خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | الحضارة الغربية

كيف قامت الحضارة الغربية ؟ وماهي مشاكلها التي تعاني منها اليوم ؟ وماهو مستقبلها ؟

لانغستون هيوز يغني “وأنا أيضًا”

هيوز

لانغستون هيوز (1902-1967)، كاتب صحفي ومسرحي وروائي وشاعر وناشط اجتماعي أمريكي. ينحدر (لانغستون هيوز) من اعراق مختلفة فهو من اصول أفريقية واسكوتلاندية واوربية يهودية وكذللك جذر من الهنود الأمريكان.

ولد (لانغستون هيوز) في ولاية ميسوري، وهو الابن الثاني لأسرة هجرها ربها هربا من العنصرية التي كانت سائدة في الولايات المتحدة انذاك. في 22 أيار عام 1967 توفّي (هيوز) في مدينة نيويورك على أثر تعقيدات حصلت بعد عملية جراحية.

وهنا نقدّم لكم ترجمة حصرية لأحد قصائده، والتي كان عنوانها “وأنا أيضًا”، يتحدث فيها عن وطنيته بالرغم من اختلاف عرقه عن البلاد التي يدعوها الوطن. يقول في قصيدته:

وأنا أيضاً أغني أمريكا

أنا الشقيق الأسمر

يرسلوني للمطبخ لآكل

عندما تحضر الشركة

ولكني أضحك

وأتناول الطعام بشكل جيّد

وأكبر بشكلٍ قويّ

غداً..

سأكون في الجدول

عندما تحضر الشركة

عندها لا أحد سيجرؤ

أن يقول لي

تناول الطعام في المطبخ

ثم..

إلى جانب ذلك

سوف يرون كم أنا جميل

وسيخجلون..

أنا أيضاً أمريكي.

جريمة في الحلبة .. قرار الرجل الميت

جيمس كانون
جيمس باتريك كانون (1890-1974)، كان أمريكيًا تروتسكيًا، كما كان زعيمًا لحزب العمال الاشتراكي في الولايات المتحدة.
في عام 1951 نشر (جيمس كانون) مقالة، إثر حادثة وقعت في حلبة الملاكمة. حيث حُمل الملاكم (نيك بلاكويل) من الحلبة إلى الإسعاف، بعدما أقر طبيب الحلبة في الجولة العاشرة بعدم قدرة (بلاكويل) على الرؤية، للتورم الشديد حول عينيه. مما جعل (كانون) ينشر مقالته التي حملت عنوان “جريمة في الحلبة .. قرار الرجل الميت”. نقدمها لكم بترجمة حصرية لدى ساقية.

سنبدأ مباشرة بهذا الخير، متى ستصبح هذه الحقائق في الواجهة، لماذا تظهر متأخرا بعد أن تصبح هذه الحقائق اقل أهميةً ؟!
هذه الشخصية في هذه القصة أو بالأحرى التي كانت تدور حولها القصة هو (جورجي فلوريس). يبلغ من العمر 20 عاما مصارع متوسط الوزن من بروكلين.
في التاسع والعشرون من أغسطس، (جورجي) أطيح به من قبل خصمه (روجر دونوغو) بالضربة القاضية في مباراة نصف النهائي بحلبة ماديسون.
سقط مغشياً عليه في غرفة الملابس بعد دقائق من خروجه كمغلوب في هذه المواجهة. وتوفي بعد ذلك بخمسة أيام في المستشفى دون أن يستعيد وعيه.
بموت (جورجي)، ترك ورائه زوجته (الين) ذات الثمانية عشر عاما ورضيع في شهره الأول لن يعرف (جورجي) أبداُ .
معلومة فنية ذكرها خبراء الصف الأول بالقرب من الحلبة “كانت ضربة قاضية وخاطفة وحادة والتي أسقطت الملاكم الشاب أرضاً بعد 46 ثانية من بداية الشوط الثامن والأخير من المباراة. ضرب رأسه بعد ذلك بشدة في أحدى الألواح المسطحة بحسب كلام الحكم والتي كانت سبباٌ في وفاته”.
ذكر الأطباء بعد ذلك في تقريرهم عن سبب الوفاة أن دماغ (جورجي) نزف نتيجة للأوعية الدموية الممزقة بفعل الضربة، ولم تنجح العمليات الجراحية التي تم إجرائها لإنقاذه، وقد قضى ساعاته الأخيرة على أجهزة التنفس الصناعية.
(جورجي فلوريس) لم يمت بالشيخوخة أو إحدى الأمراض المستعصية أو بمحاولة الانتحار، لقد قُتل .. نعم قُتل.
إذا كنت تريد أن تعرف الحقيقة كما هي، (جورجي) ليس أول من يموت بهذه الطريقة، الموت المفاجئ هو أحد المخاطر المهنية لرياضة الملاكمة التجارية، ستة ملاكمين قُتلوا في الولايات المتحدة و في نفس العام، هذا إذا كنت تحصي فقط أولئك الذين لقوا حتفهم في حينها أو بعد ذلك بعد فترة قصيرة جداً نتيجة للضربات الحادة في الحلبة.
وهذا الرقم سيكون أكبر من ذلك بكثير إذا ما شمل أولئك الذين تلقوا ضربات موجعة والتي كانت سبباً في انخفاض حاد بمتوسط أعمارهم نتيجةٌ لهذا العمل المروع، والتي يصفها الحمقى أو الساخرين باسم “الرياضة” أو “اللعبة” وأن هذا يحدث في كل الأوقات.
وكقاعدة عامة، حوادث القتل في مبارزات الملاكمة لا يسلط عليها الضوء ولا يأتي ذكرها إلا بفقرات إخبارية قليلة، وباقة زهور من الغوغائيين القتلة مع مبلغ صغير يصل لأرملة القتيل.
القتلى لا يقولون الحكايات، لكن أحياناً كما هو معروف، ذكرى ما فعلوه أو الطريقة التي ماتوا بها تمارس سلطة على الأحياء مما يؤثر على قراراتهم وأفعالهم.
استمرار تأثير الرجال العظماء لا جدال فيه ولو لوهلة، و في لحظة استثنائية يتحدث (جورجي فلوريس) من القبر، الملاكم الشاب الذي قُتل في حلبة حديقة ماديسون حديثاً، ألقى بظلاله الطويلة على نزال (توربين) و(روبينسون) لبطولة الوزن المتوسط في حلبة حديقة بولو الأربعاء المنصرم والتي على الأرجح يكون فيها نصيب المنتصر منهما مليون دولار.
(تروبين) كان في وضع حرج، لكنه لم يخرج عندما أوقف الحكم المباراة قبل نهاية الجولة العاشرة بثمانية ثواني من النزال المقرر له أن يكون من خمسة عشر جولة، الحكم في الوقت نفسه أعطى قراره لصالح (روبنسون) بفوزه باللكمة القاضية.
ولكن فوز (روبنسون) في هذا النزال بجدارة هو محل شك كبير، النزال كان مستمراً حتى الجولة العاشرة و(روبنسون) كان ينزف كخنزير من جرح على عينه، و(تروبين) كانت لديه قدرة تحمل بسبب صغر سنه والذي كان يزيد من فرصه، وأستطاع أن يسترد جزء من عافيته خلال الاستراحة بين الجولات والأخذ بزمام الأمور من هناك.
أحتج (توربين) ومدير أعماله على إجراء الحكم بناءً على ما سبق، والأدلة اللاحقة على ما يبدو أنها تدعم حجتهم، (تروبين) ووفقاٌ لكل التقارير كان أكثر نشاطاً و قوة من (روبنسون) بعد نهاية النزال.
كانت مقتل (جورجي فلوريس) الوفاة الأكثر مفاجئةً ومأساوية والأكثر تأثيرا لمجرد تسعة أيام فقط، هذا كل شيء، لكن هذا التأثير أستمر بما يكفي للتأثير على القرار في مباراة (تروبين) و(روبنسون)، وقد أثمر هذا التوتر إلى هدوء أو توقف مؤقت – لم يأخذ وقتاً طويلاً – وعدد من المقترحات المتعلقة بإمكانية تحسين وضع المراقبة في جولات الملاكمة في المستقبل وبعض القواعد والأنظمة الأكثر تفصيلاً التي أطلق عليها حاكم ديوي في كلمته بـ“الاحتياطات” والتي قد تبقي الملاكمين بعيداً عن الإصابة عندما يتعرضون للضرب، بعدها أصداء هذه الضجة التي أثيرت تضاءلت بعيدا و عادت الملاكمة إلى وضعها الطبيعي والى طريقتها المعتادة.
ومما يقال تعليقاً على هذا الوقت و البيئة الاجتماعية ومن بينها أعمال الملاكمة أنها تنبت وترتفع كزهرة سامة من بين الروث، لأنه لا أحد خرج للعلن وطالب بتجريم أعمال الملاكمة أو حضرها، كما تم في معظم الدول مطلع القرن الحالي.
مصارعة الديكة أمر غير قانوني؛ من غير الإنساني وضع اثنين من الديكة في حفرة وحثهم على مصارعة بعضهم حتى مقتل أحدهم في الأخر، ومن المخالف للقانون وضع اثنين من الكلاب في حفرة للقتال من أجل الرهانات، لكن حضارتنا و منذ أن بدأت لم تصل بعد للنقطة التي يمنع فيها القانون الرجال الذين لا يحمل احدهم ضغينة للاخر من القتال لأجل المال والتسلية، هذا المشهد هو جزء من أسلوبنا او ثقافتنا في الحياة.
“الاحتياطات” التي تم الدعوة لها خلال ما كانت الأجواء ملتهبة بعد مقتل (جورجي فلوريس)، خفت وتيرتها إلى بعض الاقتراحات العبثية أن الملاكمة ليست مجرد نزال بين المتصارعين، لأنهم سيحتاجون للتدريب ودخول الحلبة في حالة جيدة، وأن قفازات الملاكمين وألواح الحلبة يجب أن تكون مبطنة قليلاٌ، وأن على كل ملاكم فحص رأسه بالأشعة السينية قبيل كل مباراة لمعرفة إذا ما كان يعاني من إصابات مسبقة في الدماغ.
يقول الدكتور (فرانك فيرليانو) لـ(ميلتون غروس) الكاتب الرياضي في نيويورك بوست: “الملاكمة ستكون رياضة أمنة، إذا تم الالتزام بهذه اللوائح أو الاحتياطات”. الدكتور بالطبع يتحدث عبر قبعته!
“الاحتياطات” التي من المفترض أن تعتني بكل شيء، في الواقع هي لا تعتني باي شيء، لأنه عندما تكون داخل حبال الحلبة، رأسك سيكون الهدف لكل اللكمات، وليس هناك من طريقة كي تكون في مأمن منها، كما قال الجندي عندما سُئل لماذا هرب من الخطوط الأمامية: “قد تُصاب هناك، بضربات على الرأس لا يخرج منها أي شخص بخير، و إذا كان هناك أي شخص وجد خيراً في ذلك، فنحن لم نسمع عنه حتى الآن”. جوائز رياضة الملاكمة تذهب حصراً للمتفرجين و المدراء ومروجي هذه الرياضة.
يشهد على ذلك (جو لويس) عندما سأله أحد المراسلين في المؤتمر الصحفي الذي تخلى فيه عن لقبه الرياضي في المصارعة كي يتحول لمقدم.
الصحفي يسأل قائلا: “جو ما الذي تظنه الأفضل لك؟ جو المصارع أو جو المقدم؟!”
يجيب (جو) بكلمات قليلة قائلا: “أنا أفضل التقديم”.
يسأل الصحفي مرة أخرى: “لماذا، هل بالإمكان شرح ذلك؟”
بالطبع يجيب جو: “لأنه لا يمكن ضربك عندما تصبح مقدماٌ”.
هذه الكلمات تنتمي إلى سفر الأمثال .

[المصدر]

 

مخاطر العقلانية من وجهة نظر إدوارد سعيد

Edward_Said

إدوارد وديع سعيد (1935 – 2003) مُنظر أدبي فلسطيني وحامل للجنسية الأمريكية. كان أستاذا جامعيا للغة الإنكليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية ومن الشخصيات المؤسسة لدراسات ما بعد الكولونيالية. كما كان مدافعا عن حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني، وقد وصفه (روبرت فيسك) بأنه أكثر صوت فعال في الدفاع عن القضية الفلسطينية.

20152809212815

تحدث كتاب (إدوارد سعيد من تفكيك المركزية الغربية إلى فضاء الهجنة والاختلاف) عن دراسة تحدثت عن أحد أمثلة مخاطر العقلانية التي تحدث عنها (إدوارد سعيد) وكان “الاستشراق” موضوعها بأنها:

يتميز تمثيل الشرق الذي نقله مجمل الإنتاج العلمي للمستشرقين في القرن التاسع عشر بتماسكه وعقلانيته كما يقول (سعيد). بفضل الوضعية العلمية، أصبح العالم الشرقي الغريب والفوضوي مفهوماً للقارئ الغربي، ووفر لرجال السياسة لغة جعلت خطابهم ممكناً وذا مصداقية. هذا الترابط المنطقي، يقول (سعيد)، بأنه وهمي واستيهامي. ليس هذا الترابط المنطقي سوى نتيجة لتأثير أنتجه أسلوب التصنيف، هذا النظام المغلق الذي يُعطي الشعور بالاكتمال والموضوعية العلمية، لكنه يخفي المحتوى الأيدلوجي للخطاي الاستشراقي والثغرات والتحيز الذي يستند إليه. إن كتاب (المكتبة الشرقية) للمستشرق (هيرلبوت) الذي نشر في 1697، والذي سيكون بمثابة نموذج لكتاب وصف مصر يقدم، حسب (سعيد)، مثالاً على هذه المعرفة التي تخفي عقلانيتها وتنظيمها الأبجدي “أساطير إيديولوجية“.

في كتاب علمي مثل (المكتبة الشرقية) الذي هو نتيجة لدراسات وبحوث منهجية، يفرض المؤلف نظاماً على المادة التي اشتغل عليها، بالإضافة إلى ذلك، يريد أن يفهم القارئ جيداً بأن هذا الكتاب عند طباعته يمثل حكما منظماً ومنضبطاً عن هذه المادة “الشرق“. ماينقله كتاب (المكتبة الشرقية) هو الفكرة القائلة بأن قوة الاستشراق وفعاليته تذكر القارئ في أي مكان أنه من الآن فصاعداً لكي يفهم كنه الشرق، يجب عليه أن يمر عبرالخطابات والرموز الثقافية التي قدّمها المستشرق الأوروبي.

هكذا، خلق الاستشراق ، حسب منظور (سعيد)، تحت ستار التبحر العلمي الممنهج، نظاماً ممن التمثيلات الوهمية عن واقع قائم أساساً على وحدة جغرافية وثقافية ولغوية وإثنوغرافية، في حين أن هذا التقليد الأوروبي “الاستشراق” يستند إلى تشظي وتقسيم تعسفي لهذه الوحدات. بسبب وهم الترابط المنطقي لظاهرة الاستشراق والسعي إلى فهم فوضى الشرق، سيطر الغرب على الشرق، لكن هذا الشرق لم يكن في غالب الأحيان سوى تسلية واستجمام للمستشرقين لأن محتوى الدراسات الاستشراقية يستند حسب منظور (إدوارد سعيد) إلى “أساطير إيديولوجية“. لدعم وجهة نظره، يستند (سعيد) إلى أمثلة التعامل مع اللغة العربية وتمثيل (النبي محمد) الذي اعتاد كتاب (المكتبة الشرقية) إنتاج صورته كدجال على شاكلة الصورة التي كانت موجودة من قبل العصور الوسطى أو العمل الشهير (الكوميديا الإلهية) للكاتب الإيطالي (دانتي).

في هذا المستوى من التحليل أيضاً، من الواجب التلويح بعدد من التحفظات. يخص التحفظ الأول مرة أخرى الطابع المنهجي لتحليلات (سعيد) الذي لاتميل إلى المتون العلمية الغزيرة التي اشتغل عليها فيه إلى إبراز الاختلافات والفروق الدقيقة لفكر الكتّاب، بل تسعى إلى إثبات تواطؤ لغتهم والنفاق الواعي أو المستتر لنواياهم. على شاكلة العلماء الذين كان إنتاجهم موسوعياً وغزيراً، تبنى علماء اللغة مثل (إرنست رينان)، وعلماء النحو مثل (سيلفستر دو ساسي)، نظام تصنيف، يؤكد (سعيد) أنه فتّت المعرفة وأصابها بالتشظي، وخلق بالتالي فجوات ملائمة لتطوير الأساطير الايديولوجية.

إذا كانت أعمال المؤلفين الذين تم الاستشهاد بهم تنقل صورة سلبية عن الإسلام والشرق -وهو المناسبة ليس الشيء نفسه، لكنه يتطابق عن قصد في منظور (سعيد)- فإن هذه الصور لا تنشأ بالضرورة من هذا الوعي بالتفوق الغربي واحتقار الآخر والايدولوجيا الاستعمارية. إن أراء (دانتي) و(سلفستر دو ساسي) و(إرنست رينان)، إذا كانت تطلق أحكاماً سيئة عن الدين الإسلامي أو الثقافة الشرقية، فهذا لا يعني بالضرورة أن تفكيرهم تهيمن عليه إيديولوجية قديمة تحصرهم في اجترار الخطاب نفسه والأحكام نفسها واستنساخهما.

إن التصور الذي نملك،على سبيل المثال، العبودية والعنصرية والاستعما، لم يعد يخضع للمعايير نفسها. إذا فشل المستشرقون في التخلص من الايديولوجيا الاستعمارية التي تبقى موضع تساؤل، فإن العمل الهائل الذي قاموا به، وبعيداً عن خلق صورة وهمية خيالية عن الإنسان الشرقي، قدّم لهذا الأخير مجموعة هائلة من المعلومات تسمح له بتشكيل تاريخه وثقافته. هل في وسع المرء اليوم أن يُنكر إسهام (شارل أندري جوليان) و(جاك بير) في البحث التاريخي في المنطقة المغاربية؟ ماهي المواد العلمية التي  استخدمها (ادوارد سعيد) عن الشرق، إن لم تكن كما يبين ذلك جيداً كتابه سوى أعمال المستشرقين؟

ومع ذلك، إذا كان كتاب (ادوار سعيد) كان قد خلق ضجة في أوساط المستشرقين وأتاح للأوروبين تغيير نظرتهم للشرق، فإنه عزز لدى المثقفين العرب رفض الآخر، ورسخ بشكل عميق الكولونيالي، ومنح قاعدة فكرية للأفكار الأصولية؛ باعتماد لغة جدلية في حدتها، وتقييد حقل الدراسة في غايات إيديولوجية.

هل يمكننا الاستماع اليوم لفاجنر ؟

اشتُهِر ثيودور أدورنو (1903-1969) باهتمامه بالموسيقى والنقد الموسيقي وأنه أحد مؤسسي خط النقد الثقافي الموسيقي في مدرسة فرانكفورت. واشتهر أيضا بكتاباته المتعلقة بارتباط الموسيقى بالعنف النازي إبان الحرب العالمية الثانية وارتباط الموسيقى بالأيديولوجيا أو ما يسميه هو “بالوظيفة الأيديولوجية للنقد الموسيقي”، أيضا مسائل الإستهلاك والفيتشية الموسيقية. وارتبط أدورنو بالموسيقار والمسرحي الألماني ريتشارد فاجنر وعلاقته بالعقيدة النازية للنظام الهتلري الحاكم لألمانيا آنذاك. حيث اشتهر فاجنر بمعاداته للسامية وبتأليفه أعمالاً كانت فيما بعد ركيزة للفكر النازي ومعاداة السامية عموما وأدبا من أهم ادبياتهما. أعمالٌ مثل: “حلقة النيبلونج” وهي أربع أوبرات مستوحاة من الأساطير الجرمانية، “بارسيفال” هي أوبرا يشير فيها بشكل متكرر إلى مواضيع المسيحية والجنس من خلال القومية الألمانية والعداء لليهود. ايضا دراسة موسيقية بعنوان “اليهود في الموسيقى” اتَهم فيها الموسيقيين اليهود بالسطحية والانحطاط، ويعود هذا الانحطاط إلى انحطاط اللغة العبرانية إذا ما قارناها بالألمانية. وكان هتلر معجباً إعجاباً شديداً بفاجنر وكان يأمر بتنظيم حفلات لأعماله ويأمر أتباعه بحضورها. واشتهر في مرويات الهولوكوست أن الإعدامات في معسكرات الإعتقال مثل أوشفيتز تتم على أنغام افتتاحية معزوفة “الأساتذة الموسيقيون لنورمبرغ” أو يُجبَر المعتقلين على الإستماع لموسيقاه على سبيل إعادة التأهيل مثلما حدث في معسكر “داشاو”.

اهتم أدورنو بمسألة عداء السامية عند فاجنر وعلاقتها بمنتجه الفني، هل هما منفصلان أم هل ينبع عمله الموسيقي كمركب فني من أصل عداء فاجنر للسامية وماهو أصل هذا العداء في المقام الأول؟ فكتب بخصوص هذا كتاباً بعنوان “البحث عن فاجنر” في عام 1938، ولكنه لم يُنشر إلا بعد هروب أدورنو إلى نيويورك وعودته في 1952. في هذا الكتاب يناقش أدورنو فاجنر من نواحٍ عدة، خاصة مسألة أخلاقية الاستماع لفاجنر وعلاقته بالحاضر، وتحول فاجنر الفكري في شبابه من الأنسنة المتأثرة بفيورباخ للعدمية الشوبنهاورية بعد هزيمة ثورات شارك فاجنر في محاولة إذكائها. وهنا يبدو تأثر أدورنو في التحليل بهوركهايمر في علاقة العدمية والثورات المضادة الناتجة عن هزيمة الثورات ويقارب هذا التحول بدراسات هوركهايمر عن المجتمع البرجوازي. وتتمظهر هذه التحولات في الأوبرا الأخيرة  من “حلقة النيبلونج” والمعنونة بـ”شفق الآلهة” أو Gotterdammerung والمأخوذ من أسطورة نورسيّة قديمة عن حرب بين البشر والآلهة تنتهي بحريق وغرق يليهما نشوء وولادة عالم جديد.

كان أدورنو صارماً في نقده لفاجنر بحكم الوضع السياسي العصيب الذي عاشه بسبب النظام النازي إلا أنه قد أصبح لين الجانب قليلا فيما بعد ذلك فيقول في محاضرة له ألقاها في عام 1963 معلقا على كتابه:

اليوم أود أن أعيد صياغة العديد من الأشياء التي تم ذكرها في الكتاب بشكل مختلف. خاصة الإشكال المركزي فيه، وهو العلاقة بين الشؤون المجتمعية هذا من جهة. ومن جهة أخرى الشؤون الاستطيقية، فربما تعمقت أكثر من اللازم عما كانت عليه الأمور آنذاك. لكني لا أتخلى عن الكتاب ولا أضع مسافة بيني وبين مبادئه التي يقوم عليها.

ويكمل قائلا:

ربما علي أن أشكر الحرية، فباستطاعتي الآن أضع بعض التعليقات بخصوص التغييرات التاريخية في سلوكنا تجاه فن فاجنر، فنحن لا نستطيع تجاهل العامل السياسي. فلقد حلت بنا كوارث عدة حتى نرى الجمالي فيها ونغلق أعيننا عليه.

 أول أسئلة أدورنو كانت من أين تأتي معاداة السامية هذه عند فاجنر؟ فحاول البحث فلسفيا عن هذه الإجابة. فاعتبر أن موسيقى فاجنر ماهي إلا تجسيد لخيبة ثوراته، بشكل تناقضي يحدث هذا من خلال الجمع بين الرفض المحافظ للحداثة الرأسمالية والعناصر الرئيسية للإستهلاك الفيتيشي. وبالتالي إذا سلّمنا بهذا تصبح المعاداة للسامية عند فاجنر ليست خيارا شخصيا أو رأيا ظاهريا فحسب، وإنما هي محفورة في البنية الداخلية لأعماله الفنية.

يحاول الناقد السلوفيني سلافوي جيجيك الإجابة على هذا السؤال من خلال توطئة كتبها لأحد نسخ كتاب أدورنو بعنوان “لماذا يستحق فاجنر الإنقاذ؟” قائلا:

في تعاملنا مع معاداة السامية عند فاجنر، يجب أن نضع في حسباننا أن معارضة ما يسمى بالروح الجرمانية للمبدأ اليهودي ليستا معارضة حقيقية. بل هناك لفظة ثالثة، ألا وهي الحداثة. حيث هي تسيّد للتبادل في المجال العام، واضمحلال للعلاقات العضوية وتسيّد للصناعات الحديثة، وتسيّد للفردانية.

ويكمل محاولاً توضيح أن رفض الحداثة لدى فاجنر ليس مباشراً وإنما هو أكثر تعقيداً. ففاجنر يحاول عنده تحويل الحداثة هذا الكيان التجريدي الغير شخصي إلى وجه مألوف وكان هذا الوجه هو اليهود. فرفض اليهود هو رفض لمبادئ التكامل والإحتواء الحداثي:

لنخلص الموضوع، إن معاداة السامية لا تعبر عن معاداة للحداثة بهذا الشكل، وإنما هي محاولة لجمع الحداثة والهيمنة الإجتماعية والتي هي خاصية من خصائص الثورات المحافظة.

كل ما سبق هو محاولة لتوضيح أن معاداة السامية عند فاجنر ليست رأياً شخصيا يمكن تجاهله، وإنما هي كامنة في أصل وذات أعماله الفنية. وإذا ما عرفنا ذلك، هل ما زال بإمكاننا تجاهل ذلك عندما نستمع للموسيقى ؟ أم نرفض الاستماع إليه كما يفعل المعادون للفاجنرية أو كما يحدث في دولة الإحتلال الصهيوني حيث هناك منع غير رسمي لأعمال فاجنر. يذكر إدوارد سعيد أن الموسيقي دانييل بارينبويم حاول أن يعزف أحد المقطوعات الخاصة بفاجنر في تل أبيب، حتى اقتربت منه سيدة عجوز قائلة: “أنى لك الرغبة أن تعزف شيئا كهذا ؟ لقد رأيت عائلتي تساق للإعدام على أنغام افتتاحية “الأساتذة الموسيقيون لنورمبرغ”.”

وهنا يناقش إدوارد سعيد في كتابه “متتاليات موسيقية” بادئا ذي بدء بدور المسيقى الكلاسيكية في الغرب المعاصر:

وعليه، فإن الموسيقى بشكل حرفي تملأ تماما فضاءً اجتماعياً، وهي تفعل ذلك عن طريق إحكام أفكار السلطة والتسلسل الهرمي الاجتماعي المرتبط مباشرة مع مؤسسة مسيطرة يُتخيّل أنها مترأسة وسائدة.

يدافع إدوارد عن عن الجدارة الجمالية لدى موسيقى فاجنر برغم ما يشوبها من إرث ثقافي وسياسي ويعتبرها جمالية غر قابلة للإتهام. فهي سم ودواء في آن واحد، على الرغم من فظاظتها إلا أنه ليس بالإمكان أن نختزلها إلى مستوى واقعيتها الفظة فحسب، وهنا يختلف سعيد مع أدورنو:

كل التحليلات ذات الأثر الرجعي، سواء أكانت للموسيقى أم لأي نشاط إنساني آخر، والتي تحكم وتُنظّر وتشمل في الوقت نفسه، والتي تقول بالنتيجة إن شيئا واحداً كالموسيقى يساوي كل الأشياء، أو أن كل أنواع الموسيقى تساوي نتيجةً ملخصة واحدة ما كان لها أن تحصل بأي طريقة أخرى، تبدو لي ذات عيوب وعلل فكرية وتاريخية.

أيضا:

فالموسيقى كما يشهد تفسيري المختلف قليلا لفاجنر لا يمكن اختزالها لواقع فظ ليس لأنها تعكس العلاقات الإجتماعية فقط، بل لأنها تسمو عليها أيضا.

كان التفكير بالموسيقى والتغريب الثقافي في أواسط وأواخر القرن التاسع عشر (عند فيردي،بيزيت،فاجنر، ..إلخ) أو بالموسيقى أو السياسة خلال القرن السابع عشر والقرن العشرين (مونتيفريدي، شونبرغ، الجاز، الروك) بمثابة رسم خريطة لمجموعة الارتبطات السياسية والإجتماعية والولاءات والإنتهاكات، التي لا يمكن اختزال أي منها إلى مجرد فصل بسيط أو إلى انعكاس للواقع الفظ الردئ.

ما يستدعي لكتابة التدوينة هذه هو زمن انحطاط السياسي، وبالتالي انحطاط الأدبي والفني معه بالضرورة. وكل مرة يتبنى فنان ما أو أديب ما موقفاً سياسيا يتعارض بشكل حاد مع مواقفنا الشخصية نسأل ذواتنا هل نستطيع أن نستمع لذلك الموسيقي أم نقرأ لهذا الشاعر أو لذلك الأديب وكأننا نحمل جزء من المسؤولية اذا ما شاركنا كمتلقين لهذا العمل الجمالي. مسألة فاجنر خير مثال بإمكانه الإجابة على أسئلتنا في هذا الخصوص، سواء كنا ممن يأخذ برأي أدورنو وبرأي أصحاب التوجه المعادي لفاجنر أم كنا ممن يأخذ برأي إدوارد سعيد.

أوروبا الجائعة في ظل التجارة العالمية

زيغريد هونكه (26 أبريل 1913 في كيل – 15 يونيو 1999 في هامبورغ) مستشرقة ألمانية.
طائرة الشهرة أحبت العرب، وما زالت، صرفت وقتها كله باذلة الجهد للدفاع عن قضاياهم والوقوف الى جانبهم. وهي زوجة الدكتور (شولتزا)، المستشرق الالماني الكبير، الذي اشتهر بصداقته للعرب وتعمقه في دراسة آدابهم والإطلاع على آثارهم ومآثرهم. وقد عاشت المؤلفة، مع زوجها، عامين إثنين في مراكش، كما قامت بعدة زيارات طويلة للبلدان العربية.
تناولت المؤلفة في اطروحتها لنيل درجة الدكتوراة في جامعة برلين، أثر الأدب العربي في الآداب الاوروبية، وفي عام ١٩٥٥ صدر مؤلفها الأول : “الرجل والمرأة”، أكدت فيه الكاتبة، كما فعلت في كتبها التي تتالت، فضل العرب على الحضارة الغربية خاصة، والحضارة الإنسانية عامة.
في كتابها (شمس العرب تسطع على الغرب) -ترجمة : فاروق بيضون وكمال دسوقي-، تسلط الكاتبة الضوء -في الفصل الثاني من الكتاب الأول- على الحركة التجارية بين الشرق والغرب والصلة الوثيقة بينهما منذ ما قبل القرون الوسطى، تذكر لنا الكاتبة قصة الوفد المرسل من قبل الخليفة الأندلسي: الحكم المستنصر بالله برئاسة إبراهيم بن أحمد الطرطوشي :-

يؤثر ان عام ٩٧٣ أبحرت سفينة تمخر عباب الاطلس، مارة بالشواطئ الغربية لفرنسة، ودارت حول رأس “غري نه” متجهة الى الشمال الشرقي. وكانت هذه السفينة محملة ببضائع مختلفة منها: الزيت الأندلسي، والتين والخمور من “ملقة“، وحجر الشبّه القشتالي للدباغة، وتوابل شتّى، كانت تفرغ منها كل من بوردو، وروان، وإترخت، وشلازفيك، وقد رافقها في رحلتها هذه وفد يرأسه إبراهيم بن احمد الطرطوشي، الموفد من قبل الحكم الثاني في قرطبة. وكان هدف هذه الرحلة ان تقصد قصر الملك الروماني الطائر الشهرة “هوتو” أو “اوتو” الاول في بلاد الساكس، وقد حط عصا الترحال آنئذٍ من رومة بعد أن احتفل بعقد قران والده على ابنة الامبراطور اليوناني وتتويجه، بغية الاستقرار في مدينة كدلينبورغ (Quedlinburg) من أعمال الهرتز (Harz) وكان هذه الفاتح، ومجدد الانبراطورية في أوروبة، في ذروة مجده وبأسه. فتوافد الأمراء من الدنمارك وبولونية والسلاف وبوهيميا واليونان وبلغارية والمجر وإيطاليا لإعلان طاعتهم له، وأجمعوا كلهم في رحاب البلاط الانبراطوري الذي ماج بهم أن يدينوا بالإخلاص والولاء لأعظم سلطان في أوروبة.
وما إن حل شهر نيسان حتى نقل الانبراطور بلاطه الى مدينة “مرزبورج” (Merseburg)، حيث أتيح لوفد أمير المؤمنين برئاسة ابرهيم بن احمد الطرطوشي ان يتشرف بمقابلة أمير المسيحية الاول، وكان لقاءٌ حار قَبِلَ فيه القيصر (اوتو) الاول كل الهداية الثمينة، التي عدّت أثمن هدايا وقع عليها بصره، فقابلها بالمثل. ولم يمر وقت طويل حتى أغمض انبراطور بلاط الساكس الكبير، جفنيه للمرة الأخيرة.

وفي طريق العودة مرّ الطرطوشي بكل من هذه الحواضر “سوست” (Soest) و “بادِربورن” (Paderborn) و “فولدا” (Fulda) حتى اذا ما وصل الى ماينز (Mainz) وهي مدينة في بلاد الفرنجة تقع على نهر يدعى نهر “الراين” وقع له حادث أثر في نفسه أشد التأثير. ففي هذه المدينة دسّ تاجر في يده قطعاً من النقود العربية أثارت دهشته لأنها تحمل خطّاً كوفياً واسماً عربياً والتاريخ التالي ٣٠١-٣٩٢ هجرية.

ولقد استولى عليه عجب كبير حين اتضح له أن في يده قطعاً ذهبية من سمرقند يعود تاريخها الى نَيَّف وستين عاماً، وقال محدثا نفسه بعد إنعام فكر : “إنها لا ريب تعود في تاريخها الى أيام السلطان نصر بن أحمد السمرقندي“.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما زاد في تعجبه ودهشته وقوعه في مدينة الفرنجة هذه القابعة في أقصى بلاد الغرب على توابل لا توجد إلا في أقصى بلاد الشرق كالبهار والقرنفل والزنجبيل والخلنجان ولو تسنى له ان يطلَّع على لائحة الحاجيات التي كان يعمل على شرائها الراهب المسؤول عن اقبية دير كوربي (Curbi) في مقاطعة “سومّه” (Somme) الهاجعة في طرف العالم تقريباً – ذلك الدير الواقع على بعد سبعين كيلو متراً من مدينة كامبري (Cambrai)، نقول لو تسنى له ذلك “لكانت دهشته أعظم، وتعجبه أبلغ، ويكفينا مثال على ذلك ان نلقي نظرة على ما ورد في هذه اللائحة :-

٦٠٠ ليبرة شمع
١٢٠ بهار
١٢٠ كمون
٧٠ زنجبيل
١٠ قرنفل
١٥ القرفة
١٠ بخور
١٠ اللادن او المستكاء
٣ المرّ
١٠ الخلنجان
١٠ مرهم ورق القويسة
١٠ إسفنج
١٠ من النكعة المهدئة
٣ دم التنين
٣ العندم
٢ صعتر

كيف انهار العالم القديم في أوروبا؟ وما النتائج التي ترتبت بعد سقوطه؟ وما أثر الجرمان في ازدهار التجارة العربية؟ وأين بدأت تجارة الشرق في الغرب؟ وكيف أصبحت البضائع الشرقية ضرورات لكنائس أوروبا؟
تجيب الكاتبة:ـ

لقد دخلت البضائع، الواردة من “أقاصي الشرق” الى “أقاصي الغرب” الحياة اليومية الأوروبية، ولم تعد تقتصر على استعمال التوابل والبخور فقط، وإنما تعدتها الى الانتفاع بالحشائش الطيبة، فأصبحت هذه كلها من ضرورات حياة رجال الكنيسة، ورهبان الأديرة الذين لم يعد في أمكنتهم الاستغناء عنها على موائدهم، فلولا الهبات التي تدفقت من الشرق العربي القصي لكانت وقعت في حيرة من أمرها، ومع ذلك فقد اضطر هؤلاء برمتهم الى الانتظار مدة طويلة قبل أن يتمكنوا من التمتع بمثل هذه الرفاهية، اذ ان لائحة “الكوربي” الآنفة الذكر يعود تاريخها الى أيّام الماروفنجيين،أي إلى ثلاثمئة سنة قبل رحلة الطرطوشي، وفي هذه السنوات الثلاثمئة، جرت عبر “الراين” و”السوم” مياه كثيرة، وتغيرت أمور عديدة على وجه هذه الارض، فغيرت فيها. وقد تكون هذه التغييرات اكثر أهمية من مئات السنين الخوالي، وأهم شأنا من نزوح الجرمان، الذي قدموا من الشمال الى الانبراطورية الرومانية، وأشد أثرا من أفول نجم الانبراطورية العالمية الهائلة نفسها من سماء العالم القديم، هذا العالم الذي كان لوحدة البحر المتوسط وقدسيته أثرٌ مصيري فيه.

تُرى هل كان، بالفعل، لغزوات الجرمان اثر بعيد في تقرير مصير العالم آنذاك؟ أم هل استطاعت الشعوب القادمة من الشمال ان تقلب النظام القديم وتحطم وحدة حضارة القدامى؟ كلاّ ، إنما ذابت هذه الشعوب في بوتقة المجموع وأصبحت جزءاً منها، متممة لها ! وهل كان لنهاية الانبراطورية القديمة وظهور قوّة جديدة شرقي رومة من تأثير على زعزعة وحدة الدين آنذاك؟ وهـل احاقت الوحدة الاقتصادية في حوض البحر الأبيض المتوسط خسائر وأزمات؟

كلا وإنما خلاف هذا هو الصواب. ذلك ان تجارة الشرق التي ابتدأت، اول ما ابتدأت، عن طريق (Ostia) – مرفأ رومة وعلى مصب نهر التيبر – لتصب الى عاصمة العالم رومة، ومرفأ مرسيلية، نقول إن هذه التجارة قد ازدهرت أيّما ازدهار، وشملت آفاقاً لا حصر لها، اكثر مما كانت عليه حين كانت تسلك طرق الأدب والبلاد الغالية لتصل الى كامبري (Cambrai) وقلب بلاد الجرمان، ولئن ضعف صوت رومة ليحل مكان صوت بيزنطة، فإن العالم القديم قد احتفظ، على الرغم من ضعفه الداخلي وفقدانه لدماء الحياة في شرايينه، بلمعانه الظاهري الأخّاذ.
إلا ان هذا العالم القديم تحطم، ووحدته تمزقت شلواً إثر شلو حين انطلقت من جنوبي الجزيرة العربية جحافل العرب الرحّل، تحدوها قوة عارمة، ويدعمها تنظيم مدهش بثهما الرسول محمد في صفوفها. فتصل الى أطراف البحر الأبيض المتوسط حتى شواطئ الأطلسي، وتسيطر على الشرق والجنوب والغرب، وتخرج ذاك العالم القديم من بوتقته الثقافية السابقة.

وأما النتائج، فكانت عظيمة الشأن بعيدة المدى. ذلك ان الاسلام مزّق بانتصاره وحدة العالم، الذي عمّر أكثر من الف سنة، فشطره شطرين : شرقاً وغرباً. وأما الغرب، فقط أحاط نفسه إحاطه محكة بستار حديدي لمئات من السنين خوفاً من هجوم الشرق عليه، وأما في الشرق، فقد قامت الانبراطورية العربية الجديدة لتفرض نفسها، لأول مرة على الإطلاق، بصفتها “شرقاً” في وجه “الغرب” مجبرة إياه على ان يعزل نفسه.

لماذا؟ وكيف كانت أوروبا تؤثر الانغلاق على الانفتاح مع الشرق على الرغم من تمهيد المسلمين الطريق للحجاج المسيحيين؟، تبيّن الكاتبة:

لا يجرؤ أحدٌ على السفر الى سورية ومصر“. تلك هي الشائعة التي كانت تتناقلها الألسن من رومة حتى القسطنطينية. وكانت دعاوة القادة الأوروبية ذاتها أن تلف نفسها لفّاً وتغلق منافذ النور والهواء من امام عينيها، وعن رئتيها. وإما ان يتمكن الحجاج المسيحيون من متابعة سفرهم الى كنيسة القيامة دون اي ازعاج او خطر … وان يقدم، في ذلك الوقت او قبله بقليل، الخليفة هارون الرشيد مفاتيح المدينة المقدسة وشرف الهيمنة عليها الى القيصر شارل الكبير عن يد بطريرك القدس الذي كان بعد في منصبه دون ان يناله حيف او مكروه، نقول، أن يحصل كل هذا فأمر لم يحجم الأوروبيون فيه -آنذاك- عن إلصاق تهم انتهاك حرمة المدينة المقدسة نفسها من جانب “الكفار” قصد وإلقاء الذعر في قلوب المؤمنين والمسافرين لمنعهم عن السفر.
ولما كان التاجر العربي قد أوغل في الشرق الأقصى المترامي الأطراف إيغالاً شارف فيه الصين والهند، فإنه لم يكن معتمداً البتة في كسب رزقه على التجارة مع الغرب، لذلك فإنه، بالتالي لم يكن من روّاد سواحل أوروبة الجنوبية، بل كان القرصان وحده هو الذي يرودها وينكل بها سرقة وتخريباً.

عندما توقفت أوروبا عن إستيراد البضائع العربية، عانَ الكثير من كساد في التموين وفي مختلف حوائج الحياة، وأبرزهم كانوا رهبان الكنائس، ما اضطرهم الى الاكتفاء بالنزر اليسير مما يستطيعون الحصول عليه.

وكانت المرافئ تبدو حِينَئِذٍ مقفرة، والمستودعات فارغة عارية، والأقبية خالية، وهي التي استقبلت في السابق دفقاً من بضاعة الشرق في مدينة كوربي (Corbie) حيث اضطر الأخ الراهب، رئيس الطبّاخين الى تقديم وجبة لا طعم لها ولا نكهة من حساء الملفوف، بسبب إقلاع التجار عن عرضهم للتوابل او الزنجبيل (Ingwer) أو الخمرة المعتقة الشرقية أو الحرير نفسه، أو أي شيء من تلك الأشياء التي كانت تضفي على الحياة رونقاً وتزيدها متعة.
اجل، لقد اختفى كل هذا، واختفت أكشاك البائعين أيضاً، ولم يعد ثمة شيء تقصد المتاجرة به؛ وأصبح الفلاح يدفع لأخيه الفلاح حساباً قوامه البقر والحبوب، والفضة نادراً. وأما الذهب فقد انتفى نهائياً من بين الأيدي وأضحت الحياة فقيرة بالمرة، وعلى جانب كبير من السذاجة والبساطة.
حتى ان الكنائس نفسها اضطرت اضطراراً الى الاستغناء عن الأهم، والاكتفاء بالقليل النادر، ونَدَر البخور والخمر، اما زيت الإضاءة فقد أستعيض عنه بشمع النحل البري، وغدا المولج بالكنيسة يعتمد في تصريف أمور كنيسته على ما يصله من هبات صغيرة متواضعة يبعث بها أصدقاؤه في رومة، هبات من بينها حفنة من البخور مرة، وحفنة من القرفة مرة اخرى، او قطعة من جذور نبات “الكوستوس” (Costus) او قليلٌ من الـ (Opobalsam) المصنوع من البلسم العربي … هبات قد يكون تاجر يهودي جلبها الى العاصمة المسيحية ؛

عرف اليهود بالتجارة وأيضا بتنقلاتهم الكثيرة بين الممالك والدول في قديم الزمان وحاضره، ما الدور الذي قاموا به التجار اليهود أبان هذه الأزمة التجارية التي طالت الكثير من مناطق أوروبا؟ تجيب الكاتبة وتوضح:

ذلك أن اليهود وحدهم احتفظوا بنوع من الاتصالات بين الشرق المسلم والغرب المسيحي، فعملوا كـ تجار كبار، او كمبعوثين من قبل الكارولنجيين، كيف لا، وقد صادفوا في كل بقعة من الارض اخواناً لهم في الدين يمدّون لهم يد العون والمساعدة ! بالإضافة الى انهم – كما لاحظ ذلك ابن خرداذبه- مؤلف كتاب مسالك الممالك الذي وظفه المعتمد صاحباً للبريد في (الجبال) أي بلاد مادي القديمة، توفي حوالي ٩١٢ – رئيس قسمي الشرطة والبريد المنظمتين أحسن تنظيم عام ٩٠٠، حين قال-: ” وكانوا يرحلون من بلاد الغرب الى بلاد الشرق، ومن بلاد الشرق الى بلاد الغرب على متن السفن بحراً، أو برّاً عبر إسبانية- سبتة (Ceuta)، باتجاه مصر، ويجلبون من بلاد الغرب الموالي والجواري والغلمان والحرير من بيزنطة، والفراء والسيوف. فيركبون البحر المغربي من بلاد الفرنجة ويمخرونه متجهين الى فاراما- وهي منطقة بالقرب من مرفأ بورسعيد الحالي ثم يحملون على عودتهم جوز الطيب وعود الند (Aloe) والكافور والقرفة وغيرها من منتوجات بلاد الشرق”.

عن المعاناة التي عاشها المستوردون الاوروبيون من ندرة البضائع الشرقية، تقول :

ومع ذلك، فإن كل هذا لم يكن في أوروبة إلا بمثابة نقاط من الماء قليلة على حجر ملتهب. وقد جعلت هذه القلة وتلك الندرة البضائع فاحشة الثمن ولا سيّما في السوق السوداء، حتى اصبح الحصول عليها أمنية يعجز عن تحقيقها الاوروبي العادي. لذلك، فإنه كان من حق الطرطوشي ان يأخذ منه العجب كل مأخذ حين رأى بأي ثمن باهظ تباع سلع الشرق في مدينة ماينز الغربية.

وصل التبادل التجاري بين الحضارة العربية وأوروبا إلى مسافات شاسعة بادئاّ من بلاد الشرق حتى أقاصي الشمال والغرب الاوروبي.

والواقع انه كان للشرق حِينَئِذٍ تجارة واسعة المدى مترامية الأطراف، تكاد تختفي البلاد المسيحية في ظلها، تجارة تمتد عبر بحر الخزر والفولجا الى الشمال، شاملة كل الشواطئ وجزر بحر البلطيق. وقد لفظت ارض تلك البلدان آلافاً بل ملايين من العملة العربية من القرن التاسع حتى القرن الحادي عشر. وإن في هذه دليلاً على مدى إشعاع الحضارة العربية، ومدى إنتشار تجارة لم تقف احكام دينية متحيّزة في وجهها. وكان من حملة ألويتها سكان الشمال المعروفين بالفايكنغ (Vikinger) والنورمنديين الذي قدموا الى النروج وإيسلندا والسويد والدنمارك وعبروا البحار موغلين فيها حتى شواطئ الشرق. وقد أسس هؤلاء الكثير من الحواضر، ومن أهمها ما قد بنوه في مروج روسيا التي ماتزال تحمل اسمهم -هروس (Hros) او الروس (Rus)-. هذا وقد أسسوا أماكن كبيرة للتجارة ك نوفجورود (Nowgorod) وكييف (Kiew). وجلبوا القماش واللبّاد والحلى الفضية والتوتياء (Kaurimuschels) والسلاح الخطاف (حربات كبيرة لصيد الأسماك والحيتان المائية)، ومصنوعات مختلفة من الولاية الغربية الواقعة في اعماق البلاد حتى توليه (Thule) القصيّة. وبالمقابل كانوا يحملون للعرب احجار الكهرمان وأسنان الحيتان البحرية، والفراء وأخشاباً من شجر الدلب؟ وشجر التامول، وصقوراً حية للصيد، وقلنسوات من الفراء الأسود، وانواعاً كثيرة مختلفة من أجود أنواع الأطعمة.