خلاصات هذا القسم

الأرشيف | الروحانيات والبحث عن المعنى

ما هو المعنى الكامن وراء الحياة؟ وكيف يصل المرء إلى الطمأنينة؟

التعادلية عند توفيق الحكيم

Tawfiq-al-Hakim

أن تقرأ لتوفيق الحكيم هو أن تتجرد عن المادة وتنفصل عن الوجود، هو أن تترك قلبك يشعر وتطلق نطاق عقلك. لتأخذك حروفه إلى ما هو أبعد من الأرض، بجولة فكرية يغلبها الشعور، وأن تحس من خلال كتاباته وكأنك تستمع لترنيمة موسيقية تدخل الفرح لنفسك فرحةً ظاهرة على وجنتيك. كأنها نغمة شجية يلحنها فنان في عصر قديم لا تميزه، يحيطه أفراداً مثلك، أفراداً مجتمعون كالعلب المتناقضة، قدموا بوابل من الأسئلة. لكن وسط اختلاف الآراء، واجتماع الاتجاهات، وتداخل الإيقاع واختلاف التحليلات وتنازع الأديان، وجدوا مدخلاً آخر للسعادة والراحة، كان بعيداً جداً عن الأفق المنظور ألا وهو التعادلية..

الفيلسوف المفكر الأديب والناقد، توفيق الحكيم بصفاته التي قلما أن تجتمع في كاتب واحد، من خلال فكره التنويري يقدم آرائه في كتاب التعادلية مع الإسلام في شكل أجوبة شافية لأسئلة القارئ النهم بخصوص مذهبه في الفن والحياة، القارئ المهتم بدراسة شخصية توفيق الحكيم فكراً وعملاً.

ففي الفكر الحر يقول:

انضمام رجل الفكر إلى حزب من الأحزاب معناه تقيده والتزامه بتفكير الحزب.. وهذا الالتزام يناقض الحرية التي هي جوهر رسالته الفكرية…. لإن التزامه بمذهب حزبه يحرمه مباشرة سلطة الفكر في المراقبة والمراجعة، هذه السلطة الحرة التي هي أساس مسؤوليته الحقيقية.. وهو بذلك إما يخضع ويرضخ لحزبه وينزل راضياَ مختاراَ عن وظيفة رجل الفكر ويصبح رجل عمل.. وإما أن يصر على الصمود والاحتفاظ بسلطة وظيفته الفكرية ويناقش أفكار حزبه ويطورها بمطلق الحرية التي تخولها له مسؤولية رجل الفكر الحر وعندئذ سيجد نفسه مفصولاَ عن الحزب ومطروداَ أو مضطهداَ.

(..)

إن عصرنا الراهن قد ابتكر طريقة يستطيع بها رجل السلطان أن يسكت رجل الفكر، فهو اليوم لا يعذبه ولا يسجنه كما كان يفعل الحكام السابقون، لكنه يستدرجه إلى حظيرة السياسة العملية فيلغي بذلك وجوده لأنك إذا أدمجت الفكر في العمل لم يعد فكراَ.. فواجب رجل الفكر إذاَ أن يحافظ على كيان الفكر وأن يصون وجوده الذاتي حراَ مستقلاَ.

وفي إيمانه و التعادلية يقول:

قطبي الحياة هما الفكر و العمل.. يجب أن يحتفظ كل منهما بقوته الذاتية في نظر المذهب التعادلي حتي يتم بينهما التوازن .. لأن هذا التوازن هو الذي يكبح جماح كل منهما و يحول دون طغيانه المفسد لكيان البشرية العمل إرادة تجمدت و تقيدت و التزمت بوضع خاص. فالالتزام إذن من صفات العمل و الحرية من صفات الفكر و الفكر الذي يلتزم ينقلب إلى عمل و هذا بالضبط هو ما يحدث في الأحزاب السياسية و الاجتماعية .. فالبرنامج الحزبي أي المذهب السياسي أو الاجتماعي هو فكر تقيد به الحزب.

أنا أحس بشعوري الداخلي أن الإنسان ليس وحده في هذا الكون.. و هذا هو الإيمان. و ليس من حق أحد أن يطلب إلى الإيمان تعليلاً أو دليلاً. فإما أن نشعر أو لا نشعر، و ليس للعقل هنا أن يتدخل ليثبت شيئاً.. و إن أولئك الذين يلجأون إلى العقل و منطقه ليثبت لهم الإيمان، إنما يسيئون إلى الإيمان نفسه. فالإيمان لا برهان عليه من خارجه. إنى أومن بأنى لست وحدي … لأنى أشعر بذلك … و لم أفقد إيماني، لأني رجل معتدل.

الرأي عندي هو إعادة النظر فى طريقة الحساب و العقاب … فيما عدا عقوبة الإعدام للقتل العمد، فهي يجب أن تبقى … لا على أنها عقوبة، بل لأنها وضع طبيعي … فطبقاً لمذهب التعادل: لا شئ يعادل حياة الإنسان غير حياة الإنسان أما بقية الجرائم التى يعاقب عليها عادة بالحرمان من الحرية: أي بالحبس و السجن، فهي التى يجب أن تتغير و توضع على أساس جديد على أساس المعادلة-لا بين الحرية والشر-بل المعادلة بين الخير والشر. أي من يرتكب فعلاً يضر الغير يجب أن يعادله بفعل ينفع الغير … و على هذا الوضع يجب أن تلغى السجون، و يقام بدلاً منها مصانع و أدوات إنتاج فمن فعل شراً بالمجموع عليه أن ينتج خيراً يفيد المجموع، دون حاجة إلى أن يطرد من مجتمعه أو يقصى عن أهله و ذويه أو يحرم من حريته فى ممارسة حياته العادية. كل ما يطلب منه هو أن يؤدي ثمن الشر الذى ارتكبه من إنتاجه … يجب أن ينتج لحساب المجتمع ما يعادل فى الزمن و الكم جسامة الشر الذى صدر منه هذا الحساب الإيجابي المنتج أفيد و أنفع للمجتمع من السجن السلبي العقيم، و هو فضلاً عن ذلك مبق لكرامة المذنب، لأنه يبقيه بين مجتمعه و أهله، أي فى البيئة الصالحة لتوبته و تحركه فى اتجاه الخير.

التفكير في معنى الحياة عند عبد الكريم سروش

soroush-berlin sorosh

 قد تلتفت إلى جانب وتغفل عن جانب آخر لا لشيء إلا أنك قد غفلت فقط . من هنا يذكر د. عبدالكريم سروش الفيلسوف والباحث الإيراني الشهير حكاية الحطّاب والأفعى في كتابه “التراث والعلمانية” تنبيهاً للغافل ومشيراً لكوامن النفوس وهو يشرح حكاية أسطورية لجلال الدين الرومي . 

عندما يطرح جلال الدين الرومي في ديوانه المثنوي قصة الحطّاب والأفعى فإنه يقصد هذا المعنى منها حيث يقول إن هذا الحطّاب عثر في الجبل على أفعى متجمدة فأخذها وجاء بها إلى المدينة ليتفرج الناسُ عليها ويكتسب بذلك بعض المال. فكان هذا الحطاب يتصور أن هذه الأفعى ميتة فجاء بها إلى إحدى مدن العراق ولكن تلك الأفعى لم تكن ميتة بل متجمدة. وعندما جاء الحطاب بهذه الأفعى إلى المدينة وضعها على الجسر ليتفرج عليها الناس الذين اجتمعوا من كل مكان ليشاهدوا هذه الأفعى وحينذاك وبسبب حرارة أشعة الشمس دبَّت الحياة في الأفعى من جديد ، وتحركت روحها وهجمت على الناس وقتلت بعض الأفراد . 

هذه الحكاية الأسطورية التي يذكرها المولوي في ديوانه المثنوي يقصد منها بيان عدة نتائج مهمة إحداها نتيجة أخلاقية وعرفانية مهم وهي أن معظم الناس يعيشون في باطنهم عناصر الرذيلة والخصال السيئة بصورة متجمدة فإذا أشرقت عليها الشمس واكتسبت حرارة منها فإنها ستحيى من جديد ولذلك من الأفضل للأشخاص الذين ما زالوا يملكون خصالاً ذميمة في أعماق وجودهم ألا يعرضوها للحرارة ، لأن تلك الحيَّات والعقارب ستنشط وستقضى على صاحبها .

وهذا الموضوع يصدق في كثير من الموادر على العاملين في الحقل السياسي معظمهم أشخاص جيدون أو عاديون ولكنهم عندما يصلون إلى مرتبة معينة أو منصب رسمي فإن شمس السياسة ستشرق على الأفاعي النائمة في أنفسهم من قبيل الأنانية والحرص وستحيى هذه الأفاعي من جديد وإذا بهذا الشخص سيتحول فجأة إلى شيطان يمارس سلوكيات عجيبة بعيدة عن القيم والمثل الإنسانية . هؤلاء الأشخاص إذا استمروا في حياتهم الطبيعية فسوف يكون حالهم حال الأشخاص الآخرين ويسلكون طريقاً معروفاً ولا يلحقون ضرراً بالآخرين ، ولكن عندما تشرق عليهم شمس العراق فإنهم ( على حد تعبير الرومي ) سيعيشون الشيطنة  ويبتلون بالآفات وهذا المعنى يصدق على كل شخص .

الأمر الآخر إن المولوي يستنتج من هذه القصة نتيجة أخرى تنفعنا في هذا البحث ، حيث يقول : انظر إلى عمل الناس حيث إنهم بدلاً من التفرِّج على أنفسهم فإنهم يتفرجون على الأفعى ، في حين أن الإنسان في حدِّ ذاته مخلوق عجيب يستحق التفرج عليه وأن سائر المخلوقات يجب أن يتفرجوا على هذا الإنسان .

إذا عاش الإنسان الغفلة في حياته من خلال وسائل المرح والترفيه الحديثة فسوف يرى أن الغاية من حياته قد تغيرت وأن الناس يهربون من التفكير في الغاية من حياتهم ولا يحبون التفكير في معنى الحياة .

آندرو نيوبيرج يوضح علاقة الدين بالتوتر

GB.AFG.06.0102

أندرو نيو بيرج -عالم الأعصاب ومؤلف “مبادئ العصبية العقائدية”- يشير إلى الأثر الحاسم للعقائد الدينية في جعل الفرد سلبياً أو إيجابياً في نظرته للعالم، ويدعو إلى تبني النظرات الأكثر إيجابية في تعاملها مع العالم ومع الآخرين.

لو نظرت إلى النصوص العالمية عن الأديان و العقائد الروحانية والعبادات وكيف ترتبط بصحة الإنسان، ترى أن الأغلبية العظمى من الدراسات تشير إلى الآثار الإيجابية حين يكون الناس مؤمنين أو روحانيين، حيث يميلون لأن يصبحوا في درجة متدنية من الضغط والتوتر ويميلون لأن يصبحوا في صحة أفضل في العموم. كما يتمكنون من التغلِّب على عديد من المسائل والمشاكل بفاعلية أكبر.

لكن في أحيانٍ أخرى من الممكن أن يكون الدين والروحانيَّة سلبيين، فعندما يكابد الناس من أجل عقائدهم الدينية والروحانية، وعندما تعصف بهم أفكار إقصائية تغذّي مشاعر الحنق والكره في الناس. هذه الحالات في الحقيقة ترفع مستوى الضغط والتوتر ، ومن الممكن أن تكون ضارةً بصحة الإنسان. إذن فواحدة من هذه الأشياء التي عادة أدفع الناس للتفكير بها هي أن ينظروا إلى معتقداتهم الدينية والروحانية التي تدفعهم للنظر إلى العالم والناس بطريقة أكثر شفقة. فهل معتقداتك تدفعك للشعور بالراحة أو بتوتر أقل أم تفعل بك العكس ؟ إذا كانت تجعلك تشعر بضغط و توتر أكبر و حنق وكرهٍ أكثر تجاه الناس ، فأظن أنه من المهم أن تعيد النظر في هذه المعتقدات.. وترى ما إذا كانت هناك معتقدات أكثر إيجابية يمكن أن تتبناها.

أظن أن هذه النصوص توضح أنه بمقدار ما يركز عقلك على العواطف الإيجابية والمشاعر الإيجابية من الشفقة والحبّ الشامل للآخرين، سيعمل عقلك بشكل أفضل، كما أن سلوكك الخارجي سيعمل بصورة أفضل. ولكنك إذا استمريت في التركيز على الجوانب السلبية من الدين -مثل فكرة أن الله غاضب عليك، أو أن أولئك الذين لا يتفقون معك في مخطئين بالكليّة كما أنهم أشراراً- هذه الأنواع من الأفكار ستؤدي بك بشكل مؤكد إلى الشعور بالكثير من التوتر والضغط. أحد الأهداف -بالنسبة لي- في بحث الإلهيّات العصبيّة (neurotheology) هو محاولة إيجاد وسائل لمعرفة الآثار السلبية والإيجابية، ومحاولة توجيه الناس لتبني نظرة إيجابية للأفكار الدينية والروحانية.

المصدر من موقع بيغ ثينك. كما يمكنك مشاهدة هذا الفيديو المترجم والمميز الذي يجيب فيه نيوبيرج عن قدرتنا الكامنة والمُبرمجة على أداء الممارسات الدينية والروحية، وعما إذا كان الإيمان بالله مغروس في تركيبة أدمغتنا البيولوجية.

الفرق بين الروح والنفس من وجهة نظر بيغوفيتش

المفكر الإسلامي علي عزت بيغوفيتش أول رئيس جمهوري لجمهورية البوسنة والهرسك بعد انتهاء الحرب، وهو ناشط سياسي وفيلسوف إسلامي، ومؤلف لعدة كتب أهمها “الإسلام بين الشرق والغرب” من تقديم عبدالوهاب المسيري وترجمة محمد يوسف عدس، يتحدث فيه عن الفرق بين الروح والنفس.

فيقول:

ولذلك، فإن هذه الروح ليست هي النفس التي يدرسها العلماء، إنها “الروح” الحقيقية التي تحتضن نُبل الإنسان ومسؤوليته. إنها الروح التي تتحدث عنها جميع الأديان وجميع الأنبياء، كما يتحدث عنها جميعا الشعراء.

الفرق بين الروح والنفس كالفرق بين الأنماط النفسية عند عالم النفس “يونغ” وبين شخصيات “دستوفسكي” في روايته “الجريمة والعقاب”. أنماط يونج كائنات بشعة. وموجودات صناعية ذات بُعدين، أما الأخرى فهم أناس حقيقيون يمزقهم الصراع بين الحرية والخطيئة، أشخاص. مخلوقات لله.