خلاصات هذا القسم

الأرشيف | الروحانيات والبحث عن المعنى

ما هو المعنى الكامن وراء الحياة؟ وكيف يصل المرء إلى الطمأنينة؟

حال الإيمان المعاصر برأي توفيق الحكيم

توفيق الحكيم

توفيق الحكيم (1898-1978) كاتب وأديب مصري، من رواد الرواية والكتابة المسرحية العربية ومن الأسماء البارزة في تاريخ الأدب العربي الحديث. في روايته الشهيرة (عصفور من الشرق) يتكلم على لسان (إيفان) المتشرد الفرنسي عن الإيمان وحالته المعاصرة فيقول:

إن المسئول عن انهيار مملكة السماء هم رجال الدين أنفسهم ! …  أولئك كان ينبغى لهم أن يتجردوا من كل متاع الأرض، و يظهروا فى زهدهم بمظهر المنتظر حقاً لنعيم اَخر فى السماء …  لكنا نراهم هم أول من ينعم بمملكة الأرض، و ما فيها من أكل طيب يكنزون به لحماً، و خمر معتق ينضح على وجوهم المورة، و تحت إمرتهم : السيارات يركبونها، و المرتبات يقبضونها !

إنهم يتكلمون عن السماء، و كل شئ فيهم يكاد ينطق بأنهم يرتابون فى جنة السماء، و أنهم متكالبون على جنة الأرض.

هؤلاء هم وحدهم الذين شككوا الناس فى حقيقة مملكة السماء …

إن كل ما بناه الأنبياء بزهدهم الحقيقى، و جوعهم، و عريهم، مما أقنع الناس بأن هؤلاء الرسل هم حقاً ينتظرون شيئاً فى العالم الاَخر .. جاء هؤلاء فدمروه! و كانوا أقوى دليل على كذب مملكة السماء، و خير دعاية لمملكة الأرض … و أنسوا الناس بانغماسهم فى هذه الحياة، أن هنالك شيئاً اَخر غير هذه الحياة !

نظرة محمد إقبال إلى حرية الاختيار وعلاقتها بالقدر

محمد إقبال

محمد إقبال (1877 – 1938)، هو أديب وفيلسوف إسلامي هندي. وهو شاعر، تأثير به الكثير من الأدباء العرب. وهو أوائل المنادين بفصل باكستان عن الهند في أوائل القرن الماضي.

يقول (محمد العربي بوعزيزي) في كتابه (محمد إقبال، فكره الديني والفلسفي)، مجيبًا على السؤال: كيف نظر محمد إقبال إلى مسألة حرية الاختيار وعلاقتها بالقدر؟

يقر إقبال قدرة الإنسان على اختيار أفعاله، ويذهب إلى أن تعيين مواقيت الصلاة يحقق حرية الإنسان في قيادة نفسه وامتلاك زمامها، ويحررها من آثار الآلية الموجودة في النوم والعمل بإعتبار أن الصلاة خلاص للنفس، ينقذها من الآلية إلى الحرية، ويقول في هذا الشأن: “الحق أن القرآن يقر حقيقة كبيرة الأهمية من حقائق النفس الإنسانية، تلك هي الإرتفاع والانخفاض في قدرة الإنسان على اختيار أفعاله. وهو يحرص على بقاء القدرة على حرية الاختيار في الفعل بوصفها عاملاً ثابتاً لا يتناقض في حياة النفس“.

كما أن إقبال يعترف بالقدر ويعتبره جديراً بالاعتبار، إذ القدر يعطي للنفس الإنسانية قوة عظيمة على مواجهة الضرورات التي لا مفر منها فيتقبل المرء القدر بخيره وشره وأن الإيمان طريقة حيوية تقوم على الاستجابة المطلقة لضرورات الواقع الذي يعكس الزمان المتجدد بما ينطوي عليه من خلق وإبداع. كما اعتقد أيضاً بأن الإيمان ليس مجرد اعتقاد سلبي في حكم و أحكام من نوع معين، وإنما هو طمأنينة حية متولدة عن تجربة نادرة لا يسمو إليها وإلى ماتتضمنه من (القدر) الأسمى إلا الشخصيات القوية، بحيث تفنى إرادة المؤمن في إرادة الله المطلقة ( القضاء والقدر) فتكتسب بذلك حيوية وصلابة.

 

العقل عند المتصوفة

iruxzzm

لم تدان طبقة كما يتم إدانة المتصوفة وخاصة فى العالم الإسلامى منذ قديم الأزل، فى كتاب (ولاة و أولياء) حاول (محمد حلمى عبد الوهاب) أن يلم إلماماً شاملاً بالتصوف و المتصوفة، وتأثيرهم في الحياة السياسية الإسلامية، وفى هذا الجزء من الكتاب يتكلم عن مكانة العقل عند المتصوفة من خلال أحاديثهم

قال رجل للنورى: ما الدليل على الله ؟ قال: الله . قال : فما العقل ؟ قال: العقل عاجز و العاجز لا يدل إلا على عاجز مثله، فسلطان العقل عند المتصوفة، عاجز، ناقص  وزائد، و هو متبوع متفرع لا يقوى بقوة أركانه و يزداد بزيادة سلطانه، فكيف يدرك المتناهى اللامتناهى؟ و كيف يقف الناقص على طبيعة الكامل؟

لا يقبل قول المتصوفة بنقصان العقل كما هو وبالكلية، إنما برهنوا على نقصانه وعجزه فى معرض حديثهم عن أدلة وجود الله، و كيفية الإتصال به، فلولا النور الإلهى لما عرف العقل خالقه، قال (أبو بكر السباك) : لما خلق الله العقل، قال له: من أنا؟ فسكت، فكحله بنور وحدانيته، ففتح عينيه وقال :أنت الله الذى لا إله إلا أنت، فلم يكن للعقل أن يعرف الله إلا بالله .

ويميز الحكيم الترمذى بين ثلاثة أنواع من مقامات العقل: أولها عقل الفطرة، وهو الذى يخرج الصبى والرجل من الجنون، فيعقل ما يقال له لأنه يُنهى و يؤمر، و يميز بين الخير والشر، و يعرف به الكرامة من الهوان، و الربح من الخسران .
و ثانيها عقل حجة، و به ستحق العبد من الله تعالى الخطاب، فإذا بلغ الحلم يتأكد نور العقل الذى هو وصف بنور التأييد، فيؤيد عقله، فيصل إلى خطابا لله تعالى .
و ثالثها عقل التجربة، و هو أنفعها جميعاً و أفضلها كذلك، لأنه يصير حكيماً بالتجارب، و يعرف ما لم يكن بدليل ما قد كان

و هذا هو مقام العقل عند المتصوفة بإيجاز ، وفى مقتطف أخير يعرف الكاتب التصوف بأنه :

هو – فى الأساس – استجابة لرغبة لا يمكن قمعها، استجابة صادقة للحياة الروحية، وتتجلى هذه الرغبة الجامحة بكل عنفوانها، كلما أصبحت القوى المادية طاغية مفرطة الإحكام، كما إنها لا تؤمن إلا بما يتوافق مع إقتناعاتها السياسية ومصالحها الذاتية، فيما تمثل التجربة الصوفية قوة تفرض التنوع و الاختلاف، وتقر بالفوارق الذاتية باعتبارها مكونة للشخصية وميسرة للخلق والإبداع ، ومن ثم تبذر بذور الحرية في رحم كل من أشكال التسلط والقهر والاستبداد

الاستنباط عند الصوفية

iruxzzm

أورد عبدالوهاب عزام (1894-1959) في كتابه: التصوف و فريد الدين العطار (تحميل) – ويُعد الكتاب نفيسة من نفائس المذهب الصوفي – فصلاً عن تصوّف العطار والإسلام، والعطار من كبار المتصوّفة الفارسيين وقد نظم زُهاء أربعين منظومة في التصوف و أشهرها: منظومة منطق الطير.

يُوجز عزام طريقة الصوفية في الاستنباط فيقول:

” إن الصّوفية حينما استوى مذهبهم رجعوا إلى الإسلام يُفتشون عمّا يُواتي طريقتهم من الآيات، و يستخرجون ما يُلائم تفكرهم من الدقائق، ويؤولون آياتٍ تأويلاً يُحيلها عن معانيها الظاهر إلى معانٍ باطنة.”

و قبل تبيين طريقتهم في التأويل و الاستنباط نُقدم هذه الكلمة في التأويل عامة:

قد أوّل اليهود و النصارى التوراة و الإنجيل تأويلًا يُلائم بينها و بين العقائد الدينية التي اعتقدوها، و المذاهب الفلسفية التي ذهبوا إليها، وطرق التنسّك التي سلكوها، ومن نساكهم المؤولين إسحاق النينوي.

و كذلك فعلت فرق من المسلمين: فعله الفلاسفة و الشيعة و الصوفية.

و حسبنا من الفلاسفة ابن رشد في كتابه ” فصل المقال فيما بين الحكمة و الشريعة من الاتصال “،

ففي هذا الكتاب يرى ابن رشد أن القرآن يُخاطب طبقات مختلفة من الناس؛ منهم من لايفهم إلا الظواهر و الأمور الخطابية، ومنهم الخاصة الذين يفهمون الحقائق و الأمور البرهانية، فوجب أن يلتمس معانٍ باطنة وراء المعاني الظاهرة في بعض الآيات!

و قد احتجّ لرأيه بالآية الكريمة:

( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) الآية.

أما الشيعة؛ فقد توسع بعضهم في هذا توسعاً و لاسيّما الباطنية؛ جعلوا لكل آية ظاهراً و باطناً، وأتوا ببواطن زعموها لاعلاقة بينها و بين الظواهر.

و أما الصّوفية؛ فقد ذهبوا في ميلهم المعروف إلى تجاوز الصور إلى الحقائق، و النفور من الظواهر و الأشكال، ذهبوا إلى تأويل يرد الأمور المحسوسة إلى المعنوية، أو أخذوا منها إشارات إلى أمور روحيّة.

و قد بلغ بهم التدقيق في المعاني القرآنية و الاستنباط منها أن اجتمع لهم جملة كبيرة من التفسير كما في تفسير سهل بن عبدالله التستري، بل كان من تدقيقهم و تلمّسهم الإشارات و المناسبات بين المعاني الظاهرة في الآيات و غيرها أن فهموا من الحروف المفردة دلالات، فكان فهمهم الآيات شبيهاً بالتفكير في موضوعها، والمفكّر يخرج من موضوع إلى آخر يُناسبه فيتسلسل الفكر إلى غير حدّ.

 

في كتاب ” اللمع ” لأبي نصر السراج باب للمستنبطات قال فيه:

المستنبطات ما استنبط أهل الفهم من المتحققين بالموافقة لكتاب الله – عزوجل – ظاهراً و باطناً، و المتابعة لرسول الله صلى الله ظاهراً و باطناً، والعمل بها بظواهرهم و بواطنهم.

فلما علموا من ذلك ورثهم الله – تعالى – علم مالم يعلموا، و هو علم الإشارة و علم مواريث الأعمال التي يكشف الله تعالى لقلوب أصفيائه، من المعاني المذخورة و اللطائف و الأسرار المخزونة و غرائب العلوم و طرائف الحكم في معاني القرآن و معاني أخبار رسول الله ….

 

و قال السراج في باب كيفية الاختلاف في مستنبطات أهل الحقيقة:

” إن اختلاف أهل الظاهر في الاستنباط يؤدي إلى الغلط، و الاختلاف في علم الباطن لا يؤدي إلى ذلك؛ لأنها فضائل و محاسن و مكارم، و أحوال و أخلاق و مقامات و درجات “

و معنى هذا: أن اختلاف الفقهاء – مثلاً – يؤدي إلى إصابة واحد و خطأ الآخر؛

لأنهم يبحثون عن أحكام ثابتة لأعمال معينة،

أما استنباط الصوفية فهو: أن يفهم أحدهم من أيّة إشارة إلى فضيلة أو خلق، ويفهم غيره إشارة أخرى إلى فضيلة أو خلق، وليس بين الإشارتين تعارض؛ لأن كل مافهمه المختلفون من هذه الإشارات مطلوب محبوب.

 

و ذكر السراج في باب آخر أمثلة من خطأ المستنبطين و صوابهم،

فذكر ممن أصابوا أبا بكر الشبلي: سُئل عن قوله تعالى: ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم )

فقال: ” أبصار الرؤوس عن محارم الله تعالى و أبصار القلوب عمّا سوى الله تعالى “

 

و يُعقّب السراج بقوله:

فأنت ترى أنه ذكر المعنى المقصود من الآية و تجاوزه إلى المعنى الثاني؛ و هو في نفسه حسن، ولكن لاتتضمنه الآية بالحقيقة أو المجاز، بل تدقيق الصوفية و التماسهم كل مناسبة؛ لبيان مقاصدهم أخرج من الآية هذا المعنى.

و هذا التفسير من طريق الفهم،

أما من طريق الإشارة ففي تفسير القرآن للتستري أمثلة كثيرة من تفسير الصوفية .

نورد منها على سبيل المثال لا الحصر :

 

1) في تفسير الآية: ( و اتّخذ قوم موسى من حُليّهم عِجلاً جسداً له خُوار )

” عجل كل إنسان ما أقبل عليه فأعرض به عن الله من أهلٍ وولد، ولايتخلّص من ذلك إلا بعد إفناء جميع حظوظه من أسبابه؛ كما لم يتخلص عبدة العجل من عبادته إلا بعد قتل النفوس.”

 

2) في تفسير الآية في قصة إبراهيم عليه السلام: ( و فَديْناه بذبحٍ عظيم )

” إبراهيم عليه السلام لما أحب ولده بطبع البشرية تداركه من الله فضله وعصمته حتى أمره بذبحه؛ إذ لم يكن المراد منه تحصيل الذبح، و إنما كان المقصود تخليص السر من حب غيره بأبلغ الأسباب، فلما خلص السر له و رجع عن عادة الطبع فداه بذبحٍ عظيم “

 

الخبر الديني عند د.طه عبدالرحمن

طه عبدالرحمن

طه عبد الرحمن، فيلسوف مغربي، متخصص في المنطق وفلسفة اللغة والأخلاق. حاصل على رسالتي الماجستير والدكتوراه من جامعة السوربون الفرنسية. ويعد أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في العالم الإسلامي منذ بداية السبعينيات من القرن العشرين. يتكلم في كتابه (سؤال الأخلاق) عن المنظومة الدينية فيقول:

حقيقة الدين أنه أشبه بالمؤسسة منه بالنظرية ، بل هو أصلاً مؤسسة ، ومقتضى المؤسسة أن تكون مجموعة أحكام ومعايير تحدد كيفيات العمل من أجل تلبية حاجات معينة.

ثم يتطرق بعد ذلك إلى الخبر الديني، والمغزى من ورائه:

ليس الغرض من الخبر في الدين تبليغ معلوم معين بقدر ماهو الحث على الاعتبار بهذا المعلوم، أي ليس هو الدلالة على الشيء ذاته بقدر ماهو الاستدلال بهذا الشيء على ما سواه ، أو قل بإيجاز، إن الخبر الديني هو آية قبل أن يكون حكاية.

الخبر الديني ليس خبرًا علميًا وإنما هو خبر عملي ؛ ذلك أن الدين لم يأت لكي يُعلم الناس مايمكن أن يدركوه بآلاتهم وقدراتهم المختلفة التي خلقوا بها، ولا أتى على نسق نظرية علمية حتى يمكن أن تُجرى عليها وسائل التحقيق المعلومة وإنما أتى لكي يرشد الخلق إلى الطريق التي ينبغي أن يوجّهوا بها هذه الآلات والقدرات الإنسانية حتى يستطيعوا أن يحيوا حياة طيبة في العاجل وحياة سعيدة في الآجل ؛ وذلك لأن هذه الآلات والقدرات المختلفة، بالنظر إلى ذاتها، يجوز أن تطرق كل أبواب الإمكان وتأخذ في ممارساتها كل اتجاه، إذ ليس لها من ذاتها مايحملها على فعل هذا بعينه، أو فعل هذا دون فعل ضدّه ولا مطمع في توجيهها إلا بتعيين جملة من القيم التي ينبغي لها أن تطلبها، وهي التي يتولى الخبر الديني الإعلام بها أو الإشارة إليها، فإذن لا خبر في الدين بمعزل عن قيمة قريبة أو بعيدة.