خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | الحضارة الغربية

كيف قامت الحضارة الغربية ؟ وماهي مشاكلها التي تعاني منها اليوم ؟ وماهو مستقبلها ؟

كالفينو: الإنسان البسيط في المجتمع الصناعي

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

عندما سمع الأديب الأميركي (جون أبدايك) بموت (إيتالو كالفينو) عام 1985 قال: “كان (كالفينو) كائنا رقيقا مثلما كان لامعا وقد أوصل الرواية إلى آفاق لم تكن لتصلها دون جهده الدائب الذي أطلق الرواية في عوالم السرد الرائعة و الموغلة في القدم”.

(إيتالو كالفينو) روائي إيطالي ولد في كوبا وقدم في أعماله صورة ساخرة لكن عميقة عن المجتمع الصناعي الغربي.

في عمله الروائي (ماركوفالدو) نرى شخصية العامل البسيط المنتقل حديثا من الريف وهو يحاول أن يتعايش مع حنينه للأرض، للمطر، للطبيعة وأن يتكيّف مع مجتمعه الصناعي الحديث:

تلك الليلة، أمطرت السماء فنهض (ماركوفالدو) مثل الفلاحين بعد أشهر عديدة من الجفاف تملؤه البهجة لدى سماعه أول قطرة من قطرات المطر. كان هو الشخص الوحيد في المدينة الذي جلس في فراشه ودعا عائلته: “إنها تمطر! إنها تمطر!“، واستنشق بعمق رائحة الغبار المبلل والرائحة الطينية الطازجة الآتية من الخارج.

تحت طغيان العالم الصناعي كان (ماركوفالدو) يبحث باستمرار عن أي أثر للطبيعة ولكنه يمر بسلسلة من المفارقات تثبت تدخل مجتمع الآلة في الحياة الفطرية البسيطة. عندما حاول أن يصطاد حماما بريا فوجئ بأنه للجيران! عندما حاول سرقة أرنب ليطعم عائلته كان مخصصا للتجارب محقون بالفيروسات! لم يكن يعرف حتى  كيف ينزّه عائلته في هذه المدينة الخرسانية!، فقرر أخذهم للتجول في “السوبرماركت”:

ولما كانوا لا يملكون أية نقود لإنفاقها، فقد اكتفوا بممارسة تسليتهم الوحيدة، ألا وهي مراقبة الآخرين أثناء تبضعهم.

اختار (كالفينو) هذه الشخصية ليكشف من خلال وعيها البسيط حدة التناقضات في المجتمع ويرينا هشاشة العلاقات الإنسانية تحت وطأة الرأسمالية:

كل يوم يقوم ساعي البريد بوضع المغلفات البريدية في صناديق بريد الحي، إلا صندوق بريد (ماركوفالدو) الذي لا يمد يده إليه أبدا، لأنه لايوجد اي شخص يكتب له. الأشياء الوحيدة التي كانت تدخل صندوق بريده هي فواتير الكهرباء والغاز، وما عدا ذلك فلم يكن للصندوق أية قيمة أو جدوى.

هل ابتكرت النساء آداب “الإتيكيت”؟

IMG_1513

كايت كيرشنير، هي كاتبة حرة، تسكن في مدينة سياتل، بالولايات المتحدة الأمريكية.

نشرت (كايت) في صحيفة HowStuffWorks مقالة قصيرة، بعنوان “هل ابتكرت النساء آداب الإتيكيت؟”، ننقلها لكم هنا بترجمة حصرية لدى ساقية. تقول (كايت) في مقالتها:

قد تواجه النساء الكثير من الضغوطات الاجتماعية مما يجعلهن يسلكن طريقاً معيناً للتعامل مع هذه الضغوط، كابتكار آداب للسلوك، لكن هل فعلياً ان النساء ابتكرت آداب السلوك او ما يسمى “الإتيكيت“؟

بالتأكيد، ستقول نعم بأن النساء ابتكرت ذلك، وقد تضيف أيضاً ان النساء ابتكرت الدردشة والتنزه في الحدائق ومشاهدة حفل توزيع الجوائز التلفزيونية معاً .

فعلينا بالطبع ان نعترف أيضاً، بأن للرجال دور في ابتكار هذا الفن في السلوك.

وكمثل العديد من العادات الاجتماعية التي كان للرجال والنساء دوراً فيها، كذلك في “الإتيكيت” فكلاهما قد ساعدا بتطوير آداب الإتيكيت على مر العصور.

في حين أننا قد نعتبر (إميلي بوست)، مؤلفة أول كتاب في عالم الإتيكيت (الإتيكيت في المجتمع، في العمل، في السياسة، وفِي المنزل)، كدليل لنا لتعلم النقاط الدقيقة لبروتوكل الزفاف أو إعداد وترتيب المائدة في العصر الحديث، فتاريخ فن الإتيكيت يثبت لنا انه لم يكن تحت الهيمنة النسائية فحسب.

ففي الواقع كان فن “الإتيكيت” دارجاً ومُطبقاً بصرامة داخل البلاط الملكي الفرنسي، وتحديداً في عهد (لويس الرابع عشر) ملك فرنسا آنذاك.

فقد كان (لويس الرابع عشر) شغوفاً جداً بالبروتوكول وبدى ذلك في خطاباته وحديثه بالتأكيد. فالتعامل بكثره مع الإتيكيت كان مرتبطاً بواقع البلاط الملكي من الوفود والضيوف من طبقات إجتماعية متفاوتة وبلدان مختلفة، مما ساعد على فرض مجموعة من القوانين والأساليب الصارمة حفظاً للكبرياء والوقار، وضماناً على أن يظهر الإحترام والمراعاة للتسلسل الطبقي الاجتماعي.

ولكن هل هذا يعني أن (لويس الرابع عشر) هو من اخترع بنفسه آداب الإتيكيت؟

قطعاً لا، فبطبيعة الحال لطالما وُجدت المجتمعات الاجتماعية، فقد ابتكرت معها قواعد وأنماط السلوك؛ فالبعض كان يستشهد من الكتاب المقدس عن بعض آداب السلوك، وفِي العصور الوسطى على سبيل المثال، لم تكن هنالك قواعد واضحة كأيهما أنسب استخدام وعاء مخصص للبصق أم البصق على الأرض، أو أياً كانت الأعجوبة! فقد كان هنالك تسلسل يتَّبع للنظافة فهي كانت ولا زالت شيء مرغوب.

وتشير بعض الحقائق إلى ان بعض انواع قواعد الإتيكيت، ابتكرت لحماية النساء نتيجة لتلك القوانين الصارمة المضطهدة للمرأة في القرن التاسع عشر، فكانت هذه القواعد بمثابة حماية للنساء ضد الاضطهاد والمعاملة القاسية اللاتي تعرضن لها. ويشير آخرون ان آداب الإتيكيت صممت للحد من بعض المضايقات؛ كالتحرش الجنسي والتمييز داخل بيئة العمل.

وبطبيعة الحال، لا تشير أي من هذه الحقائق إلى استنتاجٍ مفاده بأن المرأة وحدها ابتكرت هذه القواعد والآداب الاجتماعية، وعوضاً عن ذلك فإن الإتيكيت شيء ابتكره الناس منذ القدم ويتغير بحسب ما تقتضيه الحاجة والضرورة.

وسواءاً كان الدافع لذلك التسلسل الطبقي الاجتماعي الذي فُرض، أم  كحارس للنساء اللاتي لم يستطعن حماية أنفسهن أو مجرد وسيلة جيدة لإضفاء بعض المتعة عند كسر بعض القواعد، فبالتأكيد ان آداب الإتيكيت اختراع مشترك بين النساء والرجال.


[المصدر]

 

مقالة مطوّلة تستعرض قصة الإنسان والغرابة

Westworld 1

في مجلة Philosophy Now الشهيرة، نشر ليو كوكمان Leo Cookman مقالة مطوّلة، يقوم فيها بمناورة غريبة من أجل استعراض قصة الإنسان الآلي الطويلة. نعرضها لكم بترجمة حصرية لدى ساقية:


عالم الغرب Westworld:

“الغرابة” uncanny هي الكلمة التي نألفها جميعا، لكن لربما نسيء فهمها قليلا. كثيرا ما نقول حين يكون شيء/شخص ما مشابها لشيء/شخص آخر أن الشبه بينهما “غريب”، خاصة عندما يقوم شخص ما بتقليد شخص آخر. وهذا صحيح في كثير من النواحي، لكنه يستخدم عادة بشكل إيجابي في هذا المثال. قد نقول في دهشة: “إنه غريب!”. ومع ذلك عندما يكون شيء غريبا حقا فهناك بضعة أمور أكثر إثارة للقلق.
بُحث مفهوم “الغرابة” لقرون، ولكنه راج عن طريق (إرنست ينش) Ernst Jentsch في مقاله “في سايكولوجية الغرابة” 1906 و(سيجموند فرويد) Sigmund Freud في “الغرابة” Das Unheimliche 1919. إنها فكرة الشيء الذي يبدو مألوفا ولكنه ما يزال بعيدا عن كونه نفس الشيء. تعود جذور كلمة “الغرابة” uncanny إلى كلمة “خارج نطاق المعرفة” ken الأنجلوسكسونية – وما زالت تستخدم في اللهجة الأسكتلندية – والتي تعني الفهم أو المعرفة، وهكذا فإن “الغريب” يعد خارج حدود الفهم، وبشكل أساسي هو شيء لا نفهمه تماما.
نعرف جميعا ماهية الشعور بـ“الغرابة”؛ أي عندما يكون شيء/شخص ما ليس صحيحا تماما. وقد أخبر الناس عن الشعور بهذا في حضور المرضى النفسيين الذين يتصرفون تبعا للسلوك المقبول اجتماعيا ولكن الناس يعرفون بغريزتهم أنهم إنما يتظاهرون بذلك. التفكك مقلق. هذا بجانب الفكرة القائلة بأن غريزة “الغرابة” لدينا قد تطورت لمساعدتنا على تجنب الأخطار التي قد تنتج عن الشيء الذي ليس صحيحا تماما، بالإضافة إلى اختيار شركاء أفضل. كما يفترض أن هذا مرتبط أيضا بنفورنا من رؤية الجثث، التي تبدو بشرية ولكن بلا حياة في داخلها.
ومع ذلك – أو بسبب ذلك – تطورت هذه الغريزة، إنه الشعور الذي نعرفه جميعا: الشعور بالانبهار والاحتراس المزعج في الوقت نفسه. هذا النفور من كل ما هو “غريب” هو جزء من وعينا بالعالم وجزء من إدراكنا، هو الشيء الذي يجعلنا ما نحن عليه. وباستخدام لغة الفيلسوف (هيجل) Hegel، فإن الغرابة هي:

انهيار أو ضبابية في الحدود التي بيننا وبين الآخر، وهي أيضا ما نفهمه وما لا نفهمه.

على الرغم من إمكانية كونها ذات منفعة تطورية، ما زالت “الغرابة” حتى اليوم تطرح أسئلة صعبة. يعرض الموضوع جانبا مزعجا ومخجلا بشدة من السلوك الإنساني: كيف نتجنب في كثير من الأحيان هؤلاء الذين يقعون ضمن فئة  “الغرابة” بالنسبة لنا. هكذا يتعرض البشر ذووا الإعاقات الجسدية أو الذهنية إلى النبذ أو الشفقة أو التحديق فيهم بتعجب وقح، وخذ على سبيل المثال : كيف يجعل استخدام المصاب بالتوحد لأنماط من التفاعل في الوقت غير المناسب إلى إشعار الناس بالانزعاج وهو ما يُرى وكأنه ليس صحيحا تماما. أنا أرى هذا في ابن أخي المصاب باضطراب طيف التوحد والذي يفضل بشكل عجيب أن يحتضن كل شخص يقابله. قد يُعزى الشعور بالغرابة إلى بعض التفسيرات ذات الامتداد العنصري: نرى شخصا آخر لكن بإيقاع مختلف في حديثه أو بقدر غير مألوف من تعابير الوجه والملامح الأخرى، فنشعر حالا وبانزعاج بمسافة تبعدنا عنه والتي يحتمل كثيرا أن تتحول بسرعة إلى شعور بالارتياب والنفور.


ثقافة الغرابة:

يعد ما يعرف بـوادي الغرابة uncanny valley أشهر وصف للظاهرة في التاريخ الحديث. يأتي المصطلح من مخطط رسمه في الأصل أستاذ الروبوتات (ماساهيرو موري) Masahiro Mori في السبعينيات ليفسر الإحساس الغريب، المعروف تقنيا بـ“النبذ” abjection، والذي يشعر به الناس – في حدود معينة – وهو يعني أنه كلما أصبح الروبوت سهل التمييز أو نابضا بالحياة، أصبحنا مُبعَدين من قبله. ومعنى هذا، أننا سنتقبل روبوتا أو شخصية متحركة animated character ما دام يسهل تمييز أنهم ليسوا بشرا، أو إذا كان يستحيل تمييز أنهم ليسوا بشرا، أما إذا كانوا “مقاربين” للواقع، فإن تقبلنا، كما هو تقبل الآلة، يتدهور بشكل حاد. في المخطط تبدو هذه العلاقة البيانية بين الشبه البشري والتقبل كوادٍ في هذه المنطقة من “الغرابة”.
يُستخدم مفهوم “الغرابة” بكثرة في الأدب الخيالي والأفلام الخيالية، وبشكل أكبر وأكثر تأثيرا في أفلام الرعب، بخاصة تلك التي نصفها بـ“العجيبة” أو “المروعة”. فكّر بكل القتلة ذوي الأقنعة أو ذوي الوجوه المخفية بالشعر، الأطفال الذين يتصرفون بشكل غريب قليلا، النساء اللواتي ينحنين إلى الخلف أو يتحركن بطريقة تثير الذعر، التحديقات الطويلة وغير المريحة… إلخ. هذه كلها أمثلة قوية على الغرابة – شي ء يشبه الطبيعة البشرية أو حتى يتم تمثيله بواسطة بشري ولكن يبدو بوضوح أنه ليس طبيعيا تماما.
نُشاهد هذا بشكل خاص في أفلام الرعب اليابانية. إنه لمن المثير للاهتمام كيف أن “الغرابة” منتشرة جدا في الثقافة اليابانية وأن استعمالها يعتبر تقليدا هناك. يعتبر استخدامهم للأقنعة في رقصات شعائرية دينية معينة وفي المسارح، بلا ريب، شاذا بالنسبة للأعين الغربية، كما هو مكياج الغايشا geisha -راقصات يابانيات بمساحيق تجميل كثيرة على وجوههن-. ومما يثير الاهتمام أيضا أنه عندما يعاد صنع أفلام الرعب اليابانية من أجل الجماهير الغربية فهي غالبا تثير رعبا أقل بكثير، عادة لأن إعادة الصناعة تُفقد الإحساس بالغرابة الذي يحتويه الفيلم الأصلي. وبإحساس أكثر عمقا بالغرابة يتمكن صناع الأفلام اليابانيين من الوصول إلى درجة عميقة جدا من التواصل عن طريق فنهم: إن استخدامهم للانعزال والنبذ يجعل تعلقنا وقربنا من العالم الحقيقي كله أكثر وضوحا. إذا أردت أن ترى ردود فعل الناس عند رؤية شيء غريب، فقط ارتدِ قناعا يشبه الوجه البشري ومن ثم تعامل معهم في إطار التعامل اليومي. سوف تدهش بردود الفعل العميقة التي ستظهر للعيان، وبالأخص إذا كنت ترتدي قناع كاجورا الياباني Japanese Kagura mask، الذي يبدو غريبا كفاية بحد ذاته.


هل تعتقد؟

أحد الأمثلة المعاصرة الجيدة لظاهرة “الغرابة”، والذي ينحاز بشكل واعٍ غالبا إلى معناها السيكولوجي الدقيق، هو المسلسل المتقن الذي تنتجه شبكة HBO التلفزيونية المسمى بـ(عالم الغرب Westworld). 

 

(Westworld) كان في الأصل كتابا وفيلما كتبه ومن ثم أخرجه الراحل (مايكل كرايتون) Michael Crichton في العام 1973. يحكي عن حديقة للتسلية مليئة بالروبوتات androids التي تصبح ميّالة إلى القتل. أظهر الفيلم (يول برينر) Yul Brynner كإنسان آلي قاتل، والذي يسقط وجهه في النهاية كاشفا بشكل مقلق عمل الآلات خلاله. وبالتأكيد فإنه ليس من باب المصادفة أن بحث “وادي الغرابة” لـ(ياشا غايكارت) و(موري) Jasia Reichardt , Mori يعود إلى العقد نفسه. يختار المسلسل التلفزيوني الجديد سيناريو للروبوتات القاتلة كنقطة الانطلاق، لكنه يستخدمها لتبدو أكثر تعمقا في الأسئلة الكبرى: ما الذي يعنيه كونك إنسانا؟ إنه سؤال فلسفي تجريدي مقبول، ولكنه يبدو أكثر واقعية وأكثر قابلية للإجابة عند مقارنة البشر بالروبوتات التي تُدعى بـ “المضيفين” Hosts. تعتبر كيفية تفريقنا بين البشر والمضيفين عاملا مُحدِّدا للطبيعة البشرية. ومن خلال السؤال نقوم بالتأمل والبحث في الغرابة أيضا.
التمثيل في (Westworld) ممتاز، وبالأخص أداء الممثلين الذين يلعبون دور الروبوتات. إنها الدقة في تمثيل، الفارق الطفيف الذي يثير وعينا المرتبك باختلافهم عن البشر، ومع ذلك إنه لأمر صادم أن يُهدم وعينا، تاركا إيانا غير متأكدين من هو البشري ومن هو الروبوت. إن أكثر المَشاهد رعبا وإقلاقا لي كمُشاهد لم تكن تلك العنيفة والدموية، بل مشَاهد تعطيل “المضيف”، ارتعاشة المتروك، التحديق، تجمد كل المشاعر فجأة، أو الصراخ بلا أي تعبير وجهي.. هذه القائمة من الارتاعاشات لا نهاية لها على مدار المسلسل.
في حالة الرعب، فإن ما يقلقنا أكثر هي إمكانية أن يكون المعروض متواجدا في عالمنا الخاص. لا يبدو هذا وثيق الصلة بأي شيء آخر أكثر من صلته بالتقدم في مجال الذكاء الصناعي وصناعة الروبوتات. هذا هو سبب كون (Westworld) ماهرا في عرض انشقاقِنا إلى نصفين، نكون نحن النصفين كلاهما بشكل متزامن – أي نكون أنفسنا ونكون الآخرين في الوقت ذاته – مانحا إيانا وقفة للتفكر فيما الذي نتقبله كشيء حقيقي أو حتى كإنسان. يوبخ مالك الحديقة (أنتوني هوبكنز) Anthony Hopkins الطاقم القائم على بناء وإصلاح “المضيفين” في (Westworld) لتغطيتهم المضيفين بملاءات، ربما قاموا بذلك لتغطية عوراتهم، ولكن هل يعتبر هذا احتشاما للروبوتات أم احتشاما لنا، وهل يُستعمل الاحتشام كما نستعمله نحن في مشهد عري؟
يستخدم (Westworld) اقتباسا من (روميو وجولييت) Romeo & Juliet بشكل متكرر:

هذه المسرات العنيفة لها نهايات عنيفة.

من المثير للاهتمام أنه وفي الخطاب نفسه يمضي (فرايل لورنس) Friar Laurence قدما ليغلف بعناية هذه الفكرة بالغرابة قائلا:

وكذلك أحلى ألوان الشهد
نكرهه من فرط حلاوته
وتموت شهيتنا بمذاقه.


انعكاسات الغرابة:

تستخدم الغرابة خطوطا خارجية، تحدد وترسم واقعنا وإدراكنا للعالم، والذي لا يتناسب على نحو تام مع هذا القالب، يبدو غريبا ومزعجا بالنسبة لنا، فنستجيب بالـ“النبذ” Abjection. علمنا التاريخ الطبيعي أن نخاف من الذي لا نفهمه؛ ولكني أود أن أقول أنه لكي نحسّن فهمنا لأنفسنا، علينا أن نتقبل وندرس العالم الخارجي بشكل أفضل. خذ على سبيل المثال ما يقوله العلماء النفسيون، من أن أفضل طريقة لدراسة وفهم العقل البشري العادي هي دراسة علم النفس غير العادي. تنهمك الروبوتات في المسلسل التلفزيوني في رحلة باتجاه الوعي consciousness، ولكن حتى البشر لم  يفهموا بعد ما هو الوعي. إن جزءا من البحث عن فهم الوعي هو ما يسميه (دايفيد تشالميرز) David Chalmers بـ“المسألة الصعبة” the hard problem، أي كيف يمكن أن تكون هناك تجربة ذاتية. لكن الخطوة الأولى في فهم أنفسنا يجب أن تكون في مواجهة خوفنا الداخلي ورفضنا لما لا نفهمه – أي للغرابة. قد تكون هذه أصعب مسألة على الإطلاق.

حتى الآن، لا نعرف تماما من نكون، ولكننا نعرف بالتأكيد ما لا نكونه.


[المصدر]

لغة العمال والمهاجرين في سبيل الحفاظ على الحياة

man-writing-wall-hobo-code-symbols-migrant

البقاء على قيد الحياة لا يتطلب القدرة الجسدية فحسب، بل أيضاً يتطلب قدرة ً ذهنية للتواصل بشكلٍ جيد مع الآخرين، ففي آواخر القرن التاسع عشر وبعد انتهاء الحرب الأهلية الأميركية (1861-1865)، وازدياد اعداد الفقراء والمهاجرين والمشردين، من المحاربين القدامى، الذين غدوا دون مأوى، يجوبون البلاد سعياً للعمل والملجأ، معرضين لشتى المخاطر، فهم يجتازون السواحل من أجل مأوى يأويهم ولو كان ذلك لأيام ٍمعدودة .

ولهذه الحاجة ابتكر هؤلاء المهاجرون والمشردين، وسيلة للتواصل لتبقيهم على قيد الحياة، عرفت بلغة او رمز (الهوبو).

ولكن كيف كان المهاجرون يجوبون البلاد دون المال في تلك الأيام ؟

لجأ هؤلاء للقفز على القطار، كتذكرة عبور وتنقل من البلاد، وتحديداً كان المهاجر يقفز على أعلى سيارات الشحن من منطقة لأخرى، وقد يكون سعيد الحظ ويحالفه الحظ بأن يعمل بعدها لدى إحدى الشركات بدوامٍ جزئي، مما جعل من هذه المسالك مكاناً مشتركاً للعمال المهاجرين لتلبية احتياجتهم.

وبطبيعة الحال، فإن محاذاة رحلةٍ مجانية على ظهر قطار، يسير في الريف لم يكن مسعى سهل، حيث كان يعد هذا عملاً غير قانوني منذ ذلك الوقت، مما اجبر العمال على الاختباء في الأماكن الضيقة، خوفاً من الوقوع او القبض عليهم ونقلهم للسجن.

واعتماداً على الجزء الأكثر خطراً وتهديداً لحياة المهاجرين، الظروف الجوية القاسية في أشهر الشتاء، حيث يموت الكثير من التجمد لأجل البحث عن عملٍ في الْيَوْمَ التالي.

ومابين التنقل والبحث عن الوظائف، كان المهاجرون يقصدون المبيت في المباني المهجورة و المباني الأخرى الغير عادية، مما كان يعرقل على المسؤولين في الحكومة وسكان المناطق من مواصلة ملاحقتهم، لأنهم كانوا يعتبرونهم خطراً عليهم . 

مما دفع ذلك ، الى ابتكار و تطوير هذه الرموز (الهوبو) وهي تتمثل بسلسلة من الرموز والأحرف والاشكال التي استخدمها المهاجرون للتواصل مع بعضهم البعض لضمان بقاءهم على قيد الحياة. 

وساهمت هذه اللغة او الرموز بتعزيز أهمية روح التضامن والتكافل بين المهاجرين وأقرانهم.

hobo-code-symbols-museum

فاستُخدمت رموزاً باطنية تحذيرية لتفادي بعض المخاطر كـ : الكلاب الضالة، مُلاك البيوت الغير ودودين، القضاة، رجال الشرطة وأي شيء قد يعترض طريقهم ليتجنبوا هذه المخاطر.

بالإضافة الى تبادلهم بواسطة هذه الرموز لمعلوماتِ هامة وقيّمة، تكفل لهم ضيافة كريمة في احد البيوت أو رعاية صحية للمرضى منهم ومؤونةً وغيرها.

وقد ساهمت هذه الرموز بتعلم اكثر اسهل الطرق الاستغلالية، كالإشارة لبعض الكنائس التي من شأنها ان توفر لهم وجبة مجانية مقابل “حديث ديني”.

وقد كان يتم استغلال لطف الراهبة من خلال سرد أحد المهاجرين لقصته بأسلوب يرثى له، ليؤثر على مشاعرها بسهولة.

code-hobo-symbols-warnings-communicate-signs

وعلى الرغم من ان ثقافة الهوبو ممارسة تقليدية للمهاجرين، فقد بدأت تختفي في القرن العشرين، إلا انها مازالت إلى الْيَوْمَ تستخدم رموزها، فيظهر بعضها في المناطق التي عادة ما تقوم بتشغيل العمال المهاجرين، أو العمال النهاريين في الأرصفة ونقاط العبور، كما هو مبين أعلاه في الصورة لأحد الرموز في شارع بميناء لويزيانا بولاية نيو أورليانز.

والجدير بالذكر، ان مصطلح الـ(هوبو) اصبح يُعد نوعاً من الإساءة التي تُطلق على المهاجرين.


[المصدر]

تودوروف، وحديث مبسط عن فكر الأنوار

Tzvetan_Todorov-Strasbourg_2011_(3)

تزفيتان تودوروف (1939-2017) فيلسوف فرنسي-بلغاري، وُلِد في مدينة صوفيا البلغارية. وعاش في فرنسا منذ 1963 وحتى وفاته، ويكتب عن النظرية الأدبية، تاريخ الفكر، ونظرية الثقافة.

في كتاب قدّمه الأستاذ (محمد الجرطي)، حمل عنوان (تزفيتان تودوروف: نحو رؤية جديدة لحوار الحضارات)، حمل الكتاب عدة لقاءات صحفية مع (تودوروف)، بالإضافة إلى عدد من المقالات التي كتبها، والتي كُتبت عن فكره.

في مقالة كتبها (تودوروف)، حملت عنوان “لماذا نحن دومًا بحاجة إلى فكر الأنوار؟”، يقول (تودوروف) مستفتحًا:

إن فكر الأنوار المتعدد والمتناقض في كثير من الأحيان، ليس حركة فكرية متواطئة. بغض النظر عن البلد الأصلي لفكر الأنوار، فإنه ساهم في استقلال الفرد ضد السلطة والدين، ودافع عن فكرة الصالح العام والكونية. المبادئ التي ما زالت هشة ومهددة.

ثم يقول:

هل يٌعرّف فكر الأنوار بكلمات قليلة؟ تتضح التجربة من خلال المراهنة. في الواقع، دامت هذه الحركة أكثر من قرن، وهي تتطور في عدة دول بشكل خاص، وتواجه عدة آراء متناقضة.

ويتابع بعد ذلك حديثه عن فكر الأنوار:

يشكل هذا التعقيد الفكري الخاصية الأولى المميزة لسمة الأنوار، وعلى العكس مما يُفهم في أغلب الأحيان على أنه من الاختزال أن نتكلم عن فكر الأنوار وكأنه تيار فكري أحادي الجانب.

في الواقع، يحيل فكر الأنوار على عصر التأليف والتركيب الأصيل بشكل خالص، ويتشرب فكر الأنوار الإرث الفكري الذي ظهر في أوروبا منذ نهاية القرن العصر الوسيط، حيث ترسخت مقوماته خلال عصر النهضة والقرن السابع عشر. يستثمر فكر الأنوار العقلانية والنزعة التجريبية على حد سواء، عن طريق الفصل وليس الجمع. ويشيد بمعرفة القوانين الخالدة، كما هو الشأن لشعوب التاريخ. ويؤكد أيضًا على تعدد الثقافات، بدلًا من وحدانية الحضارة. في الوقت نفسه، يدافع فكر الأنوار عن العقل والأهواء، والجسد والروح، والفنون والعلوم، والاصطناعي والطبيعيو متشربًا كل مجالات الإبداع الفكري؛ من الفلسفة إلى العلوم مرورًا بالآداب والقانون والرسم.

[…]

والنتيجة، لا يمكن تعريف فكر الأنوار إلا على حساب العديد من الاختزالات التبسيطية؛ وأيًا كان التعريف الذي يتم إقراره، فسيكون في مقدورنا أن نعارضه على الدوام باستثناءات.

ما هو منشأ فكر الأنوار؟ يجيب (تودوروف) في جزء من مقالته:

يعتقد الفرنسيين في غالب الأحيان أن فكر الأنوار من صنيعتهم، ولكن الأمر ليس كذلك! في بادئ الأمر، تطورت الأفكار في ما وراء بحر المانش أو في إيطاليا، ثم تعمقت ونضجت في وقت لاحق في ألمانيا. بكل بساطة، كانت فرنسا صندوق الصدى الذي أتاح لهذه الأفكار الانتشار في ربوع العالم بفضل إشعاع العقل الفرنسي، وبفضل مفكرين من الطراز الأول على غرار (ڤولتير) أو جماعة الموسوعيين التي نتاجهلها أحيانًا في حين ظهرت كرد فعل على الموسوعة الإنجليزية التي نُشرت في وقت سابق. وبالتالي، فالوطن الحقيقي لفكر الأنوار هو أوروبا.

هل يمكن اختصار فكر الأنوار في كلمة واحدة؟

إذا أردنا أن نختزل إرث فكر الأنوار الثقافي إلى نواة صغيرة، فما الذي يجب تسليط الضوء عليه؟ فكرة الاستقلالية: إمكانية التحرر من الوصاية التي تفرض على كل فرد طريقة أحادية للتفكير والإحساس.