خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | التاريخ

كيف يسهم فهم التاريخ في فهم الحاضر والمستقبل ؟ وهل هناك من حقائق تاريخية قد تعطينا لمحة لحل مشاكلنا الحاضرة ؟

هل يمكننا الاستماع اليوم لفاجنر ؟

اشتُهِر ثيودور أدورنو (1903-1969) باهتمامه بالموسيقى والنقد الموسيقي وأنه أحد مؤسسي خط النقد الثقافي الموسيقي في مدرسة فرانكفورت. واشتهر أيضا بكتاباته المتعلقة بارتباط الموسيقى بالعنف النازي إبان الحرب العالمية الثانية وارتباط الموسيقى بالأيديولوجيا أو ما يسميه هو “بالوظيفة الأيديولوجية للنقد الموسيقي”، أيضا مسائل الإستهلاك والفيتشية الموسيقية. وارتبط أدورنو بالموسيقار والمسرحي الألماني ريتشارد فاجنر وعلاقته بالعقيدة النازية للنظام الهتلري الحاكم لألمانيا آنذاك. حيث اشتهر فاجنر بمعاداته للسامية وبتأليفه أعمالاً كانت فيما بعد ركيزة للفكر النازي ومعاداة السامية عموما وأدبا من أهم ادبياتهما. أعمالٌ مثل: “حلقة النيبلونج” وهي أربع أوبرات مستوحاة من الأساطير الجرمانية، “بارسيفال” هي أوبرا يشير فيها بشكل متكرر إلى مواضيع المسيحية والجنس من خلال القومية الألمانية والعداء لليهود. ايضا دراسة موسيقية بعنوان “اليهود في الموسيقى” اتَهم فيها الموسيقيين اليهود بالسطحية والانحطاط، ويعود هذا الانحطاط إلى انحطاط اللغة العبرانية إذا ما قارناها بالألمانية. وكان هتلر معجباً إعجاباً شديداً بفاجنر وكان يأمر بتنظيم حفلات لأعماله ويأمر أتباعه بحضورها. واشتهر في مرويات الهولوكوست أن الإعدامات في معسكرات الإعتقال مثل أوشفيتز تتم على أنغام افتتاحية معزوفة “الأساتذة الموسيقيون لنورمبرغ” أو يُجبَر المعتقلين على الإستماع لموسيقاه على سبيل إعادة التأهيل مثلما حدث في معسكر “داشاو”.

اهتم أدورنو بمسألة عداء السامية عند فاجنر وعلاقتها بمنتجه الفني، هل هما منفصلان أم هل ينبع عمله الموسيقي كمركب فني من أصل عداء فاجنر للسامية وماهو أصل هذا العداء في المقام الأول؟ فكتب بخصوص هذا كتاباً بعنوان “البحث عن فاجنر” في عام 1938، ولكنه لم يُنشر إلا بعد هروب أدورنو إلى نيويورك وعودته في 1952. في هذا الكتاب يناقش أدورنو فاجنر من نواحٍ عدة، خاصة مسألة أخلاقية الاستماع لفاجنر وعلاقته بالحاضر، وتحول فاجنر الفكري في شبابه من الأنسنة المتأثرة بفيورباخ للعدمية الشوبنهاورية بعد هزيمة ثورات شارك فاجنر في محاولة إذكائها. وهنا يبدو تأثر أدورنو في التحليل بهوركهايمر في علاقة العدمية والثورات المضادة الناتجة عن هزيمة الثورات ويقارب هذا التحول بدراسات هوركهايمر عن المجتمع البرجوازي. وتتمظهر هذه التحولات في الأوبرا الأخيرة  من “حلقة النيبلونج” والمعنونة بـ”شفق الآلهة” أو Gotterdammerung والمأخوذ من أسطورة نورسيّة قديمة عن حرب بين البشر والآلهة تنتهي بحريق وغرق يليهما نشوء وولادة عالم جديد.

كان أدورنو صارماً في نقده لفاجنر بحكم الوضع السياسي العصيب الذي عاشه بسبب النظام النازي إلا أنه قد أصبح لين الجانب قليلا فيما بعد ذلك فيقول في محاضرة له ألقاها في عام 1963 معلقا على كتابه:

اليوم أود أن أعيد صياغة العديد من الأشياء التي تم ذكرها في الكتاب بشكل مختلف. خاصة الإشكال المركزي فيه، وهو العلاقة بين الشؤون المجتمعية هذا من جهة. ومن جهة أخرى الشؤون الاستطيقية، فربما تعمقت أكثر من اللازم عما كانت عليه الأمور آنذاك. لكني لا أتخلى عن الكتاب ولا أضع مسافة بيني وبين مبادئه التي يقوم عليها.

ويكمل قائلا:

ربما علي أن أشكر الحرية، فباستطاعتي الآن أضع بعض التعليقات بخصوص التغييرات التاريخية في سلوكنا تجاه فن فاجنر، فنحن لا نستطيع تجاهل العامل السياسي. فلقد حلت بنا كوارث عدة حتى نرى الجمالي فيها ونغلق أعيننا عليه.

 أول أسئلة أدورنو كانت من أين تأتي معاداة السامية هذه عند فاجنر؟ فحاول البحث فلسفيا عن هذه الإجابة. فاعتبر أن موسيقى فاجنر ماهي إلا تجسيد لخيبة ثوراته، بشكل تناقضي يحدث هذا من خلال الجمع بين الرفض المحافظ للحداثة الرأسمالية والعناصر الرئيسية للإستهلاك الفيتيشي. وبالتالي إذا سلّمنا بهذا تصبح المعاداة للسامية عند فاجنر ليست خيارا شخصيا أو رأيا ظاهريا فحسب، وإنما هي محفورة في البنية الداخلية لأعماله الفنية.

يحاول الناقد السلوفيني سلافوي جيجيك الإجابة على هذا السؤال من خلال توطئة كتبها لأحد نسخ كتاب أدورنو بعنوان “لماذا يستحق فاجنر الإنقاذ؟” قائلا:

في تعاملنا مع معاداة السامية عند فاجنر، يجب أن نضع في حسباننا أن معارضة ما يسمى بالروح الجرمانية للمبدأ اليهودي ليستا معارضة حقيقية. بل هناك لفظة ثالثة، ألا وهي الحداثة. حيث هي تسيّد للتبادل في المجال العام، واضمحلال للعلاقات العضوية وتسيّد للصناعات الحديثة، وتسيّد للفردانية.

ويكمل محاولاً توضيح أن رفض الحداثة لدى فاجنر ليس مباشراً وإنما هو أكثر تعقيداً. ففاجنر يحاول عنده تحويل الحداثة هذا الكيان التجريدي الغير شخصي إلى وجه مألوف وكان هذا الوجه هو اليهود. فرفض اليهود هو رفض لمبادئ التكامل والإحتواء الحداثي:

لنخلص الموضوع، إن معاداة السامية لا تعبر عن معاداة للحداثة بهذا الشكل، وإنما هي محاولة لجمع الحداثة والهيمنة الإجتماعية والتي هي خاصية من خصائص الثورات المحافظة.

كل ما سبق هو محاولة لتوضيح أن معاداة السامية عند فاجنر ليست رأياً شخصيا يمكن تجاهله، وإنما هي كامنة في أصل وذات أعماله الفنية. وإذا ما عرفنا ذلك، هل ما زال بإمكاننا تجاهل ذلك عندما نستمع للموسيقى ؟ أم نرفض الاستماع إليه كما يفعل المعادون للفاجنرية أو كما يحدث في دولة الإحتلال الصهيوني حيث هناك منع غير رسمي لأعمال فاجنر. يذكر إدوارد سعيد أن الموسيقي دانييل بارينبويم حاول أن يعزف أحد المقطوعات الخاصة بفاجنر في تل أبيب، حتى اقتربت منه سيدة عجوز قائلة: “أنى لك الرغبة أن تعزف شيئا كهذا ؟ لقد رأيت عائلتي تساق للإعدام على أنغام افتتاحية “الأساتذة الموسيقيون لنورمبرغ”.”

وهنا يناقش إدوارد سعيد في كتابه “متتاليات موسيقية” بادئا ذي بدء بدور المسيقى الكلاسيكية في الغرب المعاصر:

وعليه، فإن الموسيقى بشكل حرفي تملأ تماما فضاءً اجتماعياً، وهي تفعل ذلك عن طريق إحكام أفكار السلطة والتسلسل الهرمي الاجتماعي المرتبط مباشرة مع مؤسسة مسيطرة يُتخيّل أنها مترأسة وسائدة.

يدافع إدوارد عن عن الجدارة الجمالية لدى موسيقى فاجنر برغم ما يشوبها من إرث ثقافي وسياسي ويعتبرها جمالية غر قابلة للإتهام. فهي سم ودواء في آن واحد، على الرغم من فظاظتها إلا أنه ليس بالإمكان أن نختزلها إلى مستوى واقعيتها الفظة فحسب، وهنا يختلف سعيد مع أدورنو:

كل التحليلات ذات الأثر الرجعي، سواء أكانت للموسيقى أم لأي نشاط إنساني آخر، والتي تحكم وتُنظّر وتشمل في الوقت نفسه، والتي تقول بالنتيجة إن شيئا واحداً كالموسيقى يساوي كل الأشياء، أو أن كل أنواع الموسيقى تساوي نتيجةً ملخصة واحدة ما كان لها أن تحصل بأي طريقة أخرى، تبدو لي ذات عيوب وعلل فكرية وتاريخية.

أيضا:

فالموسيقى كما يشهد تفسيري المختلف قليلا لفاجنر لا يمكن اختزالها لواقع فظ ليس لأنها تعكس العلاقات الإجتماعية فقط، بل لأنها تسمو عليها أيضا.

كان التفكير بالموسيقى والتغريب الثقافي في أواسط وأواخر القرن التاسع عشر (عند فيردي،بيزيت،فاجنر، ..إلخ) أو بالموسيقى أو السياسة خلال القرن السابع عشر والقرن العشرين (مونتيفريدي، شونبرغ، الجاز، الروك) بمثابة رسم خريطة لمجموعة الارتبطات السياسية والإجتماعية والولاءات والإنتهاكات، التي لا يمكن اختزال أي منها إلى مجرد فصل بسيط أو إلى انعكاس للواقع الفظ الردئ.

ما يستدعي لكتابة التدوينة هذه هو زمن انحطاط السياسي، وبالتالي انحطاط الأدبي والفني معه بالضرورة. وكل مرة يتبنى فنان ما أو أديب ما موقفاً سياسيا يتعارض بشكل حاد مع مواقفنا الشخصية نسأل ذواتنا هل نستطيع أن نستمع لذلك الموسيقي أم نقرأ لهذا الشاعر أو لذلك الأديب وكأننا نحمل جزء من المسؤولية اذا ما شاركنا كمتلقين لهذا العمل الجمالي. مسألة فاجنر خير مثال بإمكانه الإجابة على أسئلتنا في هذا الخصوص، سواء كنا ممن يأخذ برأي أدورنو وبرأي أصحاب التوجه المعادي لفاجنر أم كنا ممن يأخذ برأي إدوارد سعيد.

خطبة درويش في مدرسة كفر ياسيف

محمود درويش

محمود درويش (1941 – 2008)، أحد أهم الشعراء الفلسطينيين والعرب الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن. يعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه. في شعر درويش يمتزج الحب بالوطن بالحبيبة الأنثى. قام بكتابة وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني التي تم إعلانها في الجزائر.

في كتاب (حيرة العائد) تم نشر كلمات ألقاهن (درويش) في احتفال خاص في مدرسة (كفر ياسيف)، والتي درس فيها الشاعر، في مدينة (الجليل) الفلسطينية. يقول:

أرجو أن تأذنوا لي بالتعبير عن حيرة عاطفية، فليس سهلًا على المرء، حتى لو كان شاعرًا ضالًا، أن يجد نفسه بين أهله دفعة واحدة، دون أن يضطرب. فالسعادة المفاجئة هي أخت الحَرَج. وأنا سعيدٌ ومُحرج؛ سعيد لأني الآن معكم، هنا في (الجليل) الجميل، مُبتدأ الكلام وخَبره. ومُحرج لأني لا أقوى على النظر في ماضيَّ الذي يوبخني قليلًا؛ أين كنت؟ دون أن تغرورق اللغة بدمعها السري.

كأني لم أنتبه إلا الآن إلى ما فعل الزمن بي. أما كان في وسعه أن يعلمني الحكمة، كما علمني التاريخُ السخريةَ بثمن أقل من الرحيل؟

مر أربعون عامًا، منذ زودّني هذا المكان الأجمل بعُدّة السفر الطويل على طرق لم يكن واضحًا منها إلا أولها. أما آخرها، فتلك أمنية تتقاذفها مغامرة الحياة وسِجال العلاقة بين الخطوة والطريق. لكن إغواء الشِّعر فينا يحث السائر الحالم على ابتكار جهاته، بذكاء القلب وطيشه، متوهمًا أن طريقه هي خطاه، وأن الطريق المعبّد ليس طريق الحالمين.

وكأني أحلم بأنني أرى في الحلم أنني أفيق من حلمي. وحين أعود الآن إلى هذا المكان زائرًا، أتساءل: هل يزور المرء نفسه؟ ولا أعرف إن كانت لغتي التي تعلمت الكتابة بها هنا، ما زالت صالحة للتعبير عن رموز لا تجد مجالها الحيوي إلا في الرحلة، من فرط ما أدمنت الحضور في الغياب، ولا أعرف أيضًا إن كان في وسع لغتي أن تألف مرجعيتها الأولى، منذ حوّلت المسافة الماكرة كل حجر هنا إلى طائر هناك. وهل أستطيع أن أعيد الصورة الشعرية إلى عناصرها الأولى، بطريقة لا تمدح المنفى إلا على دوره في رفع العادي إلى المقدس؟

لعل هذا هو امتحاني في ثنائية البيت والطريق. أما البيت، فلا يليق به إلا المعنى الخالي من البلاغة. ولكن، هل عدت حقًا؟ وهل عاد أحد إلا مجازًا؟ سأجد صعوبة بالغة إن حاولت الإمساك بأولى المفردات، للتأكد من صحة مكانتها في السياق، فقد اختلط الواقعي بالأسطوري، والتبس البعيد على القريب. بيد أن النهر ليس هو الينبوع.

من هذا المكان الجليلي، وُلدت من لغتي تدريجيًا، ولم أكمل ولادتي بعد، فلا فرد يستطيع الإطمئنان إلى جوابه الشخصي عن سؤال كان جماعيًا منذ البداية، منذ مأساة الاقتلاع الكبير … إلى ملهاة سلام لا يعتمد إلا موازين القوى مرجعيّة وحيدة. فماذا تفعل اللغة أكثر من الدفاع عن ثقافتها، عن ذاكرة جماعية ومكان مكسور، وهوية؛ وعن عناد الأمل المُحاصر بالقنوط والتشكيك. فما من شيء غير الخيال بقادر على إعادة تركيب الزمن المنكسر، أما الواقع، هو كالتاريخ، من صُنع البشر القادرين على وضع الزمان في المكان الصحيح.

كان هذا المكان كبيرًا عليَّ حين كنت صغيرًا فيه. كان مَعلمًا ومُعلمًا. فمنه أخذتني الحياة إلى أسئلتي الأولى، وإلى اختباراتي الأولى. منه أُخذت إلى زنزانتي الأولى .. إلى امتحان حريتي الأول. ومنه ذهبت إلى قصائدي الأولى التي أخذتني، ومازالت، إلى عذاب غربة لا شفاء منها، مهما اطمأن الشعر إلى قدرته على تثبيت المكان في اللغة، وإلى تشييد منطقة حُرة في أعالي الكلام.

من هنا، من (كفر ياسيف) من الجليل، بدأ أول الطريق إلى وضع الهاجس الشخصي والسؤال الذاتي في مكانه من السؤال العام، واتضح الوعي الأول بالتلاحم التلقائي بين الذاكرة الجَمعيّة والذكرى الشخصية، حين كانت هذه القرية/البلدة تحمل من الإشارات والمعاني أكثر من مساحتها الجغرافية. فلم نتعلم من المدرسة بقدر ما تعلمنا من محيطها، من الصراع الملتبس الاسم على هوية المكان وعلى هوية الكائن، من غاب منه ومن حضر. ومن وقف، مثلي، بين المنزلتين حاضرًا غائبًا. ولعل أحد لم يُسأل كما سُئِل كل واحد منا: من أنت؟

لم يكن الجواب في حاجة إلى تعقيد؛ أنا ابن هذه الأرض وابن تاريخها، لولا إلحاح الاقتلاع المدجج بالسلاح وبالأسطورة على الزج بنا في معركة الصراع على شرعية الوجود، وجودنا. إذ كان يقترح علينا تبنّي رواية تاريخ آخر، يبدأ من الأسطورة ولا ينتهي إلا بتفريغ التاريخ من محتوياته ومنا. وإذ، لم يكن لتاريخ هذه الأرض من عَمَل إلا انتظار امتلائها بأمس الآخر الأبدي.

لم يكن ذلك يعني صراعًا على الحاضر وحده، بل على الماضي أيضًا، إذ لم يكن وجودنا هنا، إذًا، إلا احتلالًا! ولم يكن الموجود فينا أكثر من شبح زائر يقتضي تنظيف الأرض منه ارتكاب بعض المجازر بحق البعض، ووضع بقية الشبح في شاحنات الترحيل. أما الناجون من المذبحة ومن الشاحنة، الصامدون الذين آثروا الموت على الرحيل، فسيصارعون طويلًا  من أجل الحصول على إقامة دائمة في هامش المواطنة، وعلى مساواة شكلية في حق الاقتراع على دين الدولة اليهودية. وهكذا لن تتمكن واحة الديموقراطية الغربية من إرجاء البوح بنزعتها العرقية، منذ البداية.

لم ينس أحد قصته، لا ماضيه ولا حاضره. ولم نكن في حاجة إلى انتظار المؤرخين الجدد، لنحمّل الدولة الإسرائيلية المسؤولية عن الظلم التاريخي الذي ألحقته بالشعب الفلسطيني، دون أن تعترف أو تعتذر، لتحسين مناخ السلام، على الأقل. لم ينسَ أحد قصته، فما زال الدفاع عن حقوق المواطنة مرتبطًا بالدفاع عن حق العودة. ومازال اللاجئون في بلادهم لاجئين في بلادهم، وفي منأى عن أي تفاوض خارجي أو داخلي. فالمواطنة ليست بديلًا  أو تعديلًا  عن حقوق المواطنين، ولا حلًا لمشكلة اللاجئين في بلادهم.

إن للأقلية القومية ذاكرة جماعية، لها تداعياتها ومطالبها الثقافية والحقوقية والسياسية، ودورها في وعي ذاتها، وفي تحديد سياسة الدولة تجاهها، وتجاه قضية شعبها التي لن تتشظى هويته الوطنية إلى هويات مبعثرة ومتنافرة، مهما ابتعدت مسيرة السلام أو اقتربت من جوهر السلام.

وفي هذا المكان الذي درّبني على الربط بين المسألة الديموقراطية والمسألة القومية من جهة، وعلى التمهل في البحث عن حل نظري أو عملي للتوتر القائم بين الجنسية والهوية، من أجل ترجيح سؤال البقاء في الوطن على أي سؤال آخر، من جهة ثانية، أشعر بخشية خفيفة وخفية من تداعيات الانقلابات الدولية والإقليمية على طريقتنا في محاكمة تجربتنا السابقة بمعايير الآن الضاغطة، وخارج سياقها التاريخي، فصواب فكرة ما، كفكرة العدالة الاجتماعية، وحق الشعوب في التحرر، وحقوق الإنسان، لا يُقاس دائمًا بنجاحها الآني، ولن تصبح أفكارًا بالية لأن أداة تطبيقها قد فشلت هنا أو هناك. لذا، لا يحق لأحد بأن يطالبنا بالاعتذار عن الإيمان بمثل هذه القيم الإنسانية الخالدة. ولا يحق لأصحاب الخيار الصهيوني بأن يطالبونا بتقويمهم على أنهم كانوا مستقبليين بعيدي النظر، لا لشيء، إلا لأن المشروع الصهيوني نجح في احتلال المزيد من الأراضي العربية، واستطاع أن يجد منصب سفير إسرائيلي شاغرًا في موريتانيا.

لكن شعوري بالعنفوان هنا أقوى من شعوري بالقنوط، وبالخشية من سقوط المعنى في البراغماتية المبتذلة السائدة. فإن ملحمة الصمود الطويلة على هذه الأرض كانت أحد العوامل الرئيسية التي لم تأذن للخرافة الصهيونية الكبرى أرض بلا شعب بأن تعمّر طويلًا. وفي هذا الصمود اليومي البطولي حافظ شعبنا، هنا، على وحدة مكونات هويته القومية والثقافية على أرضه، وعلى إبقاء ملف القضية الوطنية الفلسطينية مفتوحًا، كما حرم المشروع الإسرائيلي من تحقق حلمه بإقامة دولة طاهرة العرق على حساب تطهير الأرض من شعبها الأصلي. وهكذا لم يسلَم المشروع من بذور ثنائية القومية، الأمر الذي يعرض تجاهله الديموقراطية إلى امتحان يومي، كما تعرض الديموقراطية الحرص على طهارة الدولة اليهودية، وغير اليهودية ديموغرافيًا، إلى امتحان آخر. لذا، لا يسلَم أحد، حتى المنتصر، من سؤال الهوية المتوتر. فإما التحصن في القلعة حرصًا على نقاء الهوية، وإما الخروج إلى الأفق حرصًا على الحياة في المستقبل، حتى لو كان أحد شروطها انفتاح الذات على الآخر، واختلاط الهوية في ما ليس منها. فإذا كان من الطبيعي أن تخشى الناس من الحروب، فإنه ليس مألوفًا ولا طبيعيًا أن يتحدث أحد عن خطر السلام!

لستُ هنا لأذكّر أحدًا بقصته. بل لنتذكر جميعًا حكايتنا الجماعية .. أيام كان الطريق أصعب وأوضح. أيام لم تكن الكهرباء قد وصلت إلى هذا البلد، ولم يكن الحكم العسكري المباشر قد رفع قبضته الفولاذية عن أحد، ولم يسلَم المدرِّسون ولا الطلبة من المُلاحقة. أيام لم تكن الوطنية، ولا عكسها، مجرد وجهة نظر. أيام لم نجد كتبًا كافية للتعلم. أيام كان (حاييم نحمان بياليك) يطرد (أبا الطيب المتنبي)، و(أحاد هعام) يطرد (ابن خلدون) من برامج التعليم. أيام كانت (بياعر بحديرة) ضرورية أكثر من جحيم (دانتي). وأيام كان “يوم الاستقلال” هو المناسبة الوحيدة لزيارة أنقاضنا بلا عقاب. ذكرى تذكِّر بنقيضها. أيام كنا صغار السن كبار النفوس والمحن. أيام لم نعرف من هو المسيحي فينا ومن هو المسلم. لم تعتَدِ الكنيسة على الجامع، ولم يستفز الجامع الكنيسة. أيام كان الدين لله والوطن للجميع. وأيام لم نتذكر من سيرة (صلاح الدين الأيوبي) إلا تحريره بلاد الشام والقدس من الصليبيين، ولم يكن في سيرته ما يصلح لإشعال نار الفتنة بين المسلمين والمسيحيين.

في تلك الأيام، دلّتنا (كفر ياسيف) على بوصلة الشمال، على أول الوعي، وعلى أول الطريق، وعلى أولى الخطوات. على السجن الأول، وعلى حرياتنا الصغيرة، وعلى طموحاتنا الأولى وخياراتنا الصعبة، وعلى أوّل الكتابة، وعلى ما يدلنا على أننا جزء من جماعة قومية، أيام كان انتماؤنا لمصلحة الشعب العامة، لا العائلة أو القبيلة أو الطائفة.

هل مرّ أربعون عامًا حقًا دون أن أنتبه إلى ما فعل بي الزمن. لا أحد يعود إلى مرآته الأولى إلا ليهرب من ذاته الأولى إلى ذاته الثانية. أو ليقفز من وجهه إلى قلبه، ومن قلبه إلى ماضيه. لكن الماضي لا يصلح للإقامة الدائمة، بل لزيارة ضرورية، نُحاكم خلالها أفعالنا، ونجسّ ما في الزمن من تاريخ، ونسأل: هل كنّا جديرين بأحلامنا الأولى، وأوفياء لأرضنا الأولى؟ أما أنا، فلعلي لا أستطيع الإجابة، ولكني أحيل الأسئلة كلها إلى هويتي الشخصية الوحيدة؛ قصيدتي. أما الزبد فيذهب جفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض .. وفي الشعر.

وهكذا أجد نفسي هنا. لم أذهب ولم أرجع، لم أذهب إلا مجازًا. ولم أعد إلا مجازًا.

أوروبا الجائعة في ظل التجارة العالمية

زيغريد هونكه (26 أبريل 1913 في كيل – 15 يونيو 1999 في هامبورغ) مستشرقة ألمانية.
طائرة الشهرة أحبت العرب، وما زالت، صرفت وقتها كله باذلة الجهد للدفاع عن قضاياهم والوقوف الى جانبهم. وهي زوجة الدكتور (شولتزا)، المستشرق الالماني الكبير، الذي اشتهر بصداقته للعرب وتعمقه في دراسة آدابهم والإطلاع على آثارهم ومآثرهم. وقد عاشت المؤلفة، مع زوجها، عامين إثنين في مراكش، كما قامت بعدة زيارات طويلة للبلدان العربية.
تناولت المؤلفة في اطروحتها لنيل درجة الدكتوراة في جامعة برلين، أثر الأدب العربي في الآداب الاوروبية، وفي عام ١٩٥٥ صدر مؤلفها الأول : “الرجل والمرأة”، أكدت فيه الكاتبة، كما فعلت في كتبها التي تتالت، فضل العرب على الحضارة الغربية خاصة، والحضارة الإنسانية عامة.
في كتابها (شمس العرب تسطع على الغرب) -ترجمة : فاروق بيضون وكمال دسوقي-، تسلط الكاتبة الضوء -في الفصل الثاني من الكتاب الأول- على الحركة التجارية بين الشرق والغرب والصلة الوثيقة بينهما منذ ما قبل القرون الوسطى، تذكر لنا الكاتبة قصة الوفد المرسل من قبل الخليفة الأندلسي: الحكم المستنصر بالله برئاسة إبراهيم بن أحمد الطرطوشي :-

يؤثر ان عام ٩٧٣ أبحرت سفينة تمخر عباب الاطلس، مارة بالشواطئ الغربية لفرنسة، ودارت حول رأس “غري نه” متجهة الى الشمال الشرقي. وكانت هذه السفينة محملة ببضائع مختلفة منها: الزيت الأندلسي، والتين والخمور من “ملقة“، وحجر الشبّه القشتالي للدباغة، وتوابل شتّى، كانت تفرغ منها كل من بوردو، وروان، وإترخت، وشلازفيك، وقد رافقها في رحلتها هذه وفد يرأسه إبراهيم بن احمد الطرطوشي، الموفد من قبل الحكم الثاني في قرطبة. وكان هدف هذه الرحلة ان تقصد قصر الملك الروماني الطائر الشهرة “هوتو” أو “اوتو” الاول في بلاد الساكس، وقد حط عصا الترحال آنئذٍ من رومة بعد أن احتفل بعقد قران والده على ابنة الامبراطور اليوناني وتتويجه، بغية الاستقرار في مدينة كدلينبورغ (Quedlinburg) من أعمال الهرتز (Harz) وكان هذه الفاتح، ومجدد الانبراطورية في أوروبة، في ذروة مجده وبأسه. فتوافد الأمراء من الدنمارك وبولونية والسلاف وبوهيميا واليونان وبلغارية والمجر وإيطاليا لإعلان طاعتهم له، وأجمعوا كلهم في رحاب البلاط الانبراطوري الذي ماج بهم أن يدينوا بالإخلاص والولاء لأعظم سلطان في أوروبة.
وما إن حل شهر نيسان حتى نقل الانبراطور بلاطه الى مدينة “مرزبورج” (Merseburg)، حيث أتيح لوفد أمير المؤمنين برئاسة ابرهيم بن احمد الطرطوشي ان يتشرف بمقابلة أمير المسيحية الاول، وكان لقاءٌ حار قَبِلَ فيه القيصر (اوتو) الاول كل الهداية الثمينة، التي عدّت أثمن هدايا وقع عليها بصره، فقابلها بالمثل. ولم يمر وقت طويل حتى أغمض انبراطور بلاط الساكس الكبير، جفنيه للمرة الأخيرة.

وفي طريق العودة مرّ الطرطوشي بكل من هذه الحواضر “سوست” (Soest) و “بادِربورن” (Paderborn) و “فولدا” (Fulda) حتى اذا ما وصل الى ماينز (Mainz) وهي مدينة في بلاد الفرنجة تقع على نهر يدعى نهر “الراين” وقع له حادث أثر في نفسه أشد التأثير. ففي هذه المدينة دسّ تاجر في يده قطعاً من النقود العربية أثارت دهشته لأنها تحمل خطّاً كوفياً واسماً عربياً والتاريخ التالي ٣٠١-٣٩٢ هجرية.

ولقد استولى عليه عجب كبير حين اتضح له أن في يده قطعاً ذهبية من سمرقند يعود تاريخها الى نَيَّف وستين عاماً، وقال محدثا نفسه بعد إنعام فكر : “إنها لا ريب تعود في تاريخها الى أيام السلطان نصر بن أحمد السمرقندي“.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما زاد في تعجبه ودهشته وقوعه في مدينة الفرنجة هذه القابعة في أقصى بلاد الغرب على توابل لا توجد إلا في أقصى بلاد الشرق كالبهار والقرنفل والزنجبيل والخلنجان ولو تسنى له ان يطلَّع على لائحة الحاجيات التي كان يعمل على شرائها الراهب المسؤول عن اقبية دير كوربي (Curbi) في مقاطعة “سومّه” (Somme) الهاجعة في طرف العالم تقريباً – ذلك الدير الواقع على بعد سبعين كيلو متراً من مدينة كامبري (Cambrai)، نقول لو تسنى له ذلك “لكانت دهشته أعظم، وتعجبه أبلغ، ويكفينا مثال على ذلك ان نلقي نظرة على ما ورد في هذه اللائحة :-

٦٠٠ ليبرة شمع
١٢٠ بهار
١٢٠ كمون
٧٠ زنجبيل
١٠ قرنفل
١٥ القرفة
١٠ بخور
١٠ اللادن او المستكاء
٣ المرّ
١٠ الخلنجان
١٠ مرهم ورق القويسة
١٠ إسفنج
١٠ من النكعة المهدئة
٣ دم التنين
٣ العندم
٢ صعتر

كيف انهار العالم القديم في أوروبا؟ وما النتائج التي ترتبت بعد سقوطه؟ وما أثر الجرمان في ازدهار التجارة العربية؟ وأين بدأت تجارة الشرق في الغرب؟ وكيف أصبحت البضائع الشرقية ضرورات لكنائس أوروبا؟
تجيب الكاتبة:ـ

لقد دخلت البضائع، الواردة من “أقاصي الشرق” الى “أقاصي الغرب” الحياة اليومية الأوروبية، ولم تعد تقتصر على استعمال التوابل والبخور فقط، وإنما تعدتها الى الانتفاع بالحشائش الطيبة، فأصبحت هذه كلها من ضرورات حياة رجال الكنيسة، ورهبان الأديرة الذين لم يعد في أمكنتهم الاستغناء عنها على موائدهم، فلولا الهبات التي تدفقت من الشرق العربي القصي لكانت وقعت في حيرة من أمرها، ومع ذلك فقد اضطر هؤلاء برمتهم الى الانتظار مدة طويلة قبل أن يتمكنوا من التمتع بمثل هذه الرفاهية، اذ ان لائحة “الكوربي” الآنفة الذكر يعود تاريخها الى أيّام الماروفنجيين،أي إلى ثلاثمئة سنة قبل رحلة الطرطوشي، وفي هذه السنوات الثلاثمئة، جرت عبر “الراين” و”السوم” مياه كثيرة، وتغيرت أمور عديدة على وجه هذه الارض، فغيرت فيها. وقد تكون هذه التغييرات اكثر أهمية من مئات السنين الخوالي، وأهم شأنا من نزوح الجرمان، الذي قدموا من الشمال الى الانبراطورية الرومانية، وأشد أثرا من أفول نجم الانبراطورية العالمية الهائلة نفسها من سماء العالم القديم، هذا العالم الذي كان لوحدة البحر المتوسط وقدسيته أثرٌ مصيري فيه.

تُرى هل كان، بالفعل، لغزوات الجرمان اثر بعيد في تقرير مصير العالم آنذاك؟ أم هل استطاعت الشعوب القادمة من الشمال ان تقلب النظام القديم وتحطم وحدة حضارة القدامى؟ كلاّ ، إنما ذابت هذه الشعوب في بوتقة المجموع وأصبحت جزءاً منها، متممة لها ! وهل كان لنهاية الانبراطورية القديمة وظهور قوّة جديدة شرقي رومة من تأثير على زعزعة وحدة الدين آنذاك؟ وهـل احاقت الوحدة الاقتصادية في حوض البحر الأبيض المتوسط خسائر وأزمات؟

كلا وإنما خلاف هذا هو الصواب. ذلك ان تجارة الشرق التي ابتدأت، اول ما ابتدأت، عن طريق (Ostia) – مرفأ رومة وعلى مصب نهر التيبر – لتصب الى عاصمة العالم رومة، ومرفأ مرسيلية، نقول إن هذه التجارة قد ازدهرت أيّما ازدهار، وشملت آفاقاً لا حصر لها، اكثر مما كانت عليه حين كانت تسلك طرق الأدب والبلاد الغالية لتصل الى كامبري (Cambrai) وقلب بلاد الجرمان، ولئن ضعف صوت رومة ليحل مكان صوت بيزنطة، فإن العالم القديم قد احتفظ، على الرغم من ضعفه الداخلي وفقدانه لدماء الحياة في شرايينه، بلمعانه الظاهري الأخّاذ.
إلا ان هذا العالم القديم تحطم، ووحدته تمزقت شلواً إثر شلو حين انطلقت من جنوبي الجزيرة العربية جحافل العرب الرحّل، تحدوها قوة عارمة، ويدعمها تنظيم مدهش بثهما الرسول محمد في صفوفها. فتصل الى أطراف البحر الأبيض المتوسط حتى شواطئ الأطلسي، وتسيطر على الشرق والجنوب والغرب، وتخرج ذاك العالم القديم من بوتقته الثقافية السابقة.

وأما النتائج، فكانت عظيمة الشأن بعيدة المدى. ذلك ان الاسلام مزّق بانتصاره وحدة العالم، الذي عمّر أكثر من الف سنة، فشطره شطرين : شرقاً وغرباً. وأما الغرب، فقط أحاط نفسه إحاطه محكة بستار حديدي لمئات من السنين خوفاً من هجوم الشرق عليه، وأما في الشرق، فقد قامت الانبراطورية العربية الجديدة لتفرض نفسها، لأول مرة على الإطلاق، بصفتها “شرقاً” في وجه “الغرب” مجبرة إياه على ان يعزل نفسه.

لماذا؟ وكيف كانت أوروبا تؤثر الانغلاق على الانفتاح مع الشرق على الرغم من تمهيد المسلمين الطريق للحجاج المسيحيين؟، تبيّن الكاتبة:

لا يجرؤ أحدٌ على السفر الى سورية ومصر“. تلك هي الشائعة التي كانت تتناقلها الألسن من رومة حتى القسطنطينية. وكانت دعاوة القادة الأوروبية ذاتها أن تلف نفسها لفّاً وتغلق منافذ النور والهواء من امام عينيها، وعن رئتيها. وإما ان يتمكن الحجاج المسيحيون من متابعة سفرهم الى كنيسة القيامة دون اي ازعاج او خطر … وان يقدم، في ذلك الوقت او قبله بقليل، الخليفة هارون الرشيد مفاتيح المدينة المقدسة وشرف الهيمنة عليها الى القيصر شارل الكبير عن يد بطريرك القدس الذي كان بعد في منصبه دون ان يناله حيف او مكروه، نقول، أن يحصل كل هذا فأمر لم يحجم الأوروبيون فيه -آنذاك- عن إلصاق تهم انتهاك حرمة المدينة المقدسة نفسها من جانب “الكفار” قصد وإلقاء الذعر في قلوب المؤمنين والمسافرين لمنعهم عن السفر.
ولما كان التاجر العربي قد أوغل في الشرق الأقصى المترامي الأطراف إيغالاً شارف فيه الصين والهند، فإنه لم يكن معتمداً البتة في كسب رزقه على التجارة مع الغرب، لذلك فإنه، بالتالي لم يكن من روّاد سواحل أوروبة الجنوبية، بل كان القرصان وحده هو الذي يرودها وينكل بها سرقة وتخريباً.

عندما توقفت أوروبا عن إستيراد البضائع العربية، عانَ الكثير من كساد في التموين وفي مختلف حوائج الحياة، وأبرزهم كانوا رهبان الكنائس، ما اضطرهم الى الاكتفاء بالنزر اليسير مما يستطيعون الحصول عليه.

وكانت المرافئ تبدو حِينَئِذٍ مقفرة، والمستودعات فارغة عارية، والأقبية خالية، وهي التي استقبلت في السابق دفقاً من بضاعة الشرق في مدينة كوربي (Corbie) حيث اضطر الأخ الراهب، رئيس الطبّاخين الى تقديم وجبة لا طعم لها ولا نكهة من حساء الملفوف، بسبب إقلاع التجار عن عرضهم للتوابل او الزنجبيل (Ingwer) أو الخمرة المعتقة الشرقية أو الحرير نفسه، أو أي شيء من تلك الأشياء التي كانت تضفي على الحياة رونقاً وتزيدها متعة.
اجل، لقد اختفى كل هذا، واختفت أكشاك البائعين أيضاً، ولم يعد ثمة شيء تقصد المتاجرة به؛ وأصبح الفلاح يدفع لأخيه الفلاح حساباً قوامه البقر والحبوب، والفضة نادراً. وأما الذهب فقد انتفى نهائياً من بين الأيدي وأضحت الحياة فقيرة بالمرة، وعلى جانب كبير من السذاجة والبساطة.
حتى ان الكنائس نفسها اضطرت اضطراراً الى الاستغناء عن الأهم، والاكتفاء بالقليل النادر، ونَدَر البخور والخمر، اما زيت الإضاءة فقد أستعيض عنه بشمع النحل البري، وغدا المولج بالكنيسة يعتمد في تصريف أمور كنيسته على ما يصله من هبات صغيرة متواضعة يبعث بها أصدقاؤه في رومة، هبات من بينها حفنة من البخور مرة، وحفنة من القرفة مرة اخرى، او قطعة من جذور نبات “الكوستوس” (Costus) او قليلٌ من الـ (Opobalsam) المصنوع من البلسم العربي … هبات قد يكون تاجر يهودي جلبها الى العاصمة المسيحية ؛

عرف اليهود بالتجارة وأيضا بتنقلاتهم الكثيرة بين الممالك والدول في قديم الزمان وحاضره، ما الدور الذي قاموا به التجار اليهود أبان هذه الأزمة التجارية التي طالت الكثير من مناطق أوروبا؟ تجيب الكاتبة وتوضح:

ذلك أن اليهود وحدهم احتفظوا بنوع من الاتصالات بين الشرق المسلم والغرب المسيحي، فعملوا كـ تجار كبار، او كمبعوثين من قبل الكارولنجيين، كيف لا، وقد صادفوا في كل بقعة من الارض اخواناً لهم في الدين يمدّون لهم يد العون والمساعدة ! بالإضافة الى انهم – كما لاحظ ذلك ابن خرداذبه- مؤلف كتاب مسالك الممالك الذي وظفه المعتمد صاحباً للبريد في (الجبال) أي بلاد مادي القديمة، توفي حوالي ٩١٢ – رئيس قسمي الشرطة والبريد المنظمتين أحسن تنظيم عام ٩٠٠، حين قال-: ” وكانوا يرحلون من بلاد الغرب الى بلاد الشرق، ومن بلاد الشرق الى بلاد الغرب على متن السفن بحراً، أو برّاً عبر إسبانية- سبتة (Ceuta)، باتجاه مصر، ويجلبون من بلاد الغرب الموالي والجواري والغلمان والحرير من بيزنطة، والفراء والسيوف. فيركبون البحر المغربي من بلاد الفرنجة ويمخرونه متجهين الى فاراما- وهي منطقة بالقرب من مرفأ بورسعيد الحالي ثم يحملون على عودتهم جوز الطيب وعود الند (Aloe) والكافور والقرفة وغيرها من منتوجات بلاد الشرق”.

عن المعاناة التي عاشها المستوردون الاوروبيون من ندرة البضائع الشرقية، تقول :

ومع ذلك، فإن كل هذا لم يكن في أوروبة إلا بمثابة نقاط من الماء قليلة على حجر ملتهب. وقد جعلت هذه القلة وتلك الندرة البضائع فاحشة الثمن ولا سيّما في السوق السوداء، حتى اصبح الحصول عليها أمنية يعجز عن تحقيقها الاوروبي العادي. لذلك، فإنه كان من حق الطرطوشي ان يأخذ منه العجب كل مأخذ حين رأى بأي ثمن باهظ تباع سلع الشرق في مدينة ماينز الغربية.

وصل التبادل التجاري بين الحضارة العربية وأوروبا إلى مسافات شاسعة بادئاّ من بلاد الشرق حتى أقاصي الشمال والغرب الاوروبي.

والواقع انه كان للشرق حِينَئِذٍ تجارة واسعة المدى مترامية الأطراف، تكاد تختفي البلاد المسيحية في ظلها، تجارة تمتد عبر بحر الخزر والفولجا الى الشمال، شاملة كل الشواطئ وجزر بحر البلطيق. وقد لفظت ارض تلك البلدان آلافاً بل ملايين من العملة العربية من القرن التاسع حتى القرن الحادي عشر. وإن في هذه دليلاً على مدى إشعاع الحضارة العربية، ومدى إنتشار تجارة لم تقف احكام دينية متحيّزة في وجهها. وكان من حملة ألويتها سكان الشمال المعروفين بالفايكنغ (Vikinger) والنورمنديين الذي قدموا الى النروج وإيسلندا والسويد والدنمارك وعبروا البحار موغلين فيها حتى شواطئ الشرق. وقد أسس هؤلاء الكثير من الحواضر، ومن أهمها ما قد بنوه في مروج روسيا التي ماتزال تحمل اسمهم -هروس (Hros) او الروس (Rus)-. هذا وقد أسسوا أماكن كبيرة للتجارة ك نوفجورود (Nowgorod) وكييف (Kiew). وجلبوا القماش واللبّاد والحلى الفضية والتوتياء (Kaurimuschels) والسلاح الخطاف (حربات كبيرة لصيد الأسماك والحيتان المائية)، ومصنوعات مختلفة من الولاية الغربية الواقعة في اعماق البلاد حتى توليه (Thule) القصيّة. وبالمقابل كانوا يحملون للعرب احجار الكهرمان وأسنان الحيتان البحرية، والفراء وأخشاباً من شجر الدلب؟ وشجر التامول، وصقوراً حية للصيد، وقلنسوات من الفراء الأسود، وانواعاً كثيرة مختلفة من أجود أنواع الأطعمة.

هل عرف الفكر الإسلامي علم “مقارنة الأديان” أو علم “الدين المقارن” ؟ 


محمد الشرقاوي، أستاذ ورئيس قسم الفلسفة الإسلامية ومقارنة الأديان بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة، وله مجهود متميز في مجالي مقارنة الأديان والفلسفة الإسلامية، ويعتبر من أوائل الأكاديميين الذين أعادوا تقديم علم مقارنة الأديان في الجامعات المصرية والعربية.

يقول أ.د. محمد الشرقاوي :
إن مصطلح مقارنة الأديان أو الدين المقارن Comparative Religion قد صكّه علماء الغرب في نهاية القرن التاسع عشر، ليدل عندهم – على الدراسة العلمية للأديان، للتفريق بين هذا النوع الجديد من الدراسة و بين الدراسات اللاهوتية التي عرفتها المسيحية منذ نشأتها و حتى اليوم، و قد اتّسع نطاق علم مقارنة الأديان في القرن العشرين ليشمل: “تاريخ الأديان” و “فلسفة الدين” و “علم الاجتماع الديني” و “علم نفس الدين” و “فييومولوجيا الدين” وهذه ليست علوماً مساعدة لكنها أقسام أو حقول لعلم “الدين المقارن“.
إذا كان علم “مقارنة الأديان” يعني في التحليل الأخير – في رأي أ.د محمد – :
أن تتخذ الأديان بعامة – كتابية ووضعية – و العقائد الدينية، أو الملل و النحل موضوعاً للدراسة العلمية بمناهج موضوعية لها أصولها و خصائصها و ضوابطها التي اصطلح عليها أهل هذا الحقل، فإن الفكر الإسلامي منذ القرن الثاني للهجرة قد انفتح على أديان العالم و جعلها موضوعاً مستقلاً للدراسة و البحث، ووضع العلماء لذلك مناهج علمية سديدة؛ فوصفوا أديان العالم و حلّلوها و قارنوا بينها و أرّخوا لها و انتفدوا بعضها، و كانوا يستمدون أوصافهم لكل ديانة من مصادرها الموثوق بها، ويستقونها من منابعها الأولى. و هكذا فإنهم – كما يذكر العلامة (محمد عبدالله دراز) – بعد أن أن اختطّوه علماً مستقلاً، اتخذوا له منهجاً علمياً سليماً.”

لقد كان للفكر الإسلامي شرف التنشأة الأولى لعلم الدين المقارن، و من ثم فإن الأبوّة الشرعية لهذا العلم تكمن في الفلسفة الإسلامية، ولقد فطن لهذه الحقيفة كثير من علماء الأديان في الغرب و أقرّوا بها في أكثر من مناسبة.
ويُشير الشرقاوي إلى رأي (إيريك شارب) حيث يقول:
أما الأستاذ (شارب) فيرى أن شرف كتابة أول تاريخ للأديان في العالم يختص به (الشهرستاني) الذي وصف و صنّف أديان العالم العشرة المعروفة في العالم آنئذٍ إلى حدود الصين اعتماداً على منهج تاريخي سديد لم يكن لأي كاتب مسيحي في عصره أن يكتب مثله.
و لاينبغي أن نغفل قول (فرانز روزنتال):
أن الغرب يعترف اليوم صراحة بأن الدراسة المقارنة للأديان تعتبر واحدة من الإنجازات العظيمة للحضارة الإسلامية أسهمت في التقدم الفكري للإنسانية كلها.
و لكن الأستاذ الدكتور لا يقف فحسب على الاعترافات الغربية الصريحة بنشأة علم مقارنة الأديان ليُبرهن على صحة دعواه بل يأخذنا إلى ماهو أعمق من ذلك حيث يقول:
الطريق المنهجي للجواب على سؤالنا هو قراءة الفكر الإسلامي في هذا الحقل قراءة فاحصة واعية.
ويخلص بذلك بالنتيجة الآتية:
لم يظهر علم مقارنة الأديان في الفكر الإسلامي حقلاً علمياً مستقلاً بذاته مثل أصول الفقه أو الحديث أو التاريخ مثلاً، لكنه ظهر على تخوم حقول علمية أخرى، فهو بطبيعته من العلوم البينية التي تشتبك في الموضوع و القضايا مع غيرها و إن استقل عنها في مناهج الدرس و المعالجة، و من ثم يتميز عنها في الوظيفة و الغاية.
و يُمكن أن نسوق أسماء بعض العلماء الذين كثبوا في هذا الحقل مثل (واصل بن عطاء)، و (القاسم الرسّي)، و (الجاحظ)، و (الجبائيين)، و (أبي عيسى الوراق)، و (الطبري)، و (الكندي) الفيلسوف، و(النوبختي)، و(ابن ربّن الطبري)، و (الحسن بن أيوب)، و (القاضي عبدالجبار)، و(ابن حزم الأندلسي)، و (أبي الوليد الباجي)، و (أبي الحسن الأشعري)، و (الباقلاني)، و (أبي المعالي الحسيني العلوي)، و (أبي الحسن العامري)، و (البيروني)، و (الجويني)، و(السكسكي)، و (الطوفي الفقيه)، و (السموأل بن يحيى المغربي)، و(نصر بن يحيى المتطبب)، و(عبدالله الترجمان)، فضلاً عن (المسعودي) و (اليعقوبي)، و (المقريزي)، و(رحمة الله الهندي)، وخلق كثير يصعب حصرهم.
و هو بتعداده لمن تناول هذا العلم يجعلنا نتساءل مجدداً:
من يتأمل هذه القائمة يجد فيها المؤرخين و المفسّرين و الفقهاء و المترجمين, لكننا نجد أكثرها من المتكلمين.
هل يُعطي ذلك مشروعية للقول بأن علم: مقارنة الأديان جزء من علم الكلام في الإسلام؟ 
كيف نميّز خاصة و أن كثير ممن كتبوا في أصول الفقه كانوا من المتكلمين, فهل نازع أحد في استقلال أصول الفقه عن علم الكلام!
يقول الشرقاوي:
إننا نميّز بين علم و آخر عن طريق أمور ثلاثة هي: الموضوع، و المنهج، و الوظيفة أو الغاية.
و من المقبول بين أهل الاختصاص اليوم، أن وظيفة علم الكلام تتحدد في البرهنة العقلية على صحة العقائد أو أصول الدين، والحجاج العقلي عنها ضد المخالفين، وموضوع العلم ووظيفته يحددان منهج البحث فيه كما هو معروف.
يلتقي علم الكلام مع علم الدين المقارن في جانب من موضوعه وهو درس موضوعات أو جوانب من أديان المخالفين، لكن يبقى أن علم الكلام يحتفظ باستقلال وظيفته و منهجه في البحث عن علم الكلام أن يؤرخ للديانة الجينية، أو أن يرصد و يصف التطور الذي لحق بديانة زن Zen البوذية مثلاً. و إن اتفق و درس المتكلم جانباً في الديانة الهندوسية مثلاً، فهو يدرسه بمنهج جدلي، أعني محاجة المخالفين بمقتضيات العقل و براهينه. وذلك يدفعني إلى القول بأن علم دراسة الأديان أو علم الدين المقارن مثله مثل علم الكلام يشكل حقلاً متميزاً من حقول الفلسفة الإسلامية، و إن من طبيعة العلوم الإسلامية أن تتشابك و تتلاقى دونما غضاضة، و أن تتعانق و تتساند في أداء دورها في منظومة الفكر الإسلامي.
و للاستزادة ثمّة دراسة للشرقاوي بعنوان: بحوث في مقارنة الأديان

كارل بوبر يشرح وينتقد المذهب التاريخي

كارل بوبر

كارل بوبر (1902-1994) كاتب وفيلسوف انجليزي نمساوي، من أبرز المُهتمين بمجال فلسفة العلوم، ومناهج البحث العلمي، بالاضافة الى العلوم السياسية والاجتماعية. دَرس (بوبر) الرياضيات، والفيزياء، وعلم النفس، والتاريخ، والفلسفة، كما عمل مدرساً في جامعة لندن. و أشتهر (بوبر) بعدائه للأفكار الفاشية والشيوعية.

وهو في كتاب (بؤس الأيدلوجيا، نقد مبدأ الأنماط في التطور التاريخي)، يوجه نقد لاذع لمذهب يُتبع في دراسة العلوم الاجتماعية، وهو المذهب التاريخاني، حيث يرى بوبر أن هذا المذهب مُلهم للأفكار الفاشية والشيوعية. عرّف (بوبر) هذا المذهب، ثم عرض دعاويه وقام بتفنيدها. من أهم الدعاوي التي قام (بوبر) بتفنيدها هي الدعوى القائلة بوجود قوانين يسير التطور التاريخي وفقًا لها.

بَدء (بوبر) كتابه بقول:

لذكرى أعداد لا تحصى رجالًا ونساءً وأطفالًا  ينتمون إلى سائر العقائد والأمم والأعراق، سقطوا ضحايا الاعتقاد الفاشي، أو الشيوعي، بأن ثمة قوانين لا مهرب منها للقدر التاريخي.

ثم قام بتعريف المذهب التاريخاني:

التاريخانية هي طريقة في معالجة العلوم الاجتماعية تفترض أن التنبؤ التاريخي هو غايتها الرئيسية، كما تفترض إمكانية الوصول الى هذه الغاية بالكشف عن القوانين أو الاتجاهات أو الأنماط أو الإيقاعات التي يسير التطور التاريخي وفقا لها.

ويمكن تلخيص برهان (بوبر) على عقم المنهج التاريخاني بخمس أمور،

١. يتأثر التاريخ الإنساني في سيره تأثراً قوياً بنمو المعرفة الإنسانية.

٢. لا يمكن لنا، بالطرق العقلية أو العلمية، أن نتنبأ بكيفية نمو معارفنا العلمية.

٣. إذن فلا يمكن التنبؤ بمستقبل سير التاريخ الإنساني.

٤. وهذا معناه أننا يجب أن نرفض إمكان قيام تاريخ نظري؛ أي إمكان قيام علم تاريخي اجتماعي يقابل علم الطبيعة النظري.

٥. إذن فقد أخطأ المذهب التاريخاني في تصوره للغاية الأساسية التي يتوسل إليها بمناهجه؛ وببيان ذلك يتداعى المذهب التاريخاني.

لا يرى (بوبر) استحالة التنبؤ في جميع العلوم الاجتماعية، فيمكننا في علم الاقتصاد مثلاً أن نتنبأ بأحداث معينة نتيجة شروط معينة، ونبني ذلك على أساس نظريات اقتصادية، إنما تبين البراهين السابقة “استحالة التنبؤ بالتطورات التاريخية الى الحد الذي يؤثر بنمو معارفنا“.

ذكر (بوبر) مهمة عالم الاجتماع في نظر المذهب التاريخاني.

في رأي التاريخيين أن علماء الاجتماع يجب أن يحاولوا صياغة الفروض الخاصة بالاتجاهات العامة القائمة فيما وراء التطور الاجتماعي، حتى يستعد الناس لاستقبال التغيرات الوشيكة الوقوع باستنباط النبوءات من تلك القوانين.

يرى المذهب التاريخاني أنه إذا كان من المُستطاع لعلماء الفلك التنبؤ بحوادث فلكية، بناءً على نظريات علمية، فأنه إذن في مقدور عالم الاجتماع أن يكتشف (قوانين التعاقب الطبيعية) للتنبؤ بتطور التاريخ الإنساني.

لقد تأثر التاريخيون المحدثون تأثرًا عظيمًا بنظرية (نيوتن)، وخاصة بما لها من قدرة على التنبؤ بمواضع الكواكب السيارة بعد زمان طويل. وقد رأوا في إمكان مثل هذه التنبؤات البعيدة المدى ما يدل على أن الأحلام التي راودت الناس قديمًا عن إمكان التكهن بالمستقبل البعيد لم تكن تفوق حدود العقل الإنساني. وفي رأيهم أن العلوم الاجتماعية لا ينبغي أن تهدف إلى ما هو أدنى من ذلك. فإذا كان من الممكن لعلم الفلك أن يتنبأ بظواهر الكسوف، فلم لا يمكن لعلم الاجتماع أن يتنبأ بالتطورات الاجتماعية.

ثم بين (بوبر) أن الرأي الذي يعتبر المجتمع متنقلًا  في سلسلة من الفترات المتعاقبة، القائل بوجود (قوانين التعاقب الطبيعية) هو نتيجة خلط صادر عن تطبيق خاطئ للمصطلحات الفيزيائية على الميدان الاجتماعي. ويتضح ذلك في هذه العبارة التي تعبر عن هذا الرأي

 “ليست المدنيات حالات ساكنة للمجتمع وإنما هي حركات ديناميكية من نوع تطوري وهي ليست فقط عاجزة عن التوقف بل انها لا تستطيع ان تعكس اتجاه دورانها دون ان تخرج عن قانون حركتها“.

تجتمع في هذه العبارة فكرة الديناميكا الاجتماعية (المعارضة للاستاتيكا الاجتماعية)، والحركات التطورية للمجتمعات (تحت تأثير القوى الاجتماعية)، وفكرة الاتجاهات (والمسارات والسرعات) المنسوبة الى هذه الحركات التي يقال انها لا يمكن عكسها دون الخروج على قانون حركتها). وهذه الالفاظ (المكتوبة بين قوسين) منقولة كلها من علم الطبيعة الى علم الاجتماع، وقد كان استخدامها سببًا في ظهور سلسلة من الآراء الخاطئة المدهشة في مراهقتها. ولكنها من خصائص ذلك التقليد الأعمى لعلم الطبيعة وعلم الفلك.

نوع المجتمع الذي يعتبره عالم الاجتماع ((استاتيكيًا)) يماثل تمامًا نوع المجموعات الفيزيقية التي يعتبرها عالم الطبيعية ((ديناميكية)) (وإن كانت موقوفة stationary). ولنا في المجموعة الشمسية مثال نموذجي على ذلك، فهي على المجموعة الديناميكية بالمعنى الذي يقصده عالم الطبيعة، ولما كان لها طابع تكراري (أي موقوفة على حال واحدة تتكرر مرة بعد أخرى)، ولأنها لا تنمو ولا تتطور، ولأن بنيتها لا ينالها أي تغير، لكل هذه الأسباب فهي تماثل من غير شك تلك الأنساق الاجتماعية التي يعتبرها عالم الاجتماع ((استاتيكية)).

وهذا يُبطل الرأي الذي يستدل بنجاح التنبؤات الفلكية على إمكانية التنبؤ بالتاريخ الانساني.

لهذا الأمر أهمية كبرى فيما يتعلق بدعاوي المذهب التاريخاني، من حيث أن نجاح التنبؤات البعيدة المدى في علم الفلك إنما يعتمد كل الاعتماد على ما للمجموعة الشمسية من طابع تكراري، أو استاتيكي بالمعنى الذي يقصده عالم الاجتماع – أي أن نجاح التنبؤات معتمد في هذه الحالة على اهمالنا لكل عوارض التطور التاريخاني. إذن فنحن مخطئون من غير شك إذا افترضنا أن هذه التنبؤات البعيدة المدى، الخاصة بمجموعة ديناميكية موقوفة، تصلح أن نستدل بها على إمكان النبوءات التاريخية البعيدة المدى، الخاصة بالأنساق الاجتماعية الغير موقوفة.

“إن تطور الحياة على الأرض، أو تطور المجتمع الإنساني، عملية تاريخية فريدة”

لا يمكن أن تُسعفنا مشاهدة العملية الواحدة الفردة من التنبؤ بمستقبل تطورها. فنحن مهما بذلنا من عناية في مشاهدة نمو يرقة واحدة، فلن يساعدنا ذلك على التنبؤ بتحولها فيما بعد إلى فراشة. وهذه الحجة من حيث انطباقها على تاريخ المجتمع الإنساني، قد صاغها هـ.أ. فيشر في الألفاظ الاتية “لقد تبين الناس، في التاريخ خطة وإيقاعًا منتظمًا ونمطًا مرسومًا، ولست أرى فيه إلا مفاجأة تتلوها مفاجأة، أو مجرد واقعة واحدة كبرى يستحيل علينا أن نصدر التعميمات بشأنها، لأنها واقعة فردة“.