خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | الحضارة الغربية

كيف قامت الحضارة الغربية ؟ وماهي مشاكلها التي تعاني منها اليوم ؟ وماهو مستقبلها ؟

الفيلسوف رينيه غينون، بين الشرق والغرب

رينيه غينون أو الشيخ عبدالواحد يحيى (1886-1951) هو علم معروف في البلاد الغربية، حصل على البكالوريا عام ١٩٠٤ قسم الرياضيات، وبدأ عام ١٩٠٦ دراسة الغيبيات، وحصل على الليسانس في الآداب قسم الفلسفة من جامعة السوربون عام ١٩١٥، ثم بدأ للإعداد لرسالة الدكتوراة حول “ليبنز والحساب التفاضلي” وفي عام ١٩١٨ بدأ يعد لدرجة الأجريجاسيون في الفلسفة.

أثّر في العديد من الكتّاب والأعلام في عصره وبعد عصره، انتقل من فرنسا ليعيش في مصر الروحانية والإسلام، رضيَ بالعُزلة والابتعاد عن الأضواء وتفرّغ للكتابة والبحث.

تتلخّص رؤيته الفكريّة في أن الغرب قد تاهَ منذ أن وصم نفسه عن ذلك الخيط التراثي الإيماني، وغاص في الماديّات وأن هذا الخيط قد تواصل في الشرق ولازال. ومن هنا يأتي كتابه (شرق وغرب) وهو دراسة للأوهام الغربيّة من خلال الحضارة والتقدم والعلم والمخاطر الحقيقية.

ويتعرّض كتابه: حكم الكمّ لمختلف الصراعات التي أدّت إلى التدهور الحالي الذي يعيشه الغرب، وذلك من خلال استعراضه للعلوم التراثية القديمة.

يرى (غينون) أن العوامّ يتّسمون دوماً بخوف تلقائي حيال كل مالايفهمونه، والخوف يولّد الكراهية بسهولة حتى حينما يجاهد المرء للإفلات منها بنفيها أو بإنكار الحقيقة التي لايفهمها. وكم من عمليات إنكار لاتُشبه صيحات الغضب الشديد من قبيل تلك التي يُطلقها  اللادينيون حيال كل مايتعلّق بالدين.

واختصاراً يُمكن القول بأن العقليّة  الحديثة مركّبة بحيث لايُمكنها احتمال أي سرّ ولاتقبل أي تحفظ. ومثل هذه الأمور لاتبدو لها إلا “مميّزات” أُقيمت لصالح بعض الأفراد، وهي عقلية لايُمكنها احتمال تفوّق أيّ فرد عليها. وإذا ماحاول شخص أن يشرح لهذه العقلية الحديثة أن هذه المميزات، كما تقول عنها، لها أسسها الراسخة في طبيعة الكائنات، فإن ذلك سيكون عبثاً لأنها عقلية ترفض بعناد تحت زعم المساواة، فهي لاتتباهى بإلغاء كل أنواع الغموض عن طريق العلم والفلسفة العقلانيّة التي وضعتها في متناول الجميع، بل كل مافي هذه العبارة من مغالطة، إلا أن عداءها للغموض قد شمل كل المجالات وامتدّ إلى مايُطلق عليه الحياة العادية.

تناول في كتابه (أزمة العالم الحديث) الدورات الكبرى التاريخية للحياة موضّحاً كيف أن الشرق بفلسفته العريقة قائم على المعرفة، بينما يقوم الغرب على الحركة الدائبة، الأمر الذي أدّى به إلى عدم التوازن الحالي.  

وحول التعارض بين الشرق والغرب يقول (غينون):

إن إحدى السمات الخاطئة بالعالم الحديث هي الانقسام بين الشّرق والغرب؛ هناك دائماً حضارات مختلفة ومتعدّدة تطوّرت كل منها بطريقتها الخاصّة وباتّجاه مايتلاءم مع استعدادات هذا الشعب  أو ذلك العرق؛ لكن التمييز لايعني تعارضاً، فيُمكن أن يكون هناك نوع من التكافؤ بين حضارات مختلفة الأشكال، إذ أنها كلها ترتكز على المبادئ الأساسيّة نفسها التي تُمثلها فقط تطبيقات مشروطة بظروف مختلفة. تلك هي حالة كلّ الحضارات التي يُمكن أن نسمّيها عادية أو تقليدية، إذ ليس بينها أيّ تعارض جوهريّ؛ والاختلافات إذا وُجدت ليست سوى ظاهريّة أو سطحيْة.

بالمقابل، إن حضارة لاتعترف بأيّ مبدأ أسمى، وليست مؤسسة في الواقع سوى على إنكار المبادئ هي منزوعة من أيّ وسيلة للتفاهم مع الآخرين، لأن هذا التفاهم لكي يكون فعّالاً وعميقاً لايُمكن أن يأتي إلا من أعلى. أيّ وبالتحديد ممّا ينقص هذه الحضارة المنحرفة وغير الطبيعية. وفي الحالة الرّاهنة للعالم لدينا، من جهة، كل الحضارات التي بقيَت أمينة للفكر التقليدي، وهي الحضارات الشرقيّة، ومن جهة أخرى، حضارة معادية للتقليد بشكل جليّ، هي الحضارة الغربيّة الحديثة.

مع ذلك، فإنّ البعض ذهب إلى حد رفض أن يكون تقسيم الإنسانيّة نفسه إلى قسمين، شرقاً وغرباً، مطابقاً للواقع؛ لكن هذا الأمر، على الأقل بالنسبة للعصر الحالي، لايبدو أنه يُمكن أن يكون موضع شكّ بشكل جديّ، أولاً، إن وجود حضارة غربية مشتركة بين أوروبا وأميركا، هو واقع يجب أن يكون العالم كله متفقاً حوله، مهما كان الحكم الذي يُمكن أن نطلقه على قيمة هذه الحضارة.

بالنسبة إلى الشرق، الأمور أكثر تعقيداً، بسبب عدم وجود حضارة واحدة عملياً بل عدّة حضارات شرقيّة؛ لكن يكفي أن تمتلك بعض السمات المشتركة وهي تلك التي تميّز ماأطلقنا عليها حضارات تقليديّة، وأن هذه السّمات لاتوجد في الحضارة الغربيّة لكي يكون التمييز وحتى التعارض بين الشرق والغرب مبرراً بشكل كامل. ومع ذلك هذه هي الحال في الواقع، والطابع التقليدي هو بالفعل مشترك بين كل الحضارات الشرقيّة.

إن التعارض بين الشرق والغرب لم يكن له من مبرّر لمّا كان لاتزال توجد في الغرب حضارات تقليدية؛ فالتعارض ليس له معنى إلا عندما يتعلق الأمر بالغرب الحديث، لأن هذا التعارض هو تعارض عقليّ أكثر من كونه تعارضاً بين كيانين جغرافيين متفاوتيّ التحديد.


للاستزادة:

  • مقالات من رينيه جينون، أ.د. زينب عبدالعزيز، دار الأنصار، ١٩٩٦م.
  • أزمة العالم الحديث، رينيه غينون، ترجمة: عدنان نجيب الدين، جمال عمّار، ٢٠١٦م.
  • الفيلسوف المسلم عبدالواحد يحيى، بقلم الإمام الأكبر عبدالحليم محمود، كنز ناشرون، ٢٠١٧م.

بيسوا في كتابته عن الفن والحياة المعاصرة

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب.

كتب (بيسوا) في كتابه الأشهر (كتاب اللاطمأنينة)، والتي ترجمه الأستاذ (المهدي أخريف) إلى اللغة العربية، نصًا تحت عنوان “معيار الفن”، يقول فيه مستفتحًا:

منذ منتصف القرن الثامن عشر، أصاب الحضارة الإنسانية تدريجيًا مرض رهيب. سبعة عشر عامًا من طموح مسيحي مخدوع بصفة ثابتة. خمسة قرون من طموح وثني مؤجل بصفة دائمة؛ الكاثوليكية كانت قد تصدعت كمسيحية، النهضة كانت قد تصدعت هي الأخرى كوثنية، الإصلاح كان قد توقف كظاهرة كونية. لقد حلّت الكارثة بكل الأحلام والخزي بكل ما تم تحقيقه من إنجازات، بؤس العيش بدون حياة لائقة بالجميع، …

هذا كله مسّ الأرواح فسممها. الرعب من الفعل، الذي يجبرك أن تكون سافلًا في مجتمع خسيس، أغرق الأرواح كلها. اعتل النشاط الأعلى للروح؛ وحده النشاط الديني حافظ على حيويته؛ …

في هذه الأجواء وُلد الأدب والفن من مقومات ثانوية للفكر .. الرومانطيقية؛ وولدت حياة اجتماعية مصنوعة من مقومات ثانوية للفاعلية الإنسانية، الديموقراطية الحديثة.

الأرواح المخلوقة للقيادة لم تجد بُدًا من الإحجام. الأرواح المخلوقة للإبداع، في مجتمع توقفت فيه القوى الإبداعية، امتَلَكت في العالم التشكيلي الوحيد المريح عالم مجتمع أحلامها، امتلكت العقم الاستنباطي لذواتها هي.

يكمل بعد ذلك (بيسوا) حديثه قائلًا:

نحن نطلق صفة “رومانطيقيون” على الكبار الذين فشلوا وعلى الصغار الذين اشتهروا، على حد سواء. بينما التشابه لا يوجد سوى في العاطفة الظاهرة؛ لدى البعض تُظهر العاطفية غياب الذكاء نفسه. (شاتوبريان) و(هوغو)، و(فيني) و(ميشيليه) هم ثمار للحقبة نفسها، لكن (شاتوبريان) روحٌ كبيرة تصاغرت؛ (هوغو) هو روحٌ صغيرة تمددت مع رياح الوقت؛ (فيني) عبقري) كان عليه أن يلوذ بالفرار؛ (ميشيليه) امرأةٌ أُجبرت على أن تكون رجلًا ذا عبقرية. النزعتان معًا موجودتان متّحدتين معًا (جان جاك روسو) أب الجميع. ذكاؤه كان ذكاء رجل خلّاق، أما الحساسية، فحساسية عبد. وهو يؤكدهما معًا بالدرجة نفسها من التساوي، لكن الحساسية الاجتماعية لديه سمّمت نظرياته، فيما لم يفده الذكاء سوى في خلق بؤس تعايش بحساسية مماثلة.

(ج. ج. روسو) هو الإنسان الحديث، لكنه أكثر كمالًا من أي إنسان آخر. من نقاط الضعف التي تسببت في فشله، آه منه ومنه نحن، استخراج نقاط القوة التي صنعت نجاحاته. ما رحل منه حقق الظفر، لكن في رايات ظفره، عندما دخل المدينة شوهدت مكتوبة […] كلمة “هزيمة”. لقد تبقت منه في الوراء، وقد عجز عن الجهد الضروري لإحراز النصر، التيجان والصولجانات، وعظمة الحكم ومجد الظفر بقدرٍ باطني.

ينتقل بعد ذلك (بيسوا) من حديثه عن الحركة الرومانطيقية ككل، إلى حديثه عن الحياة المعاصرة:

العالم الذي وُلدنا فيه، يعاني من تنازل المتفوقين وعنف الأدنياء.

لا يمكن لأي نوعيةٍ رفيعة أن تثبت نفسها حداثيًا، إن على مستوى الفعل أو على مستوى التفكير، في النطاق السياسي كما في نطاق التأمل النظري.

زوال التأثير الارستقراطي خلق جوًا من الفظاظة واللامبالاة تجاه الفنون، حيث لم يعد بإمكان عيار / الشكل / العثور على ملاذ. اتصال الروح بالحياة أضحى أكثر فأكثر إيلامًا. الجهد الضروري لمواصلة الحياة يتفاقم إيلامه، لأن الشروط الخارجية للمجهود أصبحت مبغضة أكثر من ذي قبل.

انهيار المُثل الكلاسيكية جعل من جميع الفنانين مستحيلين، أي، فنانين رديئين. عندما كان معيار الفن هو البناء المتين، والمحافظة الدقيقة على القواعد، لم يكن بمستطاع القلة القليلة محاولة الانتماء إلى عالم الفن، غير أن الغالبية الكبيرة من هذه القلة كانوا فنانين جيدين بالفعل، لكن عندما أصبح الفن تعبيرًا عن الأحاسيس، بات في مستطاع أي كان أن يصبح فنانًا لأن الأحاسيس يمتلكها الجميع.

في مقالة أخرى بعنوان “الفن”، يقول (بيسوا):

الفن تهرّب من الفعل، أو من العيش. الفن هو التعبير الذهني عن الانفعال، المختلف عن الحياة التي هي التعبير الإرادي عن الانفعال. ما لا نملكه أو ما لا نجرؤ عليه، أو ما لا نحققه، بإمكاننا امتلاكه في الأحلام، التي بها نصنع الفن. أحيانًا يكون الانفعال قويًا إلى حدود معينة بحيث لا ترضيه عملية تحويله إلى فعل؛ من الانفعال، من العاطفة الفائضة عن الحاجة، والتي لم تجد لها تعبيرًا في الحياة؛ بتشكل العمل الفني. بهذا ثمة نمطين من الفنانين: فنان يعبِّر عمّا لا يملك ، وفنان يعبّر عمّا فضل له ممّا امتلك.

وأخيرًا يقول (بيسوا) في مقالة أخرى بعنوان “لغة الروح المثالية”:

الفن يجعل الآخرين يحسون بما نحسّ، يعمل على تحريريهم من ذواتهم نفسها، عارضًا عليهم شخصيتهم كمحرر خاص. ما أحسه، في الجوهر الحقيقي الذي به أحس، غير قابل للتواصل أو التوصيل بصفة مطلقة؛ وكلما ازداد عمق ما أحسه، ازدادت لاتواصليته. لكي أنقل، إذن، ما أحسه إلى الآخر، عليّ أن أترجم أحاسيسي إلى لغته، أي أن أقول أشياء معينة كما لو كانت هي ما أحسه، بحيث عندما يقرؤها هو، يحسّ بالضبط بما أحسسته. ولأن هذا الآخر، وفق فرضية الفن، ليس هذا الشخص أو ذاك، وإنما العالم كله، أي أنه مشترك مع كل الأشخاص، فإن ما ينبغي أن أفعله في النهاية هو أن أحوّل أحاسيسي إلى إحساس إنساني نموذجي بالرغم من أنني بذلك أفسد الطبيعة الحقيقية لما أحسسته.

عالم الاجتماع (السيد ياسين)؛ الإرهاب كأعلى صوت لعراك العولمة


هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

في خضم معارك التجليات الحديثة لمابعد الحداثة تأتي العولمة أولاً لفرض الهيمنة على العالم، في حين يتجذر التراث داخل الذات كصورة هويّة،
بمثابة قالب ينصب فيه مجموع الانوات، بلغة أخرى اتحاد “الأنا” مع “نحن” حيث أنها تتكون من منظومة متماسكة من المفاهيم العقائدية والتراثية، الخبرات وكل الأوضاع التي مرت بها الجماعة والتي أفرزت سلوك علمي وفكري يطبع الجماعة بصفات معينة خاصة بها دون جماعات أخرى مما يجعلها متميزة عنها في اللغة، الدين، الثقافة،لتحقيق المكانة والتميز الاجتماعي و الإنتماء الذي هو أحد الحاجات الخمس التي ذكرها (أبراهام ماسلو) في هرم الحاجات الضرورية للإنسان لتوليد الإحساس بالأمان.

ولكي نفهم الإرهاب وطبيعته وأسبابه، لابد لنا في البداية أن نحلل وندرس بعمق ظاهرة التطرف الأيديولوجي، من حيث تعريفه ومصادره ونتائجه وطرق مواجهته.
في الفكر العلمي العالمي دراسات متعددة عن التطرف الأيديولوجي والإرهاب، بحيث يحار الباحث أي دراسة يعتمد عليها إن أراد أن يقدم تعريفاً للتطرف الأيديولوجي وأبعاده المتعددة بغير أن يغوص في خضم النظريات العلمية المتعمقة بلغتها الصعبة، التي ليس من السهل على القارئ العادي أن يلم بها ويفهمها.

عالم الاجتماع المصري (السيد ياسين) رحمه الله [1933-2017]، مهتم بالتحليل السياسي و السوسيولوجي والسيكولوجي للتطرف الإيديولوجي يذكر إنه “لا يمكن فهم الظاهرة الإرهابية إلا بوضعها في سياقها العالمي ونعني التوصيف الدقيق للتحولات الكبرى التي حدثت في العالم منذ أواخر القرن العشرين
أهم هذه التحولات على الإطلاق هو الانتقال من نموذج المجتمع الصناعي الذي عاش قروناً منذ قيام الثورة الصناعية إلى النموذج المعلوماتي العولمي ويمكن القول إن هذا النموذج الجديد لم يكن يمكن خلقة إلا بعد أن قامت ثورة الاتصالات الكبرى بمفرداتها الأساسية، وهي البث الفضائي التلفزيوني، والذي جعل البشر في كل أنحاء الأرض، على رغم تعدد الثقافات، يعيشون أحداث العالم السياسية والاقتصادية والثقافية في الزمن الواقعي لها مما جعل العالم كله متصلاً بعضه ببعض.
يُطرح سؤال عن آلية فهم مجتمع المعلومات العالمي بما يتضمنه من آليات تقع على المستوى الفردي ثم الإجتماعي والسياسي؟
يسلط الضوء (ياسين) على مقتضب جوهر نظرية كاستلز:

لقد نشأ بعد اختراع الإنترنت صراع ثنائي القطبية بين «الشبكة والذات»
ويقصد بالشبكة : التشكيلات التنظيمية الجديدة التي قامت على أساس الاستخدام الواسع المدى للميديا الاتصالية المتشابكة والتي تميز أكثر القطاعات الاقتصادية المتقدمة، وينطبق ذلك على الشركات الكبرى المتنافسة تنافساً شديداً، وكذلك بالنسبة للمجتمعات المحلية والحركات الاجتماعية، وأبرزها الحركات السياسية الاحتجاجية المضادة للنظم الشمولية والسلطوية، إضافة إلى الحركات المتطرفة بمختلف تنوعاتها، والتي أصبحت تملأ ساحة المعمورة.
وعن الذات: فيُرمز لها بالأنشطة التي يحاول فيها الناس تأكيد هوياتهم، وخصوصاً أننا نعيش عصر العولمة الذي يسعى إلى توحيد النظام الاقتصادي العالمي في ضوء فلسفة الليبرالية الجديدة، كما يطمح إلى فرض ثقافة عالمية غربية المنشأ قد تؤدي إلى زوال الثقافات الوطنية المحلية.

وعن اللاعب الأساسي في عراك هذا الثنائي لمحاولة صد الاعتداء الثقافي العالمي على هوياتهم الدينية أو الثقافية يؤكد لنا المفكر (ياسين):

أن الهوية الوسيلة المثلى ضد موجات العالمية الهادرة التي تحاول القضاء على الخصوصيات الثقافية، وخصوصاً بالنسبة لشعوب العالم الثالث.
ومن هنا بزغت تشكيلات اجتماعية جديدة تدور حول الهويات «الأولية» والتي قد يكون تركيزها على الدين أو السلالة أو القومية. وهذه الهويات ينظر إليها دعاتها وكأنها خلايا بيولوجية اجتماعية جبلية غير قابلة للتغيير، وذلك في مواجهة التغيرات السريعة التي يمكن أن تلحق بالآفاق الاجتماعية.

أما عن نوع أنماط الهوية التي يتبع تعريف كاستلز بأنها عملية بناء المعنى استناداً إلى سمة ثقافية ما أو بالنسبة لمجموعة سمات ثقافية تكون لها الأسبقية بالنسبة لمصادر المعنى الأخرى وتنقسم الى ثلاث:

الأولى هي: هوية إضفاء الشرعية التي تستند إليها المؤسسات المسيطرة في المجتمع لكي تبسط رواق سيطرتها على باقي الفاعلين.

وهناك هوية المقاومة وينتجها هؤلاء الذين يشعرون أن وضعهم أو ظروفهم تؤدي إلى استبعادهم بحكم منطق الهيمنة.

أما الهوية الأخيرة فهي المشروع المستقبلي التي تصوغها الحركات الاجتماعية التي تسعى إلى التغيير الشامل والانقلابي للمجتمع قد تلجأ في مراحل تطورها إلى القيام بالإرهاب الصريح.

والسؤال عن أغنى البحوث في مجال دراسة الإرهاب وقع اختيار المفكر على ماحرره دافيد تاهلر وآخرون في عام 2003 بحث بعنوان “تحسين مستوى فهم العسكريين الأميركيين للبيئات غير المستقرة المهيأة للجماعات المتطرفة التي تمارس العنف: استبصارات من العلم الاجتماعي” 
يبين بعض محتواه (السيد ياسين) فيقول:

المبهر في هذا البحث أنه تضمن مسحاً شاملاً لكل النظريات السائدة في العلم الاجتماعي بفروعه المختلفة، والتي تتعلق ببيئات الصراع القلقة من وجهة النظر العلمية. ليس ذلك فقط ولكن البحث حدد اثني عشر عاملاً من العوامل المرتبطة بالبيئات المعرضة للصراعات وبعد ذلك قدم مصفوفات متكاملة تبين أنواع التفاعل المختلفة بين هذه العوامل، وحلل البحث ثلاث نظريات سوسيولوجية هي:

  1. نظرية الصراع: التوزيع غير المتكافئ للقوة والموارد داخل المجتمعات ينتج الصراعات. وهذه الصراعات لديها القدرة على تغيير العلاقات الاجتماعية القائمة في هذا المجتمع.
  2. نظرية الحركة الاجتماعية:تطرح الإطار التصوري لفهم كيف ولماذا ينشأ العمل الجماعي والخلاف السياسي. إذ تفترض أن الأفراد يلجأون الى العمل الجماعي عبر طرق؛ بتعبئة الموارد، وتوفير الفرص ضمن سياق سياسي عام، وصياغة رسائل وخطابات منظمي الحركة، وتجادل نظرية تعبئة الموارد بأن نشوء الحركات أو أعمال التمرد، تحتاج لوجود مؤسسة والتدفق المستمر للموارد المادية والمالية والبشرية. وبالتالي فإن نجاح الحركة يعتمد على مدى حشد هذه الموارد.
  3. نظرية «الشبكة الاجتماعية» وهي ميدان سوسيولوجي واعد لفهم واستدامة العمل الجماعي، وكذلك التمرد. فتقدم النظرية إطاراً لدراسة بناء الشبكات وقوة العلاقات بين أعضاء الشبكة، تجادل النظرية بأن بنية الشبكة ورصد العلاقات الناشئة بين أعضاء الجماعة وفي تشكيل هوية الأفراد الأكثر نفوذاً، وتقيس العلاقات والتفاعلات بين الفاعلين الأفراد داخل الشبكة، وتستخدم مخططات الشبكة لفهم تدفق السلطة والموارد؛ المال، والمرافق، المعدات، والمعلومات عبر التنظيم وكيف تؤثر الشبكة على تجنيد المؤيدين.

وفي التساؤل عن موقع تمثل مشكلة التطرف الإيديولوجي:

يذكر أن المشكلة الرئيسية بالنسبة للتطرف وخصوصاً في الصراعات الممتدة، لا تتمثل في عنف الأنشطة التي تقوم بها الجماعات المتطرفة ولكنها في الاتجاهات المتطرفة التي تتمثل في جمودها وثباتها وعدم تسامحها مع الغير، وبالتالي عدم قابليتها للتغير.

وهنا يتضح الانشطار الثقافي وتوسع دائرة الهوة بين نوعان من الإتجاهات يتبنى أحدهما الخطاب العصري والثاني التقليدي ويقرر سماته الأساسية:

أنه يتشبث بالماضي، وهذا الماضي المختار المتخيل يختلف بحسب هوية صاحب الخطاب. وهو خطاب يهرب من مواجهة الواقع، ولا يعترف بالتغيرات العالمية، أو على الأقل يحاول التهوين من شأنها، أو يدعو بصورة خطابية للنضال ضدها، بدون معرفة القوانين التي تحكمها. ومن سماته أيضا إلقاء مسئولية القصور والانحراف على القدر أو الضعف البشرى أو على الأعداء.

كالفينو: الإنسان البسيط في المجتمع الصناعي

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

عندما سمع الأديب الأميركي (جون أبدايك) بموت (إيتالو كالفينو) عام 1985 قال: “كان (كالفينو) كائنا رقيقا مثلما كان لامعا وقد أوصل الرواية إلى آفاق لم تكن لتصلها دون جهده الدائب الذي أطلق الرواية في عوالم السرد الرائعة و الموغلة في القدم”.

(إيتالو كالفينو) روائي إيطالي ولد في كوبا وقدم في أعماله صورة ساخرة لكن عميقة عن المجتمع الصناعي الغربي.

في عمله الروائي (ماركوفالدو) نرى شخصية العامل البسيط المنتقل حديثا من الريف وهو يحاول أن يتعايش مع حنينه للأرض، للمطر، للطبيعة وأن يتكيّف مع مجتمعه الصناعي الحديث:

تلك الليلة، أمطرت السماء فنهض (ماركوفالدو) مثل الفلاحين بعد أشهر عديدة من الجفاف تملؤه البهجة لدى سماعه أول قطرة من قطرات المطر. كان هو الشخص الوحيد في المدينة الذي جلس في فراشه ودعا عائلته: “إنها تمطر! إنها تمطر!“، واستنشق بعمق رائحة الغبار المبلل والرائحة الطينية الطازجة الآتية من الخارج.

تحت طغيان العالم الصناعي كان (ماركوفالدو) يبحث باستمرار عن أي أثر للطبيعة ولكنه يمر بسلسلة من المفارقات تثبت تدخل مجتمع الآلة في الحياة الفطرية البسيطة. عندما حاول أن يصطاد حماما بريا فوجئ بأنه للجيران! عندما حاول سرقة أرنب ليطعم عائلته كان مخصصا للتجارب محقون بالفيروسات! لم يكن يعرف حتى  كيف ينزّه عائلته في هذه المدينة الخرسانية!، فقرر أخذهم للتجول في “السوبرماركت”:

ولما كانوا لا يملكون أية نقود لإنفاقها، فقد اكتفوا بممارسة تسليتهم الوحيدة، ألا وهي مراقبة الآخرين أثناء تبضعهم.

اختار (كالفينو) هذه الشخصية ليكشف من خلال وعيها البسيط حدة التناقضات في المجتمع ويرينا هشاشة العلاقات الإنسانية تحت وطأة الرأسمالية:

كل يوم يقوم ساعي البريد بوضع المغلفات البريدية في صناديق بريد الحي، إلا صندوق بريد (ماركوفالدو) الذي لا يمد يده إليه أبدا، لأنه لايوجد اي شخص يكتب له. الأشياء الوحيدة التي كانت تدخل صندوق بريده هي فواتير الكهرباء والغاز، وما عدا ذلك فلم يكن للصندوق أية قيمة أو جدوى.

هل ابتكرت النساء آداب “الإتيكيت”؟

IMG_1513

كايت كيرشنير، هي كاتبة حرة، تسكن في مدينة سياتل، بالولايات المتحدة الأمريكية.

نشرت (كايت) في صحيفة HowStuffWorks مقالة قصيرة، بعنوان “هل ابتكرت النساء آداب الإتيكيت؟”، ننقلها لكم هنا بترجمة حصرية لدى ساقية. تقول (كايت) في مقالتها:

قد تواجه النساء الكثير من الضغوطات الاجتماعية مما يجعلهن يسلكن طريقاً معيناً للتعامل مع هذه الضغوط، كابتكار آداب للسلوك، لكن هل فعلياً ان النساء ابتكرت آداب السلوك او ما يسمى “الإتيكيت“؟

بالتأكيد، ستقول نعم بأن النساء ابتكرت ذلك، وقد تضيف أيضاً ان النساء ابتكرت الدردشة والتنزه في الحدائق ومشاهدة حفل توزيع الجوائز التلفزيونية معاً .

فعلينا بالطبع ان نعترف أيضاً، بأن للرجال دور في ابتكار هذا الفن في السلوك.

وكمثل العديد من العادات الاجتماعية التي كان للرجال والنساء دوراً فيها، كذلك في “الإتيكيت” فكلاهما قد ساعدا بتطوير آداب الإتيكيت على مر العصور.

في حين أننا قد نعتبر (إميلي بوست)، مؤلفة أول كتاب في عالم الإتيكيت (الإتيكيت في المجتمع، في العمل، في السياسة، وفِي المنزل)، كدليل لنا لتعلم النقاط الدقيقة لبروتوكل الزفاف أو إعداد وترتيب المائدة في العصر الحديث، فتاريخ فن الإتيكيت يثبت لنا انه لم يكن تحت الهيمنة النسائية فحسب.

ففي الواقع كان فن “الإتيكيت” دارجاً ومُطبقاً بصرامة داخل البلاط الملكي الفرنسي، وتحديداً في عهد (لويس الرابع عشر) ملك فرنسا آنذاك.

فقد كان (لويس الرابع عشر) شغوفاً جداً بالبروتوكول وبدى ذلك في خطاباته وحديثه بالتأكيد. فالتعامل بكثره مع الإتيكيت كان مرتبطاً بواقع البلاط الملكي من الوفود والضيوف من طبقات إجتماعية متفاوتة وبلدان مختلفة، مما ساعد على فرض مجموعة من القوانين والأساليب الصارمة حفظاً للكبرياء والوقار، وضماناً على أن يظهر الإحترام والمراعاة للتسلسل الطبقي الاجتماعي.

ولكن هل هذا يعني أن (لويس الرابع عشر) هو من اخترع بنفسه آداب الإتيكيت؟

قطعاً لا، فبطبيعة الحال لطالما وُجدت المجتمعات الاجتماعية، فقد ابتكرت معها قواعد وأنماط السلوك؛ فالبعض كان يستشهد من الكتاب المقدس عن بعض آداب السلوك، وفِي العصور الوسطى على سبيل المثال، لم تكن هنالك قواعد واضحة كأيهما أنسب استخدام وعاء مخصص للبصق أم البصق على الأرض، أو أياً كانت الأعجوبة! فقد كان هنالك تسلسل يتَّبع للنظافة فهي كانت ولا زالت شيء مرغوب.

وتشير بعض الحقائق إلى ان بعض انواع قواعد الإتيكيت، ابتكرت لحماية النساء نتيجة لتلك القوانين الصارمة المضطهدة للمرأة في القرن التاسع عشر، فكانت هذه القواعد بمثابة حماية للنساء ضد الاضطهاد والمعاملة القاسية اللاتي تعرضن لها. ويشير آخرون ان آداب الإتيكيت صممت للحد من بعض المضايقات؛ كالتحرش الجنسي والتمييز داخل بيئة العمل.

وبطبيعة الحال، لا تشير أي من هذه الحقائق إلى استنتاجٍ مفاده بأن المرأة وحدها ابتكرت هذه القواعد والآداب الاجتماعية، وعوضاً عن ذلك فإن الإتيكيت شيء ابتكره الناس منذ القدم ويتغير بحسب ما تقتضيه الحاجة والضرورة.

وسواءاً كان الدافع لذلك التسلسل الطبقي الاجتماعي الذي فُرض، أم  كحارس للنساء اللاتي لم يستطعن حماية أنفسهن أو مجرد وسيلة جيدة لإضفاء بعض المتعة عند كسر بعض القواعد، فبالتأكيد ان آداب الإتيكيت اختراع مشترك بين النساء والرجال.


[المصدر]