خلاصات هذا القسم

الأرشيف | الحضارات البشرية والتاريخ

كيف يسهم فهم التاريخ في فهم الحاضر والمستقبل؟ وهل هناك من حقائق تاريخية قد تعطينا لمحة لحل مشاكلنا الحاضرة؟

إسبارطة كما يصفها بلوتارك

hl-spartans

في كتابه “مدخل إلى الفلسفة” يكتب الدكتور اللبناني إبراهيم النجار عن سبب شهرة إسبارطة تاريخيًا، وتكوينها السياسي الذي استفاد منه أفلاطون في نظرياته السياسية بعد ذلك، بحسب تعبير الكاتب. وكل ما ذكره النجار كان عبارة عن نقل عن المؤرخ الروماني بلوتارك Plutarch

كان الإسبارطيون يعاملون الرجال والنساء بالتساوي في كل شيء بما فيه التمارين الرياضية التي لم يكن الهدف منها إرسال النساء إلى المعركة بل تدريبهن على عدم الخوف من الألم وعلى عدم إظهار الشفقة أو الضعف. وعند ولادة أي صبي، كان يجب على والده أن يأخذه إلى مجلس العائلة من المسنين ليتم فحصه، فإذا وجدوه ضعيفًا وهزيلًا  رموه في بئر ماء عميقة. وعاد الأب إلى بيته وكأن شيئًا لم يكن. كانت الخدمة العسكرية تبدأ في سن العشرين، ويُسمح للرجال بالزواج في هذا الوقت، ولكن لا يعيش الرجل مع زوجته إلا بعدما يدخل الثلاثين من عمره. كان يعيش الرجل في بيت مخصص للرجال يأكل ويعيش معهم. وبعد الثلاثين كان ينتقل إلى بيته ولكن يبقى يأكل مع الرجال. ولا يسمح للرجال أو المواطنين الإسبراطيين بالعمل في الفلاحة لأن فلاحة الأرض تعتبر مهنة غير لائقة بالرجال الأقوياء الذين عليهم أن يصونوا البلاد ويكونوا على أهبة الاستعداد للحرب في أي لحظة. كانت الدولة هي التي تملك الأرض وتوزعها على المواطنين بالتساوي.

يفلح الأرض خدم تم أسرهم أو الانتصار عليهم في الحرب. ليس الخدم عبيدًا ولكن لا يحق لهم الانتقال من قطعة أرض إلى أخرى. يزرعون الأرض ويقدمون حصة معينة إلى المواطن الإسبارطي الذي وزعت الأرض عليه ولا يملك حق بيعها. وهكذا تكون طبقة العسكر لا تختلط مع طبقة المزارعين. ويُقال أن (ليسوغوس) واضع دستور إسبارطة في سنة ٨٨٥ ق.م. قد استعار هذه الحكمة من المصريين القدماء. ومن الشائع أن (ليسوغوس) كان مشرّعًا حكيمًا.

يتولى الحكم في إسبارطة ملكان في نفس الوقت، كل من عائلة أو قبيلة مختلفة وينتقل الحكم بالوراثة. فأحد الملكين يقود الجيش إبان الحروب ولكن في وقت السلم يتمتعان بنفس السلطة. كانا عضوين في مجلس الأعيان الذي يتألف من ٣٠ شخصًا ينتخبون مدى الحياة شرط أن يكون العضو فوق ٦٠ سنة ومن عائلة أرستوقراطية. يحكم المجلس فقط في الأمور الإجرامية ويحضر المشاريع التي تبحثها الجمعية العمومية التي تتألف من جميع المواطنين. وكل القوانين التي تقرها الجمعية لا تصبح نافذة إلا إذا أعلنها مجلس الأعيان.

إضافة إلى ذلك كان هناك خمسة قضاة (أو إفارات) ينتخبهم كل المواطنين. ووظيفتهم هي مراقبة أعمال الملكين. وفي كل شهر يحلف الملكان أمام القضاة الخمس بأن يحموا الدستور ويحترموه ومن ثم يحلف القضاة أمام الملكين بأن يطيعوا الملكين شرط أن يحفظ الملكان عهدهما. وعندما كان يذهب ملك إلى الحرب كان يرافقه قاضيان ليتأكدا من سلامة تصرفاته.

لقد أدى هذا النظام إلى استقرار إسبارطة واشتهر الإسبارطيون بكونهم محاربين لا يقهرون. ويقال أن جماعة منهم تقارب ٣٠٠ محاربًا خاضوا معركة ثارموبليه سنة ٤٨٠ ق.م. ضد الفرس الذين كانوا يتفوقون عليهم بالعدد والعتاد. ولكن عندما فشلت كل محاولاتهم في في اختراق صفوف الإسبارطيين من الأمام، لجأ الفرس إلى خدعة وهاجموهم من عدة جهات وقتل الجميع خلال الدفاع عن أماكنهم. وكان قد تغيّب فارسان عن المعركة بسبب المرض، فجرّ واحد نفسه إلى المعركة وقتل، أما الآخر فعاد إلى إسبارطة، ليلقب بالجبان وقد قاطعه جميع من حوله.

سقطت إسبارطة سنة ٣٧١ ق.م. على يد مدينة ثيبا ذات القوة البحرية الصغيرة التي ألّبت أثينا ضد إسبارطة في حرب البيلوبونيز، وكان خوف ثيبا من إسبارطة كبيرًا، وكان يظن حكامها في الحزب الديموقراطي أن إسبارطة ستقضي على أثينا ومن ثم على ثيبا بمساعدة كورنث. فعملت ثيبا على إنشاء حلف يوناني تتزعمه أثينا لتقف في وجه إسبارطة حليفتها كورنث. ولكن لم يحالف الحظ هذا الحلف وانتهت حرب البيلوبونيز بهزيمة أثينا وانتصار إسبارطة. ويبدو أن العداوة لم تمت بسقوط أثينا. فعادت ثيبا وتحدت إسبارطة بمفردها وقضت عليها. ومنذ ذلك الحين لم يعد يحسب لإسبارطة أي حساب. ولم يدم الأمر طويلًا  حتى خضعت أثينا وكل اليونان لجيوش المقدونيين القادمين من الشمال بقيادة الإسكندر الكبير. وبعدها انتشر المقدونيون في الشرق كله.

لماذا غزا العالم القديم الجديد وليس العكس ؟ الإجابة في كتاب دايموند

jared-diamond

في كتابه الحاصل على جائزة البوليتزر، يخبرنا جارد دايموند عن محادثة له مع أحد سكان نيو غينيا الأصليين، والذي سأله “لماذا لديكم أيها الغربيون الكثير من الشحنات – Cargos جمع شحنة، وهي الكلمة التي استخدمها الرجل ليعني بها لمَ لديكم كل هذه المخترعات؟ – وليس لدينا نحن مثلها؟”، هذا السؤال لم يجب عليه دايموند وقتها ولكنه شغله لسنوات طويلة تالية وكان هذا الكتاب الذي تحول إلى فيلم وثائقي (مرفق أدناه) أيضاً هو الجواب.

وقد لخص دايموند جوابه في عنوان الكتاب (أسلحة، جراثيم وفولاذ)، حيث يستفتح بذكر اللقاء الشهير بين فرانشيسكو كورتيز وموكتيزوما إمبراطور الأزتيك، وكيف استطاع كورتيز برجاله القلائل القضاء على إمبراطورية كاملة، ويتخذ من هذه الحادثة التاريخية مدخلاً، ليشرح لمَ كان هناك فارق تقني هائل ما بين الغربيين والأزتيك، شارحا ً عوامل تطور الحضارات، وعلاقة البيئة النباتية والحيوانية بهذا التطور، وكيف تصنع فروقات كبيرة على المدى الطويل، وكيف أن تعايش الحضارات وتقاربها يمنحها فرصة الاستفادة من بعضها البعض، بينما عزلتها تجعلها منكمشة، ضعيفة، كما يشرح بعد ذلك أهمية ودور الأسلحة والحديد كأدوات للإنسان في الحرب والسلم، وكذلك دور الجراثيم وكيف كان الأوربيون محصنين ضدها لأنهم كونوا مناعة، بينما قضت على السكان الأصليين بشكل مفجع، بحيث مات ملايين البشر بسبب أوبئة وأمراض جاءت مع الأوربيين.

للاستزادة: مراجعة موسعة من الجزيرة نت / الفليم الوثائقي من ناشونال جيوغرافيك

كيف تخلصت أوروبا من البربرية الوحشية ؟ رايلي يجيب

Reilly

كافين رايلي – المؤرخ الأمريكي ورئيس جمعية التاريخ العالمي- كتب العديد من الكتب الهامة التي تعيد قراءة تاريخ العالم بنظرة جديدة. ولعل من أهم أعماله يأتي كتاب “الغرب والعالم: تاريخ العالم من خلال موضوعات [تحميل])” والذي ترجمه الدكتور عبد الوهاب المسيري ونشر ضمن سلسلة عالم المعرفة.

يتحدث رايلي في هذا الكتاب الرائع عن تاريخ فكرة “الشعور بالذنب” في المجتمعات الحديثة وكيف أنها ساعدت في تجاوز المرحلة البربرية المؤلمة التي طغت على التاريخ الأوروبي.

لقد قامت الأخلاق البربرية على ضرورة الأخذ بالثأر. وكثيرا ما كانت الأسر القبيلية تمزقها المنازعات التي لا تقف عند حد. فكان الشرف يقتضي الأخذ بالثأر، عندما تلحق إهانة بأسرة المرء أو قبيلته. وكان النوم مستحيلاً إلى أن يُغسل الظلم بالدم. وشيئاً فشيئاً تمكن زعماء البرابرة (ثم الملوك من بعدهم) من الإصرار على إحلال تسوية قانونية للمنازعات القبلية، وأصبح المال أو شيء له قيمة بديلا رمزياً عن الانتقام بالدم. والجزء الذي اقتبسناه من قانون الصياليين كان حقاً خطوة نحو مجتمع أقل عنفاً. صحيح أن الأخذ بالثأر يرضي أحد العواطف الإنسانية للانتقام، ولكن دوافع المهاجم (كما جاء في التعالم التي يلقنها الرهبان المسيحيون) لها أهميتها أيضا. فما جدوى سمل عين الآخر لتسوية الحساب ؟ إن القتل لن يرجع حياة أخرى فقدت ، والحساب لم يكن سوى بهذه الطريقة قط (كما يعرف أكبر رجال القبائل سناً أو الملك أو مدبر الأمور) . فالمنازعات أو الانتقام يعني استمرار الحرب ومنع قيام دولة منظمة.

وهكذا حل نظام (الدية) عن ألوان البتر والقتل المهتلفة محل الثأر تدريجياً. وهذه الغرامات تتوقف على مدى الضرر  الذي لحق بالضحية وقيمته. والنتيجة كما بين روثباري ملك لومبارد في ذيل قائمة الغرامات التي استنها ، هي “أنه بالنسبة للجروح السابق ذكرها فقد فرضنا تعويضاً أعلى من التعويض الذي فرضه أجدادنا، ولذا يكون دفع هذا التعويض قاطعاً لكل عداوة”.

يجب أن ننظر إلى الدية بوصفها خطوة تتجاوز البربرية، حيث أنها جعلت المنازعات الأسرية أقل عدداً نظراً لزيادة الغرامة. ولكن حتى فكرة الدية هي فكرة بربرية من منظور الكنيسة المسيحية . لقد حدّت من العنف لكنها منعت اللوم. وطالما أن الثمن قد دُفع فيكون الأمر قد سُوّى كلية. وقد رحبت الكنيسة بإحلال الدية محل الثأر لكنها أصرت على أن الأمر يتضمن قضية أخلاقية. وألّف رجال الكنيسة الكتب عن العقاب الذي سينزله الله بمن يقولمون بأعمال العنف. وعُدت هذه الأفعال خطايا، لا مجرد لحظات عدم استقرار مؤقتة في النظام الاجتماعي… وهذا الموقف الأكثر “أخلاقية” تجاه العنف لم يكن مستنداً بعد إلى أي إيمان إنساني حديث بقداسة الحياة، بل كان يستند إلى الخوف من القصاص الإلهي وحسب. وبالتدريج حل الشعور “بالعار” لارتكاب الأعمال المعادية للمجتمع محل عدم الاكتراث الهمجي بالموت. وقد تحول العار بدوره الذي لم يأت إلا من الضغط الاجتماعي إلى شعور مسيحي بالذنب الفردي. إن تاريخ الضمير البشري لم يكفّ بعد (ولعله لن يكتب) ، لكن يبدو أن البرابرة وقد أصبحوا مستقرين ومتحضرين ومسيحيين، اكتسبوا استعداداً أكبر للشعور بالعار ثم بالذنب. بل إن الشعور بالذنب تم استبطانه بشكل متزايد. إن الذنب في أوروبا العصور الوسطى لم يكن أكثر من حكم يصدره الملك المسيحي أو القاضي الذي يعينه، ولا يزال الذنب في المجتمع الحديث هو الحكم الذي يصدره المحلّفون [في القضاء الأمريكي]، ولكنه شيء أكبر من هذا: إنه المنظم الداخلي الهائل الذي يستجيب لكثير مما نفعل.

وهكذا أخذ المجتمع الأوروبي يصبح أقل عنفاً مع تحوله من اللامبالاة إلى الشعور بالعار ثم بالذنب ، ومن الثأر إلى الدية، ثم إلى المسؤولية، وذلك بعد أن أصبح المجتمع البربري أشد استقراراً وأصبح الفرد أكثر إحساساً بالمسؤولية عن سلوكه، وحل القانون والإجراءات محل الحاجة العمياء للانتقام.. ونحن ماضون بالتأكيد في هذا الاتجاه منذ العصور الوسطى.