خلاصات هذا القسم

الأرشيف | الحضارات البشرية والتاريخ

كيف يسهم فهم التاريخ في فهم الحاضر والمستقبل؟ وهل هناك من حقائق تاريخية قد تعطينا لمحة لحل مشاكلنا الحاضرة؟

كيف تخلصت أوروبا من البربرية الوحشية ؟ رايلي يجيب

Reilly

كافين رايلي – المؤرخ الأمريكي ورئيس جمعية التاريخ العالمي- كتب العديد من الكتب الهامة التي تعيد قراءة تاريخ العالم بنظرة جديدة. ولعل من أهم أعماله يأتي كتاب “الغرب والعالم: تاريخ العالم من خلال موضوعات [تحميل])” والذي ترجمه الدكتور عبد الوهاب المسيري ونشر ضمن سلسلة عالم المعرفة.

يتحدث رايلي في هذا الكتاب الرائع عن تاريخ فكرة “الشعور بالذنب” في المجتمعات الحديثة وكيف أنها ساعدت في تجاوز المرحلة البربرية المؤلمة التي طغت على التاريخ الأوروبي.

لقد قامت الأخلاق البربرية على ضرورة الأخذ بالثأر. وكثيرا ما كانت الأسر القبيلية تمزقها المنازعات التي لا تقف عند حد. فكان الشرف يقتضي الأخذ بالثأر، عندما تلحق إهانة بأسرة المرء أو قبيلته. وكان النوم مستحيلاً إلى أن يُغسل الظلم بالدم. وشيئاً فشيئاً تمكن زعماء البرابرة (ثم الملوك من بعدهم) من الإصرار على إحلال تسوية قانونية للمنازعات القبلية، وأصبح المال أو شيء له قيمة بديلا رمزياً عن الانتقام بالدم. والجزء الذي اقتبسناه من قانون الصياليين كان حقاً خطوة نحو مجتمع أقل عنفاً. صحيح أن الأخذ بالثأر يرضي أحد العواطف الإنسانية للانتقام، ولكن دوافع المهاجم (كما جاء في التعالم التي يلقنها الرهبان المسيحيون) لها أهميتها أيضا. فما جدوى سمل عين الآخر لتسوية الحساب ؟ إن القتل لن يرجع حياة أخرى فقدت ، والحساب لم يكن سوى بهذه الطريقة قط (كما يعرف أكبر رجال القبائل سناً أو الملك أو مدبر الأمور) . فالمنازعات أو الانتقام يعني استمرار الحرب ومنع قيام دولة منظمة.

وهكذا حل نظام (الدية) عن ألوان البتر والقتل المهتلفة محل الثأر تدريجياً. وهذه الغرامات تتوقف على مدى الضرر  الذي لحق بالضحية وقيمته. والنتيجة كما بين روثباري ملك لومبارد في ذيل قائمة الغرامات التي استنها ، هي “أنه بالنسبة للجروح السابق ذكرها فقد فرضنا تعويضاً أعلى من التعويض الذي فرضه أجدادنا، ولذا يكون دفع هذا التعويض قاطعاً لكل عداوة”.

يجب أن ننظر إلى الدية بوصفها خطوة تتجاوز البربرية، حيث أنها جعلت المنازعات الأسرية أقل عدداً نظراً لزيادة الغرامة. ولكن حتى فكرة الدية هي فكرة بربرية من منظور الكنيسة المسيحية . لقد حدّت من العنف لكنها منعت اللوم. وطالما أن الثمن قد دُفع فيكون الأمر قد سُوّى كلية. وقد رحبت الكنيسة بإحلال الدية محل الثأر لكنها أصرت على أن الأمر يتضمن قضية أخلاقية. وألّف رجال الكنيسة الكتب عن العقاب الذي سينزله الله بمن يقولمون بأعمال العنف. وعُدت هذه الأفعال خطايا، لا مجرد لحظات عدم استقرار مؤقتة في النظام الاجتماعي… وهذا الموقف الأكثر “أخلاقية” تجاه العنف لم يكن مستنداً بعد إلى أي إيمان إنساني حديث بقداسة الحياة، بل كان يستند إلى الخوف من القصاص الإلهي وحسب. وبالتدريج حل الشعور “بالعار” لارتكاب الأعمال المعادية للمجتمع محل عدم الاكتراث الهمجي بالموت. وقد تحول العار بدوره الذي لم يأت إلا من الضغط الاجتماعي إلى شعور مسيحي بالذنب الفردي. إن تاريخ الضمير البشري لم يكفّ بعد (ولعله لن يكتب) ، لكن يبدو أن البرابرة وقد أصبحوا مستقرين ومتحضرين ومسيحيين، اكتسبوا استعداداً أكبر للشعور بالعار ثم بالذنب. بل إن الشعور بالذنب تم استبطانه بشكل متزايد. إن الذنب في أوروبا العصور الوسطى لم يكن أكثر من حكم يصدره الملك المسيحي أو القاضي الذي يعينه، ولا يزال الذنب في المجتمع الحديث هو الحكم الذي يصدره المحلّفون [في القضاء الأمريكي]، ولكنه شيء أكبر من هذا: إنه المنظم الداخلي الهائل الذي يستجيب لكثير مما نفعل.

وهكذا أخذ المجتمع الأوروبي يصبح أقل عنفاً مع تحوله من اللامبالاة إلى الشعور بالعار ثم بالذنب ، ومن الثأر إلى الدية، ثم إلى المسؤولية، وذلك بعد أن أصبح المجتمع البربري أشد استقراراً وأصبح الفرد أكثر إحساساً بالمسؤولية عن سلوكه، وحل القانون والإجراءات محل الحاجة العمياء للانتقام.. ونحن ماضون بالتأكيد في هذا الاتجاه منذ العصور الوسطى.

عن حماية تنوع الهويات البشرية والانقراض المحتمل لبعض الثقافات .. أمين معلوف يكتب

ما الذي يجعل مجموعة من الناس رُغم اختلاف توجهاتهم وأطباعهم ونظرتهم للحياة، واختلاف مراحلهم العُمرية ومستويااتهم الثقافية، ما الذي يجعلهم يجتمعون مُتماسكي الإيدي تحت مظلة واحدة؟ أعتقد أن الإجابة هي الهوية، شعورهم بأنهم يتجهون جميعًا لوجهة ينتمون إليها مهما اختلفت الطرق، في الوقت الذي يستطيع كل فرد منهم أن يسير في تلك الحياة مُمارسًا لفردانيته من خلال نفس الانتماء الذي يمنحه روحه وكيانه، يمنحه وجوده كله.

الهوية نوع من (الطريقة) لها مُمثلين ومُريدين وأتباع، يُعرِفون بها، ويُمارسون الحياة أحيانًا من خلالها، ومن جمالية الهويات أنها مُختلفة، متنوعة بتنوع الإنسان ومكانه في هذا العالم.

هذا التنوع الذي يُعد سفرًا في الإنسان إن جربنا في لحظات من التأمل وصفاء التقبًل أن نستكشف هويات الآخرين، وأن نستكشفها بعين المعرفة لا بعين المًقارنة أوالتعالي وبدون مُحاولة طمس الآخر والتغيير من هويته وفقًا لمعايير هويتنا لأنها المُهيمنة بحُكم أننا الأقوى، أن نُعدل أو نطمس أو نُغير في هويات الآخرين هو نوع من قتل الإنسان عن عمد، إخراس صوته، الذهاب بتنوعه وفردانيته ووجهة نظره واعتقاداته تجاه الفناء، العالم يتسع، لماذا لا يفعل الإنسان؟

أمين معلوف، كاتب وصحافي لبناني مُقيم في فرنسا، له العديد من المؤلفات التي نستطيع القول بأنها وبشكلٍ ما تبحث في أصل الأصل، في التاريخ ودور الإنسان فيه، كان قد تحدث سابقًا عن معنى الهوية وتحوّله بفعل الظروف، وكيف أنها كانت فعلًا نُقطة تحول في حياته هو الشخصية من خلال كتابه “الهويات القاتلة”.

وهنا يتحدث -في كتابه “الهويات القاتلة” كذلك- عن إمكانية انقراض الثقافات بفعل غفلة البشر..

يمكن أن تكرس القوة الهائلة التي يتيحها العلم والتقانة الحديثان للبشرية لأغراض متعارضة، بعضها خيّر والآخر مدمر. فلم تُعانِ الطبيعة من الإساءة أكثر مما تعانيه الآن. إلا أننا في موقف أفضل بكثير مما سبق لحمايتها، ليس لقدرتنا على التأثير في المشكلات البيئية فحسب، ولكن أيضا لأن وعينا بهذه المشكلات أقوى مما كان في الماضي.

ولا يعني هذا أن قدرتنا على الإصلاح تتفوق دائما على قدرتنا على الإضرار، كما يظهر من أمثلة أكثر من أن تحصى. ولنذكر مثلاً استنفاد شريحة الأوزون، والأنواع الطبيعية التي ما زالت مهددة بالانقراض.

وكان يمكن أن أشير إلى مجالات غير البيئة، ولكني اخترتها لأن المخاطر التي تواجهنا فيها تماثل ما تشتمل عليه في العولمة. في كلتا الحالتين، هناك تهديد للتنوع. فكما تنقرض أنواع نباتية وحيوانية أمام أعيننا الآن بعد أن عاشت لملايين السنين، فقد نشهد -إن لم نتوخ الحذر- انقراض ثقافات عديدة تمكنت أن تبقى حية لمئات أو آلاف السنين.