خلاصات هذا القسم

الأرشيف | الحضارات البشرية والتاريخ

كيف يسهم فهم التاريخ في فهم الحاضر والمستقبل؟ وهل هناك من حقائق تاريخية قد تعطينا لمحة لحل مشاكلنا الحاضرة؟

عن نيوتن، والطاعون، وكيف حرض الحَجر الصحي على القفزة الأعظم في تاريخ العلم

“وما الحقيقة إلا ثمرة للصمت والتأمل”

في خمسينات القرن السابع عشر للميلاد، بدأت غمامة الطاعون باجتياح العديد من بلدان أوروبا. حيث ضرب الوباء إيطاليا، أولاً، تلتها إسبانيا و ألمانيا، ثم هولندا. في ذلك الحين، كانت إنكلترا -التي يبدو أن إرادة الله شاءت أن تحميها من ذاك الوباء- تراقب الدول المجاورة لها من خلف جدار القنال الإنكليزي بوَجلٍ شديد، ثم بهدوء يسوده الحذر لمدة وصلت إلى ما يقارب عقدًا من الزمن.

بيد أن العالم بأسره، آنذاك، كان يضع التجارة في مقام رفيع، كما أن قوى العولمة كانت آخذة بالانتشار. وبما أن اقتصاد إنكلترا كان يعتمد اعتمادًا كبيرًا على التبادل التجاري، فإن موانئها كانت تعج بالسفن المحمّلة بالحرير والشاي والسكر القادم من كافة الحدود المكتشفة في العالم. لكن هذه السفن كانت محملة، أيضا، بالجرذان التي تحمل على أجسادها براغيثا، وهذه البراغيث هي التي تحمل البكتيريا المسببة للمرض؛ والتي كانت عبارة عن مملكة من الكائنات الحية الدقيقة أحادية الخلية، علماً أن الخلية لم تكن مكتشفة بعد، في ذلك الحين؛ إذ تنتقل العدوى من تلك البراغيث إلى جسد الإنسان عند رسوّ السفن.

وهكذا, تم الإعلان عن أول حالة وفاة بالطاعون في لندن في يوم الميلاد عام 1664. تلتها حالة أخرى في شهر شباط \ فبراير, ثم تتالت الحالات بعد ذلك. وهذا ما دفع كاتب اليوميات الإنكليزي (صموئيل بيبس) ليكتب في شهر نيسان\ أبريل من العام ذاته قائلاً:

“في هذه المدينة، ثمة مخاوف كبيرة من المرض. ليحفظنا الرب جميعا.”

صموئيل بيبس

بيد أن الرب لم يكن نظيرًا لانعدام المعرفة العلمية الأساسية بعلمي الأحياء والأوبئة. كانت الوفيات سريعة ومروعة، وسرعان ما أصبحت كثيرة إلى الحد الذي لم يتمكن أحد فيه من حمل الجثث. لتزداد أعداد الضحايا عشرة أضعاف بحلول فصل الصيف. إذ قفز عدد الوفيات من المئات إلى الآلاف في الأسبوع الواحد. لذلك فُرض على المرضى البقاء في منازلهم. كما تم وضع العديد منهم في سفن وتركوا ليلقوا حتفهم بمعزل عن المدينة. أما بيوتهم، فقد رسم عليها من الخارج صليب كبير للدلالة على وجود مصابين في الداخل. وفيما يخص المسرحيات، والرياضات الدموية العنيفة، وما إلى ذلك من تجمعات لحشود الناس، فقد مُنعت منعًا باتًا. كما منع الباعة المتجولون من بيع السلع، وموزعي الصحف اليومية من الهتاف في الشوارع، فانزوى الجميع إلى الداخل. ليخيم على مدينة الصخب والضجيج صمتًا موحشًا وغريبًا. وتغلق الجامعات، هي الأخرى، أبوابها.

عندما أرسلت جامعة “كامبريدج” طلابها إلى منازلهم، كان هنالك شاب شغوف بعلم الرياضيات و الحركة والضوء. هذا الشاب الذي توفي والده الأمي قبل ولادته بثلاثة أشهر. والذي كان يعبد “إله النظام لا الفوضى” وبدأ دراسته الجامعية عن طريق خدمته لبعض الطلاب الأثرياء من أجل تحصيل مصاريف دراسته. حيث أخذ كتبه التي جمعها، وعاد بها إلى مزرعة أمه.

هنا، حيث العزلة والوحدة، إذ يواصل الوباء امتداده بشراسة، كان (إسحق نيوتن) يحلم بنقطة الارتكاز التي تنتشل البشرية من عصور الظلام. في هذا المكان، سواء كانت الحادثة حقيقة أم مشكوك بصحتها؛ سقطت التفاحة. وفي ظل تلك التفاحة بزغت الفكرة الثورية لقانون الجاذبية التي يراها (نيوتن) قوة “يمتد تأثيرها حتى مدار القمر” على طول المسافة الفاصلة  بينه وبين الأرض دون انقطاع أو حدود. في ذات المكان شرع (نيوتن) بحساب تلك القوة التي يعتبرها “عنصرًا ضروريًا لإبقاء القمر في مداره، بفعل قوة الجاذبية على سطح الأرض” في غضون حسابه لهذه القوة، قوة الجاذبية، وكضرورة للقيام بذلك، ابتكر (نيوتن) نظرية التفاضل و التكامل.

في كتابه المميز (إسحاق نيوتن) الذي يعد مقياساً ذهبياً للسيرة الذاتية والسرد القصصي، والذي يجسر الهوة بين العلم و الشعر، كما يعرفنا على القصص الكامنة خلف المشاهير “الوقوف على أكتاف العظماء“* يحدثنا الكاتب الأمريكي (جيمس جليك) عن (نيوتن) الشاب  الهارب من الطاعون إلى منزل طفولته، إذ يقول:

“لقد أنشأ (نيوتن) رفوف مكتبته بنفسه، وشيّد مكتبة صغيرة. فتح (نيوتن) دفتر ملاحظاته الذي يحتوي على ما يقارب الألف صفحة، والذي كان قد ورثه من زوج أمه وأسماه “كتاب مهمل” وبدأ بملئه بملاحظاته التي سرعان ما تحولت إلى بحوث حقيقية. لقد جلب لنفسه المشاكل؛ فقد تفكر بهذه الملاحظات بهوس شديد، محصياً الإجابات الواردة فيها، وطارحًا المزيد من الأسئلة. لقد تجاوز (نيوتن) حدود المعرفة، على الرغم من عدم علمه بذلك. فكانت سنة الطاعون هي سنة التغيير الجذري بالنسبة له.  فقد جعلت منه تلك الوحدة والعزلة عن العالم الخارجي عالم الرياضيات الأهم في العالم.”

[جيمس جليك] – إسحاق نيوتن

 ومن حسن حظ (نيوتن) أنه عاش حياةً طويلة، فقد بلغ عمره عند وفاته أربعة وثمانين عاما، أي أنه عاش أكثر من ضعف متوسط العمر المتوقع للإنسان في تلك الفترة. حيث حُمل نعشه من قبل اللوردات و النبلاء آنذاك. كان (نيوتن) سيعيد النظر إلى أكثر مراحل حياته الفكرية ثراء  خصوبة وهو يدرك بأن “الحقيقة ليست سوى ثمرة للصمت و التأمل”


*يقصد بها عبارة نيوتن الشهيرة التي أجاب بها عندما سئل عن قدرته على رؤية ما لا يراه الآخرون، والوصول إلى قوانين لم يستطع غيره الوصول إليها  ” إذا كانت رؤيتي أبعد من الآخرين، فذلك لأنني أقف على أكتاف العمالقة من العلماء الذين سبقوني” 

[المصدر]

ما الذي يميّز الإنسان المتمدن عن غيره؟ (برتراند راسل) يجيب

برتراند راسل (1872-1970) فيلسوف وعالم منطق ورياضي وأيضاً هو مؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني.

في سلسلة كتبه (تاريخ الفلسفة الغربية)، والمكوّنة من ثلاث أجزاء، أولها هو (الفلسفة القديمة) من ترجمة الأستاذ (زكي نجيب محمود)، والذي تحدّث (راسل) عن الفروقات الأساسية التي صنعتها المدنية الأولى في سيكلوجية الإنسان، فيقول:

إن الإنسان المتمدن يتميز من الهمجي بسداد الرأي قبل كل شيء، أو إذا شئت لفظة أشمل قليلًا من تلك، فقل إنه يتميز ببعد النظر، الذي يتنبأ بما سيقع قبل وقوعه، فتراه لا يأبى احتمال الألم الراهن من أجل لذة مستقبله، حتى وإن كانت تلك اللذة المقبلة بعيدة الوقوع.

يتحدث بعد ذلك (راسل) عن هذا التغيّر المهم في تكوين الإنسان، فيقول:

وقد أخذت تظهر أهمية هذه العادة حين بدأت الزراعة، فليس هناك حيوان ولا إنسان من الهمج يعمل في الربيع لكي يدّخر طعامً للشتاء، اللهم إلا قليلًا من الحالات الغريزية الخالصة، كالنحل يصنع العسل، والسنجاب يدفن البندق تحت الثرى؛ وليس ثمة بُعد نظر في هذه الحالات، بل هناك دافع مباشر يدفع الحيوان إلى فعلٍ لا يعلم عن نفعه في المستقبل إلا الإنسان المتفرج؛ إن بُعد النظر الحقيقي هو الذي يقع حين يفعل الإنسان فعلًا لا يدفعه إلى فعله دافع طبيعي، بل يفعله لأن عقله يهديه إلى أنه سينتفع بهذا الفعل في تاريخ مقبل؛ ولا يحتاج الصيد إلى بُعد نظر لأنه لذيذ، أما حرث الأرض فعمل شاق ويستحيل فعله بدافع فطري باطني.

هذا التغير الأساسي في سيكلوجية الإنسان، نتج عنه عدد من الأطر والحدود التي تواطأ عليها الإنسان المتمدن. فيقول (راسل):

والمدنية من شأنها أن تلجم الدافع الفطري؛ وليس وسليتها في ذلك بُعد النظر فحسب، الذي هو من فرض الإنسان على نفسه، بل إن من وسائلها أيضًا في كبح الدوافع الفطرية، القانون والعادات والدين؛ وهي تَرِث هذا الكباح من عصر الهمجية، لكنها تخفف الجانب الغريزي فيه وتجعله أكثر اتساقًا في أجزائه بحيث لا ينقض بعضها بعضًا؛ فترى بعض الأفعال قد وُصفت بأنها إجرام وخُصص لها العقاب، وبعضها لا يعاقب عليه القانون، لكنه يوصف مع ذلك بالشر، والذين يفعلون مثل هذه الأفعال يتعرضون لسخط الناس.

ثم يختتم (راسل) هذا الجزء من كتابه، فيقول:

أما في نطاق الفكر، فالمدنية الرصينة هي والعلم اسمان على مسمى واحد على وجه التقريب؛ لكن العلم الخالص وحده لا يُقنع، فالناس بحاجة إلى العاطفة والفن والدين؛ ولئن جاز للعلم أن يصنع الحدود للمعرفة، فلا يجوز أن يضع أمثال هذه الحدود للخيال.

لماذا نحترم أو حتى نقدّر الفلاسفة الذين يعانون من التمييز العرقي و التحيز الجنسي؟

جوليان باجيني فيلسوف بريطاني، نشر هذا المقال مطولاً  في المجلة الرقمية (آيون) بتاريخ 7 نوفمبر 2018، وله العديد من الكتب والدراسات، وترجم له للعربية كتاب (حجج فاسدة: تجعلنا نبدو أغبياء)، وهو كتاب يستحق القراءة.

نقدم لكم هنا، ترجمة لمقاله “لماذا نحترم أو حتى نقدر الفلاسفة الذين يعانون من التمييز العرقي أو التحيز الجنسي”، بشكل حصري لدى ساقية.

أصبح سهلاً الوقوف على حافة الأخلاق عند الإشادة بأحد العقول العظيمة من الماضي، فلو قدَّرت (ايمانويل كانط)، سيذكرونك أنه يؤمن بتقسيم الناس على حسب اللون، فهو يقول: “كمال البشرية الإبداعي يكمن في العروق البيضاء”، ويقول: “الهنود الصفر لهم موهبة ضئيلة، والزنوج أقل منهم بكثير.” وعند احترام (أرسطو) سَتشرح كيف انَ الحكيم الحقيقي لم يسلم من التفكير  في: “أن جنس الذكور بطبيعته متفوق، والأنثى أقل شائناً، والذكور أصلح للقيادة، والأنثى رعية.” وعند كتابة تأبين في (ديفيد هيوم)، كما فعلت أنا سابقاً، هاجمني أحدهم  لرثاء مفكر كتب مرةً في عام 1753-54 ميلادي: “أنا لا أشك أبداً في أنّ الزنوج وجميع أنواع البشر هم بالطبيعة في مستوى أدنى من الإنسان الأبيض.”

نحن هنا عالقون في معضلة محيرة، فلا نستطيع رفض التحيزات العنصرية غير المقبولة باعتبارها غير مهمة، ولكن وإن فعلنا، وعاقبنا وجهات النظر و الأقوال اللا أخلاقية من الماضي؛ فلن يسلم أحداً في التاريخ ، وستقف هذه الأحكام حاجزاً عن تقدير عقلاً عظيماً في زمانه أو قائداً عسكرياً مهماً.

على أي حال، إنَ مسألة الحُكم تلقائياً بسبب التمييز العرقي، و التمييز الجنسي، وكل أشكال التعصب، ضد الشخصيات التاريخية القديمة، مسألة مضللة، ومخادعة. لأن من يتميز ضدهم يتخيل أنَّ من يحمل أياً من  تلك الصفات لابد أن يكون فاسداً من الداخل. وقول ذلك دليل على وجود قصور في استيعاب الشروط الإجتماعية التي تؤثر على ماهية العقل؛ دون استثناء حتى الشخصيات العظيمة.

دواعي الغضب هو التصور في أن هؤلاء الفلاسفة فُضلاء، وأنهم منزهين عن الوقوع في أي وحل غير أخلاقي حتى لو كان المحيط من حولهم مصاب بالعمى الذي يمنعه عن رؤية الظلم، و يجب علينا أن نعرف الأفضل، وأن نتذكر الدرس التاريخي الموجع مع الرايخ الألماني الثالث (ألمانية النازية)، وكيف أنها كانت مدعومة بنسبة كبيرة جداً من الناس العاديين والبسطاء الذين لو قُدِرَ لهم أن يعيشوا في زمن مختلف لعاشوا حياة بريئة، ولكن الصدفة القدرية جعلتهم جزء من محيط ملوث، ولو كنا نحن جزء من ذلك الظرف الزماني والمكاني، ومع بالغ الثقة، لكنا سنفقع في نفس المأزق، ولهذا فنحن اليوم نعرف مالم يعرفه ذلك المجتمع وقتها، و عدم دعم النازية اليوم أمراً بديهياً لأننا رأينا العواقب التي نتجت عنها.

لماذا يؤمن الكثير بإستحالة عدم رؤية التمييزات العنصرية غير المنطقية وغير العقلانية الصادرة ممن يعرفون بمسمى”العبقرية”؟

أحد أهم الأسباب هو أن ثقافتنا مكونة من مفاهيم عميقة مبنية على افتراضات خاطئة في أن الفرد هو عقل بشري مستقل بذاته عن بيئته الإجتماعية، ولكن هذا الوهم المريح يسحقه معرفة علم النفس، وعلم الإجتماع، والأنثروبولوجيا..

تستطيع ثقافة التنوير المعتدلة أنّ تجعلنا نفكر أننا ذوات حُرة ولكن مشروطة بإعتبارات آخرى، وذلك بعيداً عن الوقوع في تشويش أوهام الثقافة التنويرية المثالية والتي تقترح أننا ذوات نفكر بأنفسنا في أننا مستقلين استقلالية فردية مطلقة، ولكي تتضح الصورة أكثر يجب أن لا نخلط بين الإثنين. لأن أفكارنا  تتشكل من خلال محيطنا الإجتماعي بطرق عميقة لا يمكن ادراكها، و حتى الإنتباه لها في كثير من الأحيان. وألئك الذين يرفضون قبول قوى تأثير البيئة على أفكارنا لديهم أوهام جنون العظمة الفكرية.

عندما يكون الشخص متجذراً بعمق في نظام غير أخلاقي، فإنه يصبح من الصعب إعطاءه خصلة ” المسؤولية الفردية”. و المشكل، أننا متشبثون بالفكرة التي تدعي ان المسؤولية الأخلاقية مرتبطة تماماً باستقلال الفرد الذاتي المطلق. و بالمقابل من المرعب أخذ مسألة التكيف الإجتماعي مع المعتقدات و الممارسات المقيتة بحِدَّة، لأن الجميع سيتخطى المأزق، ولن يتبقى إلا التبرير عبر مفهوم” نسبية الأخلاق ” الميؤس منه.

إن كراهية النساء و التمييز العرقي قُبح لا يتغطى، لأنه نتائج المحيط الإجتماعي، على نطاق واسع، وعلى درجات عالية، أكبر من أن يكون فردي/شخصي. بالطبع، ذلك لا يعفي ديفيد هيوم من عنصريته النتنه، ولا يبرر لأرسطو تحيزه الجنسي ضد المرأة، فلم ولن تكن العنصرية والتمييز أمور حسنة قط، وهم بالفعل أشخاص آمنوا بها.

وكل ذلك لا ينفي السابق، بل يجب معرفة ان (ايمانويل كانط) و(هيوم) كانا نتاج بيئتهم، ومعرفة أيضاً أنه حتى العقول العظيمة لا تسلم من الوقوع في الأفخاخ المقززة عبر العمى عن الأخطاء والشرور التي تكون واسعة الإنتشار بما فيه الكفاية.

إن دفاع (إيديث هول) عن تحيز (أرسطو) ضد المرأة هو أنموذج على إنقاذ الفيلسوف من أسوء ما قد يعيشه. وبدلاً من الحكم عليه تحت معايير هذا الزمن؛ لابد أن نختبر طبيعة طريقة تفكير (أرسطو)، فتناقش (إيديث هول):

هل لو عاش بيننا اليوم (أرسطو)، هل ستؤدي به فلسفته إلى التحيز ضد المرأة؟ وبالنظر إلى انفتاح (أرسطو) على الأدلة والبراهين نجد وبكل يقين أن (أرسطو) اليوم سيكون مقتنعاً تماماً بالمساواة بين الرجل و المرأة. ولو طبقنا نفس التجربة على (ديفيد هيوم)، فلو كان بيننا اليوم لن يزدري أصحاب البشرات الداكنة. بإختصار، لا نحتاج للنظر بعيداً عن أساسيات فلسفتهم التي يقدمونها، لرؤية أماكن الخلل في طريقة تطبيقها.

أحد الأسباب التي تجعلنا نتردد في عذر عقول الماضي، هو أننا نخشى أن ذلك سيتبعه عذراً للتبرير عن الأحياء. ان عجزنا عن لوم (هيوم) و(كانط) و(أرسطو) على تحيزاتهم، كيف يمكننا أن نلوم الأشخاص الذين فضحتهم حملة #أنا_أيضاً بسبب الأفعال التي ارتكبوها داخل المحيط الإجتماعي حيث كانوا فيه طبيعين تماماً؟ ولكن، ألم يكن (هارفي واينستين) نموذج مثالي على “مدرب اختيار ممثلين وممثلات” في ثقافة هوليوود ؟ وداخل محيطه؟

وتوجد هنا نقطة مهمة جداً، وهي التفريق بين الأموات والأحياء، فالحي بستطاعته أن يرى سلوك الخطأ، ويعترف به، ويعتذر عنه، وربما يندم، وإذا ارتكب الحي جريمة وتسبب في ضرر، فإنه يواجه القانون والعدالة، ولا يمكننا قبول العنصرية والتمييز من الأحياء كما هو من الأموات. وأما تعديل المحيط الإجتماعي فيتطلب إظهار إمكانية تجاوز العنصريات ، ونشر الوعي ضد القُبح اذا تفاقم.

لسيوا مسؤولين الأحياء عن خلق القيم المشوهة القبيحة التي تصبح أجزاء من تكوين البيئة الإجتماعية، ولكن يمكنهم تحمل المسؤولية في كيفية التعامل معها…

لا يملكون الموتى نفس الفرصة، فبالتالي تصبح ممارسة الغضب نحوهم مضيعة لا فائدة منها. فنحن على حق حينما نأسف على خطايا الماضي، ولكن من القسوة إلقاء اللوم على الأفراد بسبب مافعلوه في أوقات أقل استنارة إستناداً على معايير اليوم.


[المصدر]

 

مفهوم الحركة والتطور المجتمعي عند الوردي

علي حسين الوردي ( ١٩٩٥-١٩١٣ م ) عالم اجتماع عراقي، أستاذ ومؤرخ عُرف باعتداله وموضوعيته وهو من رواد العلمانية في العراق. ولد في بغداد عام ١٩١٣ م، ترك مقاعد الدراسة في عام ١٩٢٤ م ليعمل صانعاً عند عطار ولكنه طرد من العمل لانه كان ينشغل بقراءة الكتب والمجلات ويترك الزبائن وبعد ذلك فتح دكان صغير يديره بنفسه.

حصل على البكالوريوس من الجامعة الأمريكية في بيروت، والماجستير والدكتوراه من جامعة تكساس في عام ١٩٥٠م. قال له رئيس الجامعة عند تقديم الشهادة له: “أيها الدكتور الوردي ستكون الأول في مستقبل علم الاجتماع“.

ألّف (الوردي) العديد من الكتب من أبرزها: (وعاظ السلاطين)، (مهزلة العقل البشري)، و(خوارق اللاشعور) والعديد من الكتب الأخرى.

نشر (الوردي) في كتابة (خوارق اللا شعور)، تحدث فيه عن الزمن ويقول:

الزمن في تغير وان ماصلح أمس قد لايصلح اليوم أو غداً وحين يصطدم بالتجربة المرة يرجع الى نفسه خابئاً فيأخذ بذم الناس وسب الزمان مع العلم ان لا دخل للناس أو الزمان في فشله وان فشله آت  من سوء تفكيره بالكون بينما الحياة في حركة متواصلة.

تحدث ايضاً عن مفهوم الحركة والتطور في كتابه (مهزلة العقل البشري) قائلاً:

إن من المفاهيم الجديدة التي يؤمن بها المنطق الحديث هو مفهوم الحركة والتطور .فكل شيء في هذا الكون يتطور من حال الى حال ولا رادَّ لتطوره.

ويكمل قائلاً:

إن المجتمع في تطور مستمر، فالعادة التي تصلح لزمان قد لاتصلح لزمان آخر.

واتبع في قوله عن مفهوم التطور:

ماحدث هنا يحدث هناك ، والتطور الاجتماعي يسير في كل بلد على منوال ماسار عليه في بلد آخر. تلك سنة الله ولن تجد لسنته تبديلا.

عوامل نشأة الحضارات عند وَيْل ديورانت

ويل ديورانت

ويليام جيمس ديورانت (1885 – 1981) فيلسوف، مؤرخ وكاتب أمريكي من أشهر مؤلفاته كتاب (قصة الحضارة) والذي شاركته زوجته (أريل ديورانت) في تأليفه.

تحدث (ديورانت) عن العوامل الجغرافية والاقتصادية في نشأة الحضارات، فقال:

فحرارة الأقطار الاستوائية وما يجتاح تلك الأقطار من طفيليات لا تقع تحت الحصر، لا تهيئ للمدنية أسبابها، فما يسود تلك الأقطار من خمول وأمراض، وما تُعرف به من نضوج مبكّر وانحلال مبكر، من شأنه أن يصرف الجهود عن كماليات الحياة التي هي قوام المدنية، ويستنفدها جميعاً في إشباع الجوع وعملية التناسل، بحيث لا تَذَرُ للإنسان شيئاً من الجهد ينفقه في ميدان الفنون وجمال التفكير؛ إذن فالعوامل الجغرافية على الرغم من أنها يستحيل أن تخلق المدنية خلقاً، إلا أنها تستطيع أن تبتسم في وجهها، وتهيئ سبيل ازدهارها.
والعوامل الاقتصادية أهم من ذلك، فقد يكون للشعب مؤسسات اجتماعية منظمة، وتشريع خلقي رفيع، بل قد تزدهر فيه صغريات الفنون، كما هو الحال مع الهنود الأمريكيين، ومع ذلك فإنه إن ظلَّ في مرحلة الصيد البدائية، واعتمد في وجوده على ما عسى أن يصادفه من قنائص، فإنه يستحيل أن يتحول من الهمجية إلى المدنية تحولاً تاماً، قد تكون قبيلة البدو- كبدو بلاد العرب- على درجة نادرة من الفتوة والذكاء، وقد تبدي من ألوان الخُلق أسماها كالشجاعة والكرم والشيم، لكن ذكاءها بغير الحد الأدنى من الثقافة التي لا بد منها، وبغير اطراد موارد القوت، ستنفقه في مخاطر الصيد ومقتضيات التجارة، بحيث لا يبقى لها منه شيء لوَشْى المدنية وهُدابها ولطائفها وملحقاتها وفنونها وترفها.

كما تحدث أيضًا عن ارتباط الثقافة بالزراعة، فقال:

وأول صورة تبدت فيها الثقافة هي الزراعـة، إذ الإنسان لا يجد لتمدنه فراغاً ومبرراً إلا إذا استقر في مكان يفلح تربته ويخزن فيه الزاد ليوم قد لا يجد فيه مورداً لطعامه؛ في هذه الدائرة الضيقة من الطمأنينة- وأعني بها مورداً محققاً من ماء وطعام- ترى الإنسان يبني لنفسه الدُّور والمعابد والمدارس، ويخترع الآلات التي تعينه على الإنتاج ويستأنس الكلب والحمار والخنزير، ثم يسيطر على نفسه
آخر الأمر، فيتعلم كيف يعمل في نظام واطراد، ويحتفظ بحياته أمداً أطول ويزداد قدرة على نقل تراث الإنسانية من علم وأخلاق نقلاً أميناً.
إن الثقافة لترتبط بالزراعة كما ترتبط المدنية بالمدينة، إن المدنية في وجه من وجوهها هي رقة المعاملة ، ورقة المعاملة هي ذلك الضرب من السلوك المهذب الذي هو في رأي أهل المدن- وهم الذين صاغوا حكمة المدنية- من خصائص المدينة وحدها، ذلك لأنه تتجمع في المدينة- حقاً أو باطلاً- ما
ينتجه الريف من ثراء ومن نوابـغ العقول؛ وكذلك يعمل الاختراع وتعمل الصناعة على مضاعفة وسائل الراحة والترف والفراغ؛ وفي المدينة يتلاقى التجار حيث يتبادلون السلع والأفكار؛ وهاهنا حيث تتلاقى طرق التجارة فتتلاقح العقول، يُرهف الذكاء وتُستثار فيه قوته على الخَلق والإبداع، وكذلك في المدينة يُستغنى عن فئة من الناس فلا يُطلب إليهم صناعة الأشياء المادية، فتراهم يتوفرون على إنتاج العلم والفلسفة والأدب والفن؛ نعم إن المدنية تبدأ في كوخ الفلاح، لكنها لا تزدهر إلا في المدن.

وفي موضع آخر يقول بأن المدنية لا جنسية لها:

وليست تتوقف المدنية على جنس دون جنس، فقد تظهر في هذه القارة أو تلك، وقد تنشأ عن هذا اللون من البشرة أو ذاك، قد تنهض مدنيّة في بكين أو دلهي، في ممفيس أو بابل، في رافنا أو لندن، في بيرو أو يوقطان. فليس هو الجنس العظيم الذي يصنع المدنية بل المدنية العظيمة هي التي تخلق الشعب، لأن الظروف الجغرافية والاقتصادية تخلق ثقافته، والثقافة تخلق النمط الذي يصاغ عليه. ليست المدنية البريطانية وليدة الرجل الإنجليزي ولكنه هو صنيعتها، فإذا ما رأيته يحملها معه أينما ذهب ويرتدي حُلة العشاء وهو في “تمبكتو”؛ فليس معنى ذلك أنه يخلق مدنيته هناك خلقاً جديداً، بل معناه أنه يبين حتى في الأصقاع النائية مدى سلطانها على نفسه. فلو تهيأت لجنس بشري آخر نفس الظروف المادية، ألفيت النتائج نفسها تتولد عنها، وهاهي ذي اليابان في القرن العشرين تعيد تاريخ إنجلترا في القرن التاسع عشر، وإذن فالمدنية لا ترتبط بالجنس إلا بمعنى واحد، وهو أنها تجيء عادة بعد مرحلة يتم فيها التزاوج البطيء بين شتى العناصر، ذلك التزاوج الذي ينتهي تدريجياً إلى تكوين شعب متجانس نسبياً. وأخيراً لابد من تربية- وأعني بها وسيلة تُتخذ- مهما تكن بدائية- لكي تنتقل الثقافة على مر الأجيال، فلابد أن نورث الناشئة تراث القبيلة وروحها، فنورثهم نفعها ومعارفها وأخلاقها وتقاليدها وعلومها وفنونها، سواء كان ذلك التوريث عن طريق التقليد أو التعليم أو التلقين، وسواء في
ذلك أن يكون المربي هو الأب أو الأم أو المعلم أو القسيس، لأن هذا التراث إن هو إلا الأداة الأساسية التي تحول هؤلاء النشء من مرحلة الحيوان إلى طور الإنسان.

ويجيب عما لو انعدمت هذه العوامل :

ولو انعدمت هذه العوامل- بل ربما لو انعدم واحد منها- لجاز للمدنية أن يتقوض أساسها. فانقلاب جيولوجي خطير، أو تغيُّر مناخي شديد أو وباء يفلت من الناس زمامه كالوباء الذي قضى على نصف سكان الإمبراطورية الرومانية في عهد “الأناطنة” (جمع أنطون)، و “الموت الأسود” الذي جاء عاملاً على زوال العهد الإقطاعي … فإذا ما حدث اضطراب خطير في عواملها الاقتصادية أو في طرائق انتقالها من جيل إلى جيل فقد يكون عاملاً على فنائها.