللغة، ومن ثم قال : “الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارهم والأخذ من كل علم بطرف”.

ويقول بعدها:

ومنذ القرن الثالث للهجرة نجد الكلمة تدل -فيما تدل عليه- على السنن التي ينبغي أن تراعى عند طبقة خاصة من الناس، وألفت بهذا المعنى كتب كثيرة مثل (أدب الكاتب) لـ(ابن قتيبة) و(أدب النديم) لـ(كشاجم) المتوفى حوالي سنة 350 هـ. وتوالت كتب مختلفة في (أدب القاضي) و(أدب الوزير) وأخرى في أدب الحديث وأدب الطعام وأدب المعاشرة وأدب السفر إلى غير ذلك. على أن أكثر ما كانت تدل عليه مقطعات الأشعار وطرائف الأخبار.

ووصولًا إلى العصر الحديث، يقول:

وأخذت الكلمة منذ أواسط القرن الماضي [يقصد القرن التاسع عشر، فقد كتب هذا النص في القرن العشرين] تدل على معنيين:

معنى عام يُقابل معنى كلمة LITTÉRATURE الفرنسية التي يُطلقها الفرنسيون على كل ما يُكتب في اللغة مهما يكن موضوعه ومهما يكن أسلوبه، سواء أكان علمًا أم فلسفة أم أدبًا خالصًا، فكل ما يُنتجه العقل والشعور يُسمى أدبًا. ومعنى خاص هو الأدب الخالص الذي لا يُراد به إلى مجرد التعبير عن معنى من المعاني، بل يراد به أيضًا أن يكون جميلًا  بحيث يؤثر في عواطف القارئ والسامع على نحو ما هو معروف في صناعتي الشعر وفنون النثر الأدبية مثل الخطابة والأمثال والقصص والمسرحيات.

Continue Reading →

هل تموت حضارات الأمم؟ المؤرخ ويل ديورانت يجيب

  • Will Durant

ويليام جيمس ديورانت (1885-1991) كاتب ومؤرخ أمريكي، حاصل على دكتوراه في الفلسفة، وعَمل أستاذاً في جامعة كولومبيا عاماً واحداً، ثم اتجه إلى إلقاء المحاضرات الحرة في الفلسفة والأدب في الكنيسة، وكتب بعد هذه المحاضرات أشهر كتبه (قصة الفلسفة) و(قصة الحضارة).

في كتابه (دروس التاريخ) جمع (ديورانت) الدروس التي استخلصها من رحلته التي استمرت 40 عاما ً في حضارات الشرق والغرب لكتابة الموسوعة الضخمة (قصة الحضارة). وهي دروس متعلقة بعدة نواحي مثل علاقة التاريخ بالأرض والأعراق والأخلاق والإقتصاد والحكومات. في فصل من فصول الكتاب يناقش ديورانت تطور وتحلل الحضارات عبر التاريخ، ويعرض تساؤلاً عما إذا كانت كل حضارة صائرة إلى الموت لا محالة.

نعرض تعريف (ديورانت) للحضارة والمقتبس من موسوعة (قصة الحضارة):

الحضارة نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي، وإنما تتألف الحضارة من عناصر أربعة: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية، ومتابعة العلوم والفنون، وهي تبدأ من حيث ينتهي الاضطراب والقلق، لأنه إذا أمن الإنسان من الخوف، تحررت في نفسه دوافع التطلع وعوامل الإبداع والإنشاء، وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهضه للمضي في طريقه إلى فهم الحياة وإزهارها.

يرفض ديورانت الفكرة القائلة بإمكانية التنبؤ بتفاصيل مستقبل الحضارات بناء على التاريخ الماضي، والتي يؤمن بها الكثير مثل (فرجيل) (19-70 ق.م) شاعر روماني، و(نيتشة) (1844 – 1900) فيلسوف ألماني. ولكن (ديورانت) يُقر بأن التاريخ يتكرر بشكل عام، حيث أن الحضارة تمر بمراحل عامة من النشوء والازدهار ثم السقوط. ولكن سلوك الجماعات الإنسانية يتغير بتغير الظروف المكانية والزمانية، ولهذا لا يمكننا التأكد من تكرر حوادث الماضي أو التنبؤ بمستقبل الحضارة.

التاريخ يكرر نفسه على نطاق واسع، لأن الطبيعة البشرية تَتَغير بروية جيولوجية، والإنسان مُجَهز كي يستجيب بطرق ثابتة للمواقف والدوافع المتكررة الحدوث، مثل الجوع والخطر والجنس. ولكننا نجد الأفراد في الحضارة المتطورة والمعقدة أكثر تفاضلا ً وتفردا ً من نظائرهم في المجتمع البدائي، كما نجد مواقف كثيرة تحتوي على ظروف جديدة تستلزم تعديلات في الاستجابة الفطرية. وهكذا يتقلص العرف، وينتشر التفكير المنطقي. وليس ثمة يقين بأن المستقبل سيكرر الماضي، فكل سنة جديدة ليست سوى مغامرة جديدة.

تتفق الأغلبية على أن الحضارة تمر بمراحل النهوض والسقوط، وتختفي الحضارة أو تبقى راكدة بدون تطور. وهنا يعرض ديورانت كيفية نشوء الحضارة وعوامل تطورها.

من المرجح أن معظم الدول (أي المجتمعات المنظمة سياسيا ً تشكلت من خلال غزو جماعة لأخرى، وتأسست قوة مستمرة فوق المَغزو على يد الغازي، فكانت مراسيمه أولى القوانين التي عرفوها، ثم خلقت هذه القوانين -مع إضافتها لأعراف الشعب-نظاما ً إجتماعيا ً جديدا ًومن الواضح أن بعض دول أمريكا اللاتينية بدأت بهذه الطريقة. وحين نظم السادة عمل رعاياهم كي يستغلوا نعمة من نعم الطبيعة (مثل نيل مصر أو أنهار أسيا) شكل الحس والتدبير الاقتصاديان أساسا ً أخر للحضارة. وقد يوقظ التوتر الخطير بين الحكام والمحكومين النشاط العقلي والعاطفي، ويعليه على التصدع اليومي عند القبائل البدائية. ويمكن أن تأتي إثارة التطور من أي تغيير في البيئة المحيطة، كأن يقع غزو خارجي أو نقص مستمر في المطر – وهي تحديات قد تواجه بالتحسينات العسكرية أو إنشاء قنوات الري.

وإذا عدنا بالمشكلة الى الماضي البعيد، وتساءلنا عما يحدد مواجهة التحدي من عدمها لكان الجواب أن هذا يتوقف على حضور أو غياب المبادرة، والأفراد المبدعين ذوي العقلية النيرة والإرادة القوية (وهذا يكاد أن يكون تعريف العبقرية) القادرين على الاستجابات الفعالة للمواقف المستجدة (وهذا يكاد يكون تعريف الذكاء) وإذا تساءلنا عما يصنع الفرد المبدع لأعادنا التاريخ الى علم النفس وعلم الأحياء – إلى حيث تأثير البيئة ومراهنات الكروموسومات (الصبغيات) وأسرارها. وعلى أية حال فإن المواجهة الناجحة للتحدي (كما فعلت الولايات المتحدة أعوام 1917، 1933، 1941) إذا لم تستنفذ طاقة المنتصر (كما حدث في إنجلترا عام 1945) ترفع درجة الصلابة والمنزلة في الأمة، وتجعلها أقدر على مواجهة التحديات الأخرى.

أما عن عوامل تحلل الحضارة فيرفض (ديورانت) التفسير القائل بأن الحضارة كائن حي باستطاعته التطور، كما أنه سينتهي بالموت لامحالة.

هذا التفسير لسلوك الجماعات هو من خلال القياس لعلم الأعضاء (الفيزيلوجيا) وعلم الطبيعة. وأن ننسب تدهور المجتمع الى قيد ما كامن في قدرته على الاستعارة والبقاء، أو عطب ما غير قابل للإصلاح في قوته الداخلية.

ولكن الجماعة لا تعني أن كائنا ً حيا ً يُضاف على نحو فيزيائي إلى عناصرها من الأفراد. فليس لها مخ خاص ولا معدة خاصة ويجب أن تفكر وتحس بعقول أفرادها أو أعصابهم. وحين تسقط جماعة أو حضارة لا يكون سقوطها من خلال أي قيد باطني خفي على حياتها المشتركة، وإنما يكون من خلال فشل زعمائها السياسيين أو الفكريين في مواجهة تحديات التغيير.

ثم يكمل عن مصادر التحديات التي تواجه الحضارة:

قد يفشل المطر أو الواحة، ويتركان الأرض جافة الى حد العقم. وقد تستنزف التربة بالزراعة غير المناسبة، أو الاستخدام قصير النظر، وقد يقلل إحلال العمل العبودي محل العمل الحر على حوافز الإنتاج، فيترك الأرض بغير فلاحة والمدن بلا طعام. وقد يؤدي التغيير في أدوات التجارة أو طرقها –مثل غزو المحيط أو الجو-الى توقف المراكز القديمة للحضارة وانحطاطها مثلما حدث لمدينة بيزا أو البندقية بعد عام 1492. وقد ترتفع الضرائب الى حد إحباط إستثمار رأس المال وحوافز الإنتاج. وقد تقضي زيادة المنافسة المغامرة على الأسواق والمواد الخام الأجنبية. وقد تمتص زيادة الواردات على الصادرات المعدن النفيس من الاحتياطات المحلية. وقد يؤدي تركز الثروة الى تمزق الامة في حرب طبقية أو عنصرية. وقد يجبر تركيز السكان والفقر في المدن الكبرى الحكومة على الاختيار بين إضعاف الاقتصاد بمنح الإعانات الحكومية للعاطلين وتحمل مخاطرة الشغب والثورة.

وكلما انتشر التعليم فقدت الأفكار اللاهوتية الاعتقاد فيها، ولاقت امتثالا ً مظهريا ً، دون تأثير على السلوك أو الآمال، فالحياة والأفكار تصبح متزايدة العلمانية، متجاهلة التفسير والمخاوف الخارقة، ويفقد القانون الأخلاقي شذاه وقوته كلما انكشف أصله البشري، وزالت المراقبة والجزائات المقدسة. ففي اليونان القديمة قضى الفلاسفة على العقيدة القديمة عند الطبقات المتعلمة. وفي كثير من أمم أوربا الحديثة حقق الفلاسفة نتائج مماثلة.

وفي العصور القديمة والحديثة على السواء حل الفكر التحليلي محل الدين الذي كان يدعم القانون الأخلاقي. وظهرت أديان جديدة، ولكنها كانت منفصلة عن الطبقات الحاكمة، ولم تقم بأية خدمة للدولة. وجاء عصر من الشك والضجر، والأبيقورية، بعد انتصار العقلانية على الأساطير في القرن الأخير قبل المسيحية، ثم تلاه انتصار مماثل في القرن الأول للمسيحية.

ومع الإشتباك في فترة الإسترخاء التي تقع بين قانون أخلاقي وآخر تال يستسلم جيل متحرر للترف، والفساد، والفوضى القلقة في الأسرة والأخلاق، ولا يستميت بالتعلق في القيود والطرق القديمة سوى نفر قليل.

وقد يؤدي فشل الزعامة بالدولة إلى الضعف من أثر النزاع الداخلي، وفي آخر العملية، قد تؤدي الهزيمة الحاسمة في الحرب إلى ضربة قاضية، أوقد يتحد غزو بربري من الخارج مع بربرية متصاعدة من الداخل فيؤدي اتحادهما إلى نهاية الحضارة.

إن التاريخ مليء بأنقاض حضارات الأمم، وكأنه يخبرنا بأن الموت هو مصير كل حضارة لامحالة، وفي هذا يكمل ديورانت.

هل هذه صورة مقبضة؟

ليس الأمر هكذا تماما ً. فالحياة لا تعرف المطالبة الموروثة بالخلود، سواء في الأفراد أو في الدول. والموت مسألة طبيعية، وإذا جاء في موعده يصبح مغفورا ًومفيدا ً، ولا يشعر العقل الناضج بالإساءة من مجيئه. ولكن هل الحضارات تموت؟

ليس الأمر هكذا تماما ً. فالحضارة اليونانية ليست ميتة تماما ً ولم يذهب إلا إطارها. أما موطنها فقد تغير وانتشر. وهي باقية في ذاكرة الجنس البشري، بوفرة لا يستطيع عمر واحد أن يستوعبها بأسرها، مهما كان طوله وعمره. وهيومرس يتمتع اليوم بقراءة أكثر مما كان له في عصره ووطنه، والشعراء والفلاسفة الإغريق موجودون بكل مكتبة وكلية. وأفلاطون في هذه اللحظة يقوم بدراسته مائة ألف من مكتشفي (البهجة العزيزة) في الفلسفة التي تغمر الحياة بالفكر الفاهم. وهذا البقاء المختار للعقول المبدعة هو أكثر أنواع الخلود حقيقة وخيرا ً.

إن الأمم تموت. والأراضي القديمة تزداد جدبا ً أو تعاني من أي تغيير أخر، والإنسان المرن يلتقط أدواته وفنونه، ثم يمضي، بصحبة ذكرياته. وإذا عَمَق التعليم هذه الذكريات ووسعها فإن الحضارة تهاجر مع صاحبها، وتبني له وطنا ًأخر. وعلى الأرض الجديدة لا يحتاج إلى البدء من جديد كلية، ولا إلى شق طريقه بدون عون ودي، فوسائل النقل والاتصال تربطه ببلده الأم كما لو كان في مشيمة مغذية. وقد استوردت روما الحضارة اليونانية ونقلتها إلى أوربا الغربية. واستفادت أمريكا من الحضارة الأوربية، وها هي تعد العدة لتداولها بتقنية نشر لم يسبق لها مثيل.

إن الحضارات هي ذريات الروح العرقية، وكما تتغلب الحياة على الموت بالإنجاب، تُسلم الثقافة المسنة تركتها لورثتها عبر السنين والبحار. بل وإننا ونحن نكتب هذه السطور، نجد التجارة، والطباعة، والأسلاك، والأمواج، وكواكب الجو غير المرئية، تربط بين الأمم والحضارات، وتحفظ للجميع كل ما أسهمت فيه احداها للبشرية.

وفي موضع أخر يقول (ديورانت):

يجب ألا يزعجنا كثيرا ً احتمال موت حضارتنا مثلما ماتت أية حضارة أخرى، أو كما سأل فريردرك الأكبر قواته التي تقهقرت عند مدينة كولن: (هل تراكم تحيون إلى الأبد؟) وربما كان من المرغوب فيه أن تتخذ الحضارة أشكالا ً جديدة وأن تكون للحضارات والمراكز الجديدة دورتها.

الحضارة العظيمة لا تموت كلية فقد بقيت المنجزات العظيمة بعد كل تقلبات الدول الصاعدة والساقطة: صنع النار والنور، والعجلات وغيرها من الأدوات الأساسية، واللغة والكتابة، والفن، والأغنية، والزراعة والأسرة، والرعاية الأبوية، والتنظيم الاجتماعي، والأخلاق والإحسان، واستخدام التعليم، في انتقال تراث الأسرة والعرق. وهذه هي عناصر الحضارة، تم الحفاظ عليها بصورة متماسكة خلال رحلتها الخطرة من حضارة إلى أخرى تالية تشكل النسيج الرابط للتاريخ الإنساني.

وعن أهمية التعليم في حفظ الحضارة:

والحضارة لا تورث وإنما يجب تعلمها واكتسابها من جديد على كل جيل وإذا توقف الانتقال قرنا ً من الزمان ماتت الحضارة وصرنا همجا ً مرة أخرى. ومن ثمة تكون أرفع منجزاتنا المعاصرة هي إنفاقنا الغير مسبوق على التعليم العالي للجميع.

ماذا سيكون حال الإثمار الكامل للتعليم إذا أُلحق كل طفل في المدرسة حتى سن العشرين على الأقل، وأُتيحت له الفرصة الحرة لدخول الجامعات والمكتبات والمتاحف التي تضم الكنوز الفكرية والفنية للجنس البشري وتبذلها؟

علينا أن لا ننظر للتعليم كعملية تكديس مؤلم للحقائق والتواريخ وعهود الحكم، ولا كمجرد إعداد ضروري للفرد لكسب قوته في الدنيا، وإنما كانتقال لتراثنا العقلي والأخلاقي والتقني والجمالي بكل ما في استطاعتنا الى أكبر عدد ممكن، من أجل توسيع فهم الإنسان للحياة، والسيطرة عليها، وتزيينها، والإستمتاع بها.

هل يمكننا الاستماع اليوم لفاجنر ؟

اشتُهِر ثيودور أدورنو (1903-1969) باهتمامه بالموسيقى والنقد الموسيقي وأنه أحد مؤسسي خط النقد الثقافي الموسيقي في مدرسة فرانكفورت. واشتهر أيضا بكتاباته المتعلقة بارتباط الموسيقى بالعنف النازي إبان الحرب العالمية الثانية وارتباط الموسيقى بالأيديولوجيا أو ما يسميه هو “بالوظيفة الأيديولوجية للنقد الموسيقي”، أيضا مسائل الإستهلاك والفيتشية الموسيقية. وارتبط أدورنو بالموسيقار والمسرحي الألماني ريتشارد فاجنر وعلاقته بالعقيدة النازية للنظام الهتلري الحاكم لألمانيا آنذاك. حيث اشتهر فاجنر بمعاداته للسامية وبتأليفه أعمالاً كانت فيما بعد ركيزة للفكر النازي ومعاداة السامية عموما وأدبا من أهم ادبياتهما. أعمالٌ مثل: “حلقة النيبلونج” وهي أربع أوبرات مستوحاة من الأساطير الجرمانية، “بارسيفال” هي أوبرا يشير فيها بشكل متكرر إلى مواضيع المسيحية والجنس من خلال القومية الألمانية والعداء لليهود. ايضا دراسة موسيقية بعنوان “اليهود في الموسيقى” اتَهم فيها الموسيقيين اليهود بالسطحية والانحطاط، ويعود هذا الانحطاط إلى انحطاط اللغة العبرانية إذا ما قارناها بالألمانية. وكان هتلر معجباً إعجاباً شديداً بفاجنر وكان يأمر بتنظيم حفلات لأعماله ويأمر أتباعه بحضورها. واشتهر في مرويات الهولوكوست أن الإعدامات في معسكرات الإعتقال مثل أوشفيتز تتم على أنغام افتتاحية معزوفة “الأساتذة الموسيقيون لنورمبرغ” أو يُجبَر المعتقلين على الإستماع لموسيقاه على سبيل إعادة التأهيل مثلما حدث في معسكر “داشاو”.

اهتم أدورنو بمسألة عداء السامية عند فاجنر وعلاقتها بمنتجه الفني، هل هما منفصلان أم هل ينبع عمله الموسيقي كمركب فني من أصل عداء فاجنر للسامية وماهو أصل هذا العداء في المقام الأول؟ فكتب بخصوص هذا كتاباً بعنوان “البحث عن فاجنر” في عام 1938، ولكنه لم يُنشر إلا بعد هروب أدورنو إلى نيويورك وعودته في 1952. في هذا الكتاب يناقش أدورنو فاجنر من نواحٍ عدة، خاصة مسألة أخلاقية الاستماع لفاجنر وعلاقته بالحاضر، وتحول فاجنر الفكري في شبابه من الأنسنة المتأثرة بفيورباخ للعدمية الشوبنهاورية بعد هزيمة ثورات شارك فاجنر في محاولة إذكائها. وهنا يبدو تأثر أدورنو في التحليل بهوركهايمر في علاقة العدمية والثورات المضادة الناتجة عن هزيمة الثورات ويقارب هذا التحول بدراسات هوركهايمر عن المجتمع البرجوازي. وتتمظهر هذه التحولات في الأوبرا الأخيرة  من “حلقة النيبلونج” والمعنونة بـ”شفق الآلهة” أو Gotterdammerung والمأخوذ من أسطورة نورسيّة قديمة عن حرب بين البشر والآلهة تنتهي بحريق وغرق يليهما نشوء وولادة عالم جديد.

كان أدورنو صارماً في نقده لفاجنر بحكم الوضع السياسي العصيب الذي عاشه بسبب النظام النازي إلا أنه قد أصبح لين الجانب قليلا فيما بعد ذلك فيقول في محاضرة له ألقاها في عام 1963 معلقا على كتابه:

اليوم أود أن أعيد صياغة العديد من الأشياء التي تم ذكرها في الكتاب بشكل مختلف. خاصة الإشكال المركزي فيه، وهو العلاقة بين الشؤون المجتمعية هذا من جهة. ومن جهة أخرى الشؤون الاستطيقية، فربما تعمقت أكثر من اللازم عما كانت عليه الأمور آنذاك. لكني لا أتخلى عن الكتاب ولا أضع مسافة بيني وبين مبادئه التي يقوم عليها.

ويكمل قائلا:

ربما علي أن أشكر الحرية، فباستطاعتي الآن أضع بعض التعليقات بخصوص التغييرات التاريخية في سلوكنا تجاه فن فاجنر، فنحن لا نستطيع تجاهل العامل السياسي. فلقد حلت بنا كوارث عدة حتى نرى الجمالي فيها ونغلق أعيننا عليه.

 أول أسئلة أدورنو كانت من أين تأتي معاداة السامية هذه عند فاجنر؟ فحاول البحث فلسفيا عن هذه الإجابة. فاعتبر أن موسيقى فاجنر ماهي إلا تجسيد لخيبة ثوراته، بشكل تناقضي يحدث هذا من خلال الجمع بين الرفض المحافظ للحداثة الرأسمالية والعناصر الرئيسية للإستهلاك الفيتيشي. وبالتالي إذا سلّمنا بهذا تصبح المعاداة للسامية عند فاجنر ليست خيارا شخصيا أو رأيا ظاهريا فحسب، وإنما هي محفورة في البنية الداخلية لأعماله الفنية.

يحاول الناقد السلوفيني سلافوي جيجيك الإجابة على هذا السؤال من خلال توطئة كتبها لأحد نسخ كتاب أدورنو بعنوان “لماذا يستحق فاجنر الإنقاذ؟” قائلا:

في تعاملنا مع معاداة السامية عند فاجنر، يجب أن نضع في حسباننا أن معارضة ما يسمى بالروح الجرمانية للمبدأ اليهودي ليستا معارضة حقيقية. بل هناك لفظة ثالثة، ألا وهي الحداثة. حيث هي تسيّد للتبادل في المجال العام، واضمحلال للعلاقات العضوية وتسيّد للصناعات الحديثة، وتسيّد للفردانية.

ويكمل محاولاً توضيح أن رفض الحداثة لدى فاجنر ليس مباشراً وإنما هو أكثر تعقيداً. ففاجنر يحاول عنده تحويل الحداثة هذا الكيان التجريدي الغير شخصي إلى وجه مألوف وكان هذا الوجه هو اليهود. فرفض اليهود هو رفض لمبادئ التكامل والإحتواء الحداثي:

لنخلص الموضوع، إن معاداة السامية لا تعبر عن معاداة للحداثة بهذا الشكل، وإنما هي محاولة لجمع الحداثة والهيمنة الإجتماعية والتي هي خاصية من خصائص الثورات المحافظة.

كل ما سبق هو محاولة لتوضيح أن معاداة السامية عند فاجنر ليست رأياً شخصيا يمكن تجاهله، وإنما هي كامنة في أصل وذات أعماله الفنية. وإذا ما عرفنا ذلك، هل ما زال بإمكاننا تجاهل ذلك عندما نستمع للموسيقى ؟ أم نرفض الاستماع إليه كما يفعل المعادون للفاجنرية أو كما يحدث في دولة الإحتلال الصهيوني حيث هناك منع غير رسمي لأعمال فاجنر. يذكر إدوارد سعيد أن الموسيقي دانييل بارينبويم حاول أن يعزف أحد المقطوعات الخاصة بفاجنر في تل أبيب، حتى اقتربت منه سيدة عجوز قائلة: “أنى لك الرغبة أن تعزف شيئا كهذا ؟ لقد رأيت عائلتي تساق للإعدام على أنغام افتتاحية “الأساتذة الموسيقيون لنورمبرغ”.”

وهنا يناقش إدوارد سعيد في كتابه “متتاليات موسيقية” بادئا ذي بدء بدور المسيقى الكلاسيكية في الغرب المعاصر:

وعليه، فإن الموسيقى بشكل حرفي تملأ تماما فضاءً اجتماعياً، وهي تفعل ذلك عن طريق إحكام أفكار السلطة والتسلسل الهرمي الاجتماعي المرتبط مباشرة مع مؤسسة مسيطرة يُتخيّل أنها مترأسة وسائدة.

يدافع إدوارد عن عن الجدارة الجمالية لدى موسيقى فاجنر برغم ما يشوبها من إرث ثقافي وسياسي ويعتبرها جمالية غر قابلة للإتهام. فهي سم ودواء في آن واحد، على الرغم من فظاظتها إلا أنه ليس بالإمكان أن نختزلها إلى مستوى واقعيتها الفظة فحسب، وهنا يختلف سعيد مع أدورنو:

كل التحليلات ذات الأثر الرجعي، سواء أكانت للموسيقى أم لأي نشاط إنساني آخر، والتي تحكم وتُنظّر وتشمل في الوقت نفسه، والتي تقول بالنتيجة إن شيئا واحداً كالموسيقى يساوي كل الأشياء، أو أن كل أنواع الموسيقى تساوي نتيجةً ملخصة واحدة ما كان لها أن تحصل بأي طريقة أخرى، تبدو لي ذات عيوب وعلل فكرية وتاريخية.

أيضا:

فالموسيقى كما يشهد تفسيري المختلف قليلا لفاجنر لا يمكن اختزالها لواقع فظ ليس لأنها تعكس العلاقات الإجتماعية فقط، بل لأنها تسمو عليها أيضا.

كان التفكير بالموسيقى والتغريب الثقافي في أواسط وأواخر القرن التاسع عشر (عند فيردي،بيزيت،فاجنر، ..إلخ) أو بالموسيقى أو السياسة خلال القرن السابع عشر والقرن العشرين (مونتيفريدي، شونبرغ، الجاز، الروك) بمثابة رسم خريطة لمجموعة الارتبطات السياسية والإجتماعية والولاءات والإنتهاكات، التي لا يمكن اختزال أي منها إلى مجرد فصل بسيط أو إلى انعكاس للواقع الفظ الردئ.

ما يستدعي لكتابة التدوينة هذه هو زمن انحطاط السياسي، وبالتالي انحطاط الأدبي والفني معه بالضرورة. وكل مرة يتبنى فنان ما أو أديب ما موقفاً سياسيا يتعارض بشكل حاد مع مواقفنا الشخصية نسأل ذواتنا هل نستطيع أن نستمع لذلك الموسيقي أم نقرأ لهذا الشاعر أو لذلك الأديب وكأننا نحمل جزء من المسؤولية اذا ما شاركنا كمتلقين لهذا العمل الجمالي. مسألة فاجنر خير مثال بإمكانه الإجابة على أسئلتنا في هذا الخصوص، سواء كنا ممن يأخذ برأي أدورنو وبرأي أصحاب التوجه المعادي لفاجنر أم كنا ممن يأخذ برأي إدوارد سعيد.

خطبة درويش في مدرسة كفر ياسيف

محمود درويش

محمود درويش (1941 – 2008)، أحد أهم الشعراء الفلسطينيين والعرب الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن. يعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه. في شعر درويش يمتزج الحب بالوطن بالحبيبة الأنثى. قام بكتابة وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني التي تم إعلانها في الجزائر.

في كتاب (حيرة العائد) تم نشر كلمات ألقاهن (درويش) في احتفال خاص في مدرسة (كفر ياسيف)، والتي درس فيها الشاعر، في مدينة (الجليل) الفلسطينية. يقول:

أرجو أن تأذنوا لي بالتعبير عن حيرة عاطفية، فليس سهلًا على المرء، حتى لو كان شاعرًا ضالًا، أن يجد نفسه بين أهله دفعة واحدة، دون أن يضطرب. فالسعادة المفاجئة هي أخت الحَرَج. وأنا سعيدٌ ومُحرج؛ سعيد لأني الآن معكم، هنا في (الجليل) الجميل، مُبتدأ الكلام وخَبره. ومُحرج لأني لا أقوى على النظر في ماضيَّ الذي يوبخني قليلًا؛ أين كنت؟ دون أن تغرورق اللغة بدمعها السري.

كأني لم أنتبه إلا الآن إلى ما فعل الزمن بي. أما كان في وسعه أن يعلمني الحكمة، كما علمني التاريخُ السخريةَ بثمن أقل من الرحيل؟

مر أربعون عامًا، منذ زودّني هذا المكان الأجمل بعُدّة السفر الطويل على طرق لم يكن واضحًا منها إلا أولها. أما آخرها، فتلك أمنية تتقاذفها مغامرة الحياة وسِجال العلاقة بين الخطوة والطريق. لكن إغواء الشِّعر فينا يحث السائر الحالم على ابتكار جهاته، بذكاء القلب وطيشه، متوهمًا أن طريقه هي خطاه، وأن الطريق المعبّد ليس طريق الحالمين.

وكأني أحلم بأنني أرى في الحلم أنني أفيق من حلمي. وحين أعود الآن إلى هذا المكان زائرًا، أتساءل: هل يزور المرء نفسه؟ ولا أعرف إن كانت لغتي التي تعلمت الكتابة بها هنا، ما زالت صالحة للتعبير عن رموز لا تجد مجالها الحيوي إلا في الرحلة، من فرط ما أدمنت الحضور في الغياب، ولا أعرف أيضًا إن كان في وسع لغتي أن تألف مرجعيتها الأولى، منذ حوّلت المسافة الماكرة كل حجر هنا إلى طائر هناك. وهل أستطيع أن أعيد الصورة الشعرية إلى عناصرها الأولى، بطريقة لا تمدح المنفى إلا على دوره في رفع العادي إلى المقدس؟

لعل هذا هو امتحاني في ثنائية البيت والطريق. أما البيت، فلا يليق به إلا المعنى الخالي من البلاغة. ولكن، هل عدت حقًا؟ وهل عاد أحد إلا مجازًا؟ سأجد صعوبة بالغة إن حاولت الإمساك بأولى المفردات، للتأكد من صحة مكانتها في السياق، فقد اختلط الواقعي بالأسطوري، والتبس البعيد على القريب. بيد أن النهر ليس هو الينبوع.

من هذا المكان الجليلي، وُلدت من لغتي تدريجيًا، ولم أكمل ولادتي بعد، فلا فرد يستطيع الإطمئنان إلى جوابه الشخصي عن سؤال كان جماعيًا منذ البداية، منذ مأساة الاقتلاع الكبير … إلى ملهاة سلام لا يعتمد إلا موازين القوى مرجعيّة وحيدة. فماذا تفعل اللغة أكثر من الدفاع عن ثقافتها، عن ذاكرة جماعية ومكان مكسور، وهوية؛ وعن عناد الأمل المُحاصر بالقنوط والتشكيك. فما من شيء غير الخيال بقادر على إعادة تركيب الزمن المنكسر، أما الواقع، هو كالتاريخ، من صُنع البشر القادرين على وضع الزمان في المكان الصحيح.

كان هذا المكان كبيرًا عليَّ حين كنت صغيرًا فيه. كان مَعلمًا ومُعلمًا. فمنه أخذتني الحياة إلى أسئلتي الأولى، وإلى اختباراتي الأولى. منه أُخذت إلى زنزانتي الأولى .. إلى امتحان حريتي الأول. ومنه ذهبت إلى قصائدي الأولى التي أخذتني، ومازالت، إلى عذاب غربة لا شفاء منها، مهما اطمأن الشعر إلى قدرته على تثبيت المكان في اللغة، وإلى تشييد منطقة حُرة في أعالي الكلام.

من هنا، من (كفر ياسيف) من الجليل، بدأ أول الطريق إلى وضع الهاجس الشخصي والسؤال الذاتي في مكانه من السؤال العام، واتضح الوعي الأول بالتلاحم التلقائي بين الذاكرة الجَمعيّة والذكرى الشخصية، حين كانت هذه القرية/البلدة تحمل من الإشارات والمعاني أكثر من مساحتها الجغرافية. فلم نتعلم من المدرسة بقدر ما تعلمنا من محيطها، من الصراع الملتبس الاسم على هوية المكان وعلى هوية الكائن، من غاب منه ومن حضر. ومن وقف، مثلي، بين المنزلتين حاضرًا غائبًا. ولعل أحد لم يُسأل كما سُئِل كل واحد منا: من أنت؟

لم يكن الجواب في حاجة إلى تعقيد؛ أنا ابن هذه الأرض وابن تاريخها، لولا إلحاح الاقتلاع المدجج بالسلاح وبالأسطورة على الزج بنا في معركة الصراع على شرعية الوجود، وجودنا. إذ كان يقترح علينا تبنّي رواية تاريخ آخر، يبدأ من الأسطورة ولا ينتهي إلا بتفريغ التاريخ من محتوياته ومنا. وإذ، لم يكن لتاريخ هذه الأرض من عَمَل إلا انتظار امتلائها بأمس الآخر الأبدي.

لم يكن ذلك يعني صراعًا على الحاضر وحده، بل على الماضي أيضًا، إذ لم يكن وجودنا هنا، إذًا، إلا احتلالًا! ولم يكن الموجود فينا أكثر من شبح زائر يقتضي تنظيف الأرض منه ارتكاب بعض المجازر بحق البعض، ووضع بقية الشبح في شاحنات الترحيل. أما الناجون من المذبحة ومن الشاحنة، الصامدون الذين آثروا الموت على الرحيل، فسيصارعون طويلًا  من أجل الحصول على إقامة دائمة في هامش المواطنة، وعلى مساواة شكلية في حق الاقتراع على دين الدولة اليهودية. وهكذا لن تتمكن واحة الديموقراطية الغربية من إرجاء البوح بنزعتها العرقية، منذ البداية.

لم ينس أحد قصته، لا ماضيه ولا حاضره. ولم نكن في حاجة إلى انتظار المؤرخين الجدد، لنحمّل الدولة الإسرائيلية المسؤولية عن الظلم التاريخي الذي ألحقته بالشعب الفلسطيني، دون أن تعترف أو تعتذر، لتحسين مناخ السلام، على الأقل. لم ينسَ أحد قصته، فما زال الدفاع عن حقوق المواطنة مرتبطًا بالدفاع عن حق العودة. ومازال اللاجئون في بلادهم لاجئين في بلادهم، وفي منأى عن أي تفاوض خارجي أو داخلي. فالمواطنة ليست بديلًا  أو تعديلًا  عن حقوق المواطنين، ولا حلًا لمشكلة اللاجئين في بلادهم.

إن للأقلية القومية ذاكرة جماعية، لها تداعياتها ومطالبها الثقافية والحقوقية والسياسية، ودورها في وعي ذاتها، وفي تحديد سياسة الدولة تجاهها، وتجاه قضية شعبها التي لن تتشظى هويته الوطنية إلى هويات مبعثرة ومتنافرة، مهما ابتعدت مسيرة السلام أو اقتربت من جوهر السلام.

وفي هذا المكان الذي درّبني على الربط بين المسألة الديموقراطية والمسألة القومية من جهة، وعلى التمهل في البحث عن حل نظري أو عملي للتوتر القائم بين الجنسية والهوية، من أجل ترجيح سؤال البقاء في الوطن على أي سؤال آخر، من جهة ثانية، أشعر بخشية خفيفة وخفية من تداعيات الانقلابات الدولية والإقليمية على طريقتنا في محاكمة تجربتنا السابقة بمعايير الآن الضاغطة، وخارج سياقها التاريخي، فصواب فكرة ما، كفكرة العدالة الاجتماعية، وحق الشعوب في التحرر، وحقوق الإنسان، لا يُقاس دائمًا بنجاحها الآني، ولن تصبح أفكارًا بالية لأن أداة تطبيقها قد فشلت هنا أو هناك. لذا، لا يحق لأحد بأن يطالبنا بالاعتذار عن الإيمان بمثل هذه القيم الإنسانية الخالدة. ولا يحق لأصحاب الخيار الصهيوني بأن يطالبونا بتقويمهم على أنهم كانوا مستقبليين بعيدي النظر، لا لشيء، إلا لأن المشروع الصهيوني نجح في احتلال المزيد من الأراضي العربية، واستطاع أن يجد منصب سفير إسرائيلي شاغرًا في موريتانيا.

لكن شعوري بالعنفوان هنا أقوى من شعوري بالقنوط، وبالخشية من سقوط المعنى في البراغماتية المبتذلة السائدة. فإن ملحمة الصمود الطويلة على هذه الأرض كانت أحد العوامل الرئيسية التي لم تأذن للخرافة الصهيونية الكبرى أرض بلا شعب بأن تعمّر طويلًا. وفي هذا الصمود اليومي البطولي حافظ شعبنا، هنا، على وحدة مكونات هويته القومية والثقافية على أرضه، وعلى إبقاء ملف القضية الوطنية الفلسطينية مفتوحًا، كما حرم المشروع الإسرائيلي من تحقق حلمه بإقامة دولة طاهرة العرق على حساب تطهير الأرض من شعبها الأصلي. وهكذا لم يسلَم المشروع من بذور ثنائية القومية، الأمر الذي يعرض تجاهله الديموقراطية إلى امتحان يومي، كما تعرض الديموقراطية الحرص على طهارة الدولة اليهودية، وغير اليهودية ديموغرافيًا، إلى امتحان آخر. لذا، لا يسلَم أحد، حتى المنتصر، من سؤال الهوية المتوتر. فإما التحصن في القلعة حرصًا على نقاء الهوية، وإما الخروج إلى الأفق حرصًا على الحياة في المستقبل، حتى لو كان أحد شروطها انفتاح الذات على الآخر، واختلاط الهوية في ما ليس منها. فإذا كان من الطبيعي أن تخشى الناس من الحروب، فإنه ليس مألوفًا ولا طبيعيًا أن يتحدث أحد عن خطر السلام!

لستُ هنا لأذكّر أحدًا بقصته. بل لنتذكر جميعًا حكايتنا الجماعية .. أيام كان الطريق أصعب وأوضح. أيام لم تكن الكهرباء قد وصلت إلى هذا البلد، ولم يكن الحكم العسكري المباشر قد رفع قبضته الفولاذية عن أحد، ولم يسلَم المدرِّسون ولا الطلبة من المُلاحقة. أيام لم تكن الوطنية، ولا عكسها، مجرد وجهة نظر. أيام لم نجد كتبًا كافية للتعلم. أيام كان (حاييم نحمان بياليك) يطرد (أبا الطيب المتنبي)، و(أحاد هعام) يطرد (ابن خلدون) من برامج التعليم. أيام كانت (بياعر بحديرة) ضرورية أكثر من جحيم (دانتي). وأيام كان “يوم الاستقلال” هو المناسبة الوحيدة لزيارة أنقاضنا بلا عقاب. ذكرى تذكِّر بنقيضها. أيام كنا صغار السن كبار النفوس والمحن. أيام لم نعرف من هو المسيحي فينا ومن هو المسلم. لم تعتَدِ الكنيسة على الجامع، ولم يستفز الجامع الكنيسة. أيام كان الدين لله والوطن للجميع. وأيام لم نتذكر من سيرة (صلاح الدين الأيوبي) إلا تحريره بلاد الشام والقدس من الصليبيين، ولم يكن في سيرته ما يصلح لإشعال نار الفتنة بين المسلمين والمسيحيين.

في تلك الأيام، دلّتنا (كفر ياسيف) على بوصلة الشمال، على أول الوعي، وعلى أول الطريق، وعلى أولى الخطوات. على السجن الأول، وعلى حرياتنا الصغيرة، وعلى طموحاتنا الأولى وخياراتنا الصعبة، وعلى أوّل الكتابة، وعلى ما يدلنا على أننا جزء من جماعة قومية، أيام كان انتماؤنا لمصلحة الشعب العامة، لا العائلة أو القبيلة أو الطائفة.

هل مرّ أربعون عامًا حقًا دون أن أنتبه إلى ما فعل بي الزمن. لا أحد يعود إلى مرآته الأولى إلا ليهرب من ذاته الأولى إلى ذاته الثانية. أو ليقفز من وجهه إلى قلبه، ومن قلبه إلى ماضيه. لكن الماضي لا يصلح للإقامة الدائمة، بل لزيارة ضرورية، نُحاكم خلالها أفعالنا، ونجسّ ما في الزمن من تاريخ، ونسأل: هل كنّا جديرين بأحلامنا الأولى، وأوفياء لأرضنا الأولى؟ أما أنا، فلعلي لا أستطيع الإجابة، ولكني أحيل الأسئلة كلها إلى هويتي الشخصية الوحيدة؛ قصيدتي. أما الزبد فيذهب جفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض .. وفي الشعر.

وهكذا أجد نفسي هنا. لم أذهب ولم أرجع، لم أذهب إلا مجازًا. ولم أعد إلا مجازًا.