خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | الحضارة الغربية

كيف قامت الحضارة الغربية ؟ وماهي مشاكلها التي تعاني منها اليوم ؟ وماهو مستقبلها ؟

غسق العبقري

 

لوك فيري

لوك فيري، فيلسوف فرنسي، من مواليد 1952. شغل منصب وزير التربية والتعليم في فرنسا ما بين 2002 و2004. هو واحد من الفلاسفة الفرنسيين الجدد، الذين أحدثوا تحولا عميقا في الأوساط الفلسفية السائدة، برموزها المعروفة أمثال (جاك دريدا) و(جاك لاكان) و(جيل دولوز) و(ميشال فوكو) وغيرهم، لاعتقادهم أنّ الفلسفة ضلت الطريق بتوغلها في مباحث فكرية ومعرفية عويصة ومعقدة لا يفهمها إلا خاصّة الخاصّة.

في مقالة كتبها (فيري)، حملت عنوان “Le crèpuscule d’un Gènie” أو “غسق العبقري”، ونُشرت في مجلة (LE Point) الفرنسية عام ٢٠١٧، ننقلها إليكم بترجمة حصرية لدى ساقية. يقول (فيري) في مقالته:

منذ ما يقارب الأربعين سنة، أزمعت على ترجمة أعمال (كانط) الكاملة والتعليق عليها في دار Plèiade للنشر. كنت حينها أدافع عن ما أسميه اليوم  “الإنسانوي الأول” أو بعبارة أخرى “الإنسانوي الجمهوري وريث الأنوار”، كما هو رأس الأمر مع (فولتير) و(كانط)، فالثورة الفرنسية وحقوق الإنسان. أستشعر هاهنا أن الحديث عنها قد أغلق مع الفيلسوف الألماني (يورغن هابرماس)، منظورا لكوني لي العديد من اللقاءات المنعشة معه كما لي أيضا اخرى مع (كارل ابل أوتو).

بعيد أن تطورت لم أتوقف البتة، كذات جمهورية دون مواربة على النظر لـ(كانط) بوصفه أكبر فيلسوف لزمن الحداثة. بيد أن ثمة سؤالين حاسمين يندفعان بقوة في ركن الإنشاءات الجميلة لفكرة الجمهورية و التي قد اكون  أخذتها بالنسبة لي.

السؤال الأول يسير في طرحه صعب في حله:

– لماذا يدافع هذا الأنسانوي الأول عن حقوق الإنسان حيث يمكن بكل يسر تحويل وجهتها و استغلالها كعنصرية للأنظمة الكليانية يمينا او يسارا عند (توكيفيل) أو (جول فيري

– ضمن أية ثورة على الحياة الخاصة؛ الزواج الحب والعائلة، سيهتز تاريخ الإنسانية بما فيه أيضا الجسم السياسي والمنظور الروحي وليس ببساطة الأخلاقي منظورا لفعل يظهر مع الإنسانوي الثاني الذي ليس عنده فقط الأنوار بل حقوق العقل، جمهورية العلوم لكن أيضا يأخذ يدافع عن سرديته خارج الأديان. السؤال ههنا منسوب لشكلنة معنى الحياة؟

منظورا من جهة لكون الكتابة العنصرية الكليانية طافحة في كتابات (كانط) عن العرق، بوضوح كانت فيه بمثابة الفكرة الرئيسية والمحركة لفكرة الجمهورية المباشرة.

حيث لم تكن تنازلا نادرا فقط في ذلك الزمن. بل نتيجة للمبدأ الأشد ترسخا في انكشاف الفروق بين الإنسان والحيوان. فهل قدت الحرية منتزعة من الطبيعة إلى غاية دخولها في منطق الإبتكارات والتاريخ؟ والدليل على ذلك القول هو أن الإنسانية هي النوع الحي الوحيد الذي ما فتأ ينتج تحولات ثقافية وسياسية متظاهرة دوما بشكل جيد عن بقية السوائم وذلك تارة بالتعليم، اللغة، الحياة الاجتماعية إضافة إلى بقية أقرانها.

هذا في كله بعيد أيما بعد في أن يظهر في جنس الحيوان، فيما أبعد في تاريخ مدنه الكبرى و مدارسه و متاحفه ومكتباته. هاهنا أي قول يريد أن يفسخ الفرق بين الإنسان و الحيوان بأي ثمن هو مطالب مسبقا بامتلاك أسباب أخرى لذلك الأمر.

بالنسبة لـ(كانط) كما هو الأمر بالنسبة لـ(روسو)، مرد ذلك أننا مسيرون بالغريزة الطبيعية التي تخبرها أيضا الحيوانات في أفعالها في كل مرة؛ مثلا الغيلم حديث الخروج من البيضة يتجه مباشرة نحو المحيط حال دون توجيه أو حماية من أمه معتمدا على نفسه في المشي أو الزحف، فيحين يقبع ضغير النوع البشري خمسة و عشرين سنة عن طيب خاطر في المنزل وهو نفس الامر تقريبا عند الأنواع الأخرى في حين لا يمكن التعرف علم مدننا من عصر لأخر، مثلما هو الأمر بالنسبة لتلال النمل الأبيض أو بقاء النحل على شاكلته من في ألاف خيوطه. إن الطبيعة تتقدم غير ممزوجة بالتاريخ.

من وجهة النظر التي تؤسس فكرة الجمهورية؛ إن الحرية والتاريخانية هما اللذين يشكلان معا الخاصية الإنسانية. لكن الإشكال الذي يطرح هاهنا من قبل المجتمع الذي يقول هاته بدائية في العالم الغربي، إن الحرية والتاريخ هما بإيجاز قابلية استيعاب الابتكارات والإنشاءات المفتوحة التي تستوعب الخاصة الإنسانية.

  • كيف لايريد الجمهوري الكلاسيكي التعاقد مع القبائل البدائية معتبرا إياها أقرب لعالم الحيوان، لما كانت الإنسانية الأوروبية نتيجة محضة لعصر الأنوار؟

  • كيف نفهم تنظيم الجماعات الأولى لإبتكارتها، وحفاظها على أعرافها في الماضي؟

  • على أي نحو سنفهم التنكر لمصالح الجماعات الحديثة للأعراف و التقاليد القديمة؟

إذن مثلما قال رئيس الجمهورية  الفرنسية سنة 2000: “إن الإنسان الإفريقي لم يدخل التاريخ بعد ….! على هذا النحو لماذا لا نعتبر هذا العنوان المؤقت كما لو أنه وجود ما تحت –إنساني .. أو وجود في الحيوان؟”

نحن نستشعر اليوم بعد فهم الأسباب العميقة، أن هاته الإنسانية ليست بعد لنا. إنما العنصرية الكليانية التي تنتمي إلى هذا العالم المتطور أنها أصبحت هي نفسها كريهة أمام أعيننا ..!

  • فمالذي حدث بين دفتي القرن الثامن عشر ونهاية القرن العشرين للجمهوري الأول الذي يبدو على أقل تقدير بعيد عنا في هاته النقطة. لنعيشها أكثر مثلما الأمر لـ(كلود ليفي ستراوس) و(كانط) و(توكوفيل) أو حتى مع (جول فيري)؟

للإجابة ثمة ثلاثة وقائع كبرى تكفي فقط لنثيرها، أولا العالم الثوري الذي نعرفه لجماهير كليانية، ولادة المقاومة –الضد الإمبريالية وأخذ حركة المقاومة بعيد الحرب العالمية الثانية.

ثانيا في تاريخ الأفكار وأيضا في وعينا ما زالت الكليانية تعمل مقترنة مع ما يمكن الإصطلاح بتسميته بالنظرة الأنطولوجية (بكسر النون). لنقول بعبارة رشيقة؛ أنّ فكرة المجتمعات التقليدية ليست بالضرورة بدائية، أو مجتمعات ماتحت التقدم أو حتى رجعية في معيار الكوخ الغربي.

لكن هاته المجتمعات منظمة حول الماضي بإحترام لأعرافها وقوانينها وسلم قيمها المتوارثة، المتنقلة عبر قنوات الماضي بما فيها أسلافها  وألهتها. إذن تبين ههنا أنها بنائية بالجوهر وليست هشة ثقافيا أو أخلاقيا باعتبار أن المجتمعات التقليدية ترفض الابتكار وتخير استجلاب الأعراف خطأ من الماضي فقط.

جماع القول، يظهر من ثمة أن الإنسانوي الثاني موصول بما يمكن أن أسميه ثورة الحب. أي اختراع العائلة والزاوج الثابت والاختياري. هي إذن واقعة متفوقة وعاطفية من القرون الوسطى استبدلت من الأساس نظرتنا للمقدس، المقدس ليس الديني إطلاقا لكن بوجه عام هو الذي نعرفه بوصفه التضحية والتدنيس من أجل ذلك نموت ونقتل. ضمن ذلك التاريخ بما يتخلله من حروب نعثر على ثلاثة أسباب: الرب بوصفه منطقة الثورة، ثم الإنسانوي البعيد عنا والكانطية التي نحن بعيدون عنها على أي نحو كان حجمها لأنه ليس فقط واجبا بل جليل وحسن حب المقدس الذي نزل إلى الأرض وإمتزج في أمشاج الإنسانية. هو التعالي في التحايث الذي لم يجد بعد زمنا أو فصلا للعظيم صاحب النقود الثلاثة.


قائمة المصطلحات:

١. الكليانية: مفهوم مستعمل من أجل تعريف الدولة التي تحاول فرض سيطرتها على كافة جوانب الحياة الشخصية والعامة قدر إمكانها في إطار محيطها الضيق، او تسعى لفرض هاته الصيغة من الحكم و إسقاطها على بلدان أخرى تستنزف هياكلها وتمارس عليها نوعا من الإسقاط الممنهج يدمر عمق  البلد المستعمر ويسطو على مختلف جوانب حياته.

٢. الإنسانوية: إسم ظهر في نهاية القرن السادس عشر.خلال الحركة الثقافية لعصر النهضة، ويقصد بها دراسة الكتاب الإغريق –الاتينين باعتبارهم مصدر الثقافة الإنسانية، ثم لتمتد هاته التغطية لتشمل كل الأفكار الأولى للعبقريات التي تطرح على نحو كوني.

٣. الكانطية: هي الفلسفة النقدية التي تتوسل طريقة الفيلسوف (كانط) من أجل دراسة شروط المعرفة الممكنة والإنتقال منه لتأسيس نسق كامل يرتكز على فكرة حاسمة فقط، كأن تقول مثلا أن النقد هو أساس المعرفة وتسحب هاته الفكرة الناظمة على كل النظم العلمية الأخرى.

قائمة الأعلام:

١. إيمانيول كانط (1724-1804) فيلسوف ألماني أسس نسقه العقلاني منذ سنة 1770. حين كانت أطلال الميتافيزيقا تقرض العقل البشري وهو متعال عن ما حوله و هاته الإمكانات المعرفية، كانت مناسبة لرصد حدودها في كتاب (نقد العقل المحض) [1781] يبين أن المعرفة تتعاون مع الحساسية وذلك من اجل إنتاج ظواهر الذهن وتنظيمها لإكتشاف قانون الطبيعة، من ثمة تنسحب منهجيا المعرفة المحضة أي المعرفة الميتافيزيقة. يليه كتاب (نقد العقل العملي) [1788] وهو امتحان مباشر يختبر الظروف الممكنة للاخلاق الإنسانية ومعنى الواجب الذي صاغه (كانط) ويظهر ضمنه أن أفكار مثل خلود النفس وحرية الإنسان والله هي ضرورات لتماسك العقل العملي واعتبارها مسلمات أولية. في النهاية ألف كتابه (نقد ملكة الحكم) [1790] حيث يكشف ضمن هذا الكتاب أن الإنسان كما هو الجميل غائية من دون غاية لا يمكن إدراكها وهي التي تجمع كل العناصر المتنافرة في لية جديدة في عمل فني.

٢. جان جاك روسو (1712-1778) فيلسوف وكاتب من جينيف عاين الأنوار، له العديد من الإسهامات منها في خطاب في (أصل الاتفاوت بين البشر) [1754] يبين فيه أن الإنسان يبلور إنطلاقا من تاريخه أن الامساواة تنطلق في بدايتها فيزيائية.وطبيعية ثم تصير فيما بعد لامساواة إتفاقية منظورا للإستبداد السياسي. ثم كتاب (العقد الإجتماعي) و(إميل) في التربية [1762] يفترض فيه علاج مكمل لتعاطي مع فكرة الحرية المدنية الذي يضمنه القانون من خلال الإرادة العامة و الكتاب الثاني يقدم فيه تعليما قادرا على تكوين مواطن حر.

٣. فرانسوا ماريه فولتير (1694-1778) فيلسوف وكاتب فرنسي، اشتهر بطريقته في الكتابة وإلتزاماته السياسية في عصر الأنور. خاض صراعا طويلا من أجل فكرة التسامح كما أسس للشكوكية في مذهبه التي نعثر عليها مثلا في نقده للأنساق الميتافيزيقية. مثل سخريته من النسق الميتافيزيقي في روايته (كانديد) [1759]. شجع مع (لوك) و(نيوتن) في الدفاع عن التفكير التجريبي كشرط اولي للمعرفة بالعالم.

٤. ألكسيس توكفيل (1805-1859) رجل سياسة و مؤرخ فرنسي من كتبه (تحليل الديمقراطية الأمريكية) [1835]، وكتاب أخر تحت عنوان (نظم الحكم والثورة)  ..كان ليبراليا مستقلا يشكك في فكرة التبادل الحر والإستعمار بل ثورة [1848].

٥. جول فيري (1832-1893) محام ورجل سياسة فرنسي.

برتراند راسل يشرح نشأة الحركة الليبرالية الغربية

برتراند راسل (1872-1970) فيلسوف وعالم منطق ورياضي وأيضاً هو مؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني.

في سلسلة كتبه (تاريخ الفلسفة الغربية)، والمكوّنة من ثلاث أجزاء، آخرها هو (الفلسفة الحديثة) من ترجمة الأستاذ (محمود الشنيطي)، والذي تحدّث (راسل) عن الحراك الليبرالي، فيقول مستفتحًا:

إن نشأة الليبرالية في السياسة وفي الفلسفة، تزودنا بخامة لدراسة مسألة غاية في العموم والأهمية، وأعني بها: ماذا كان تأثير الملابسات السياسية والاجتماعية في أفكار المفكرين والمبدعين؟ وبالعكس، ماذا كان تأثير هؤلاء الرجال في التطورات السياسية والاجتماعية التالية لهم؟ 

وثمة غلطتان متعارضتان، شائعتان كلتاهما، ينبغي أن نأخذ حذرنا قبلهما. فمن جانب الرجال -الذين هم أكثر إلفًا للكتب منهم إلى الأعمال- خليقون أن يبغالوا في تقدير تأثير الفلاسفة. حين يرون حزبًا سياسيًا ما يعلن أنه قد أُلهم بتعاليم هذا المفكر أو ذاك، فإنهم يظنون أن أفعاله يمكن أن تنسب إلى هذا المفكر أو ذاك، بينما، وليس هذا قليل الحدوث، يهلّل الفيلسوف فقط لأنه يحبذ ما يميل إلى فعله الحزب في أي حالة. وكتّاب الكتب حتى إلى عهد قريب، يكادون كلهم أن يبغالوا في تأثيرات أسلافهم من أهل صناعتهم. ولكن على العكس من هذا. ثمة غلطة جديدة نشأت كرد ضد الغلطة القديمة، وتتمثل هذه الغلطة الجديدة في اعتبار أصحاب النظريات كنتاجات سلبية إلى حد ما، لظروفهم، ولا يكاد يكون لهم نفوذ بالمرة على مجرى الأحداث، فالأفكار -تبعًا لهذه النظرة- هي الزبد على سطح تيارات عميقة، تحددها علل مادية وتقنية: فالتغيرات الاجتماعية لا تنجم عن الفكر، كما أن تدفق النهر لا ينجم عن فقاعات الزبد التي تكشف اتجاه التدفق للناظر. ومن جانبي، فأنا أعتقد أن الحقيقة تقع بين هذين الطرفين. فبين الأفكار والحياة العملية، كما هو الشأن في كل مكان، ثمة تفاعل متبادل. والتساؤل عمّا هو علّة وعمّا هو معلول تساؤل غير ذي جدوى شأنه شأن مشكلة الدجاجة والبيضة. وسوف لا أضيع الوقت في مناقشة هذه المسألة في التجريد، وإنما سأنظر نظرة تاريخية في حالة واحدة مهمة من حالات المسألة العامة، أعني بها تطور الليبرالية وفروعها منذ نهاية القرن السابع عشر إلى أيامنا.

يتحدث بعد ذلك (راسل) عن بداية الفكر الليبرالي، فيقول:

كانت الليبرالية المبكرة نتاجًا لإنجلترا وهولندا. وكانت لها خصائص معيّنة تتميز بها تميّزًا جيدًا. وكانت تقف مناضلة من أجل التسامح الديني، وكانت ليبرالية بروتستانتية، ولكن من النوع المتحرر أكثر منها من النوع المتعصب، وكانت تعتبر حروب الدين حروبًا سخيفة. وكانت تقدّر التجارة والصناعة، وتحبذ نشأة طبقة وسطى بدلًا من تحبيذها للملكية والأرستقراطية، وكانت تكنّ احترامًا كبيرًا لحقوق الملكية، وبخاصة إذا كانت هذه الملكية قد جمعت بكدّ مالك فرد، ومع أن مبدأ الوراثة لم يكن مرفوضًا إلا أنه كان مقيدًا في دائرة أشد إحكامًا من التي كان فيها من قبل. وقد رفض بوجه عام الحق الإلهي للملوك في صالح الرأي القائل بأن لكل جماعة حقًا أوليًا على أي حال في اختيار شكل حكومتها. وقد كان ميل الليبرالية المبكرة متجهًا ضمنًا نحو ديموقراطية تلطّفها حقوق الملكية. وكان ثمة اعتقاد -ليس صريحًا تمامًا في البدية- بأن كل الناس يولدون متساوين، وأن انعدام المساواة بينهم الذي يعقب ذلك ينتج عن الظروف. وقد أفضى هذا إلى تأكيد عظيم على أهمية التربية كمقابلة للخصائص الفطرية. وكان ثمة تحامل على الحكومة، لأن الحكومات كانت تقريبًا في كل مكان في أيدي الملوك أو الأرستقراطيين الذي كان يندر أن يفهموا حاجات التجار أو يحترموها. بيد أن هذا التحامل قد كبح جماحة الأمل بأن فهمًا واحترامًا ضروريين قد يكتسبان قبل مضي زمن طويل.

يتحدث بعد ذلك (راسل) عن النمط العام للحركات الليبرالية منذ القرن السابع عشر حتى القرن التاسع عشر، فيقول في موضع آخر:

[…] وهذا النمط بسيط في البداية، ولكنه يغدو بالتدريج أكثر فأكثر تعقيدًا. والطابع المميز للحركة كلها هو، بمعنى واسع بعض السعة، النزعة الفردية. بيد أن هذا مصطلح مبهم حتى يعرف تعريفًا أوضح. ففلاسفة اليونان منذ (أرسطو)، لم يكونوا فرديين بالمعنى الذي أبغي أن أستخدم فيه الكلمة. فقد نظروا إلى الإنسان كعضو بصفة جوهرية في جماعة.

يتابع بعد ذلك قائلًا:

[…] وأول نقض مهم لهذا النسق أقدمت عليه البروتستانيتة، التي جزمت بأن المجالس العامة قد تخطئ، فتحديد الحقيقة لم يعد على ذلك مهمة اجتماعية بل مهمة فردية. وما دام أفراد مختلفون وصلوا إلى نتائج مختلفة، فالنتيجة نزاع، ولم تعد القرارات تلتمس عند جمعيات الأساقفة، بل في ساحة المعركة، وما دام لم يكن في وسع أحد الفريقين أن يمحو الآخر، فقد غدا واضحًا، في النهاية، أن من الواجب إيجاد طريقة للتوفيق بين النزعة الفردية العقلية والأخلاقية وبين الحياة الاجتماعية المنتظمة. وقد كانت هذه إحدى المشكلات الرئيسية التي حاولت الليبرالية المبكرة أن تحلّها.

وفي غضون ذلك نفذت الليبرالية إلى الفلسفة. فقد جعل يقين (ديكارت) الأساسي: “أنا أفكر، وإذًا أنا موجود”، أساس المعدفة مختلفة عند كل شخص، ما دامت نقطة البداية عند كل شخص هي وجوده الخاص، لا وجود الأفراد الآخرين أو الجماعة. ويتجه تأكيده على التعويل على الوضوح والتميز الاتجاه نفسه، ما دمنا نظن أننا بالاستبطان نكتشف ما إذا كانت أفكارنا واضحة ومتميزة. ومعظم الفلسفة منذ (ديكارت) كان لها فكريًا هذا الجانب الفردي بدرجة أكبر أو أقل.

بعد الحديث عن مفهوم الفردية في الفلسفة الليبرالية، ينتقل (راسل) إلى نقطة أخرى، فيقول:

لقد كانت الليبرالية المبكرة فردية في الأمور العقلية، وكذلك في الاقتصاد، ولكنها لم تكن تفرض ذاتها في الجانب الانفعالي أو الأخلاقي. هذا الشكل من الليبرالية ساد إنجلترا في القرن الثامن عشر، وسيطر على مؤسسي الدستور الأمريكي، وعلى الموسوعيين الفرنسيين. […] وكان أعظم نجاح لها في أمريكا، حيث ظلّت، دون أن يعوقها الإقطاع ولا دولة الكنيسة، سائدة من سنة 1776 حتى أيامنا، أو على أي حال، حتى سنة 1933.

ينتقل بعد ذلك إلى ذكر عدد من الفلسفات الفرعية لليبرالية، فيقول:

وثمة حركة جديدة تطورت تدريجيًا في ما هو نقيض الليبرالية، تبدأ مع (روسو) وتكتسب قوة من الحركة الرومانسية ومن مبدأ القومية. وفي هذه الحركة امتدّت الفوضوية للبيرالية وجوها صريحة وواضحة، ونموج هذه الفلسفة، عبادة البطل كما طورها (كارلايل) و(نيتشه). وقد اجتمعت فيها عناصر متعددة. فكان هناك كره النزعة الصناعية الأولى، ومقت القبح الذي ينشأ عنها، والاشمئزاز من شرورها. وكان ثمة حنين للعصور الوسطى التي أحيطت بهالة مثالية بسبب مقت العالم الحديث. وكانت هناك محاولة للجمع بين الإشادة بامتيازات الكنيسة والأرستقراطية الخابية، وبين الدفاع عن الإجراء ضد استبداد أصحاب المصانع. وكان ثمة تأييد متحمس لحق الثورة باسم النزعة القومية، ولروعة الحروب دفاعًا عن “الحرية”. وكان (بايرون) شاعر هذه الحركة، وكان (فيتشه) و(كارلاليل) و(نيتشه) فلاسفتها.

ولكن ما دمنا لا نستطيع جميعًا أن تكون لنا سيرة القادة الأبطال، ولا نستطيع أن نجعل إرادتنا الفردية تسود، فإن هذه الفلسفة مثل جميع أشكال النزعة الفوضوية الأخرى، تقود لا محالة، حين اختيارها، إلى الحكومة المستبدة لأنجح “بطل”، وحين يرسخ استبداده يقضي في الآخرين على أخلاق فرض الذات، التي ارتفع بها إلى السلطة. هذه النظرية الشاملة للحياة، هم من ثم، تدحض ذاتها، بمعنى أن اختيارها في العمل يؤدي إلى تحقيق شيء مختلف تمامًا؛ دولة ديكتاتورية يكظم فيها الفرد كظمًا صارمًا.

ولا تزال هناك فلسفة أخرى، هي في الصميم، فرع من الليبرالية، أعني بها فلسفة (ماركس). وسأنظر فيها في ما بعد، على أن يحفظ منذ الآن في الذهن.

بين الشرق والغرب، في حوارات (بهاء طاهر) مع زوجته (ستيفكا)

محمد بهاء الدين طاهر [مواليد عام 1935م] أو كما يُعرف بـ(بهاء طاهر)؛ مؤلف روائي وقاص ومترجم مصري ينتمي إلى جيل الستينيات، منح الجائزة العالمية للرواية العربية عام 2008 عن روايته (واحة الغروب) حصل على (ليسانس الآداب) في التاريخ عام 1956 من جامعة القاهرة، ودبلوم الدراسات العليا في الإعلام، شعبة إذاعة وتلفزيون سنة 1973.

تنوعت إنتاجات (بهاء طاهر) بين الروايات؛ مثل روايته (الحب في المنفى) و(قالت ضحى) و(خالتي صفية والدير)، أو القصص القصيرة؛ مثل مجموعة (أنا الملك جئت) و(لم أعرف أن الواويس تطير) و(الخطوبة)، أو الكتب الفلسفية والنقدية؛ مثل (أبناء رفاعة) و(في مديح الرواية) و(10 مسرحيات مصرية)، وأخيرًا سيرته الذاتية (السيرة في المنفى)، والتي حكى فيها عن بدايات زواجه بـ(ستيفكا)، ونقاشاته معها.

[…] كانت مترجمة في القسم الروسي، ومتخصصة في الأدب الروسي، ققلت لها:

– أحب الأدب الروسي جدًا، لكنني أقرؤه إما بالعربية، أو بلغة وسيطة كالفرنسية أو الإنجليزية، فأنا لا أقرأ ولا أتحدث الروسية.

ضحكت، شعرت بالقرب مع ضحكتها، لا أعرف، هل كانت تنتظر هذه المصادفة كي تمنحني حيوية ضحكتها وعبق هذا الجمال؟

ظللنا نتحدث عن الأدب الروسي، ظللنا لساعات، انقضت الليلة ولم نشعر بها.

ويكمل حديثه في موضع آخر: 

امتدت بيننا اللقاءات والمحادثات، كنا نتقابل ونحتسي القهوة كل صباح، نتحدث كثيرًا، في الحياة، في الفن والسينما والأدب، في كل شيء، غالبًا لم نترك شيئًا إلا وتطرقنا للحديث فيه.

[…] حكيت لها عن أبي، الرجل الأزهري الذي علمني أصول الدين، واندهشت كثيرًا عندما عبّرت لها عن التزامي الديني، قالت:

– غريب أنا يقول هذا مثقف مثالي واعٍ مثلك هذا الكلام؟

– وما الغريب؟

– أظن أن الدين في مجمله قيدٌ كبير، وإنما لا بأس، يمكنني أن أصدّق هذا، خصوصًا أن مصر في غالب ثقافتها دينية بطبعها.

اعتدلت وقلت:

– على الإطلاق، لا أحد يمكنه أن يزعم هذا. لك أن تتصوري أن مصر غير قابلة إطلاقًا لأن تتحول إلى دولة دينية، ولا ثقافتها، أنت لا تعرفين الشعب المصري في أصله، شعب معتدل، ولا تعرفين مصر في حقيقتها، الكل منسجم فيها ولا مجال للتشدد ولا للتطرف ولا للانحراف.

هزت كتفيها وابتسمت ابتسامة إما أقرب للامبالاة الممزوجة بالدهشة، وإنما أقرب لاتهامي بالسخافة، أو ربما رغبت أن تتجاوز هذه النقطة في الحوار، لعلها ظنت أننا لن نلتقي على رؤية متجانسة.

لكنها بعد قليل مالت عليّ بمكر وقالت وهي تفكر:

– لكن، ألا تجد أن أكبر مظاهر الثقافة الدينية في مصر هو اعتناق الأضرحة والتعصب والعنصرية؟ كم كنيسة أحرقت في مصر خلال السنوات العشر الأخيرة؟

قلت:

– العنصرية والتعصب موجودان في مصر قطعًا، في الشرق كله، لكننا نجدهما بشكل أوضح وأشمل في الغرب، أليس كذلك؟

– بمعنى؟

– حسنًا، وعلى سبيل المثال، لننظر إلى علاقات الاستعمار والقوة وفرض السيطرة والهيمنة، إذا كان الغرب أقوى فهو يفعل ذلك بدون النظر إلى فكرة الحياد وعدم التعصب، والعكس صحيح طبعًا، لكننا لا ننكر أن الغرب أقوى اليوم، ويفرض سيطرته على الشرق بشكل واضح! بعيدًا عن موضوع الكنائس في مصر طبعًا، فالكنائس من الطبيعي أن يكون لها في الغرب بديل ثقافي.

– لعلك غفلت عن الجوانب الإنسانية في المجتمعات الغربية، هي الجوهر في الغالب.

– ليكن، (كبلنج) يقول: “الشرق شرق والغرب غرب، ولن يلتقيا”، ربما وبشكل ما هذا المنظور صحيح، لكني ومن باب المثقف الفاعل، والحائر أحيانًا، والعاجز عن ترجمة الكثير من توجهات الغرب أيضًا، أبحث بشكل جادّ عن أوجه التشابه بين الشرق والغرب، العنصرية والتعصب وجهان حقيقيان وبارزان لهذا التشابه، وإن بدا هذا في الغرب بصورته الأكثر قبحًا، رغم تفاوت الحضارات والأزمنة وتطور مجتمعات الغرب اقتصاديًا وعلميًا وثقافيًا، لكن لا شيء استطاع أن يقتلع العنصرية كمفهوم راسخ في التعامل مع الآخر، تحديدًا الشرق.

– بالعكس، الغرب يتعامل مع هذا المنظور تحديدًا من منطلق الإخوة، هل تنكر؟

– قال (دوستويفسكي): “إن الغرب يفهم الإخوة باعتبارها قوة كبيرة محركة للإنسانية دون أن تخطر بباله أنه لا يستطيع أخذها من مكان إذا هي لم توجد في الواقع، وأن أساس الحضارة الغربية هو الفردية مقابل الطبيعة والمجتمع كله، ولا يمكن أن تنشأ الإخوة من تعارض كهذا!”.

– زمن (دوستويفسكي) ولّى والمجتمع في الغرب اليوم مؤمن بكل مبادئ الاشتراكية.

– رغم تطبيق الاشتراكية في الغرب، وبعد موت (دوستويفسكي) بعشرات السنين، لم يفلحوا في نزع العنصرية، العنصرية موجودة وحاضرة بقوة.

– الصورة ليست قاتمة هكذا (بهاء)!

– أتفق معك في هذا، كل يوم في الغرب تخوج جماعات وكيانات مناهضة للعنصرية بكل أشكالها، تدافع عن حقوق العالم الثالث بإيمان وإخلاص، ولكن صوتها خافت وعاجز وواهن مقابل الجماعات والأحزاب السياسية التي ما زالت ترفع شعارات العنصرية.

– مبادئ الإخوة هي الأبرز في المشهد السياسي الغربي.

– ظاهريًا فقط، يقول (دوستويفسكي): “من أجل أن تطبخ طبخة بلحم الأرنب فلا بد أولًا من أرنب، ولكن الأرنب غير موجود، أي لا وجود لطبيعة مؤهلة للإخوة”. 

– متأثر أنت بـ(دوستويفسكي) (بهاء) .. لو سايرت وجهة نظرك .. هل يمكن أن تطرح حلولًا لمواجهة هذا؟

– أكيد، أن تتضامن المجتمعات الشرقية التي يعاملها المجتمع الغربي بعنصرية ضد العنصرية الغربية نفسها، أن تكون فاعلة، بل أن تحارب العنصرية الغربية بمضامينها السياسية والاقتصادية التي تؤثر على المجتمعات الشرقية، لا يعني ذلك أن ندير ظهورنا للغرب، أو أن نقاطعه، فنحن – أقصد العالم الثاالث – والذي يتحتم عليه أن يعيش في مواجهة وتعارض مع الغرب، لا نستطيع أن نغلق الباب دونه، وإلا كنا نحن الخاسرين، أعني بذلك على وجه التحديد حضارة الغرب وعلمه، يتحتم علينا أن نعيش هذه المعادلة المتناقضة من المواجهة والاتصال، إذا كنا نريد أن نتقدم بالفعل، وعلى سبيل المثال اليابان والصين، استطاع كلًا من البلدين وفق طريقته أن يجابه الغرب وأن يستفيد منه، حضاريًا وثقافيًا، وحين وجد طريق خلاصه شفى الغرب من عنصريته، لو أدركنا نحن فقط كيف نحقق تلك المعادلة على طريقتنا فسنشفى أنفسنا والغرب معنا.

– لا تنس أن الغرب يخشى ما يخشى أن تفترسه الهجرات الشرعية وغير الشرعية!

– في النهاية لعلنا نشعر بحق أنه متفوق علينا، لذا نلجأ إلى الهجرة إليه، كطموح كل شرقي، ودعينا لا ننسى أن الشرق لم يزل يعتبر الغرب مستعمرًا، لم تزل تخالجه هذه الهواجس؛ إن فرضنا أنها هواجس.

– أوف .. نظرية المؤامرة (بهاء) .. أنتم الشرقيون .. أسمعها كثيرًا.

– السياسة الدولية (ستيفكا) فيها جانب كبير من التآمر، ومن لم يؤمن بنظرية المؤامرة عبر هذا التاريخ الطويل، قد يكون هو نفسه متآمرًا، أنا أراقب عن كثب ما يدور، عاصرت تجربة السنغالي (أحمد مختار إمبو)، الذي انتُخب مديرًا عامًا لمنظمة (اليونيسكو)، لعلّك عاصرت مثلي هذه التجربة المريرة، عندما وقفت أمريكا ضده، وهو مثقف كبير، ووصلت إلى حد الانسحاب من المنظمة وإلغاء اشتراكها الذي كان يمثل ربع ميزانية المنظمة عقابًا له ولمنظمة (اليونيسكو) التي تصدّت وقتها لمحاولات تهويد القدس من الجانب الأثري.

– لكن (أحمد مختار إمبو) انتُخب دورتين، وتبنى هذه القضية وساندتته بعض الدول العربية بتعويض الفرق الناتج عن سحب ميزانية أمريكا من (اليونيسكو).

– في النهاية انسحبت أمريكا عدّة سنوات عقابًا له وللمنظمة.

– المهم من انتصر في النهاية.

– عندما يكون هناك شخص صاحب قضية أو مؤمن بها يحارب حتى النهاية من أجل قضيته، مهما كانت قوة الخصم الذي يواجهه، بل يستطيع أن يكسب متى أحسن قراءة الواقع المحيط به.

هانا أرندت العمل والبحث عن السعادة

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

إن إعادة اكتشاف العمل ونشوء عالم علماني على الصعيد الحياة عامة، قد يكونان إلى حد بعيد من المواريث الثمينة الذي خلفه لنا العصر الحديث ونحن على وشك الدخول الى عالم جديد تمامًا.

ما هو مفهوم السعادة على أية حال؟ أمر لا يمكن لمسه، مجرد نفس، أو أثر زائل. تساءل (والت ويتمان) في مذكراته بعد مائة عام بالضبط  من قيام الآباء المؤسسون بنسج السعي خلف أثر زائل في قماش، وهو ما أسماه (وايتمان)؛ “آفاق أمريكا الديموقراطية”.

إن فكرة “البحث عن السعادة” لازمتنا منذ زمن حتى أصبح أمرًا معتادًا، ليس فقط كبند في الدستور الأمريكي، بل كمفهوم ثقافي شعبي غزى العالم بأشكال لا حصر لها. وحتى كهدف سياسي، فإننا غير متأكدين من مدى فهمنا له، فهو أمر غير مألوف، ونادر أيضا، مع غرابة التمييز بين الفكر العبقري من الساذج وغير متأكدين أي واحد منها قابل للإدراك.

تمت دراسة أصل وتداعيات هذا المفرد الغريب تاريخيًا من قبل المنظرة السياسية الألمانية (هانا آردنت) [1906 – 1975] في مقالة صدرت عام 1960 بعنوان “العمل والسعي لتحقيق السعادة” وجدت مقتطفات منها في (التفكير بلا عوائق؛ مقالات في الفهم 1953-1975). بعد وفاتها كتبت (آرندت) وهي لاجئة:

من بين عدة مفاجآت تخبؤه هذه الدولة للمواطنين الجدد هناك اكتشاف مدهش أكدته وثيقة الاستقلال أن “السعي لتحقيق السعادة”، هي أحد حقوق الإنسان الغير القابلة للنقاش، وبقيت هذه العبارة حتى يومنا هذا أكثر بكثير من مجرد جملة لا معنى لها في الحياة العامة والخاصة للجمهورية الأمريكية. إلى درجة وجود شيء مثل الإطار العقلي الأمريكي، الذي تأثر بشكل عميق للأفضل أو الأسوأ بحقوق الإنسان التي من الصعب نيلها، والذي على حد تعبير (هوارد مومفورد جونز) يخول الرجال بـ“امتيازات شنيعة لمواصلة واحتضان الوهم”

في الجهة المقابلة، بحثت (أرندت) قبل سنتين من أطروحتها التاريخية؛ (الدوافع السياسية لتطبيع الشر)، في كتابها أصل هذا الوعد الأمريكي للخير المطلق، وحق الإنسان الأساسي في السعادة: 

إن عظمة بيان الاستقلال … تنشأ من كونها الطريقة المثلى لأن تظهر الأفعال في كلمات. وبما أننا نتعامل هنا مع الكلمة المكتوبة وليس المنطوقة، فإننا نواجه إحدى اللحظات الاستثنائية التي تكون فيها قوة العمل كبيرة بما يكفي لإقامة نصب تذكاري خاص.

ومايصدق على بيان الاستقلال ينطبق بشكل أكبر على كتابات الرجال الذين صنعوا الثورة. كان ذلك عندما توقف عن التكلم بشكل عام وذلك أثناء تحدثه أو كتابته وفقا للأحداث الماضية أو المستقبلية، حيث كان (جيفرسون) أقرب شخص إلى تقدير العلاقة الحقيقية بين العمل والسعادة.

مثل (ويتمان)، الذي يعتقد أن الأدب هو أساس الديمقراطية، فقد استلهم الآباء المؤسسون في عصر النهضة  إلى حد كبير من الأدب والفلسفة، وخاصة من قبل “رجال المعرفة” في فرنسا في القرن الثامن عشر. تتبع (أرندت) بقولها سلسلة النفوذ الإيديولوجي عبر الزمن والمكان والثقافة، للثورة الفرنسية ونموذجها المثالي “للسعادة العامة” هو الذي استند إليه (جيفرسون). أصدر مقال قبل إعلان الاستقلال بسنتين، ناقش فيها أن الأسلاف الذين تركوا أوروبا إلى أمريكا قد جعلوا “على الأرجح الحق الذي أعطته الطبيعة للرجال لتأسيس مجتمعات جديدة بموجب القوانين والأنظمة المتعلقة بهم ، لتعزيز السعادة العامة”. ثم أدرج هذا الإصرار على السعادة بشكل واضح الى بيان الاستقلال الذي عدل سريا بطريقة ما، وتغيير صياغة الحقوق الغير قابلة للنقاش من “الحياة والحرية والملكية” إلى “الحياة والحرية والسعي لتحقيق السعادة”. إن مثل هذا التعديل الدقيق للكلمة الواحدة في اللغة يمكن أن تؤثر بشكل عميق على ثورة أيديولوجية قد تكون غريبة، ولكنها ليس غريبة كما أشارت (أرندت)، كونها لم تكن ذو تأثير في حياة (جيفرسون) وفقدت دون أن يلاحظها أحد فقد كانت تعيد توجيه الأخلاق الوطنية بأكملها على مر القرون التي تلت ذلك.

وبتركيزها على الثورة الفرنسية والمثل الذي أثرى وألهم (جيفرسون)، اكتفشت كيف أن القرن الثامن عشر كان قد فهم شكل الاستبداد والحرية السياسية واعتبار إصرار على السعادة سلعة عامة او خاصة.

وفقا للفهم القديم والنظرية السابقة لمصطلح الاستبداد، فهي الحكومة التي يحتكر فيها الحاكم لنفسه حق العمل ويحرم المواطنين من الفضاء العام الى اطار خصوصية الأسرة حيث من المفترض أن يهتموا بأعمالهم التجارية الخاصة. وبعبارة أخرى، فإن الاستبداد يحرم الرجال من السعادة والحرية العامة دون التعدي بالضرورة على المصالح الشخصية والحقوق الخاصة التي يتمتع بها. الاستبداد، وفقا للنظرية التقليدية، هو شكل من أشكال الحكم الذي يستبعد فيه الحاكم بمحض إرادته ويسعى لتحقيق مصالحه الخاصة، وبالتالي التعدي على الرفاهية الخاصة والحريات الشخصية لمواطنيه.

عندما تم التحدث عن الاستبداد و الطغيان في القرن الثامن عشر فإنه لم يكن يميز بين هاذين المصطلحين وقد تعلم حدة التمييز بين القطاعين الخاص والعام وبين السعي دون عائق للمصالح الخاصة والتمتع بالحرية العامة أو السعادة العامة، و خلال الثورات، جاء هذان المفهومان اللذان اصبحا في صراع مع بعضهما البعض.

واستنادا إلى النسب بين الثقافات وبناء على كتاباتها السابقة على أن العمل كشكل لا يمحى الفكر، وسلطت (أرندت) الضوء على العلاقة الظاهرة بين العمل والسعادة:

سيتعين على كل نظرية سياسية حديثة أن تتعامل مع الحقائق التي تم تسليط الضوء عليها أثناء الاضطرابات الثورية التي حدثت خلال المائتي عام الماضية، وتختلف هذه الحقائق بالطبع إلى حد كبير عن ما تريد الإيديولوجيات الثورية منا أن نصدقه.

[…] قد تكون إعادة اكتشاف العمل ونشوء عالم علماني في الفضاء العام للحياة من أثمن المواريث الذي ورثناه للعصر الحديث ونحن على وشك الدخول الى عالم جديد تماما.

في المجمل أن (التفكير بلا عوائق) قراءة مبهجة فكريا، حيث يستكشف تقاطع السياسة والحياة الإنسانية من زوايا متنوعة مثل الخيال، وجرائم الحرب، وإرث (إيمرسون)، ومعنى الثورة، والعلاقة بين الحقوق الخاصة والمصلحة العامة. واستكمل هذا الجزء بالذات بشأن السعادة كواجب أخلاقي مع إليزابيث باريت براوننج، ثم تناولت (أرندت) كيفية استخدام الطغاة للعزلة كسلاح للاضطهاد، والكذب في السياسة، وقوة كونك دخيلًا، وحياة العقل، وتسليط الضوء على حالة البشر من الناحية الفنية والعلمية وكيفية التفريق بينهما.


[المصدر]

الفيلسوف رينيه غينون، بين الشرق والغرب

رينيه غينون أو الشيخ عبدالواحد يحيى (1886-1951) هو علم معروف في البلاد الغربية، حصل على البكالوريا عام ١٩٠٤ قسم الرياضيات، وبدأ عام ١٩٠٦ دراسة الغيبيات، وحصل على الليسانس في الآداب قسم الفلسفة من جامعة السوربون عام ١٩١٥، ثم بدأ للإعداد لرسالة الدكتوراة حول “ليبنز والحساب التفاضلي” وفي عام ١٩١٨ بدأ يعد لدرجة الأجريجاسيون في الفلسفة.

أثّر في العديد من الكتّاب والأعلام في عصره وبعد عصره، انتقل من فرنسا ليعيش في مصر الروحانية والإسلام، رضيَ بالعُزلة والابتعاد عن الأضواء وتفرّغ للكتابة والبحث.

تتلخّص رؤيته الفكريّة في أن الغرب قد تاهَ منذ أن وصم نفسه عن ذلك الخيط التراثي الإيماني، وغاص في الماديّات وأن هذا الخيط قد تواصل في الشرق ولازال. ومن هنا يأتي كتابه (شرق وغرب) وهو دراسة للأوهام الغربيّة من خلال الحضارة والتقدم والعلم والمخاطر الحقيقية.

ويتعرّض كتابه: حكم الكمّ لمختلف الصراعات التي أدّت إلى التدهور الحالي الذي يعيشه الغرب، وذلك من خلال استعراضه للعلوم التراثية القديمة.

يرى (غينون) أن العوامّ يتّسمون دوماً بخوف تلقائي حيال كل مالايفهمونه، والخوف يولّد الكراهية بسهولة حتى حينما يجاهد المرء للإفلات منها بنفيها أو بإنكار الحقيقة التي لايفهمها. وكم من عمليات إنكار لاتُشبه صيحات الغضب الشديد من قبيل تلك التي يُطلقها  اللادينيون حيال كل مايتعلّق بالدين.

واختصاراً يُمكن القول بأن العقليّة  الحديثة مركّبة بحيث لايُمكنها احتمال أي سرّ ولاتقبل أي تحفظ. ومثل هذه الأمور لاتبدو لها إلا “مميّزات” أُقيمت لصالح بعض الأفراد، وهي عقلية لايُمكنها احتمال تفوّق أيّ فرد عليها. وإذا ماحاول شخص أن يشرح لهذه العقلية الحديثة أن هذه المميزات، كما تقول عنها، لها أسسها الراسخة في طبيعة الكائنات، فإن ذلك سيكون عبثاً لأنها عقلية ترفض بعناد تحت زعم المساواة، فهي لاتتباهى بإلغاء كل أنواع الغموض عن طريق العلم والفلسفة العقلانيّة التي وضعتها في متناول الجميع، بل كل مافي هذه العبارة من مغالطة، إلا أن عداءها للغموض قد شمل كل المجالات وامتدّ إلى مايُطلق عليه الحياة العادية.

تناول في كتابه (أزمة العالم الحديث) الدورات الكبرى التاريخية للحياة موضّحاً كيف أن الشرق بفلسفته العريقة قائم على المعرفة، بينما يقوم الغرب على الحركة الدائبة، الأمر الذي أدّى به إلى عدم التوازن الحالي.  

وحول التعارض بين الشرق والغرب يقول (غينون):

إن إحدى السمات الخاطئة بالعالم الحديث هي الانقسام بين الشّرق والغرب؛ هناك دائماً حضارات مختلفة ومتعدّدة تطوّرت كل منها بطريقتها الخاصّة وباتّجاه مايتلاءم مع استعدادات هذا الشعب  أو ذلك العرق؛ لكن التمييز لايعني تعارضاً، فيُمكن أن يكون هناك نوع من التكافؤ بين حضارات مختلفة الأشكال، إذ أنها كلها ترتكز على المبادئ الأساسيّة نفسها التي تُمثلها فقط تطبيقات مشروطة بظروف مختلفة. تلك هي حالة كلّ الحضارات التي يُمكن أن نسمّيها عادية أو تقليدية، إذ ليس بينها أيّ تعارض جوهريّ؛ والاختلافات إذا وُجدت ليست سوى ظاهريّة أو سطحيْة.

بالمقابل، إن حضارة لاتعترف بأيّ مبدأ أسمى، وليست مؤسسة في الواقع سوى على إنكار المبادئ هي منزوعة من أيّ وسيلة للتفاهم مع الآخرين، لأن هذا التفاهم لكي يكون فعّالاً وعميقاً لايُمكن أن يأتي إلا من أعلى. أيّ وبالتحديد ممّا ينقص هذه الحضارة المنحرفة وغير الطبيعية. وفي الحالة الرّاهنة للعالم لدينا، من جهة، كل الحضارات التي بقيَت أمينة للفكر التقليدي، وهي الحضارات الشرقيّة، ومن جهة أخرى، حضارة معادية للتقليد بشكل جليّ، هي الحضارة الغربيّة الحديثة.

مع ذلك، فإنّ البعض ذهب إلى حد رفض أن يكون تقسيم الإنسانيّة نفسه إلى قسمين، شرقاً وغرباً، مطابقاً للواقع؛ لكن هذا الأمر، على الأقل بالنسبة للعصر الحالي، لايبدو أنه يُمكن أن يكون موضع شكّ بشكل جديّ، أولاً، إن وجود حضارة غربية مشتركة بين أوروبا وأميركا، هو واقع يجب أن يكون العالم كله متفقاً حوله، مهما كان الحكم الذي يُمكن أن نطلقه على قيمة هذه الحضارة.

بالنسبة إلى الشرق، الأمور أكثر تعقيداً، بسبب عدم وجود حضارة واحدة عملياً بل عدّة حضارات شرقيّة؛ لكن يكفي أن تمتلك بعض السمات المشتركة وهي تلك التي تميّز ماأطلقنا عليها حضارات تقليديّة، وأن هذه السّمات لاتوجد في الحضارة الغربيّة لكي يكون التمييز وحتى التعارض بين الشرق والغرب مبرراً بشكل كامل. ومع ذلك هذه هي الحال في الواقع، والطابع التقليدي هو بالفعل مشترك بين كل الحضارات الشرقيّة.

إن التعارض بين الشرق والغرب لم يكن له من مبرّر لمّا كان لاتزال توجد في الغرب حضارات تقليدية؛ فالتعارض ليس له معنى إلا عندما يتعلق الأمر بالغرب الحديث، لأن هذا التعارض هو تعارض عقليّ أكثر من كونه تعارضاً بين كيانين جغرافيين متفاوتيّ التحديد.


للاستزادة:

  • مقالات من رينيه جينون، أ.د. زينب عبدالعزيز، دار الأنصار، ١٩٩٦م.
  • أزمة العالم الحديث، رينيه غينون، ترجمة: عدنان نجيب الدين، جمال عمّار، ٢٠١٦م.
  • الفيلسوف المسلم عبدالواحد يحيى، بقلم الإمام الأكبر عبدالحليم محمود، كنز ناشرون، ٢٠١٧م.